Indexed OCR Text

Pages 421-440

٢٠ - كتاب الحج
(٧٤) باب
(٩١٥) حديث
إلى منى وعرفة وأتى بالمناسك، ورجع يوم النحر لطواف الإفاضة، وهذا
الطواف أيضاً إجماعي.
قال الحافظ في ((الدراية)): حديث، ((أن النبي ﴿ لما حلق أفاض إلى
مكة وطاف بالبيت ثم عاد إلى منى)) ((مسلم)) عن ابن عمر - رضي الله عنهما -
قال: ((أفاض النبي ◌ّلر يوم النحر ثم رجع فصلى الظهر بمنى))، وله من حديث
جابر الطويل: ((ثم ركب فأفاض إلى البيت فصلى بمكة الظهر)) ولأبي داود من
حديث عائشة مثله، وأخرجه ابن حبان والحاكم، انتهى. ثم أقام النبي وَال
بمنى إلى آخر أيام التشريق.
واختلف هل كان # يطوف كل يوم من أيام منى أم لا؟ أنكره ابن القيم
في (الهدي))(١)، وقال الموفق احتجّ أبو عبد الله بحديث أبي حسان عن ابن
عباس - رضي الله عنهما -: أن رسول الله وَ ◌ّ ر كان يفيض كل ليلة، ثم في
الليلة الرابع عشرة طواف الوداع إجماعي، قد ورد فيه الروايات الكثيرة القولية
والفعلية، واختلفوا في هل ودّع مرة أو مرتين؟ إذا ثبت ذلك فقد عرفت أن
حديث الباب مؤوَّل إجماعاً، واختلفوا في تأويله على أقوال. تقدم ذكر بعضها
تحت حديث ابن عمر في الإحصار.
وقال السندي على البخاري: ظاهر الحديث أنهم إنما اقتصروا من
الطوافين اللذين طافهما السابقون على أحدهما إما الأول وإما الثاني، وليس
الأمر كذلك، بل هم أيضاً طافوا الطوافين الأول والثاني جميعاً، وذلك مما لا
خلاف فيه، وقد جاء صريحاً عن ابن عمر - رضي الله عنهما -، ففي ((مسلم))
عنه: بدأ رسول الله وَر فأهل بالعمرة، ثم أهل بالحج إلى أن قال: وطاف
رسول الله * حين قدم مكة إلى أن قال: ونحر هديه يوم النحر، وأفاض
(١) ((زاد المعاد)) (٢٨٤/٢).
٤٢١

٢٠ - كتاب الحج
(٧٤) باب
(٩١٥) حديث
وطاف بالبيت وفعل مثل ما فعل رسول الله وَللر من أهدى، ثم ذكر عن عائشة
أنها أخبرت بمثل ذلك، وأخرج الحديث البخاري أيضاً في (باب سوق البدن))،
فالمراد أنهم طافوا للركن طوافا واحداً والسابقون طافوا للركن طوافين، انتهى.
قلت: وهذا هو المعروف في توجيه الحديث عند القائلين بوحدة الطواف
للقارن .
وقال الباجي(١): قولها: ((أما الذين أهلوا بالحج أو جمعوا الحج والعمرة
فإنما طافوا طوافاً واحداً)) تريد - والله أعلم - أحد وجهين، إما أنهم لم يطوفوا
غير طواف واحد للورود، وطواف واحد للإفاضة، إن كانوا قرنوا قبل دخول
مكة، وإن كانوا أردفوا فلم يطوفوا غير طواف واحد، وهو طواف الإفاضة،
ويحتمل أن يريد بذلك أنهم سعوا لهما سعياً واحداً، والسعي يسمى طوافاً،
والوجه الثاني: أن طوافهم كان على صفة واحدة لم يزد القارن فيه على طواف
المفرد، وذلك أن القارن لم يفرد العمرة بطواف وسعي، بل طاف لهما كما
طاف المفرد للحج، وهذا نص في صحة ما ذهب إليه مالك، ومن وافقه في أن
حكم القارن في ذلك حكم المفرد، انتهى.
:
ثم قال: وهؤلاء الذين جمعوا الحج والعمرة لا يخلو أن يكونوا أهلّوا
بهما جميعاً، وأردفوا الحج على العمرة إذا أمرهم النبي ◌ّلر بذلك، فإن كانوا
ممن أهل بهما، فقد طافوا لهما طواف الورود، وسعوا بأثره، ثم طافوا لهما
بعد ذلك طواف الإفاضة ولم يسعوا بعده، وأما من أردف الحج على العمرة،
فإن كان أردفه قبل الوصول إلى مكة، فحكمه حكم من أهلّ بهما، وتقدم
حکمه .
وأما من أردفه بعد الوصول إلى مكة وقبل التلبس بالطواف، فإنه لا
(١) ((المنتقى)) (٥٩/٣).
٤٢٢

٢٠ - كتاب الحج
(٧٤) باب
(٩١٥) حديث
يطوف بالبيت ولا يسعى بين الصفا والمروة حتى يرجع من منى؛ لأنه محرم
بالحج من مكة، ومن أحرم بالحج من مكة، فليس عليه طواف ورود، فهذا
المردف لما أحرم بالحج من مكة لا تأثير لما تقدم من عمرته في الورود، ولا
في غير ذلك من الأفعال غير وجوب الدم للقران. انتهى.
وقال ابن القيم(١) بعدما حكى كلام ((المغني)) وتعقبه على مسلك الإمام
أحمد - رحمه الله -: إن المتمتع يطوف يوم النحر طوافين للورود والإفاضة
محتجاً بحديث الباب، كما تقدم كلامه قريباً، فقال ابن القيم: لم يرفع كلام
أبي محمد في ((المغني)) الإشكال، وإن كان الذي أنكره أي من تكرار الطواف
للمتمتع هو الحق كما أنكره، والصواب في إنكاره، لكن كان منشأ الإشكال أن
أم المؤمنين فرَّقت بين المتمتع والقارن، فأخبرت أن القارنين طافوا بعد أن
رجعوا من منى طوافاً واحداً، وأن الذين أهلّوا بالعمرة طافوا طوافاً آخر بعد أن
رجعوا من منى لحجهم، وهذا غير طواف الزيارة قطعاً، فإنه يشترك فيه القارن
والمتمتع، فلا فرق بينهما فيه.
لكن الشيخ أبو محمد، لما رأى قولها في المتمتعين: إنهم طافوا طوافاً
آخر بعد أن رجعوا من منى، قال: ليس في هذا ما يدل على أنهم طافوا
طوافين، والذي قاله حق، لكن لم يرفع الإشكال. فقالت طائفة: هذه الزيادة
من كلام عروة أو ابنه هشام أدرجت في الحديث، وهذا لا يتبين، ولو كان
فغايته أنه مرسل، ولم يرتفع الإشكال عنه بالإرسال، فالصواب أن الطواف
الذي أخبرت به عائشة - رضي الله عنها -، وفرقت به بين المتمتع والقارن هو
الطواف بين الصفا والمروة، لا الطواف بالبيت، وزال الإشكال جملة،
فأخبرت عن القارنين أنهم اكتفوا بطواف واحد بينهما، لم يضيفوا إليه طوافاً
آخر يوم النحر، وهذا هو الحق، وأخبرت عن المتمتعين أنهم طافوا بينهما
(١) انظر: ((زاد المعاد)) (٢٥١/٢، ٢٥٢).
٤٢٣

