Indexed OCR Text
Pages 261-280
٢٠ - كتاب الحج (٦٨) باب ٥ ٠ ٠ قولهما، وفي ((الدر المختار)) (١): عليه الاعتماد. والرابعة: في لفظه، وهو أيضاً مختلف فيه، ذكر العيني في ((البناية)): فيها سبعة أقوال للعلماء، وتقتصر على مسالك الأئمة للاختصار، قال الموفق(٢): صفة التكبير: الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد، وهذا قول عمر وعلي وابن مسعود، وبه قال الثوري وأبو حنيفة وإسحاق وابن المبارك، إلا أنه زاد: ((على ما هدانا))؛ لقوله تعالى: ﴿وَلِتُكَبِرُواْ اللَّهَ عَلَى مَا هَدَنَكُمْ﴾(٣). وقال مالك والشافعي: يقول: الله أكبر الله أكبر ثلاثاً؛ لأن جابراً صلى في أيام التشريق، فلما فرغ من صلاته قال: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، وهذا لا يقوله إلا توقيفاً، ولأن التكبير شعار العيد، فكان وتراً، كتكبير الصلاة والخطبة . ولنا، خبر جابر عن النبي ◌ّ، وهو نص في كيفية التكبير، وأنه قول الخليفتين الراشدين وقول ابن مسعود - رضي الله عنهم -، وقول جابر لا يسمع مع قول النبي وَّرَ، ولا يُقَدَّمُ على قول أحد ممن ذكرنا، فكيف يُقَدّمُ على قول جميعهم، ولأنه تكبير خارج الصلاة، فكان شفعاً، كتكبير الأذان، وقولُهم: إن جابراً لا يقوله إلا توقيفاً، فاسدٌ لوجوهٍ: أحدها: أنه قد روى خلاف قوله، فكيف يترك ما صرح به لاحتمال وجود ضده؟ الثاني: إن كان توقيفاً، كان قول من خالفه توقيفاً، فكيف قدموا الضعيف (١) (١/ ١٩٥). (٢) ((المغني)) (٢٩٠/٣). (٣) سورة البقرة: الآية ١٨٥. ٢٦١ ٢٠ - كتاب الحج (٦٨) باب على ما هو أقوى منه، مع إمامة من خالفه وفضلهم في العلم عليه، وكثرتهم؟. الثالث: أن هذا ليس بمذهب لهم، فإن قول الصحابي لا يحمل على التوقيف عندهم. الرابع: إنما يحمل على التوقيف ما خالف الأصول، وذكر الله لا يخالف الأصل، ولا سيما إذا كان وتراً، انتهى. قال النووي في ((مناسكه)) (١): التكبير أن يقول: الله أكبر الله أكبر الله أكبر. ويكرر هذا ما تيسر له، هكذا نص الشافعي وجمهور أصحابه قالوا: فإن زاد على هذا زيادة، فحسن أن يقول: الله أكبر كبيراً، والحمد لله كثيراً، وسبحان الله بكرة وأصيلا، إلى آخر ما ذكر من الأدعية، ثم قال: وقال جماعة من أصحابنا: لا بأس أن يقول ما اعتاده الناس: الله أكبر الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر الله أكبر ولله الحمد، انتهى. وجعل شارح ((الإقناع))(٢) هذه الثالثة صيغته المحبوبة، قال: واستحسن في (الأم)) أن يزيد بعد التكبيرة الثالثة: الله أكبر كبيراً، فذكر الزيادات من الأدعية . وفي ((البناية)): الأول قول الشافعي: التكبير أن يقول: الله أكبر ثلاث مرات، أو خمساً، أو سبعاً، أو تسعاً؛ لأن التنصيص عليه في القرآن التكبير، قال تعالى: ﴿وَلِتُكَتِرُواْ اللَّهَ عَلَى مَا هَدَلَكُمْ﴾ والتكبير قوله: الله أكبر، وأما قوله: لا إله إلا الله فتهليل، وقوله: الحمد لله تحميد، فمن شرط هذا، فقد زاد على الكتاب، انتهى. (١) (ص٣٥٥). (٢) (٢٢٤/٢). ٢٦٢ ٢٠ - كتاب الحج (٦٨) باب ٠ وقال الدردير (١): ندب لفظه الوارد، وهو كما في ((المدونة)): الله أكبر ثلاثاً متواليات من غير زيادة، وإن قال بعد تكبيرتين: لا إله إلا الله، ثم تكبيرتين مدخلًا عليهما واو العطف، ولله الحمد بعدهما، فحسن، والأول أحسن اتباعاً للوارد، قال الدسوقي: قوله: من غير زيادة، فإن زاد شيئاً كان خلاف الأولى؛ لأن هذا هو الوارد في الحديث، فإذا اقتصر على التكبيرات الثلاث، كان آتياً بمندوبين، ندب التكبير وندب لفظه الوارد، وإن زاد شيئاً، كما هو الواقع الآن، فقد أتى بمندوب، وترك مندوباً، وقوله: والأول أحسن؛ لأنه الذي في (المدونة))، والثاني في ((مختصر ابن عبد الحكم)). وقيل: إن الأول حسن، والثاني أحسن، فقد علمت أن المسألة ذات قولين، والراجح ما مشى عليه المؤلف انتهى. وفي ((الأنوار)): يستحب الاقتصار على اللفظ الوارد في التكبير، وهو الله أكبر ثلاث مرات، قال في ((الشرح الصغير)): فإن زاد بعد الثالثة: لا إله إلا الله والله أكبر، فحسنٌّ، والأول أحسن، قال في ((حاشية العدوي)): اختار ابن حبيب أن يقول: الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد على ما هدانا، اللّهم اجعلنا من الشاكرين، انتهى. وفي ((الهداية))(٢): التكبير أن يقول مرة واحدة: الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر الله أكبر ولله الحمد، هذا هو المأثور عن