Indexed OCR Text

Pages 321-340

٢٠ - كتاب الحج
(٧١) باب
(٩٠٥) حديث
قال ابن حجر: قوله: واستحب بعض أصحابنا، تعقبه في ((المجموع)) بأنه
غريب، وإنما الذي في كتب الفقهاء والأحاديث الصحيحة يكبر مع كل حصاة،
ومقتضاه مطلق التكبير، قال: وما ذكره هذا القائل طويلًا لا يحسن للتفريق به
بين الحصيات، ثم قال: وقال الماوردي: قال الشافعي - رحمه الله: يكبر مع
كل حصاة فيقول: الله أكبر ثلاثاً، لا إله إلا الله والله أكبر الله أكبر ولله الحمد،
انتهى .
وظاهر كلام ((المجموع)) تقرير كلام الماوردي على ما قاله وهو ظاهر،
وإن اعترضه الأذرعي بأنه لم يره في ((الأم)) ولا في ((البويطي)) و((المختصر))،
وكان الغزي تبعه حيث قال: يكبر مع كل حصاة تكبيرة واحدة، انتهى.
وقال الدردير(١): ندب تكبيره مع كل حصاة تكبيرة واحدة، انتهى. وبه
جزم في ((الأنوار))، وما تقدم عن الباجي من تشبيهه بأركان الصلاة يوضح
المراد.
وفي ((شرح اللباب))(٢): يكبر مع كل حصاة ويدعو فيقول: بسم الله الله
أكبر رغماً للشيطان ورضاً للرحمن، اللَّهم اجعله حجاً مبروراً، وسعياً مشكوراً،
وذنباً مغفوراً، انتهى.
وفي ((البناية)): قال الناطقي في ((كتاب الأجناس)): ذكر في ((مناسك
الحسن بن دينار)): يقول عند كل حصاة يرميها: بسم الله الله أكبر، وقال في
((النوازل)): يكبر مع كل حصاة، ويقول: اللهم اجعله حجاً مبروراً، وسعياً
مشكوراً، وذنباً مغفوراً، وقال ابن عبد البر: لا توقيت في دعاء الرمي عند
الفقهاء، وإنما هو ذكر ودعاء، وعن القاسم بن محمد بن أبي بكر - رضي الله
(١) ((الشرح الكبير)) (٤٥/٢).
(٢) (ص١١٩).
٣٢١

٢٠ - كتاب الحج
(٧١) باب
(٩٠٥) حديث
عنه - أنه كان إذا يرمي يقول: بسم الله اللهم لك الحمد والشكر. وعن علي
- رضي الله عنه - أنه كان يقول كلما رمى حصاة: اللّهم اهدني بالهدى، وقوني
بالتقوى، واجعل الآخرة خيراً لي من الأولى، والمعروف عندنا أن يقول عند
كل حصاة: بسم الله والله أكبر رغماً للشيطان وحزبه، انتهى.
والرابعة: ما قال الباجي(١): خص التكبير بهذا من بين سائر ألفاظ الذكر
لفعل النبي ◌َّة، كما خصت الصلاة، فإن سبح فقد قال ابن القاسم: ما سمعت
فيه شيئاً، والسنة التكبير، قال الباجي: والذي عندي لا شيء عليه؛ لأن ابن
القاسم قد قال في ((المبسوط)): فيمن رمى ولم يكبر هو مجزئ، ومعنى ذلك أنه
ذكر مشروع في أثناء الحج، كسائر الأذكار والأدعية، انتهى. وفي ((الهداية)): لو
سبح مكان التكبير أجزأه لحصول الذكر، وهو من آداب الرمي، انتهى.
والخامسة: ما قال الحافظ(٢): استدل بهذا الحديث على اشتراط رمي
الجمرات واحدة واحدة؛ لقوله: يكبر مع كل حصاة، وقد قال النبي لة:
((خذوا عني مناسككم))، وخالف في ذلك عطاء وصاحبه أبو حنيفة، فقالا: لو
رمى السبع دفعة واحدة أجزأه، انتهى.
قال الموفق(٣): وإن رمى الحصاة دفعة واحدة لم يجزئه ويكبر لكل
حصاة، انتهى. وما حكى الحافظ عن أبي حنيفة - رحمه الله - لعله أخذه عن
صاحب ((التوضيح))، كما سيأتي في كلام العيني، أو عن الكرماني، فإنه ذهب
إلى ذلك، كما سيأتي مفصلًا، وليس هذا مشهوراً في المذهب، بل المصرح
في فروعنا عدم الإجزاء، ففي ((الهداية))(٤): لو رمى بسبع حصيات جملة،
(١) ((المنتقى)) (٤٦/٣).
(٢) ((فتح الباري)) (٥٨٢/٣).
(٣) المغني (٢٩٦/٥).
(٤) (١٤٤/١).
٣٢٢
----
--

٢٠ - كتاب الحج
(٧١) باب
(٩٠٥) حديث
فهذه الجملة واحدة؛ لأن المنصوص عليه تفرق الأحوال.
قال العيني في ((البناية)): أي لأن المنصوص هو فعل الرمي بسبع حصيات
متفرقات لا عين الحصيات، انتهى. وفي ((الغنية)): الخامس من الشرائط تفريق
الرميات، فلو رمى بسبع حصيات أو أكثر جملة واحدة، لا يجزئه إلا عن
واحدة، ولو وقعت متفرقة عند الأربعة، خلافاً لما في الكرماني أنها إذا وقعت
متفرقة جاز، وتمامه في ((المنحة))، انتهى.
وفي ((اللباب))(١): الرابع تفريق الرميات، فلو رمى بسبع حصيات جملة
واحدة لم يجزئه إلا عن حصاة واحدة، قال القاري: لأن المنصوص عليه
تفريق الأفعال لا عين الحصيات، فإذا أتى بفعل واحد لا يكون، إلا عن حصاة
واحدة اندراجها في ضمن المجملة، وكان القياس لا يجزئه عن واحدة أيضاً،
ومع هذا ينبغي أن يكون مكروها لمخالفة السنة.
وفي ((الكرماني)): إذا وقعت متفرقة على مواضع الجمرات جاز، كما لو
جمع بين أسواط الحد بضربة واحدة، وإن وقعت على مكان واحد لا يجوز.
وقال مالك والشافعي وأحمد: لا يجزئه إلا عن حصاة واحدة كيفما كان؛ لأنه
مأمور بالرمي سبع مرات، قال في ((الكبير)): والذي في ((المشاهير)) من كتب
أصحابنا الإطلاق في عدم الجواز، كما هو قول الثلاثة لما قدمنا في ((الهداية))
وغيرها، انتهى.
ثم بحث في ذلك مفصّلًا، ومال إلى قول الكرماني من التقييد. لكن في عامة
الفروع الإطلاق، وتعقب الشهاب الشلبي في ((هامش التبيين)) على قول الكرماني،
وقال: ما ذكره من التفصيل لم أقف له على سند في المذهب، وحكى عن الزيلعي
والوالجي والمجتبى: أنه لو رماهن جملة فهي واحدة، انتهى.
(١) انظر: ((شرح اللباب)) (ص١٣١).
٣٢٣