٢٠ - كتاب الحج
(٧٤) باب
(٩١٥) حديث
طوافاً آخر بعد الرجوع من منى للحج، وذلك الأول كان للعمرة، وهذا قول
الجمهور.
لكن يشكل عليه حديث جابر الذي رواه مسلم في (صحيحه)): ((لم يطف
النبي ◌َ﴾ ولا أصحابه بين الصفا والمروة إلا طوافاً واحداً، طوافه الأول)).
هذا يوافق قول من يقول: يكفي المتمتع سعي واحد، كما هو إحدى الروايتين
عن أحمد، نص عليها في رواية ابنه عبد الله وغيره، وعلى هذا، فيقال: أثبتت
عائشة - رضي الله عنها -، وجابر نفى، والمثبت مقدم على النافي، أو يقال:
مراد جابر من قرن من أصحابه مع النبي ول# وساق الهدي، كأبي بكر وعمر
وطلحة وعلي وذوي اليسار رضي الله عنهم، فإنهم سعوا سعياً واحداً، وليس
المراد به عموم الصحابة، أو يعلل حديث عائشة - رضي الله عنها - بأن تلك
الزيادة فيه مدرجة من قول هشام، وهذه ثلاث طرق للناس في حديثها، - والله
أعلم - انتھی.
قلت: وأومأ إلى ذلك أبو داود، وأيضاً في ((سننه)) (١) إذ ذكر اختلاف
الرواة في ذكر الزيادة، فقال بعدما ذكر حديث مالك عن الزهري عن عروة عن
عائشة بذكر الطواف، قال أبو داود: رواه إبراهيم بن سعد ومعمر عن ابن
شهاب نحوه، لم يذكروا طواف الذين أهلّوا بعمرة، وطواف الذين جمعوا
الحج والعمرة.
وأوله العارف بالله المجاهد في سبيل الله شيخ الهند - رحمه الله - بأن
المراد أنهم طافوا للإحلال عن الحج والعمرة طوافاً واحداً، يعني أن القارن
يكون مهلًا بإحرامين، والطواف يكون محلًّا للإحرام، فكان مقتضاه أن يكون
المحل طوافين للإحرامين، كما وقع للمتمتعين، لكن القارن يكفي له للتحلل
عن الإحرامين طواف واحد.
(١) ((سنن أبي داود)) (١٥٢/٢) و((بذل المجهود)) (٣٨٩/٨).
٤٢٤

٢٠ - كتاب الحج
(٧٤) باب
(٩١٥) حديث
وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ،
عَنْ عَائِشَةَ، بِمِثْلِ ذَلِكَ .
أخرجه البخاريّ في: ٢٥ - كتاب الحج، ٣١ - باب كيف تهلّ الحائض والنفساء.
ومسلم في: ١٥ - كتاب الحج، ١٧ - باب بيان وجوه الإحرام، حديث ١١١.
وقال العيني(١): في الحديث حجة لمن قال: الطواف الواحد والسعي
الواحد يكفيان للقارن، وهو مذهب عطاء والحسن وطاووس، وبه قال مالك
وأحمد والشافعي وإسحاق وأبو ثور وداود. وقال مجاهد، وجابر بن زيد،
وشريح القاضي، والشعبي، ومحمد بن علي بن حسين، والنخعي، والأوزاعي،
والثوري، والأسود بن يزيد، والحسن بن حي، وحماد بن سلمة، وحماد بن
سليمان، والحكم بن عيينة، وزياد بن مالك، وابن شبرمة، وابن أبي ليلى،
وأبو حنيفة، وأصحابه: لا بد للقارن من طوافين وسعيين، وحكي ذلك عن
عمر وعلي وابنيه: الحسن والحسين وابن مسعود، وهو رواية عن أحمد.
وروى مجاهد عن ابن عمر أنه جمع بين الحج والعمرة، وطاف لهما
طوافين وسعى سعيين، وقال: هكذا رأيت و لم يصنع كما صنعت، وعن علي
- رضي الله عنه - أنه جمع بينهما، وفعل ذلك، ثم قال: هكذا رأيت
رسول الله (18، وكذا عن علقمة عن ابن مسعود قال: طاف رسول الله وَله
بعمرته وحجته طوافين، وسعى سعيين، وأبو بكر، وعمر، وعلي - رضي الله
عنهم -، ورواه الدارقطني أيضاً من حديث عمران بن حصين وضعفه، انتهى.
وقال الزرقاني(٢): رواها كلها الدارقطني، لا يصح الاحتجاج بها لما في
أسانيد كل منها من الضعف، وقال الحافظ: لكن روى الطحاوي وغيره مرفوعاً
عن علي وابن مسعود ذلك بأسانيد لا بأس بها إذا اجتمعت، انتهى.
(مالك، عن ابن شهاب، عن عروة بن الزبير، عن عائشة بمثل ذلك) أي
(١) انظر: ((عمدة القاري)) (٨٩/٧).
(٢) ((شرح الزرقاني)) (٣٧٦/٢).
٤٢٥

٢٠ - كتاب الحج
(٧٤) باب
(٩١٦) حديث
٢٢٤/٩١٦ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ
الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ؛ أَنَّهَا قَالَتْ: قَدِمْتُ مَكَّةَ وَأَنَا حَائِضٌ،
فَلَمْ أَطْفْ بِالْبَيْتِ، وَلَا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، فَشَكَوْتُ ذُلِكَ إِلَى
رَسُولِ اللَّهِ ﴿ فَقَالَ: ((افْعَلِي مَا يَفْعَلُ الْحَاجُّ
بمثل ما تقدم من رواية مالك، عن عبد الرحمن بن القاسم، وتقدم في أول حديث
عبد الرحمن ما قال ابن عبد البر: إن الرواية لجميع رواة ((الموطأ)) من رواية مالك
عن ابن شهاب بهذا السند لا بالسند الماضي، زاد الزرقاني فيما حكى عن ابن
عبد البر: ویمکن أنه عند مالك بالإسنادين، فذكرهما لما حدّث به يحيى.
٢٢٤/٩١٦ - (مالك، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه) القاسم بن
محمد بن أبي بكر الصديق (عن عائشة زوج النبي ◌َّير أنها قالت: قدمت مكة)
في حجة الوداع، وكنت ممن أهل لعمرة، كما ورد في الروايات (وأنا حائض)
جملة حالية (فلم أطف بالبيت) لأنها صلاة، ولأن الحائض ممنوع من دخول
المسجد أو اللبث فيه (ولا بين الصفا والمروة) لتوقفه على سبق الطواف، وإن
لم تكن الطهارة شرطاً في صحته، كما تقدم البسط في ذلك في ((باب ما تفعل
الحائض في الحج)) (فشكوت ذلك) أي الامتناع عن الطواف والسعي (إلى
رسول الله وَّة) وفي رواية عبد العزيز بن الماجشون عن عبد الرحمن بن القاسم
بهذا السند عند مسلم: ((فدخل عليّ رسول الله وَّل﴾ وأنا أبكي، فقال ما يبكيك؟
فقلت: والله لوددت أني لم أكن خرجت العام، قال لعلك نفست؟ قلت: نعم.
قال: هذا شيء كتبه الله على بنات آدم))، الحديث(١).
(فقال) وَّر دعي العمرة وأهلِّي بالحج و(افعلي ما يفعل الحاج) من
الوقوف بعرفة، وجمع، ورمي الجمار، وغير ذلك، قال الباجي (٢): تريد أن
طواف العمرة منع منه حيضها، فشكت ذلك إلى رسول الله و ◌َله، فأمرها أن
(١) أخرجه مسلم (١٢١١).
(٢) ((المنتقى)) (٦٠/٣).
٤٢٦

٢٠ - كتاب الحج
(٧٤) باب
(٩١٦) حديث
غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ، وَلَا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ حَتَّى تَظْهُرِي)).
أخرجه البخاريّ في: ٢٥ - كتاب الحج، ٨١ - باب تقضي الحائض المناسك
كلها، إلا الطواف بالبيت.
تفعل ما يفعل الحاج، ولا يكون ذلك إلا أن يردف الحج على العمرة، فتفعل
أفعال الحج كلها من الوقوف بعرفة، والمبيت بالمزدلة، والوقوف بها، ورمي
الجمار، والنحر وغير ذلك، انتهى.
(غير أنك لا تطوفي بالبيت، ولا بين الصفا والمروة) قال ابن عبد البر في
(التقصي))(١): هكذا قال يحيى عن مالك في هذا الحديث: ولا بين الصفا
والمروة حتى تطهري، وسائر رواة ((الموطأ)» إنما يقولون: غير أن لا تطوفي
بالبيت حتى تطهري، ولا يذكرون: ((ولا بين الصفا والمروة))، انتهى.
وترجم البخاري في ((صحيحه)): (باب تقضي الحائض المناسك كلها إلا
الطواف بالبيت وإذا سعى على غير وضوء بين الصفا والمروة))، قال الحافظ (٢):
جزم بالحكم الأول لتصريح الأخبار التي ذكرها في الباب بذلك، وأورد المسألة
الثانية مورد الاستفهام للاحتمال، وكأنه أشار إلى ما روي عن مالك في حديث
الباب بزيادة: ((وبين الصفا والمروة)) قال ابن عبد البر: لم يقله أحد عن مالك
إلا يحيى بن يحيى التميمي النيسابوري، قال الحافظ: فإن كان يحيى حفظه، فلا
يدل على اشتراط الوضوء للسعي؛ لأن السعي يتوقف على تقدم الطواف، فإذا
كان الطواف ممتنعاً امتنع لذلك لا لاشتراط الطهارة له، وقال ابن بطال: كان
البخاري فهم أن قوله وَل﴾ لعائشة: ((افعلي ما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي
بالبيت)) أن لها أن تسعى، ولذا قال: وإذا سعى على غير وضوء، قال الحافظ :
وهو توجيه جيد لا يخالف التوجيه الذي قدمته، انتهى.
(حتى تطهري) قال الزرقاني: بسكون الطاء وضم الهاء، كذا فيما وقفت
(١) (ص١٠٣).
(٢) ((فتح الباري)) (٥٠٤/٣).
٤٢٧