الخليل صلوات الله عليه . قال الزيلعي(٣): لم أجده مأثوراً عن الخليل عليه السلام، ولكنه مأثور (١) ((الشرح الكبير)) (٤٠١/١). (٢) (٨٦/١). (٣) ((نصب الراية)) (٢٢٤/٢). ٢٦٣ ٢٠ - كتاب الحج (٦٨) باب عن ابن مسعود، ورواه ابن أبي شيبة بسند جيد، فذكره بطريقين عنه، وذكر في ((المفيد)): هو المأثور عن الخليل وإسماعيل وجبرائيل عليهم السلام، فإنه لما تَلَّه للجبين، وتناول المدية باليمين، وجاء جبرائيل بالفداء، ونادى في الهواء الله أكبر الله أكبر، فسمعه الخليل، فقال: لا إله إلا الله والله أكبر، فسمعه الذبيح، فقال: الله أكبر، ولله الحمد، هكذا في ((البناية))، وذكر نحواً من ذلك عن ((المبسوط)) و((قاضيخان)). الخامسة: في التكبير المطلق في ليالي العيدين وغيرها، قال الخرقي: يظهرون التكبير في ليالي العيدين، وهو في الفطر آكد؛ لقوله تعالى: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِرُواْ اللَّهَ عَلَى مَا هَدَنَكُمْ﴾ الآية، قال الموفق (١): جملته أنه يستحب للناس إظهار التكبير في ليلتي العيدين في مساجدهم ومنازلهم وطرقهم، مسافرين كانوا أو مقيمين، لظاهر الآية المذكورة، ومعنى إظهار التكبير رفع الصوت به، واستحب ذلك لما فيه من إظهار شعائر الإسلام، وتذكير الغير، وكان ابن عمر - رضي الله عنهما - يكبر في فِتْيَةٍ (٢) بمنى، ليسمعه أهل المسجد فيكبرون، ويكبر أهل الأسواق، حتى ترتجَّ منّى تكبيراً، قال أحمد: وكان ابن عمر - رضي الله عنهما - يكبر في العيدين جميعاً، ويُعْجِبُنا ذلك، واختص الفطر بمزيد تأكيد؛ لورود النص فيه، وليس التكبير واجباً، وقال داود: واجب في الفطر لظاهر الآية. ولنا، أنه تكبير في عيد، فأشبه تكبير الأضحى، ولأن الأصل عدم الوجوب، ولم يرد من الشارع إيجابه، فيبقى على الأصل، والآية ليس فيها أمر، إنما أخبر تعالى عن إرادته، فقال: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ﴾(٣) الآية. (١) ((المغني)) (٢٥٥/٣). (٢) كذا في الأصل، وهو تحريف، والصواب: قُبَّته، كما في ((المغني)). (٣) سورة البقرة: الآية ١٨٥. ٢٦٤ .-- ٢٠ - كتاب الحج (٦٨) باب ٠٠٠ ٠ ويستحب أن يكبر في طريق العيد ويجهر بالتكبير، قال ابن أبي موسى: يكبر الناس في خروجهم من منازلهم لصلاتي العيدين جهراً حتى يأتي الإمام المصلى، ويكبر الناس بتكبير الإمام في خطبته، وينصتون فيما سوى ذلك، وعن ابن عمر - رضي الله عنهما - أنه كان إذا خرج من بيته إلى العيد، كبر حتى يأتي المصلى، وروي ذلك عن سعيد بن جبير وعبد الرحمن بن أبي ليلى، واختلف فيه عن إبراهيم. قال القاضي: التكبير في الأضحى مطلق ومقيد، فالمقيد عقيب الصلوات، والمطلق في كل حال في الأسواق وفي كل زمان، وأما الفطر فمسنونه مطلق غير مقيد على ظاهر كلام أحمد، وهو ظاهر كلام الخرقي، وقال أبو الخطاب: يكبر من غروب الشمس من ليلة الفطر إلى خروج الإمام إلى الصلاة في إحدى الروايتين، وهو قول الشافعي، وفي الأخرى إلى فراغ الإمام من الصلاة، انتهى. وفي ((البناية)): اختلف أصحاب الشافعي في انقطاع هذا التكبير، فقال المزني: يكبرون حتى يخرج الإمام، وقال البويطي: حتى يفتتح الصلاة، وعن الشافعي في القديم: حتى ينصرف من الصلاة، ومثله في الأضحى، ويجهر به في الطريق إجماعاً، وكان ابن عمر - رضي الله عنهما - يرفع صوته بالتكبير في العيدين، وروي ذلك عن علي وأبي أمامة الباهلي - رضي الله عنهما -، انتهى. وفي «شرح الإقناع))(١): يكبر ندباً كلُّ أحدٍ غير حاج من غروب الشمس من ليلة عيد الفطر والأضحى برفع صوتٍ في المنازل والأسواق وغيرهما، واستثنى الرافعي منه المرأة، والظاهر أن محله إذا حضرت مع غير محارمها ونحوهم، ويستمر التكبير إلى أن يدخل الإمام في الصلاة، قال البجيرمي: ومنه (١) (٢٢٣/٢). ٢٦٥ ١ ٢٠ - كتاب الحج (٦٨) باب يعلم أنه لا يسن التكبير عقب صلاة عيد الفطر، فما جرت به العادة من التكبير عقبها خلاف السنة، انتهى. وفي ((شرح المنهاج)): يندب التكبير بغروب الشمس ليلتي العيد في المنازل والطرق والمساجد والأسواق برفع الصوت؛ لقوله تعالى: ﴿وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ﴾ أي عدة الصوم، ﴿وَلِتُكَبِرُواْ اللَّهَ﴾ أي عند إكمالها، وقيس به الأضحى، ويسمى هذا التكبير المرسل والمطلق؛ لأنه لا يتقيد بصلاة ولا بغيرها، ويسن تأخيره عن أذكارها بخلاف المقيد، والأظهر إدامته حتى يحرم الإمام بصلاة العيد، إذ التكبير لكونه شعار الوقت أولى ما