٢٠ - كتاب الحج
(٧١) باب
(٩٠٦) حديث
٩٠ / ٢١٤ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ؛ أَنَّهُ سَمِعَ بَعْضَ أَهْلِ الْعِلْمِ
يَقُولُ: الْحَصى الَّتِي يُرْمَى بِهَا الْجِمَارُ مِثْلُ حَصى الْخَذْفِ.
وقال العيني في ((شرح البخاري)) (١): اختلفوا فيمن رمى سبع حصيات مرة
واحدة، فقال مالك والشافعي: لا يجزئه إلا عن حصاة واحدة، ويرمي بعدها
ستاً، وقال عطاء: تجزئه عن السبع، وهو قول أبي حنيفة - رحمه الله - كما في
سياط الحد سوطاً سوطاً ومجتمعة إذا علم وصول الكل إلى بدنه، وهذا الذي
ذكر عن أبي حنيفة - رحمه الله - ذكره صاحب ((التوضيح))، وذكر في
((المحيط)): لو رمى سبع حصيات رمية واحدة فهي بمنزلة حصاة، وكان عليه أن
يرمي ست مرات، قال العيني: العمدة في النقل عن صاحب مذهب من
المذاهب على نقل صاحب من أصحاب ذلك المذهب، انتهى.
٢١٤/٩٠٦ - (مالك، أنه سمع بعض أهل العلم يقول: الحصى التي يرمي
بها الجمار) في سائر الأيام (مثل حصى الخذف) بالخاء والذال المعجمتين،
أصله الرمي بطرفي الإبهام والسبابة، ثم أطلق هاهنا على الحصى الصغار
مجازاً، قال الأبي(٢): الخذف الرمي بالأصابع يريد أن كل حصاة كانت مثل
الحصاة التي يجعلها الإنسان على أصبعيه، ويرمي بها، قالوا: وهي في قدر
حبة الباقلاء، انتهى.
قال المجد: الخذف كالضرب رميك بحصاة أو نواة أو نحوهما، تأخذ
بين سبابتيك، تخذف به أو بمخذفة من خشب، انتهى.
وفي ((المرقاة)) (٣): هو قدر الباقلاء أو النواة أو الأنملة، وكذا قال ابن
حجر في ((شرح المنهاج)) ونصه: السنة أن يرمي بقدر حصى الخذف؛ لخبر
(١) ((عمدة القاري)) (٣٧٤/٧).
(٢) ((إكمال إكمال المعلم)) (٣٥٢/٣).
(٣) ((مرقاة المفاتيح)) (٣٤٥/٥).
٣٢٤

٢٠ - كتاب الحج
(٧١) باب
(٩٠٦) حديث
مسلم، وحصاته دون الأنملة طولا وعرضاً قدر حبة الباقلاء المعتدلة، وقيل:
كقدر النواة، انتهى.
وقد ورد الرمي بمثل حصى الخذف من قوله {8َّ﴿ وفعله، ففي
((الدراية))(١): أبو داود وأحمد وإسحاق من حديث سليمان بن عمرو بن
الأحوص عن أمه قالت: ((رأيت رسول الله وَله يرمي الجمرة، فقال ◌َله: ((يا
أيها الناس لا يقتل بعضكم بعضاً، وإذا رميتم الجمرة فارموا بمثل حصى
الخذف)). وفي الباب عند أحمد والنسائي وابن ماجه والحاكم من حديث ابن
عباس، قال لي رسول الله وَلّ غداة جمع: ((القُطْ لي، فلقطتُ له حصيات من
حصى الخذف، فقال: بأمثال هؤلاء، وإياكم والغلو في الدين))، الحديث.
ولأحمد من وجه آخر عن ابن عباس رفعه: ((عليكم بحصى الخذف)»، وإسناده
صحیح .
ولمسلم وأبي داود في حديث جابر الطويل: رأيت رسول الله مح لول رمى
الجمرة بمثل حصى الخذف، وفي ((الأوسط)) للطبراني من حديث ابن عمر
قال: لما أتى النبي وَل# محسراً، قال: ((عليكم بحصى الخذف))، وفي إسناده
ابن لهيعة(٢)، انتهى.
ولأبي داود من حديث عبد الرحمن بن معاذ في خطبته وَّ بمنى، فطفق
يُعَلِّمُهم مناسكهم حتى بلغ الجمار، فوضع إصبعيه السبابتين في أذنيه، ثم قال:
بحصى الخذف، ولمسلم من حديث الفضل بن عباس وكان رديفه ولو أنه قال:
((عليكم بحصى الخذف الذي يُرْمَى به الجمرة))، زاد في طريق آخر: ((والنبي وَل
يشير بيده كما يخذف الإنسان))، ولأحمد عن حرملة يأتي لفظه في كلام ابن
(١) ((الدراية على هوامش الهداية)) (٢٤٩/١) ط الهند.
(٢) انظر: ((نصب الراية)) (٧٦/٣).
٣٢٥