٢٠ - كتاب الحج
(٧٤) باب
(٩١٦) حديث
عليه من الأصول، قاله بعض الشراح، وقال الحافظ: بفتح التاء والطاء المهملة
والهاء المشددين على حذف إحدى التائين، أصله تتطهري، ويؤيده رواية مسلم
بلفظ: (حتى تغتسلي))، انتهى.
واختلف في موضع طهرها بعدما اتفقوا على أنها حاضت بسرف.
قال الزرقاني(١): وفي ((مسلم)) عن مجاهد عنها: ((أنها طهرت بعرفة))،
وعن القاسم عنها: ((وطهرت صبيحة ليلة عرفة حين قدمنا منى))، وله عنه أيضاً:
((فخرجت في حجتي حتى نزلنا منى فتطهرت ثم طفنا بالبيت))، فاتفقت
الروايات كلها على أنها طافت طواف الإفاضة يوم النحر، وجمع بين رواية
مجاهد والقاسم أنها ما رأت الطهر إلا بعد أن نزلت منى، وقول ابن حزم:
حاضت يوم السبت لثلاث خلون من ذي الحجة، وطهرت يوم السبت عاشره،
إنما أخذه من روايات مسلم المذكورة، انتهى.
وقال ابن القيم (٢): أما موضع حيضها فهو بسرف بلا ريب، وموضع
طهرها قد اختلف فيه، فقيل: بعرفة هكذا روى مجاهد عنها، وروى عروة أنها
أظلّها يوم عرفة وهي حائض، ولا تنافي بينهما، والحديثان صحيحان قد
حملهما ابن حزم على معنيين، فطهر عرفة هو الاغتسال للوقوف عنده. قال:
لأنها قالت: تطهرتُ بعرفة، والتطهر غيرُ الطهر، قال: وقد ذكر القاسم يوم
طهرها أنه يوم النحر، وحديثه في ((صحيح مسلم)) قال: وقد اتفق القاسم وعروة
على أنها كانت يوم عرفة حائضاً، وهما أقرب الناس منها .
وقد روى أبو داود حدثنا محمد بن إسماعيل ثنا حماد بن سلمة عن
هشام بن عروة عن أبيه عنها بلفظ: ((فلما كانت ليلة البطحاء طهرت عائشة
(١) ((شرح الزرقاني)) (٣٧٧/٢).
(٢) ((زاد المعاد)) (١٦٤/٢).
٤٢٨

٢٠ - كتاب الحج
(٧٤) باب
(٩١٦) حديث
قَالَ مَالِكٌ، فِي الْمَرْأَةِ الَّتِي تُهِلُّ بِالْعُمْرَةِ، ثُمَّ تَدْخُلُ مَكَّةَ مُوَافِيَةً
لِلْحَجِّ وَهِيَ خَائِضٌ، لَا تَسْتَطِيعُ الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ: إِنَّهَا إِذَا خَشِيَتِ
الْفَوَاتَ، أَهَلَّتْ بِالْحَجِّ
- رضي الله عنها - وهذا إسناد صحيح(١)، لكن قال ابن حزم: إنه حديث
منكر، مخالف لما روى هؤلاء كلهم عنها، وهو قوله: ((إنها طهرت ليلة
البطحاء)) وليلة البطحاء كانت بعد يوم النحر بأربع ليال، وهذا محال إلا أننا
لما تدبرنا وجدنا هذه اللفظة ليست من كلام عائشة - رضي الله عنها - فسقط
التعلق بها؛ لأنها هي مما دون عائشة - رضي الله عنها - وهي أعلم بنفسها .
قال: وقد روى حديث حماد بن سلمة هذا وهيب بن خالد وحماد بن
زيد فلم يذكرا هذه اللفظة، قال: ويتعين تقديم حديث حماد بن زيد ومن معه
على حديث حماد بن سلمة بوجوه.
أحدها: أنه أحفظ وأثبت من حماد بن سلمة.
الثاني: أن حديثهم فيه إخبارها عن نفسها، وحديثه فيه الإخبار عنها .
الثالث: أن الزهري روى عن عروة عنها الحديث، وفيه: ((فلم أزل
حائضاً حتى كان يوم عرفة)) وهذه الغاية هي التي بينها مجاهد والقاسم عنها،
لكن قال عنها: فتطهرت بعرفة، والقاسم قال: يوم النحر، انتهى.
(قال مالك، في المرأة) زاد في النسخ الهندية. بعد ذلك (الحائض) ولا حاجة إليه
لما سيأتي من قوله: وهي حائض (التي تهل) أي تحرم (بالعمرة) أي من الميقات، كما
يدل على قوله: (ثم تدخل مكة موافية للحج) أي مظلة عليه ومشرفة، يقال: أوفى على
ثنية كذا، أي شارفها وأظلّ عليها (وهي حائض، لا تستطيع الطواف بالبيت) طواف
العمرة لأجل حيضتها لفقد شرطه، وهو الطهارة عند القائلين به، أو لمنع الدخول في
المسجد عند الآخرين على الاختلاف الماضي في محله (إنها) بكسر الهمزة (إذا خشيت
الفوات) للحج بانتظار الطهر لأفعال العمرة بعده (أهلت بالحج) أي أحرمت به .
(١) أخرجه أبو داود (١٧٧٨) في المناسك: باب في إفراد الحج.
٤٢٩

٢٠ - كتاب الحج
(٧٤) باب
(٩١٦) حديث
وَأَهْدَتْ، وَكَانَتْ مِثْلَ مَنْ قَرَنَ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ، وَأَجْزَأَ عَنْهَا طَوَافٌ
وَاحِدٌ،
قال الباجي(١): وذلك أنها تريد الحج، فإذا جاء يوم التروية، ورأت
حيضها تدوم، إما لأنها في أوله أو في وقت منه تعلم من عادتها تمادي
حيضتها التي تخاف فوت الحج إن تمادت على إفراد عمرتها، حتى تطهر من
حيضها؛ لأنه قد يتمادى حيضها حتى يفوتها الوقوف بعرفة، فإن لم تحرم قبل
أن تحل من عمرتها فاتها الحج، فهذه التي تؤمر أن تحرم بالحج، فتردفه على
العمرة، فتصير قارنة، فتدرك بذلك ما تريده من الحج، انتهى.
وقد عرفت أن ذلك مسلك الأئمة الثلاثة خلافاً للحنفية إذا قالوا: برفض
العمرة إذ ذاك وقضائها بعد الحج.
عن عائشة
ـتَّهم
(وأهدت) أي يجب عليها الهدي أيضا، كما أهدى النبي
بقرة، كما في روايات مسلم، إلا أن ذاك الهدي عندهم هدي القران، وعند
الحنفية هدي الرفض (وكانت) أي صارت تلك المرأة قارنة (مثل من قرن الحج
والعمرة) ابتداء.
قال الباجي(٢): يريد أنها في أحكامها مثل التي قرنت الحج والعمرة، إلا
أن التي أحرمت بهما من ميقاتهما يلزمها طواف الورود، وهذه التي أردفت
الحج بمكة لا يلزمها ذلك؛ لأنها أحرمت بالحج من الحرم، ولا يلزمها للحج
طواف الورود، والمعتمر لا يلزمه ذلك أيضاً، وإنما يطوف عند الورود طواف
العمرة، انتهى.
(وأجزأ عنها طواف واحد) عند الأئمة الثلاثة، كما هو وظيفة القارن
بخلاف الحنفية .
(١) ((المنتقى)) (٦٠/٣).
(٢) ((المنتقى)) (٦٠/٣).
٤٣٠