يشتغل به، ولا يكبر الحاج ليلة الأضحى خلافاً للقفال، بل يلبي؛ لأن التلبية هي شعاره الأليق به، ولا يسن ليلة الفطر عقيب الصلوات في الأصح إذ لم ينقل، وقيل: يستحب، وصححه في ((الأذكار))، وأطال غيره في ((الانتصار))، وأنه المنقول المنصوص، انتهى. وقال الدردير(١): ندب خروج بعد الشمس، وتكبير في خروجه حينئذٍ أي بعد الشمس كل واحدة على حدة، لا جماعة، فبدعة وإن استحسن، ولا يندب قبل الطلوع إن خرج قبله، بل يسكت حتى تطلع. وصحح خلافه أي أنه يكبر إن خرج قبله، وندب جهر بالتكبير بحيث يسمع نفسه ومن يليه وفوق ذلك قليلًا، ولا يرفع صوته حتى يعقره فإنه بدعة، وهل ينتهي التكبير لمجيء الإمام للمصلى، أو لقيامه للصلاة أي دخوله فيها تأويلان، قال الدسوقي: المراد دخوله في محل صلاته الخاص به كالمحراب، وإن لم يدخل الصلاة بالفعل، وهذا هو الموافق للنقل خلافاً لعج، حيث قال: إلى أن يدخل الصلاة بالفعل، انتھی . وفي ((الأنوار))(٢): ويستحب التكبير في ذهابه للمصلى والجهر به، قال (١) ((الشرح الكبير)) (٣٩٩/١). (٢) ((الأنوار الساطعة)) (ص٥٨٨). ٢٦٦ ٢٠ - كتاب الحج (٦٨) باب في ((حاشية العدوي)): وحكمة الجهر به إيقاظ الغافل وتعليم الجاهل، وقال في ((حاشية الصاوي)): يستحب الانفراد في التكبير حالة المشي للمصلى، وأما التكبير جماعة، وهم جالسون في المصلى، فهذا هو الذي استحسن، قال ابن ناجي: افترق الناس فرقتين بالقيروان بمحضر أبي عمرو الفاسي وأبي بكر بن عبد الرحمن، فإذا فرغت إحداهما من التكبير كبرت الأخرى، فسئلا عن ذلك، فقالا: إنه حسن، ويستمر على التكبير للشروع في صلاة العيد، قال في ((حاشية الصاوي)): اختلف في ابتداء التكبير بالمصلى، فقيل: بعد صلاة الصبح، وقيل: عند طلوع الشمس أو من الإسفار، انتهى. وفي ((الهداية))(١): لا يكبر عند أبي حنيفة في طريق المصلى أي في الفطر، ويكبر عندهما اعتباراً بالأضحى، وله أن الأصل في الثناء الإخفاء، والشرع ورد به في الأضحى؛ لأنه يوم تكبير، ولا كذلك يوم الفطر. قال العيني: قوله: ولا يكبر أي جهراً، وإنما قيدنا بالجهر؛ لأن التكبير خير موضوع لا خلاف في جوازه بصفة الإخفاء، وذكر الطحاوي أنه يغدو إلى صلاة جاهراً بالتكبير، ولم يذكر الخلاف، وقال أبو بكر الرازي في ((شرح مختصر الطحاوي)): يحكى عن أبي حنيفة أنه يكبر في الأضحى دون الفطر، وعليه مشايخنا بما وراء النهر، وفي عامة الكتب الخلاف في الجهرية في طريق المصلى لا في نفس التكبير. ومعنى قوله: لا يكبر أي جهراً، ثم إنه يقطع التكبير إذا انتهى إلى المصلى، وفي رواية لا يقطعها ما لم يفتتح الإمام الصلاة، وقوله: اعتباراً بالأضحى أي قياساً على عيد الأضحى، فإنه يكبر فيه جهراً بلا خلاف، وبه قال النخعي وسعيد بن جبير وابن أبي ليلى وابن عبد العزيز وأبان بن عثمان (١) (٨٤/١). ٢٦٧ ٢٠ - كتاب الحج (٦٨) باب والحكم وحماد ومالك والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور؛ لقوله تعالى: ﴿وَلِتُكَبِرُواْ اللَّهَ عَلَى مَا هَدَنَكُمْ﴾ قال ابن عباس: هذا ورد في عيد الفطر بدليل عطفه على قوله: ﴿وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ﴾، والمراد إكمال صوم رمضان، انتهى. وفي ((الدر المختار))(١): لا يكبر في طريقها مطلقاً، كذا قرره المصنف تبعاً (للبحر))، لكن تعقبه في (النهر)) ورجح تقييده بالجهر، زاد في ((البرهان)): وقالا: الجهر به سنة كالأضحى، وهي رواية عنه، ووجهها ظاهر قوله تعالى: ﴿وَلِتُكَبِّرُواْ اللَّهَ﴾، ووجه الأول: أن رفع الصوت بالذكر بدعة، فيقتصر على مورد الشرع. قال ابن عابدين: قوله: في طريقها، ليس التقييد به للاحتراز عن البيت أو المصلى، وإنما هو لبيان المخالفة بين عيد الفطر والأضحى، فإن السنة في الأضحى التكبير في الطريق، كما سيأتي. وقوله: كذا قرره المصنف تبعاً للبحر، حاصل الكلام في هذا المقام أنه قال في ((الخلاصة)): لا يكبر في الفطر، وعندهما يكبر، ويخافت، وهو إحدى الروايتين عنه، والأصح ما ذكرنا أنه لا يكبر في عيد الفطر. فأفاد أن الخلاف في أصل التكبير لا في صفته، وأن الاتفاق على عدم الجهر به، وردّه في ((فتح القدير)) بأنه ليس بشيء، إذ لا يمنع من ذكر الله في وقت من الأوقات بل من إيقاعه على وجه البدعة، وهو الجهر لمخالفة قوله تعالى: ﴿وَأَذْكُرُ رَّبَّكَ فِى نَفْسِكَ﴾ فيقتصر على مورد الشرع، وهو الأضحى؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَذْكُرُواْ اللَّهَ فِيَّ أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ﴾ وَرَدّ في ((البحر)) على ((الفتح)) بأن صاحب ((الخلاصة)) أعلم منه بالخلاف، وبأن تخصيص الذكر بوقت لم يرد به الشرع غير مشروع. (١) (٥٧/٣). ٢٦٨ ٢٠ - كتاب الحج (٦٨) باب ٠٥ قال ابن عابدين: ما في ((الخلاصة)) يشعر به كلام ((الخانية))، فإنه قال: يكبر يوم الأضحى، ويجهر، ولا يكبر يوم الفطر في قول أبي حنيفة، لكن لا شك أن المحقق ابن الهمام له علم تام بالخلاف أيضاً، كيف وفي ((غاية البيان)): المراد من نفي التكبير التكبير بصيغة الجهر، ولا خلاف في جوازه بصيغة الإخفاء. فأفاد أن الخلاف بين الإمام وصاحبيه في الإخفاء لا في أصل التكبير، وقد حكي الخلاف كذلك في ((البدائع))(١) و((السراج)) و((المجمع)) و(الدرر البحار)) و((الملتقى)) و((الدرر)) و(الاختيار)) و((المواهب)) و((الإمداد)) و((الإيضاح)) و((التتار خانية)) و((التجنيس)) و((التبيين)) و((مختارات النوازل)) و((الكفاية)) و((المعراج))، وعزاه في ((النهاية)) إلى ((المبسوط)) و(تحفة الفقهاء)) و((زاد الفقهاء))، فهذه مشاهير كتب المذهب مصرحة بخلاف ما في ((الخلاصة)). بل حكى القهستاني عن الإمام روايتين: إحداهما أنه يُسِرُّ، والثانية يجهر كقولهما، قال: وهي الصحيح على ما قال الرازي، ومثله في ((النهر))، وقال في ((الحلية)): اختلف في عيد الفطر؛ فعن أبي حنيفة، وهو قول صاحبيه، واختيار الطحاوي أنه يجهر، وعنه أنه يسر، انتهى. فعُلِم منه أن الصواب في الاختلاف الاختلاف في الجهر لا في أصل التكبير، وبسطت في ذلك لما أن نقلة المذاهب اختلفوا في ذلك، وهذا كله في الفطر . أما الأضحى فقد علم مما سبق أن لا خلاف فيه بين الحنفية في أنه يكبر فيه في الطريق جهراً ففي ((الدر المختار))(٢): ويكبر جهراً اتفاقاً في الطريق، (١) (١٩١/٢). (٢) (٦٩/٣). ٢٦٩ ٢٠ - كتاب الحج (٦٨) باب (٨٩٧) حديث ٢٠٥/٨٩٧ - حدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ؛ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ خَرَجَ الْغَدَ مِنْ يَوْمِ النَّحْرِ حِينَ ارْتَفَعَ النَّهَارُ شَيْئاً، فَكَبَّرَ، فَكَبَّرَ النَّاسُ بِتَكْبِيرِهِ، ثُمَّ خَرَجَ الثَّانِيَةَ مِنْ يَوْمِهِ ذُلِكَ بَعْدَ ارْتِفَاعِ النَّهَارِ، فَكَبَّرَ، فَكَبَّرَ النَّاسُ بِتَكْبِيرِهِ، ثُمَّ خَرَجَ الثَّالِثَةَ حِينَ زَاغَتِ الشَّمْسُ فَكَبَّرَ، فَكَبَّرَ النَّاسُ بِتَكْبِيرِهِ، حَتَّى يَتَّصِلَ التَّكْبِيرُ وَيَبْلُغَ قيل: وفي المصلى، وعليه عمل الناس اليوم لا في البيت، قال ابن عابدين: قوله: وفي المصلى، قال في ((المحيط)): وفي رواية لا يقطعه ما لم يفتتح الإمام الصلاة؛ لأنه وقت التكبير، فيكبر عقب الصلاة جهراً، وجزم في ((البدائع)) بالأولى، وعمل الناس في المساجد على الرواية الثانية، وقوله: لا في البيت أي لا يسن، وإلا فهو ذكر مشروع، انتهى. وفي (البناية)) عن الفقيه أبي جعفر: أن مشايخنا يرون التكبير في الأسواق في الأيام العشر، كذا في ((الفتاوى الظهيرية))، وفي ((جامع التفاريق)): قيل لأبي حنيفة: ينبغي لأهل الكوفة وغيرها أن يكبروا أيام التشريق في الأسواق والمساجد؟ قال: نعم، وقال الهندواني: عندي لا ينبغي أن يمنع العامة من ذلك لقلة رغبتهم في الخير، انتهى. ٢٠٥/٨٩٧ - (مالك عن يحيى بن سعيد) الأنصاري (أنه بلغه أن عمر بن الخطاب خرج الغد من يوم النحر) أي في الحادي عشر من ذي الحجة (حين ارتفع النهار شيئاً) قليلًا (فكبر) عمر - رضي الله عنه - (فكبر الناس بتكبيره) لأنه الأمير المحبب، فأحبوا اتباعه في ذلك أيضاً (ثم خرج الثانية من يومه ذلك) أي خرج مرة ثانية في هذا اليوم (بعد ارتفاع النهار) هكذا في النسخ المصرية، وفي الهندية: حين ارتفع النهار أي كثيراً (فكبر فكبر الناس) أيضاً (بتكبيره ثم خرج) زاد في النسخ المصرية: (الثالثة)، أي مرة ثالثة في هذا اليوم (حين زاغت) بزاي وغين معجمتين (الشمس) أي زالت (فكبر، فكبر الناس بتكبيره، حتى يتصل التكبير) أي يتصل صوت بعضهم بصوت بعض آخر (ويبلغ) اتصال ٢٧٠ --- ٢٠ - كتاب الحج (٦٨) باب (٨٩٧) حديث الْبَيْتَ، فَيُعْلَمَ أَنَّ عُمَرَ قَدْ خَرَجَ يَرْمِي. الأصوات (البيت) أي الكعبة (فيعرف الناس) وفي النسخ المصرية: ((فيعلم)) ببناء المجهول (أن عمر) - رضي الله عنه - (قد خرج يرمي) الجمرات. قال شيخ مشايخنا الدهلوي في ((المسؤَّى))(١): وعليه أهل العلم. وقال الباجي(٢): خروج