٢٠ - كتاب الحج
(٧١) باب
(٩٠٦) حديث
حجر هذا، وقد ورد النهي عن الخذف، ففي البخاري وغيره من حديث
عبد الله بن مغفل قال: ((نهى النبي ◌َّ﴿ل عن الخذف))، وقال: ((إنه لا يقتل
الصيد، ولا ينكأ العدو، وإنه يفقأ العين، ويكسر السن))، واختلفوا في الجمع
بينهما فقيل: إن رمي الجمار مخصوص من النهي، وقيل: إن الرمي لا ينبغي
بكيفية الخذف.
قال النووي في ((مناسكه)) (١): ذكر بعض أصحابنا أنه يستحب أن يكون
كيفية الرمي كرمي الخاذف، ويضع الحصاة على بطن إصبع، ويرميها برأس
السبابة، وهذه الكيفية لم يذكرها جمهور أصحابنا، ولا نراها مختارة، وقد ثبت
في (الصحيح)) نهي رسول الله بَّ عن الخذف، قال ابن حجر في شرحه:
قوله: هذه الكيفية، لم يذكرها إلخ المعتمد ما قاله:
واستدل له في ((المجموع))(٢) بعموم نهيه ◌َّلول عن الخذف، وعلّله بأنه لا
يقتل الصيد، ولا ينكأ العدو، وإنه يفقأ العين، ويكسر السن، لكن اعترضه
الأسنوي بأن التعليل بذلك يدل على أن الحج غير مراد، وأنه إنما سيق تحذيراً
من الاشتغال به لانتفاء فائدته في الحرب، وفي آخره: والنبي ◌ّر يشير بيده
كما يخذف الإنسان، وهذا في الدلالة على الخذف أظهر مما استدل به هو
على عكسه، قال الزركشي: ولأن النهي عنه مخصوص به إلى الحيوان لا
مطلقاً، ولا شك أن مثل هذا الرمي للبناء، ونحوه لا يمنع، فدل على عدم
عموم الحدیث، انتھی.
ولك رَدُّ ما قالاه بأن القاعدة أنه يستنبط من النص معنى يعمُّه، وهو
هاهنا خشية الإيذاء، وهي موجودة، إذ المرمى يكثر فيه الناس غالباً، فربما
(١) (ص٣١٤).
(٢) انظر: ((المجموع)) (١٧٢/٨).
٣٢٦

٢٠ - كتاب الحج
(٧١) باب
(٩٠٦) حديث
خرجت الحصاة من تحت إصبعه بغير اختياره، فأصابت من بقربه، فآذته بنحو
فقء عينه أو كسر سنه المذكور في الخبر.
فقول الأسنوي: إن الحج غير مراد مجرد دعوى بلا سند، وكذا دعواه
حصر السياق فيما قاله على أنا إن سلمنا له الحصر المذكور، فلا ينافي ما
قلناه، وقول الزركشي المذكور لا يجدي أيضاً؛ لأن النهي وإن اختص بالرمي
إلى الحيوان، فما قلناه فيه خشية إصابة حيوان، ولا ريب أنها كالرمي إليه
ابتداء، ثم رأيت السبكي قال: معنى قوله في الحديث: ((كما يخذف الإنسان))
الإيضاح والبيان لحصى الخذف، قال: وليس المراد أن الرمي يكون على
هيئته، وأما تخصيص النهي برمي الحيوان فهو محل النزاع، إذ يحتمل عند
خذف غير الحيوان عروض الحيوان، فيتأذى بذلك، انتهى.
وسبق إلى ذلك الإمام الطبري والمصنف في ((شرح مسلم)) وأشار إليه في
((المجموع))، ولا ينافي ذلك خبر أحمد عن حرملة: رأيت رسول الله
صَلى له
وَسَيَّة
واضعاً إحدى أصبعيه على الأخرى، فقلت لعمي: ماذا يقول رسول الله اَية؟
قال: يقول: ((ارموا الجمرة بمثل حصى الخذف))؛ لأن مدلوله أن الحصاة تكون
كحجم حصى الخذف، وقوله: واضعاً إلخ أوضح به المراد بحصى الخذف،
انتھی .
ونص عبارته في ((شرح مسلم))(١) قوله: ((يشير بيده كما يخذف الإنسان))،
فالمراد به الإيضاح وزيادة البيان بحصى الخذف، وليس المراد أن الرمي يكون
على هيئة الخذف، وإن كان بعض أصحابنا قد قال باستحباب ذلك، لكنه
غلط، والصواب أنه لا يستحب كون الرمي على هيئة الخذف، فقد ثبت حديث
عبد الله بن مغفل في النهي عن الخذف، انتهى.
(١) (٢٨/٩/٥).
٣٢٧

٢٠ - كتاب الحج
(٧١) باب
(٩٠٦) حديث
وبه جزم ابن حجر في ((شرح المنهاج)) إذ قال: يكره بهيئة الخذف للنهي
الصحيح عنها الشامل للحج وغيره، انتهى.
ووافق النووي، وغيره ابنُ الهُمام في ((الفتح))(١) إذ قال تحت قول
((الهداية)): وكيفية الرمي أن يضع الحصاة على ظهر إبهامه اليمنى، ويستعين
بالمسبحة، قال: وهذا التفسير يحتمل كلًا من تفسيرين، قيل بهما أحدهما: أن
يضع طرف إبهامه اليمنى على وسط السبابة، ويضع الحصاة على ظهر الإبهام،
كأنه عاقد سبعين فيرميها، والآخر أن يحلق سبابته ويضعها على مفصل إبهامه،
كأنه عاقد عشرة، وهذا في التمكن من الرمي به مع الزحمة والوهجة عسر،
وقيل: يأخذها بطرفي إبهامه وسبابته، وهذا هو الأصل، لأنه أيسر والمعتاد،
ولم يقم دليل على أولوية تلك الكيفية سوى قوله وَله: ((فارموا مثل حصى
الخذف))، وهذا لا يدل، ولا يستلزم كون كيفية الرمي المطلوبة كيفية الخذف،
وإنما هو تعيين ضابط مقدار الحصاة، إذ مقدار ما يخذف به كان معلوماً لهم.
وأما ما زاد في رواية لمسلم من قوله: ((ويشير بيده كما يخذف الإنسان))،
فليس يستلزم طلب كون الرمي بصورة الخذف، لجواز كونه ليؤكد كون
المطلوب حصى الخذف، كأنه قال: خذوا حصى الخذف الذي هو هكذا ليشير
أنه لا تجوز في كونه حصى الخذف، وهذا لأنه لا يعقل في خصوص وضع
الحصاة في اليد على هذه الهيئة وجه قربة، فالظاهر أنه لا يتعلق به غرض
شرعي، بل مجرد صغر الحصاة، ولو أمكن أن يقال: فيه إشارة إلى كون الرمي
خذفاً، عارضه كونه وضعاً غير متمكن، واليوم يوم زحمة يوجب نفي غير
المتمکن، انتھی .
وعلم مما سبق أن المرجح عند الحنفية في كيفية الرمي، أن يكون بطرفي
(١) انظر: ((فتح القدير)) (٣٨٣/٣).
٣٢٨