٢٠ - كتاب الحج
(٧٥) باب
(٩١٦) حديث
وَالْمَرْأَةُ الْحَائِضُ إِذَا كَانَتْ قَدْ طَافَتْ بِالْبَيْتِ، وَصَلَّتْ، فَإِنَّهَا تَسْعى
بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَتَقِفُ بِعَرَفَةَ وَالْمُزْدَلِفَةِ، وَتَرْمِي الْحِمَارَ، غَيْرَ
أَنَّهَا لَا تُفِيضُ، حَتَّى تَظْهُرَ مِنْ حَيْضَتِها .
(٧٥) باب إفاضة الحائض
(والمرأة الحائض إذا كانت قد طافت بالبيت، وصلت) زاد في النسخ الهندية
(قبل أن تحيض) أي فرغت عن ركعتي الطواف قبل الحيض، ثم حاضت بعد
ذلك قبل أن تسعى (فإنها تسعى بين الصفا والمروة) في حالة الحيض، إذ هي
ليست بممنوعة عن الدخول في المسعى حالة الحيض، ولا الطهارة شرط في
السعي عند أحد، إلا ما روي عن الحسن البصري، وهو رواية عن أحمد غير
معوَّلة عليه. كما تقدم عن ((المغني)) في ((باب ما تفعل الحائض في الحج))،
وتقدم فيه أيضاً ما في ((ابن أبي شيبة)) بإسناد صحيح عن ابن عمر - رضي الله
عنهما -: أنها إذا طافت ثم حاضت قبل أن تسعى فلتسع، وعن الحسن مثله
بإسناد صحيح، قال الحافظ (١): فلعله يفرق بين الحائض والمحدث، انتهى.
(وتقف بعرفة والمزدلفة، وترمي الجمار) كلها؛ لأن الطهارة ليست بشرط
ولا واجب لهذه الأمور (غير أنها لا تفيض) أي لا تطوف بالبيت طواف
الإفاضة (حتى تطهر من حيضتها) لقوله والر: ((افعلي ما يفعل الحاج غير أن لا
تطوفي بالبيت)).
(٧٥) إفاضة الحائض
يحتمل أن يكون المراد بالإفاضة معناه اللغوي، وهو الدفعة، قال
الراغب (٢): قوله تعالى ﴿فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ﴾ أي دفعتم منها بكثرة،
تشبيهاً بفيض الماء، انتهى.
(١) ((فتح الباري)) (٥٠٥/٣).
(٢) ((مفردات القرآن)) (ص٦٤٨).
٤٣١

٢٠ - كتاب الحج
(٧٥) باب
وعلى هذا فمعناها حكم دفعة الحائض، وهو أنها إن طافت طواف
الإفاضة يجوز لها أن تدفع من مكة وإلا لا، ويحتمل أن يكون المراد بالإفاضة
معناه المصطلح، أي طواف الإفاضة فمعناها حكم طواف الإفاضة للحائض،
وهو أنه واجب لا يسقط عن الحائض، ولا عن غيرها، وأياً ما كان،
فالحائض يجوز لها الخروج من مكة إن فرغت عن طواف الإفاضة، ولا يجب
عليها التوقف لطواف الوداع عند الأئمة الأربعة، سواء قيل: بوجوبه أو سنيته
على الاختلاف بينهم في ذلك كما تقدم في أول وداع البيت.
قال الموفق (١): المرأة إذا حاضت قبل أن تودع خرجت، ولا وداع عليها
ولا فدية، وهذا قول عامة فقهاء الأمصار، وقد روي عن عمر - رضي الله عنه -
وابنه أنهما أمرا الحائض بالمقام لطواف الوداع. وكان زيد بن ثابت يقول به،
ثم رجع عنه، وروي عن ابن عمر - رضي الله عنهما -، أنه رجع إلى قول
الجماعة أيضاً .
وقد ثبت التخفيف عن الحائض بحديث صفية حين قالوا: يا رسول الله!
إنها حائض فقال: ((أحابستنا هي))؟ قالوا: يارسول الله! إنها أفاضت يوم
النحر، قال: ((فلتنفر إذاً))، ولا أمرها بفدية ولا غيرها، وفي حديث ابن عباس
- رضي الله عنه -: ((إلا أنه خفف عن المرأة الحائض))، والحكم في النفساء
كالحكم في الحائض، انتهى.
قلت: وحديث ابن عباس أخرجه مسلم بلفظ: ((أمر الناس أن يكون آخر
عهدهم بالبيت إلا أنه خفف عن المرأة الحائض)) قال النووي(٢): هذا دليل
لوجوب طواف الوداع على غير الحائض وسقوطه عنها، ولا يلزمها دم بتركه،
(١) («المغني)) (٣٤١/٥).
(٢) ((شرح النووي على صحيح مسلم)) (٧٩/٩/٥).
٤٣٢
- -

٢٠ - كتاب الحج
(٧٥) باب
هذا مذهب الشافعي ومالك وأبي حنيفة وأحمد والعلماء كافة، إلا ما حكى ابن
المنذر عن عمر وابنه وزيد بن ثابت: أنهم أمروا بالمقام لطواف الوداع، ودليل
الجمهور هذا الحديث وحديث صفية، انتهى.
وقد أخرج البخاري(١) برواية عبد الله بن طاوس عن أبيه عن ابن عباس
قال: رُخِّص للحائض أن تنفر إذا حاضت، وكان ابن عمر يقول في أول أمره:
إنها لا تنفر. ثم سمعته يقول: تنفر، إن رسول الله المطل رخص لهن، انتهى.
قال الحافظ(٢): قوله: ثم سمعته يقول، إن ذلك كان قبل موت ابن عمر
بعام، وقال ابن المنذر: قال عامة الفقهاء بالأمصار: ليس على الحائض التي
أفاضت طواف وداع، وروينا عن عمر وابنه وزيد بن ثابت - رضي الله عنهم -
أنهم أمروها بالمقام لطواف الوداع، وكأنهم أوجبوه عليها كما يجب عليها
طواف الإفاضة، إذ لو حاضت قبله لم يسقط عنه، ثم أسند عن عمر - رضي الله
عنه - بإسناد صحيح إلى نافع عن ابن عمر، قال: طافت امرأة بالبيت يوم النحر
ثم حاضت، فأمر عمر - رضي الله عنه - بحبسها بمكة بعد أن ينفر الناس حتى
تطهر، وتطوف بالبيت.
قال: وقد ثبت رجوع ابن عمر وزيد بن ثابت - رضي الله عنهم - عن
ذلك، وبقي عمر - رضي الله عنه -، فخالفناه لثبوت حديث عائشة - رضي الله
عنها -، وقد روى ابن أبي شيبة (٣) من طريق القاسم بن محمد: كان الصحابة
يقولون: ((إذا أفاضت المرأة قبل أن تحيض فقد فرغت إلا عمر - رضي الله
عنه -، فإنه كان يقول: يكون آخر عهدها بالبيت)).
(١) رقم الحديث (١٧٦٠).
(٢) انظر: ((فتح الباري)) (٥٨٧/٣).
(٣) ((مصنف ابن أبي شيبة)) (٢٤٩/٤).
٤٣٣

٢٠ - كتاب الحج
(٧٥) باب
(٩١٧) حديث
٢٢٥/٩١٧ - حدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ
الْقَاسِم، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ؛ أَنَّ صَفِيَّةَ بِنْتَ حُيَيٍّ
وقد وافق عمر - رضي الله عنه - على رواية ذلك عن النبي ◌َّ﴾ غيره،
فروى أحمد وأبو داود والنسائي والطحاوي، واللفظ لأبي داود(١) من طريق
الوليد بن عبد الرحمن عن الحارث بن عبد الله بن أوس الثقفي قال: أتيت عمر
- رضي الله عنه - فسألته عن المرأة تطوف بالبيت يوم النحر، ثم تحيض؟ قال:
ليكن آخر عهدها بالبيت، فقال الحارث: كذلك أفتاني رسول الله وَله .
واستدل الطحاوي بحديث عائشة وأم سليم - رضي الله عنهما - على نسخ
حديث الحارث في حق الحائض، انتهى. وسيأتي حديثا عائشة وأم سليم
- رضي الله عنهما - عند المصنف.
٢٢٥/٩١٧ - (مالك، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة)
- رضي الله عنها - (أم المؤمنين أن) أم المؤمنين (صفية) بفتح الصاد المهملة
وكسر الفاء وتشديد الياء آخر الحروف قاله العيني (بنت حيي) بضم الحاء
المهملة وتكسر وفتح التحتية الأولى المخففة والثانية مشددة، ابن أخطب بالفتح
وإسكان الخاء المعجمة وفتح الطّاء المهملة آخرها باء موحدة، النضرية بفتح
النون وسكون الضاد المعجمة، الإسرائيلية، من سبط لاوي بن يعقوب، ثم من
سبط هارون بن عمران.
قتل زوجها كنانة في غزوة خيبر حين افتتحها رسول الله وَلي سنة سبع،
فوقعت في السبي، فاصطفاها رسول الله وَّله لنفسه وأسلمت، فأعتقها وتزوجها
بعد خيبر، قيل: كان اسمها زينب، فلما صارت من الصفاء سميت صفية،
وماتت في رمضان سنة ٥٠هـ أو سنة ٥٢هـ. وقيل: سنة ٣٦هـ. وغلط قائله بأن
علي بن حسين لم يكن ولد، وقد ثبت سماعه منها في ((الصحيحين))، ودفنت
(١) أخرجه أبو داود (٢٠٠٤).
٤٣٤

٢٠ - كتاب الحج
(٧٥) باب
(٩١٧) حديث
حَاضَتْ، فَذَكَرْتُ ذُلِكَ لِلنَّبِيِّ
حبا الله
•
ومشاه.
بالبقيع، ولها نحو ستين، لقولها: ما بلغت سبع عشرة سنة يوم دخلت على
رسول الله ﴾﴾.
(حاضت) أي بعد أن أفاضت يوم النحر، كما في رواية البخاري عن أبي
سلمة عن عائشة قالت: حججنا مع النبي ◌ّل# فأفضنا يوم النحر، فحاضت
صفية، الحديث. ثم قال البخاري: ويذكر عن القاسم وعروة والأسود عن
عائشة: أفاضت صفية يوم النحر، قال الحافظ (١): غرضه بهذا أن أبا سلمة لم
ينفرد عن عائشة بذلك، وإنما لم يجزم به؛ لأن بعضهم أورده بالمعنى، ثم ذكر
تخريج هذه الروايات من ((الصحيحين))، وكان بدء حيضها ليلة النفر، كما في
البخاري برواية الأسود عن عائشة قالت: حاضت صفية ليلة النفر، فقالت: ما
أراني إلا حابستكم، الحديث.
قال الحافظ: زاد الحاكم عن إبراهيم عند مسلم لما أراد النبي ◌َالقر أن
ينفر إذا صفية على باب خبائها كئيبة حزينة، فقال: عقرى، الحديث.
(فذكرتُ) بضم التاء للفاعل أي قالت عائشة: ذكرت ذلك لرسول الله وَ لات،
وفي رواية أبي سلمة فقلت: يارسول الله! إنها حائض. ولفظ البخاري من
رواية مالك بسند الباب فذكر ذلك، قال الحافظ (٢): كذا في هذه الرواية بضم
الذال على البناء للمجهول، وتقدم في ((باب المرأة تحيض بعد الإفاضة)) من
كتاب الحيض: ((أن عائشة - رضي الله عنها - هي التي ذكرت له ذلك))، قلت:
ولفظه برواية مالك عن عبد الله بن أبي بكر بن حزم عن أبيه، عن عمرة، عن
عائشة ((أنها قالت لرسول الله وَ له: يا رسول الله! إن صفية بنت حيي،
الحديث. وسيأتي عند المصنف أيضاً.
(ذلك) أي كونها حائضة (لرسول الله وَلا) لما اعتقدت أو تخوفت أن
(١) ((فتح الباري)) (٥٦٨/٣).
(٢) ((فتح الباري)) (٥٨٧/٣).
٤٣٥