عمر - رضي الله عنه - في الأوقات المذكورة للتكبير على معنى تذكير الناس، وتنبيههم على ذكر الله تعالى، لما روي عن النبي ◌َ﴾ أنه قال: ((إنها أيام أكل وشرب وذكر الله)) وخاف أن يغلب على الناس في أكثر أوقاته التشاغل والغفلة عن ذكر الله، فكان يخرج يعلن بالتكبير مذكراً للناس بذلك، وقد قال مالك: إن عمر كان إذا كبّر بمنى بعد الزوال حسر الناس الأمتعة لرمي الجمار، فيحتمل أن يكون عمر - رضي الله عنه - يقصد ذلك، ليتأهب الناس لرمي الجمار، إذ كان رميها قبل الصلاة، وقبل الأذان لها . ولعله كان يزيد في الإعلان به عند الزوال، حتى يتصل التكبير إلى مكة، فيعلم الناس أن عمر - رضي الله عنه - قد خرج لرمي الجمار، فيتذكرون حينئذٍ ذكر الله تعالى ويغتنمون الدعاء حين دعا الناس بمنى، رجاء أن تنالهم بركته، وما روي عن عمر - رضي الله عنه - في ذلك أول يوم من أيام التشريق، قال ابن حبيب: ينبغي لأهل منى وغيرهم أن يكبروا أول النهار، ثم إذا ارتفع، ثم إذا زالت الشمس، ثم بالعشي، وكذلك فعل عمر - رضي الله عنه -. وأما أهل الآفاق وغيرهم، ففي خروجهم إلى المصلى ودبر الصلوات ويكبرون في خلال ذلك، ولا يجهرون، والحجاج يجهرون به في كل الساعات إلى الزوال في اليوم الرابع، فيرمون ثم ينصرفون بالتهليل والتكبير، حتى يصلوا الظهر بالمحصب، ثم ينقطع التكبير، انتهى. (١) ((المسوى)) (٣٩٨/١). (٢) ((المنتقى)) (٤٢/٣). ٢٧١ ٢٠ - كتاب الحج (٦٨) باب (٨٩٧) حدیث ثم ظاهر ألفاظ الأثر، وظاهر كلام الباجي أن هذه الأوقات الثلاثة بيان ليوم واحد، وهو اليوم الحادي عشر، وعليه بنيت كلامي في شرح الأثر، وبه فسره شيخ المشايخ في ((المصفى))(١)، ويظهر حال اليومين الآخرين باعتبار ذلك، ويخالف هذا كله ما في ((المحلى)) إذ قال: ظاهر الأثر أنه - رضي الله عنه - رمى في اليومين الأولين قبل الزوال، وفي الثالث بعده، لكن المذهب عكسه، فيستحب الرمي في الأولين بعد الزوال وفي الثالث قبله، وعند الشافعي كلها بعد الزوال، انتهى. وهذا الكلام لا يوافقه ظاهر الأثر، لا سيما قوله: ثم خرج الثانية من يومه ذلك، فهذا نص في أنه خروج آخر في هذا اليوم لا في يوم آخر، فلا مخالفة للأثر بالمذاهب، فإن الجمهور على أن لا يرمي في أيام التشريق الثلاثة إلا بعد الزوال، كما سيأتي في محله. وقد أخْرَجَ البخاري (٢) تعليقاً: كان عمر - رضي الله عنه - يكبر في قبته بمنى، فيسمعه أهل المسجد، فيكبرون، ويكبر أهل الأسواق حتى ترتجّ منى تكبيراً، قال الحافظ(٣): وصله سعيد بن منصور من رواية عبيد بن عمير قال: كان عمر - رضي الله عنه - يكبر في قُبَّتِه بمنى، ويكبر أهل المسجد، ويكبر أهل الأسواق حتى ترتجّ منى تكبيراً، ووصله أبو عبيد من وجه آخر بلفظ التعليق، ومن طريقه البيهقي، وقوله: ترتجّ بتثقيل الجيم أي تضطرب وتتحرك، وهي مبالغة في اجتماع رفع الأصوات، انتهى. فعلم منه أن تكبير عمر - رضي الله عنه - لم يكن مختصاً بوقت الرمي، حتى يحمل التكرار على تكرار الأيام . (١) انظر: (١٨٢/١). (٢) في: ((باب التكبير أيام منى، وإذا غدا إلى عرفة))، ((صحيح البخاري)) (٢٥/٢). (٣) ((فتح الباري)) (٢/ ٤٦٢). ٢٧٢ - - - ٢٠ - كتاب الحج (٦٨) باب (٨٩٧) حدیث قَالَ مَالِكٌ: الأَمْرُ عِنْدَنَا، أَنَّ التَّكْبِيرَ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ دُبُرَ الصَّلَوَاتِ، وَأَوَّلُ ذُلِكَ تَكْبِيرُ الإِمَامِ وَالنَّاسُ مَعَهُ، دُبُرَ صَلَاةِ الظُّهْرِ مِنْ يَوْمِ النَّحْرِ، وَآخِرُ ذَلِكَ تَكْبِيرُ الإِمَامِ وَالنَّاسُ مَعَهُ، دُبُرَ صَلَاةِ الصُّبْحِ مِنْ آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، (قال مالك: الأمر عندنا) في المدينة المنورة (أن التكبير) المقيد بوقت مخصص (في أيام التشريق) يكون (دبر الصلوات) بضمتين وتسكين الباء تخفيف، قاله الزرقاني (١) أي عقب الصلوات المكتوبات الوقتيات، سواء صلى بجماعة أو منفردة لا إثر نافلة، كما تقدم من مسلك المالكية، وتقدم بيان المذاهب في ذلك (وأول ذلك) أي أول وقت هذا التكبير، وهو مبتدأ خبره (تكبير الإمام والناس معه) أي يكبر الإمام ويكبر المقتدون أيضاً معه، وليس المعنى أن تكبيرهم يتوقف على تكبير الإمام. قال الدردير(٢): كبر المؤتم إن تركه إمامه، وندب له تنبيهه عليه ولو بالكلام، انتهى. وكذلك عند الحنفية، ففي ((الدر المختار))(٣): يأتي المؤتم به وجوباً وإن تركه إمامه لأدائه بعد الصلاة. (دبر صلاة