٢٠ - كتاب الحج
(٧١) باب
(٩٠٦) حديث
قَالَ مَالِكٌ: وَأَكْبَرُ مِنْ ذُلِكَ قَلِيلًا أَعْجَبُ إِلَيَّ.
إبهامه وسبابته، وبه جزم القاري تبعاً لصاحب ((اللباب))، ورجحه صاحب
((الغنية)) وعلم أيضاً، أن المرجح عند الشافعية أن لا يكون بطريق الخذف.
(قال مالك: وأكبر من ذلك) أي من حصى الخذف (قليلاً أعجب إلي)
يشكل عليه ما تقدم من الروايات الكثيرة في رميه وم # بحصى الخذف، فكيف
أعجب الإمام مالك - رضي الله عنه - أكبر من ذلك، لا سيما وقد ورد النهي
عن الأكبر في حديث ابن عباس المذكور قبل ذلك، إذ قال فيه وَله: ((بأمثال
هؤلاء، وإياكم والغلو في الدين))، ولذلك تعجب ابن المنذر من قول مالك،
كما حكاه صاحب ((المرقاة)) و((المحلى)).
وأجاب القاري(١) عن الإمام مالك، وأجاد إذ قال: ولا وجه للتعجب؛
لأن مالكاً رجح الأكبر من جملة حصى الخذف على أصغره، والمراد بالغلو ما
زاد على قدر حصى الخذف، فتأمل، فإنه موضع الزلل، انتهى.
وقال الباجي(٢): يقتضي أي قول مالك أنه لم يبلغه حديث النبي ◌َّر في
ذلك، ولذا نسبه إلى بعض أهل العلم ولو بلغه حديث النبي ◌ُّ من وجه
صحيح، لما نسبه إلى غيره، ولا استحب ما هو أكبر منه، ووجه آخر وهو أنه
يحتمل أنه حديث النبي ◌ّ أنه رمى بذلك، والنبي ◌َّ فعل ذلك تبييناً للجواز،
وأخذاً بالأيسر.
ووجه ثالث، وهو ما ذكره بعض شيوخنا أنه إنما فعل ذلك احتياطاً، لئلا
يقصر عن مثل ما رمى به النبي ◌ّ؛ لأنه إذا رمى النبي وَلّ بمثل حصى الخذف
كره أن يقصر أحد عن ذلك، فيرمي بما هو أصغر من حصى الخذف، ومن
تحرى مثل حصى الخذف أخذ مرة أكبر منه، ومرة مثله، ومرة أصغر منه،
(١) انظر: ((مرقاة المفاتيح)) (٣٤٥/٥).
(٢) ((المنتقى)) (٤٧/٣).
٣٢٩

٢٠ - كتاب الحج
(٧١) باب
(٩٠٦) حديث
فيُخِلُّ ببعض التقدير الذي سَنَّه رسول الله بَّه، فاستحب مالك أن يزيد على
حصى الخذف، ليتيقن أنه رمى بما رمى به النبي ◌ّ ولا يقصر عن شيء منه.
وقد روي عن القاسم بن محمد أنه كان يرمي بأكبر من حصى الخذف،
وهذا أيضاً ليس بأيسر؛ لأنه لو كان قدر حصى الخذف على معنى التحديد
الذي لا يجوز الإخلال بشيء منه، لكان ذلك بمنع من الزيادة عليه، والوجه
الأول أبين، والأخذ بما فعل النبي وَّل أولى وأحق، انتهى.
وقال الدردير(١): شرط صحة الرمي مطلقاً بحجر كحصى الخذف، وهو
قدر الفول والنواة أو دون الأنملة، ولا يجزئ الصغير جداً كالحمصة، ويكره
الكبير خوف الأذية، ولمخالفة السنة وأجزأ، انتهى.
وقال الموفق (٢): يستحب أن تكون الحصيات كحصى الخذف لهذه
الأخبار، وقال الأثرم: يكون أكبر من الحمص، ودون البندق، وكان ابن عمر
- رضي الله عنه - يرمي بمثل بعر الغنم، فإن رمى بحجر كبير، فقد روي عن
أحمد أنه قال: لا يجزئه حتى يأتي بالحصى على ما فعل النبي وَّ، وذلك لأن
النبي ◌َلو أمر بهذا القدر، ونهى عن تجاوزه، والأمر يقتضي الوجوب، والنهي
يقتضي فساد المنهي عنه، ولأن المرمى بالكبير ربما آذى من يصيبه، وقال
بعض أصحابنا: يجزئه مع تركه للسنة؛ لأنه قد رمى بالحجر، وكذلك الحكم
في الصغير، انتهى.
وفي ((الروض المربع)»(٣): عدده سبعون حصاة، كل واحدة بين الحمص
والبندق كحصى الخذف، فلا تجزئ صغيرة جداً ولا كبيرة، انتهى.
(١) ((الشرح الكبير)) (٥٠/٢).
(٢) ((المغني)) (٤٢٥/٣).
(٣) (٥١٢/١).
٣٣٠
---
--- ------- -