٢٠ - كتاب الحج
(٧٥) باب
(٩١٧) حديث
فَقَالَ: ((أَحَابِسَتْنَا هِيَ؟)) فَقِيلَ: إِنَّهَا قَدْ أَفَاضَتْ.
تكون حيضتها تمنعها بعض أفعال الحج، فأرادت أن تعلم علم ذلك، وكانت
كثيرة البحث والسؤال عما لا تعلمه، أولعله أجرى ذكر صفية على ما في
حديث هشام الآتي أن النبي وَل# ذكرها، فأخبرته عائشة أنها قد حاضت، أو
وَلّ قد سأل عن ذلك من حالها، فأخبرته عائشة بحيضتها قاله
لعل النبي
(١)
الباجي(١) .
(فقال) وَلّر: (أحابستنا) بهمزة الاستفهام أي مانعتنا من السفر في الوقت
الذي أردنا (هي؟) أي صفية ظناً منه ◌َّ أنها لم تطف للإفاضة، وهو لا يسافر
تاركاً لها، ولا تسافر هي، وقد بقي عليها طواف الإفاضة. (فقيل: إنها قد
أفاضت) والقائل على ما سيأتي في الحديث الآتي نساؤه. ولفظ البخاري بسند
الباب: قالوا: إنها قد أفاضت.
قال الحافظ(٢): وسيأتي عند البخاري أن صفية هي قالت: بلى، وفي
رواية أبي سلمة عن عائشة: ((حججنا فأفضنا يوم النحر، فحاضت صفية، فأراد
النبي صل﴾ منها ما يريد الرجل من أهله، فقلت: يا رسول الله! إنها حائض))،
الحديث. وهذا مشكل؛ لأنه ◌ٍّ﴿ إن كان علم أنها طافت طواف الإفاضة،
فكيف يقول: أحابستنا هي؟ وإن كان ما علم، فكيف يريد وقاعها قبل التحلل
الثاني؟ ويجاب عنه بأنه ◌َلّ ما أراد ذلك منها إلا بعد أن استأذنه نساءه في
طواف الإفاضة، فأذن لهن فكان بانياً عن أنها قد حلت، فلما قيل له: إنها
حائض جوز أن يكون وقع لها قبل ذلك حتى منعها من طواف الإفاضة،
فاستفهم عن ذلك، فأعلمته عائشة - رضي الله عنها - أنها طافت معهن، فزال
عنه ما خشیه من ذلك، انتهى.
(١) ((المنتقى)) (٦١/٣).
(٢) ((فتح الباري)) (٣/ ٥٨٧).
٤٣٦

٢٠ - كتاب الحج
(٧٥) باب
(٩١٨) حديث
فَقَالَ: «فَلَا، إِذاً)) .
أخرجه البخاريّ في: ٢٥ - كتاب الحج، ١٤٥ - باب إذا حاضت المرأة
بعدما أفاضت.
٢٢٦/٩١٨ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ
حَزْمِ، عَنْ أَبِيهِ،
(فقال) ◌َّ (فلا) حبس (إذا) بالتنوين أي حينئذ، قال الباجي: (١) قوله وَل :
((أحابستنا هي)) يقتضي أن الحيض يمنع بعض أفعال الحج، ويوجب البقاء عليه
إلى أن تطهر من حيضها، فيمكنها فعل ذلك، وإن كان ليس في الوقت تعيين
ذلك الفعل إلا أنه يمكن أنه قد عينه قبل ذلك، وعلم من أخبره بذلك من
سنته 8# أن الذي يمنع منه الحيض من أفعال الحج الطواف خاصة، ولذلك
قالت له: إنها قد أفاضت فقال: ((فلا إذا))، يريد ◌َّ أنها إن كانت قد أفاضت
فإنها لا تبقى، ولا تحبس من يكون معها، فاقتضى أن الحيض يحبس المرأة
إذا لم تكن أفاضت، ويحبس المرأة إذا لم تكن أفاضت، ويحبس من معها
ممن يلزمه أمرها، ولذلك يحبس الكري معها كما سيأتي ذكره، انتهى.
قال الزرقاني(٢). وفيه أن أمير الحاج يلزمه تأخير الرحيل لأجل
الحائض. وقيده مالك بيومين فقط. وإكرام صفية بالاحتباس كما احتبس
بالناس على عقد عائشة، انتهى. قلت: أما قوله: ((إن أمير الحاج يلزمه
التأخير)) موقوف على أن قصد احتباسه وير كان من حيث أنه أمير، والظاهر أنه
كان من حيث أنه زوج فتأمل.
٢٢٦/٩١٨ - (مالك، عن عبد الله بن أبي بكر) بن محمد بن عمرو (بن
حزم) الأنصاري (عن أبيه) أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري،
(١) ((المنتقى)) (٦١/٣).
(٢) ((شرح الزرقاني)) (٣٧٩/٢) و((فتح الباري)) (٥٩٠/٣).
٤٣٧

٢٠ - كتاب الحج
(٧٥) باب
(٩١٨) حديث
عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمنِ، عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ؛ أَنَّهَا قَالَتْ
لِرَسُولِ اللَّهِ وَلَّ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ صَفِيَّةَ بِنْتَ حُيَيِّ قَدْ حَاضَتْ.
فَقَالَ رَسُول اللَّهِ وَلِ: ((لَعَلَّهَا تَحْبِسُنَا، أَلَّمْ تَكُنْ طَافَتْ مَعَكنَّ
هذا هو المصرح في روايات الشيخين وغيرهما. ونص عليه شُرَّاح البخاري،
العيني، والكرماني، والحافظ العسقلاني، وغيرهم، وكذا شراح مسلم، وموطأ
يحي، والعجب كل العجب من علي القاري - ولا عجب فإن البشر يخطئ -
حيث يقول: عبد الله بن أبي بكر شهد الطائف، ومات في خلافة أبيه في شوال
سنة ١١هـ .. عن أبيه أبي بكر الصديق - رضي الله عنه -، كذا في ((التعليق
الممجد))(١)، وبسط في الرد عليه.
(عن عمرة بنت عبد الرحمن) بن سعد بن زرارة الأنصارية، وقال القاري:
عمرة بنت عبد الرحمن بن أبي بكر، وفي ((التعليق الممجد))(٢): لا والله بل هي
بنت عبد الرحمن بن أسعد بن زرارة، قلت: وهي المشهورة في الرواة عن
عائشة - رضي الله عنها - المكثرة عنها، وإلا فمن روى عن عائشة ممن تسمى
عمرة خمس نسوة أو ست، ذكره الحافظ في ((تهذيبه)) (٣).
(عن عائشة) - رضي الله عنها - (أم المؤمنين أنها قالت لرسول الله مَ له: يا
رسول الله إن صفية بنت حيي قد حاضت) ليلة النفر، كما تقدم في الحديث
الماضي (فقال رسول الله ﴾: لعلها تحبسنا) من الخروج من مكة إلى المدينة،
قال الكرماني: لعل هاهنا ليس للترجي، بل للاستفهام، أو للظن، أو ما شاكله
أي كالتوهم، قاله الزرقاني.
(ألم تكن طافت) يوم النحر طواف الإفاضة (معكن) خطاب لعائشة ومن
(١) (٣٦٢/٢).
(٢) (٣٦٣/٢).
(٣) ((تهذيب التهذيب)) (٤٣٩/١٢).
٤٣٨