الظهر من يوم النحر) بلا خلاف عند المالكية، وفيه خلاف أهل العلم، كما تقدم. (وآخر ذلك) أي وقت انتهاء هذا التكبير (تكبير الإمام والناس معه دبر صلاة الصبح) على المعتمد عند المالكية خلافاً لابن البشير القائل: إلى ظهر هذا اليوم (من آخر أيام التشريق) أي اليوم الرابع من يوم النحر، فيكون التكبير إثر خمس عشرة فريضة. (١) ((شرح الزرقاني)) (٣٦٥/٢). (٢) ((الشرح الكبير)) (٤٠١/١). (٣) (٧٦/٣). ٢٧٣ ٢٠ - كتاب الحج (٦٨) باب (٨٩٧) حديث ثُمَّ يَقْطَعُ التَّكْبِيرَ. قَالَ مَالِكٌ: وَالتَّكْبِيرُ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ عَلَى الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، مَنْ كَانَ فِي جَمَاعَةٍ أَوْ وَحْدَهُ، بِمِنِىَّ أَوْ بِالْآفَاقِ، كُلَّهَا وَاجِبٌ، وَإِنَّمَا يَأْتَمُّ النَّاسُ فِي ذُلِكَ بِإِمَامِ الْحَاجِّ، وَبِالنَّاسِ بِمِنِىَ، (ثم يقطع التكبير) قال الباجي(١): ومعنى ذلك أن هذه مدة صلاة الناس بمنى؛ لأن صلاة الفجر يوم النحر إنما تصلى بالمزدلفة، وصلاة الظهر في آخر أيام التشريق لا تصلى بمنى، وإنما يرمي الجمار، ثم ينفر، فيصلي الظهر بالمحصب، أو حيث أدركته الصلاة في طريقه، انتهى. ومن لم يقل بذلك. استند بأن لا تخصيص لذلك بمنى، ولذا لا يختص به المحرم، بل يأتي به المحل أيضاً. (قال) مالك: (والتكبير في أيام التشريق) يكون (على الرجال والنساء) جميعاً خلافاً لمن خصه بالرجال، كما تقدم في بيان المذاهب، وفي ((البخاري)): ((كان النساء يكبرن خلف أبان بن عثمان وعمر بن عبد العزيز ليالي التشريق مع الرجال في المسجد)» (من كان) مصلياً (في جماعة أو) صلى (وحده) وكذلك من صلى (بمنى أو بالآفاق كلها) لا تخصيص في ذلك لأهل منى (واجب) خبر للمبتدأ وهو قوله: التكبير، وهو نص في أن تكبير التشريق واجب عند مالك، وأوّله الزرقاني بالمندوب المتأكد. (وإنما يأتمّ الناس) غير الحاج أي يقتدون (في ذلك) أي في التكبير (بإمام الحاج وبالناس) الحُجَّاج الذين يقيمون حينئذ (بمنى) وهذا دليل لما اختاره الإمام مالك ومن وافقه أن تكبير التشريق من ظهر النحر إلى صبح آخر أيام التشريق، كما تقدم في كلام الموفق في المسألة الثالثة من المسائل المتقدمة في أول الباب، وبه جزم غير واحد من شراح الشافعية والمالكية، قال الرازي في ((تفسيره) مستدلاً لمختار مالك، وهو أحد أقوال الشافعي: والحجة فيه أن (١) ((المنتقى)) (٤٢/٣). ٢٧٤ ٢٠ - كتاب الحج (٦٨) باب (٨٩٧) حدیث لأَنَّهُمْ إِذَا رَجَعُوا وَانْقَضَى الإِحْرَامُ الْتَمُوا بِهِمْ، حَتَّى يَكُونُوا مِثْلَهُمْ فِي الْحِلِّ، فَأَمَّا مَنْ لَمْ يَكُنْ حَاجًّا، فَإِنَّهُ لَا يَأْتَمُّ بِهِمْ الأمر بهذه التكبيرات، إنما ورد في حق الحاج، قال تعالى: ﴿وَأَذْكُرُواْ اللَّهَ فِىّ أَيَامِ مَعْدُودَاتٍ فَمَن تَعَجَّلَ فِى يَوْمَيْنِ﴾(١) الآية. وهذا إنما يحصل في حق الحاج، فدل على أن الأمر بهذه التكبيرات، إنما ورد في حق الحاج، وسائر الناس تبع لهم في ذلك، ثم إن صلاة الظهر أول صلاة يكبر الحاج فيها بمنى، فإنهم يلبون قبل ذلك، وآخر صلاة يصلونها بمنى هي صلاة الصبح من آخر أيام التشريق، فوجب أن تكون هذه التكبيرات في حق غير الحاج مقيدة بهذا الزمان، انتهى. وفي ((المدونة))(٢): قال علي بن زياد عن مالك قال: الأمر عندنا أن التكبير خلف الصلوات بعد النحر، أن الإمام والناس يكبرون الله أكبر الله أكبر الله أكبر ثلاثاً في دبر كل صلاة مكتوبة، وأول ذلك دبر صلاة الظهر من يوم النحر، وآخر ذلك دبر صلاة الصبح من آخر أيام التشريق، وإنما يأتم الناس في ذلك بإمام الحج، وبالناس بمنى، قال: وذلك على كل من صلى في جماعة أو وحده من الأحرار والعبيد، والنساء يكبرن في دبر كل صلاة مكتوبة مثل ما كبر الإمام، انتهى. (لأنهم) أي الناس الذين بمنى (إذا رجعوا) من منى (وانقضى الإحرام) أي صاروا محلين. (ائتموا بهم) أي اقتدوا بالمحلين، بمعنى أنهم صاروا سواء، لا فرق إذ ذاك بين الفريقين، وهو المراد بقوله: (حتى يكونوا مثلهم في الحل) فينبغي أن يكون تكبير المحلقين مقتصراً على زمان قيام الناس بمنى. (فأما من لم يكن حاجاً) من أهل الآفاق كلهم (فإنه لا يأتم بهم) أي لا (١) سورة البقرة: الآية ٢٠٣. (٢) (١٥٦/١). ٢٧٥ ٢٠ - كتاب الحج (٦٨) باب (٨٩٧) حديث إِلَّا فِي تَكْبِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ. قَالَ مَالِكٌ: الأَيَّامُ الْمَعْدُودَاتُ يقتدي بالحجاج وبالمقيمين بمنى (إلا في تكبير أيام التشريق) لا في غيره من الأقوال والأفعال، والظاهر عندي أن الغرض منه إشارة إلى ما هو المختار عند الإمام مالك، ، أن التلبية تختص بالمحرم. قال الموفق(١): لا بأس أن يلبي الحلال، وبه قال الحسن والنخعي وعطاء بن السائب والشافعي وأبو ثور وابن المنذر وأصحاب الرأي، وكرهه مالك. قال الدسوقي(٢): تكره الإجابة في غير الإحرام بالتلبية، لقول ((التهذيب)): كره مالك أن يلبي من لا يريد الحج، ورآه خُرْقاً ممن يفعله، والخرق بضم الخاء الحمق وسخافة العقل، وأما إجابة الصحابة للنبي بالتلبية فهو من خصائصه، كذا في ((التوضيح))، وهو غير مسلم. والظاهر كما قال ابن هارون: إن الذي كرهه الإمام إنما استعمال تلبية الحج في غيره كاتخاذها وِرْداً كبقية الأذكار، لما فيه من استعمال العبادة في غيرها، وأما مجرد قول الرجل لمن ناداه: لبيك، فلا بأس، بل هو حسن أدب، انتهى. قلت: ويؤيد الجمهور ما في ((الحصن)) في أدعية الصباح: لبيك، اللَّهم لبيك، لبيك وسعديك، إلى آخر الدعاء، ذكره برمز ((ابن السني)) و((المستدرك)) و(مسند أحمد)) و((المعجم الكبير)) للطبراني، ولفظ أحمد برواية أبي الدرداء عن زيد بن ثابت: ((أن رسول الله وَلّ علمه دعاء، وأمره أن يتعاهد به أهله كل يوم، قال: قل كل يوم حين تصبح: لبيك اللَّهُّم لبيك وسعديك والخير في يديك))، إلى آخر الدعاء الطويل. (قال مالك: الأيام المعدودات) الواردة في قوله عز اسمه: ﴿ وَأَذْكُرُواْ اللَّهَ (١) ((المغني)) (١٠٨/٥). (٢) ((حاشية الدسوقي)) (٤٢/٢). ٢٧٦ --- ٢٠ - كتاب الحج (٦٨) باب (٨٩٧) حديث أَيَّامُ التَّشْرِيقِ. فِيّ أَيَامٍ مَّعْدُودَاتٍ فَمَن تَعَجَّلَ فِ يَوْمَيْنِ فَلَآ إِثْمَ عَلَيْهِ﴾(١) الآية في البقرة، المراد منها (أيام التشريق) قال الرازي في ((التفسير الكبير)) (٢): إن الله عز اسمه وتعالى ذكر في مناسك الحج الأيام المعدودات، كما هاهنا، وقال في سورة الحج: لِيَشْهَدُواْ مَنَفِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُواْ أُسْمَ الَّهِ فِيَ أَيَّامِ مَعْلُومَنٍ﴾(٣) فمذهب الشافعي - رحمه الله - إن المعلومات هي العشر الأول من ذي الحجة آخرها يوم النحر، والمعدودات ثلاثة أيام بعد يوم النحر، وهي أيام التشريق، واحتج على ذلك بأن الأيام لفظ جمع، فيكون أقلها ثلاثة، ثم قال بعده: ﴿فَمَن تَعَجَّلَ فيِ يَوْمَيْنِ﴾ وأجمعت الأمة على أن هذا الحكم إنما ثبت في أيام منى، فعلمنا أن الأيام المعدودات هي أيام التشريق. وفي ((تفسير الجلالين)): قوله: ﴿أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾ أي عشر ذي الحجة، أو يوم عرفة، أو يوم النحر إلى آخر أيام التشريق، أقوال، قال صاحب ((الجمل)): قوله: إلى آخر أيام التشريق، راجع للقولين قبله، واختلف في الأيام المعلومات، فالذي عليه أكثر المفسرين، وهو اختيار الشافعي وأبي حنيفة أنها عشر ذي الحجة، انتهى. وقال صاحب الخازن(٤): أيام معدودات يعني أيام التشريق، وهي أيام منى ورمي الجمار، سميت معدودات لقلتهن، وهي ثلاثة أيام بعد يوم النحر، أولها اليوم الحادي عشر من ذي الحجة، وهو قول ابن عمر وابن عباس والحسن وعطاء ومجاهد وقتادة وهو مذهب الشافعي، انتهى. (١) سورة البقرة: الآية ٢٠٣. (٢) (١٩٢/٥). (٣) سورة الحج: الآية ٢٨. (٤) (١/ ١٩٠). ٢٧٧ ٢٠ - كتاب الحج (٦٨) باب (٨٩٧) حديث وقال البغوي في ((المعالم)): الأيام المعدودات هي أيام التشريق، وهي أيام منى ورمي الجمار، وهذا قول أكثر أهل العلم، وروي عن ابن عباس: المعلومات: يوم النحر ويومان بعده، والمعدودات أيام التشريق، وعن علي - رضي الله عنه -: المعلومات يوم النحر وثلاثة أيام بعده، وقال عطاء عن ابن عباس: المعلومات: يوم عرفة ويوم النحر وأيام التشريق، وقال محمد بن كعب: هما شيء واحد، وهي أيام التشريق، انتهى. قال العيني (١): اختلف السلف في الأيام المعلومات والمعدودات، فالمعلومات العشر، والمعدودات أيام التشريق، وهي ثلاثة أيام بعد يوم النحر عند أبي حنيفة، رواه عنه الكرخي، وهو قول الحسن وقتادة، وروي عن علي وابن عمر: أن المعلومات هي ثلاثة أيام النحر، والمعدودات أيام التشريق، وهو قول أبي يوسف ومحمد، وقال الشافعي: من الأيام المعلومات النحر، وروي عن علي وعمر: يوم النحر ويومان بعده، وبه قال مالك، قال الطحاوي: وإليه أذهب، انتهى. وقال الأبي في ((الإكمال))(٢): أيام منى هي