٢٠ - كتاب الحج
(٧١) باب
(٩٠٦) حديث
وقال النووي في ((مناسكه)) (١): يستحب أن تكون الحصاة كحصاة
الخذف، قال أصحابنا: فلو رمى بأكبر منه أو أصغر كره وأجزأه، انتهى. وقال
أيضاً: ويكون الحصى صغاراً وقَدَّره قدر حصى الخذف، لا أكبر منه ولا
أصغر، وهو دون أنملة نحو حبة الباقلاء، وقيل: نحو النواة، ويكره أن يكون
أكبر من ذلك .
قال ابن حجر: أي أو أصغر منه، وقضية ذلك أن ما يسمى حصاة، فإن
كبر أو صغر يكفي، ومن ثم صرحوا بأنه لو رمى بملء الكف أجزأه، فقول
مجلى كالروياني: يتعين أن يكون الحجر المرمي قدراً يمكن رميه برؤوس
الأصابع، فيه نظر، وإن أقره الزركشي، إذ المدار على ما يسمى حصاة أو
حجراً، وما بحثه من أنه لو رمى بحجر ثقيل لا ينقله إلا بيديه لم يكف، فيه
نظر أيضاً لما ذكره، انتهى.
وفي ((الهداية))(٢): فيرميها بسبع حصيات مثل حصى الخذف؛ لقوله مايلى :
((عليكم بحصى الخذف؛ لا يؤذي بعضكم بعضاً)) قال الحافظ في ((الدراية)):
أبو داود وأحمد وإسحاق من حديث سليمان بن عمرو عن أمه، وفيه ((لا يقتل
بعضكم بعضاً)). ثم قال صاحب ((الهداية)): ولو رمى بأكبر منه جاز لحصول
الرمي، غير أنه لا يرمي بالكبير من الأحجار كيلا يتأذى به غيره.
قال العيني في ((البناية)): وفي ((المحيط)): لا يستحب الكبار، وعند أحمد
لو رمى بحجر كبير لا تجزئه، وقال مالك: يستحب أن يكون أكبر من حصى
الخذف، وأنكر القرطبي والشافعي، وقالا بعد ما صح عن قول الشارع: إنه
مثل حصى الخذف: لا معنى لأكبر من ذلك، انتهى. وفي ((الغنية)): سبع
(١) (ص٣٢٠).
(٢) (١/ ١٤٤) .
٣٣١

٢٠ - كتاب الحج
(٧١) باب
(٩٠٦) حديث
حصيات كحصى الخذف أو أكبر منها قليلًا، والمختار قدر الباقلاء، يكره بأكبر
منها كثيراً كالصخرة العظيمة، وما يقرب منها ((فتح)).
وفي ((المحيط)): ولو رمى بأكبر من حصى الخذف أجزأه، ولكن لا
يستحب ذلك، وفي ((الينابيع)): ولو رمى بالأصغر أجزأه، وليس بمستحب،
انتهى، ثم قال الموفق: والتقاط الحصيات أولى من تكبيره لقول ابن عباس:
قال رسول الله وَ﴿ غداة جمع: ((القط لي حصى))، الحديث. ولأنه لا يؤمن في
التكبير أن يطير إلى وجهه شيء يؤذيه، وقال النووي: ويكره كسر الحجارة له
إلا لعذر، بل يلتقطها صغاراً، وقد ورد نهي عن كسرها هاهنا، وهو أيضاً
يفضي إلى الأذى. وكذا صرح بكراهة ذلك الدردير والقاري.
واختلفوا أيضاً في صفة الحجار. قال الموفق(١): ويجزئ الرمي بكل ما
يسمى حصى، وهي الحجارة الصغار، سواء كان أسود أو أبيض أو أحمر، من
المرمر، أو البرام(٢)، أو المرو، وهو الصوان، أو الرخام أو الكذان(٣) أو
حجر المِسَنِّ وهو قول مالك والشافعي، وقال القاضي: لا يجزئ الرخام ولا
البرام والكذان، ويقتضي قوله، أن لا يجزئ المرو ولا حجر المسن، وقال أبو
حنيفة: يجوز بالطين والمدر وما كان من جنس الأرض. ونحوه قال الثوري.
وروي عن سكينة بنت الحسين أنها رمت الجمرة، ورجل يناولها الحصى تُكَبِّرُ
مع كل حصاة، وسقطت حصاة فرمت بخاتمها .
ولنا: أنه {وَل# رمى بالحصى، وأمر بمثل حصى الخذف، فلا يتناول غير
الحصى، ويتناول جميع أنواعه، فلا يجوز تخصيصه بغير دليل، ولا إلحاق
غيره به؛ لأنه لا يدخل القياس فيه، انتهى.
(١) «المغني)) (٢٨٩/٥).
(٢) هو حجارة صلبة من رؤوس الجبال.
(٣) الكذان: حجارة رخوة تميل إلى البياض.
٣٣٢
-- - -*