٢٠ - كتاب الحج
(٧٥) باب
(٩١٩) حديث
بِالْبَيْتِ؟)) قُلْنَ: بَلَى. قَالَ: ((فَاخْرُجْنَ)).
أخرجه البخاريّ في: ٦ - كتاب الحيض، ٢٧ - باب المرأة تحيض بعد
الإفاضة .
ومسلم في: ١٥ - كتاب الحج، ٦٧ - باب وجوب طواف الوداع وسقوطه عن
الحائض، حديث ٣٨٥.
٩١٩/ ٢٢٧ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ أَبِي الرِّجَالِ مُحَمَّدِ بْنِ
عَبْدِ الرَّحْمُنِ، عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمُنِ :
معها من أمهات المؤمنين (بالبيت) أي الكعبة ولفظ مسلم: ((ألم تكن أفاضت))
(قلن: بلى) أي أفاضت معنا، ولفظ البخاري برواية عبد الله بن يوسف التنِيسي
عن مالك بهذا السند: فقالوا: بلى. قال الحافظ: أي النساء ومن معهن من
المحارم، وتعقبه العيني (١)، وقال: كذا قال بعضهم، وليس بصحيح؛ لأن فيه
تغليب الإناث على الرجال، وقال الكرماني: أي الناس، والأوجه أي
الحاضرون، وفيهم الرجال والنساء، انتهى.
(قال: فاخرجن) هكذا في نسخ ((الموطأ)) المصرية والهندية، وهو الأوجه
لظاهر السياق، وفي رواية البخاري المذكورة: ((فاخرجي))، قال الحافظ (٢):
كذا للأكثرية بالإفراد خطاباً لصفية، من باب العدول عن الغيبة إلى الخطاب،
أو خطاب لعائشة أي فاخرجي فهي تخرج معك، وقال: فيه وجه آخر، وهو أن
يقدر في الكلام شيء تقديره. قال لعائشة: قولي لها: اخرجي، والفاء جواب
لأمّا مقدرة، أي أما أنت فاخرجي، أو زائدة، أو عطف على مقدر، أي اعلمي
أن ما عليك التأخير فاخرجي، انتهى.
٢٢٧/٩١٩ - (مالك، عن أبي الرجال) بكسر الراء وخفة الجيم (محمد بن
عبد الرحمن عن) أمه (عمرة بنت عبد الرحمن) تقدم هذا السند في ((باب
(١) ((عمدة القاري)) (١٧٧/٣).
(٢) ((فتح الباري)) (٤٢٨/١).
٤٣٩

٢٠ - كتاب الحج
(٧٥) باب
(٩١٩) حديث
أَنَّ عَائِشَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ كَانَتْ إِذَا حَجَّتْ، وَمَعَهَا نِسَاءٌ تَخَافُ أَنْ
يَحِضْنَ، قَدَّمَتْهُنَّ يَوْمَ النَّحْرِ فَأَفَضْنَ، فَإِنْ حِضْنَ بَعْدَ ذَلِكَ لَمْ
تَنْتَظِرُهُنَّ، فَتَنْفِرُ بِهِنَّ، وَهُنَّ حُيَّضٌ، إِذَا كُنَّ قَدْ أَفَضْنَ.
الاختفاء وهو النبش)) (أن عائشة) رضي الله عنها (أم المؤمنين كانت إذا حجت،
ومعها نساء تخاف أن يحضن) قبل طواف الإفاضة، وذلك بأن قربت أيام
حيضهن بحسب العادة (قدمتهن يوم النحر) من التقديم أي أرسلتهن قبل جميع
الرفقاء، وقبل نفسها إلى مكة ليفرغن من طواف الزيارة الذي هو أحد أركان
الحج؛ لئلا يلزم التوقف في الرجوع إلى المدينة إن جاءهن الحيض قبل
الطواف (فأفضن) من الإفاضة أي طفن طواف الزيارة الذي هو أحد الأركان
قبل سائر الناس.
(فإن حضن) بصيغة الماضي أو المضارع نسختان (بعد ذلك) أي بعد
فراغهن من طواف الركن (لم تنتظرهن) أي لم تنتظر فراغهن من الحيض ولا
طوافهن للوداع (تنفر بهن) هكذا في جميع النسخ الهندية، وبعض المصرية،
وفي أكثرها بزيادة الفاء في أوله بلفظ ((فتنفر بهن))، وعلى الأول استئناف،
وفسره في ((التعليق الممجد))(١) بقوله: ((بل تنفر))، بكسر الفاء من النفر أي
ترجع وتسافر (بهن) إلى المدينة المنورة بعد فراغهن من بقية الأعمال من
المبيت بمنى ورمي الجمار وغير ذلك، وذلك؛ لأن ما بقي من الأعمال لا
ينافي الحيض غير طواف الوداع، فإنه منافٍ له لكنه ساقط عن الحائض كما
تقدم .
(وهن) الواو حالية (خُيَّضٌ) بضم الحاء وتشديد المثناة التحتية المفتوحة،
جمع حائض (إذا كن قد أفضن) أي طفن طواف الإفاضة، فلا تنتظر طواف
الوداع لقوله : ((فلا إذاً)) في قصة صفية، وفي رواية: ((فانفري)) عقب
المرفوع بالموقوف للإشارة إلى بقاء العمل به.
(١) (٣٦٢/٢).
٤٤٠