الأيام الثلاثة بعد يوم النحر، والثلاثة مع يوم النحر هي الأيام المعدودات، ويوم النحر ويومان بعده هي الأيام المعلومات، انتهى. وأنت خبير بأن تفسير المعدودات على هذا لا يوافق تفسير ((الموطأ)»، اللّهم، إلا أن يقال: إن أيام التشريق يدخل فيها يوم النحر أيضاً، كما أثبته الزرقاني تبعاً للحافظ، فعلى هذا يوافق هذا التفسير لقول ((الموطأ))، لكن يشكل عليه أن الباجي صرح في ((باب ما جاء في صيام أيام منى)) تحت قول مالك: وهي أيام التشريق، ، أنها ثلاثة بعد يوم النحر. (١) ((عمدة القاري)) (١٨٣/٥). (٢) (٢٥٦/٣). ٢٧٨ ----- ----- ٢٠ - كتاب الحج (٦٨) باب (٨٩٧) حديث وقال الراغب: المعدودات ثلاثة أيام بعد النحر، والمعلومات عشر ذي الحجة، وعند بعض الفقهاء، المعدودات يوم النحر ويومان بعده، فعلى هذا يوم النحر يكون من المعدودات والمعلومات، انتهى. وقال الجصّاص في ((أحكام القرآن)) (١): روى سفيان وشعبة عن بكير عن عبد الرحمن بن يعمر مرفوعاً: ((أيام منى ثلاثة أيام التشريق فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه))، واتفق أهل العلم على أن قوله بيان لمراد الآية في قوله: ((أيام معدودات))، ولا خلاف بين أهل العلم أن المعدودات أيام التشريق، وقد روي ذلك عن علي وعمر وابن عباس وابن عمر وغيرهم، إلا شيء رواه ابن أبي ليلى عن المنهال عن زر عن علي - رضي الله عنه - قال: ((المعدودات يوم النحر ويومان بعده، اذبح في أيها شئت))، وقد قيل: هذا وهم، والصحيح عن علي - رضي الله عنه - أنه قال: وذلك في المعلومات، وظاهر الآية ينفي ذلك أيضاً؛ لأنه تعالى قال: ﴿فَمَن تَعَجَّلَ فيِ يَوْمَيْنِ فَلَآ إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ وذلك لا يتعلق بالنحر، وإنما يتعلق برمي الجمار المفعول في أيام التشريق. وأما المعلومات، فروي عن علي وابن عمر - رضي الله عنهم -: أن المعلومات يوم النحر ويومان بعده، اذبح في أيها شئت، قال سعيد بن جبير عن ابن عباس - رضي الله عنهما -: المعلومات العشر، والمعدودات أيام التشريق، وقد روى ابن أبي ليلى عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس: المعلومات يوم النحر، وثلاثة أيام بعده أيام التشريق، والمعدودات يوم النحر وثلاثة أيام بعده التشريق، وروى عبد الله بن موسى عن عمارة بن ذكوان عن مجاهد عن ابن عباس قال: المعدودات أيام العشر، والمعلومات أيام النحر، فقوله: المعدودات أيام العشر لا شك في أنه خطأ، ولم يقل به أحد، وهو خلاف الكتاب، قال تعالى: ﴿فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَآ إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ وليس في العشر حكم يتعلق بيومين دون الثلاث. (١) (٣١٥/١). ٢٧٩ ٢٠ - كتاب الحج (٦٨) باب (٨٩٧) حديث وقد روي عن ابن عباس بإسناد صحيح: أن المعلومات العشر، والمعدودات أيام التشريق، وهو قول الجمهور من التابعين، منهم الحسن ومجاهد وعطاء والضحاك وآخرون. وقد روي عن أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد: أن المعلومات العشر، والمعدودات أيام التشريق. وذكر الطحاوي عن شيخه أحمد بن أبي عمران عن بشر بن الوليد قال: كتب أبو العباس الطوسي إلى أبي يوسف يسأله عن الأيام المعلومات، فأملى عليه أبو يوسف جواب كتابه، اختلف أصحاب رسول الله وَّل، فروي عن علي وابن عمر أنها أيام النحر، وإلى ذلك أذهب؛ لأنه قال: ﴿عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّنْ بَهِيمَةِ اْأَنْفَمِّ﴾(١). وذكر شيخنا أبو الحسن الكرخي عن أحمد القاري عن محمد عن أبي حنيفة: أن المعلومات العشر، وعن محمد: أنها أيام النحر الثلاثة يوم الأضحى ويومان بعده، قال أبو بكر: فحصل من رواية أحمد القاري عن محمد، ورواية بشر بن الوليد عن أبي يوسف أن المعلومات يوم النحر ويومان بعده، ولم تختلف عن أبي حنيفة أن المعلومات أيام العشر، والمعدودات أيام التشريق، وهو قول ابن عباس المشهور. وقوله تعالى: ﴿عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَمِّ﴾ لا دلالة فيه على أن المراد أيام النحر لاحتماله أن يريد لما رزقهم من بهيمة الأنعام كقوله: ﴿وَلِتُكَبِرُواْ اللَّهَ عَلَى مَا هَدَنَّكُمْ﴾(٢) والمعنى لما هداكم، وأيضاً يحتمل أن يريد بها أيام العشر؛ لأن فيها يوم النحر، وفيه الذبح، ويكون بتكرار السنين عليه أياماً انتهى. (١) سورة الحج: الآية ٢٨. (٢) سورة البقرة: الآية ١٨٥. ٢٨٠ - .--