٢٠ - كتاب الحج
(٧١) باب
(٩٠٦) حديث
٠
وفي ((الروض المربع))(١): لا يجزئ الرمي بغير الحصاة كجوهر وذهب
ومعدن .
وقال النووي في ((مناسكه))(٢): شرط ما يرمى به كونه حجراً، فيجزئ
المرمر، والبِرَام، والكَذّان، وسائر أنواع الحجر، ويجزئ حجر النورة قبل أن
يطبخ، ويصير نورة، ويجزئ حجر الحديد على المذهب الصحيح؛ لأنه حجر
في الحال، إلا أن فيه حديداً كامناً يُسْتَخْرَجُ بالعلاج، وفيما يتخذ منه
الفصوص، كالفيروزج، والياقوت، والعقيق، والزمرد، والبلور، والزبرجد،
وجهان لأصحابنا، أصحهما الإجزاء؛ لأنها أحجار، ولا يجزئ ما لا يسمى
حجراً، كاللؤلؤ والزرنيخ والإثمد والمدر والجص والذهب والفضة والنحاس
والحديد، وسائر الجواهر المنطبعة، انتهى.
قال ابن حجر: قوله: ويجزئ حجر الحديد، مثله حجر نحو الذهب
والفضة وغيرهما، كما يفهمه قوله الآتي: وسائر الجواهر المنطبعة، وكالمنطبع
من النقدين تبرهما، فلا يجزئ الرمي بذلك؛ لأنه لا يسمى حجراً، انتهى.
قال الدردير (٣): وصحة الرمي بحجر، ولا يجزئ طين ولا معدن كذهب
وحديد ومغرة وكبريت لاشتراط الحجرية. قال الدسوقي: قوله: بحجر أي كون
المرمي من جنس ما يسمى حجراً سواء كان زلطاً أو رخاماً أو صواناً أو غير
ذلك، انتهى .
وقال القاري في (شرح اللباب)) (٤): الشرط السادس أن يكون الحصى من
(١) (٥١٣/١).
(٢) (ص٣١٧).
(٣) ((الشرح الكبير)) (٥٠/٢).
(٤) (ص١٣٣).
٣٣٣

٢٠ - كتاب الحج
(٧١) باب
(٩٠٦) حديث
جنس الأرض، وإن لم يطلق عليه اسم الحصى، إذا كان من جنس الأرض،
فيجوز بالحجر ولو كبيراً. والمدر وقطع الأجر واللبن والطين أي التراب
المخلوط بالماء، لكن الظاهر أن يكون التراب أغلظ، والنورة وهي الجص،
والمغرة، والملح الجبلي، لا البحري؛ لأن غالب أجزائه الماء المالح،
والكحل، والكبريت، والزرنيخ، وقبضة من تراب، والأحجار النفيسة،
كالزبرجد، والزمرد، والبلخش، والبلور، والعقيق. واختلف في الياقوت
والفيروزج.
قال ابن الهمام: ظاهر الإطلاق الجواز؛ لأنهما من أجزاء الأرض،
والأفضل أن يرمي بالأحجار الصغار المسمى بالحصى، ولا يجوز بما ليس من
جنس الأرض، كالذهب والفضة واللؤلؤ والعنبر والمرجان والبعرة، لكن في
((العقول)) للإمام المحبوبي: لو رمى بالبعرات يجوز، ولو رمى بالجواهر لا
يجوز، والفرق أن رمي الجمار عرف بخلاف القياس، ورمي البعرات في
معناه؛ لأنه يقصد به رمي الشيطان والاستخفاف به، وليس في رمي الجواهر ما
ذكرنا من المعنى فلا يجوز، انتهى.
وهو معنى دقيق لا يخفى، لكن الجمهور نظروا إلى أن الوارد، وهو
الحصى، فيشمل جميع جنس الأرض في المعنى، فما قاله بإشارات الصوفية
أشبه في المبنى، ولذا قال: في ((المبسوط)): وبعض المتقشفة يقولون: إنه لو
رمى بالبعرة أجزأه؛ لأن المقصود إهانة الشيطان، وذا يحصل بالبعرة، ولسنا
نقول بهذا، انتهى.
واختلفوا أيضاً في موضع التقاطه، قال الموفق(١): يأخذ حصى الجمار
من طريقه أي منى أو من مزدلفة، وإنما استحب ذلك لئلا يشتغل عند قدومه
(١) («المغني)) (٢٨٨/٥).
٣٣٤
------ ------

٢٠ - كتاب الحج
(٧١) باب
(٩٠٦) حديث
بشيء قبل الرمي، فإن الرمي تحية له، كما أن الطواف تحية المسجد، فلا يبدأ
بشيء قبله، وكان ابن عمر - رضي الله عنهما - يأخذ الحصى من جَمْع، وفعله
سعيد بن جبير، وقال: كانوا يتزودون الحصى من جمع، واستحبه الشافعي،
وعن أحمد قال: خذ الحصى من حيث شئت، وهو قول عطاء وابن المنذر،
وهو أصح إن شاء الله؛ لأن ابن عباس - رضي الله عنه - قال: قال لي
رسول الله صل غداة العقبة وهو على ناقته: ((القط لي حصى))، فلقطت له سبع
حصيات، الحديث، رواه ابن ماجه، وكان ذلك بمنى، ولا خلاف في أنه
يجزئه أخذه حيث كان، وإن رمى بحجر أخذ من المرمى لم يُجْزِهِ، وقال
الشافعي يجزئه؛ لأنه حصى، فيدخل في العموم.
ولنا، أن النبي ◌َ﴿ أخذ من غير المرمى، وقال: ((خذوا عني مناسككم))،
ولأنه لو جاز الرمي بما رمى به، لما احتاج أحد إلى أخذ الحصى من غير
مكانه ولا تكسيره، والإجماع على خلافه، ولأن ابن عباس قال: ما يُقْبَلُ منها
يُرْفَعُ، انتھی.
وفي ((الروض المربع)) (١): وأخذ الحصى من حيث شاء، ولا يجزئ الرمي
بها ثانياً؛ لأنها استعملت في عبادة، فلا تستعمل ثانياً كماء الوضوء، انتهى.
وقال النووي في ((مناسكه))(٢): يأخذ من المزدلفة حصى الجمار لجمرة
العقبة يوم النحر، وهي سبع حصيات، والاحتياط أن يزيد فربما سقط منها
شيء، وقال بعض أصحابنا يأخذ منها حصى جمار أيام التشريق أيضاً، وهي
ثلاث وستون. وقال بعضهم: الأولى أن يأخذ حصى جمار أيام التشريق من
غير المزدلفة، وكلاهما نقل عن الشافعي، لكن الجمهور على هذا الثاني،
(١) (٥١٣/١).
(٢) (ص٣٠١).
٣٣٥

٢٠ - كتاب الحج
(٧١) باب
(٩٠٦) حديث
ويستحب أن يكون أخذه للحصى بالليل كذا قال الجمهور، وقيل: يأخذ بعد
الصبح، والمختار الأول، لئلا يشتغل به عن وظائفه بعد الصبح، ومن أي
موضع أخذ جاز، لكن يكره من المسجد، ومن الحش، ومن المواضع
النجسة، ومن الجمرات التي رماها هو أو غيره، لأنه روي عن ابن عباس: ((ما
تقبل منها رُفِع، وما لم يتقبل منها تُرِك، ولولا ذلك لسد ما بين الجبلين))، وزاد
بعض أصحابنا، فكره أخذها من جميع منى لانتشار ما رمي فيها، ولم يتقبل،
ولو رمى بكل ما كرهناه له جاز. وقال أيضاً: يكره أن يرمي بما أخذه من
المسجد أو مواضع النجس أو بما رمى به غيره، ولو رمى بشيء من ذلك
أجزأه، انتهى.
قال ابن حجر: قوله: يأخذ من المزدلفة أي لخبر. رواه الملَّا عن أبان بن
صالح، ويعضده ماصح من قوله ◌ّير للفضل غداة النحر: ((التقط لي حصى))(١)،
والغداة لغة ما بين صلاة الصبح وطلوع الشمس، وهو ◌َّ# كان إذ ذاك
بمزدلفة، فيكون أمره بالالتقاط منها، وقول ابن حزم: إنه رمى جمرة العقبة
بحصى التقطها عبدالله بن عباس من موقفه الذي رمى فيه مردودٌ، على أنه يمكن
الجمع بأنه يحتمل أن الفضل سقط منه شيء مما التقطه من مزدلفة، فأمره
وستا
بالتقاطه بدله من موقفه، أي محل وقوفه، وهو بطن الوادي لا من المرمى.
ثم ظاهر كلامه كغيره أنه لم ترد سنة في تعيين المحل الذي يؤخذ منه
حصى أيام التشريق، لكن قال ابن كج وغيره: يؤخذ من بطن محسر أخذاً من
قوله ◌َر: ((علكيم بحصى الخذف الذي يرمى به الجمرة)).
ونقل السبكي عن النص أنها لا تؤخذ إلا من منى أخذاً مما في ((مسلم))
عن ابن عباس أن النبي ( 8# لما وصل المحسر، وهو بمنى، قال: ((عليكم
(١) أخرجه أحمد في «مسنده)) (٢٢٥/١).
٣٣٦

٢٠ - كتاب الحج
(٧١) باب
(٩٠٦) حديث
بحصى الخذف الذي ترمى به الجمرة)»، وقد يقال: ليس في هذا دليل على سنية
أخذها من هذا المحل بعينه، بل يحمل على أنه قاله تذكيراً لهم، وإعلاناً لمن
غفل عن الأخذ من مزدلفة أن يأخذ من أي محل شاء، وقوله: ذلك عند
وصوله لمحلٍ لم يقل من هذا لا يدل على اختصاص ذلك المحل، على أن
قوله: عليكم بمعنى الزموا، وحينئذٍ، فيكون أمراً بحفظ ما معهم مما أخذوه من
مزدلفة، وقول الراوي: وهو بمنى أي متصل بها، فلا يدل على أن محسراً
بمنى، ولو استدل السبكي بما في ((ابن حبان)) حتى إذا دخل بطن منى قال:
((عليكم بحصى الخذف))، لكان أولى إلا أن يقال في ((عليكم)) ما مر، فلا
یکون فيه دلالة أيضاً، انتهى.
وقال الدردير(١): ويلقطها من أي محل شاء إلا جمرة العقبة، فيندب
لقطها من المزدلفة، انتهى. وقال أيضاً: كره رمي بمرمى به أي بحصى رمى به
قَبْلُ منه أو من غيره في ذلك اليوم أو غيره، وظاهره ولو في ثاني عام، انتهى.
قال الباجي(٢): له أن يأخذ حصى الجمار من منزله بمنى أو حيث شاء
ما لم يأخذها من الحصى الذي قد رمى به إلا جمرة العقبة، فإنه يستحب أخذه
من المزدلفة، قاله ابن حبيب، ولا وجه لذلك عندي غير الاستعداد بالجمار؛
لأن الداخل إلى منى يقصد جمرة العقبة، فيرميها، ولا يُقَدِّمُ على ذلك شيئاً؛
لأن رميه يتصل بوصوله قبل أن يحط رحله، فيجب أن يكون جماره معدة،
ليمكنه أن يصل رميه بالوصول، وإن لم تكن مُعَدّةً فَصِلْ بين رميه ووصوله
بطلب الجمار.
وأما غيرها من الجمار، فإنها يرميها في اليوم الثاني بعد الزوال، فيتَّسع
(١) ((الشرح الكبير)) (٤٦/٢).
(٢) ((المنتقى)) (٤٧/٣).
٣٣٧

٢٠ - كتاب الحج
(٧١) باب
(٩٠٦) حديث
له الوقت، لطلب الجمار، وإعدادها، ولا يرمي من الجمار بما قد رمى، هذا
هو المشهور من المذهب، وروى ابن وهب عن مالك فيمن سقطت منه حصاة
أنه يأخذ من موضعه حصاة مكانها، فيرمي بها مكان التي سقطت، وروى ابن
القاسم عن مالك: إن تيقن أنها الحصاة التي سقطت منه حصاة فليأخذها، وأنه
ليكره أن يأخذ من الجمار التي قد رمى بها، فإن أخذ، وهو لا يتيقن أنها
الحصاة التي سقطت منه، فأرجو أن يكون خفيفاً، وقد روى ابن المواز عن
أشهب أنه لا يجزئه، انتهى.
وفي ((شرح اللباب))(١): يستحب أن يرفع من المزدلفة سبع حصيات يرمي
بها جمرة العقبة أي في اليوم الأول، وإن رفع من المزدلفة، سبعين حصاة أو
من الطريق أي من طريق مزدلفة، فهو جائز، وقيل: مستحب أي أخذ السبعين
على ما ذكره بعض المشايخ، لكن قال الكرماني: هذا خلاف السنة وليس
مذهبنا .
وأما ما في ((البدائع)) و((الأسبيجابي)) و((التحفة)) من أنه يأخذ حصى
الجمار من المزدلفة أو من الطريق، فينبغي حمله على الجمار السبعة، ويجوز
أخذها من كل موضع بلا كراهة إلا من عند الجمرة، فإنه مكروه؛ لأن جمراتها
الموجودة علامة أنها المردودة، فإن المقبولة منها تُرْفع لتثقيل الميزان، إلا أنه
لو فعل ذلك جاز، وكره.
وقال مالك: لا يجوز وإلا من المسجد، فإن حصى المسجد صار
محترماً، يكره إخراجه خصوصاً بقصد ابتذاله، وإلا من مكان نجس، فإن فعل
كلا منهما جاز وكره، انتهى.
قلت: وما ذكروا من أن جمرتها الموجودة علامة أنها المردودة، بسط
(١) (ص١١٨).
٣٣٨

٢٠ - كتاب الحج
(٧١) باب
(٩٠٦) حديث
الكلام على رواياته العيني في ((البناية)) والزيلعي في ((نصب الراية))(١).
وقال الحافظ في ((الدراية)): أخرج الدارقطني والحاكم من طريق
عبد الرحمن بن أبي سعيد عن أبيه قلنا: يا رسول الله وَّر هذه الجمار التي
يرمى بها كل عام، فنحسب أنها تنقص فقال: ((إنه ما تقبل منها رُفِع، ولولا
ذلك لرأيتها أمثال الجبال))، وفيه أبو فروة يزيد بن سنان ضعيف، وأخرجه ابن
أبي شيبة من طريق ابن أبي نعيم عن أبي سعيد موقوفاً، وكذا أخرجه أبو نعيم،
وأخرج من حديث ابن عمر مرفوعاً: ((ما رفع حج امرئ إلا رفع حصاه))، وفي
إسناده واسط بن الحارث، ذكره ابن عدي في ترجمته، وقال: عامة ما يرويه لا
يتابع عليه، ووقع في (دلائل أبي نعيم)) العوام بدل واسط، وروى إسحاق وابن
أبي شيبة والأزرقي من حديث ابن عباس في حصى الجمار: ما تقبل منها رفع
وما لم تقبل منه ترك، أورده من ثلاث طرق موقوفاً(٢)، انتهى.
قلت: وقال الحاكم بعدما أخرج حديث أبي سعيد: هذا حديث صحيح
الإسناد ولم يخرجاه، ويزيد بن سنان ليس بالمتروك، وقال الذهبي: يزيد
ضعفوه، انتهى .
وفي ((العناية)): في حديث سعيد بن جبير قلت لابن عباس: ما بال
الجمار ترمى من وقت الخليل عليه الصلاة والسلام، ولم تصر هضاباً تسد
الأفق؟ فقال: أما علمتَ أنه مَنْ يُقْبل حجُّه رفع حصاه، ومن لم يقبل حجه ترك
حصاه، قال مجاهد: لما سمعت هذا من ابن عباس جعلت على حصياتي
علامةً، ثم توسطتُ الجمرة، فرميته من كل جانب ثم طلبت، فلم أجد بتلك
العلامة شيئاً من الحصى، انتهى.
(١) انظر: ((نصب الراية)) (٧٨/٣).
(٢) انظر: ((الدارية على هامش الهداية)) (٢٥٠/١) و((تلخيص الحبير)) (٢١٨/١).
٣٣٩

٢٠ - كتاب الحج
(٧١) باب
(٩٠٦) حدیث
وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ نَافِع؛ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ
يَقُولُ: مَنْ غَرَبَتْ لَهُ الشَّمْسُ مِنْ أَوْسَطِ أَيَّامِ التَشْرِيقِ وَهُوَ بِمِنِىّ، فَلَا
يَنْفِرَنَّ، حَتَّى يَرْمِيَ الْجِمَارَ مِنَ الْغَدِ.
قال ابن عابدين(١): وفي ((السعدية)): لك أن تقول: أهل الجاهلية كانوا
على الإشراك ولا يقبل عمل لمشرك، وأجيب بأن الكفار قد تقبل عبادتهم
ليجازوا عليها في الدنيا، قال الطحطاوي: ويؤيده ما رواه أحمد ومسلم(٢) عن
أنس - رضي الله عنه - أنه وَ ل قال: ((إن الله تعالى لا يظلم المؤمن حسنة يُعطى
عليها في الدنيا، ويُثاب عليها في الآخرة، وأما الكافر فيطعم بحسناته في الدنيا
حتى إذا أفضى إلى الآخرة لم يكن له حسنة يعطى بها خيراً))، انتهى. قال:
لكن قد يدعى تخصيص ذلك بأفعال البر دون العبادات المشروطة بالنية، فإن
النية شرطها الإسلام إلا أن يقال: إن هذا شرط في شريعتنا فقط، انتهى.
(مالك، عن نافع أن عبد الله بن عمر) - رضي الله عنهما - (كان يقول:
من غربت له الشمس) أي غربت عليه أو معناه من ظهر له غروبها (من أوسط
أيام التشريق) وهو الثاني من أيام التشريق والثالث من أيام النحر (وهو بمنى)
ولم يتعجل (فلا ينفرن) بعد الغروب، فإنه كان له أن يتعجل قبل الغروب، قال
تعالى: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِى يَوْمَيْنِ فَلَآَ إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخََّ فَلَّ إِثْمَ عَلَيَّةٍ﴾(٣) وهذا لم
يتعجل في يومين لخروج اليوم للغروب فلا يخرج (حتى يرمي الجمار) الثلاثة
(من الغد) أي في الثالث من أيام التشريق.
قال الخرقي(٤): فإن أحبّ أن يتعجل في يومين خرج قبل غروب
(١) ((رد المحتار)) (٢/ ٥٦٧).
(٢) أخرجه مسلم (٢٨٠٧).
(٣) سورة البقرة: الآية ٢٠٣
(٤) ((المغني)) (٣٣١/٥).
٣٤٠