Indexed OCR Text
Pages 201-220
٢٠ - كتاب الحج (٦٤) باب .(٨٨٧) حديث قَالَ مَالِكٌ: وَالأَمْرُ الَّذِي لَا اخْتِلَافَ فِيهِ عِنْدَنَا، أَنَّ الإِمَامَ لَا يَجْهَرُ بِالْقُرْآنِ فِي الْظّهْرِ يَوْمَ عَرَفَةَ، وَأَنَّهُ يَخْطُبُ النَّاسَ يَوْمَ عَرَفَةَ، الصبح، لكن في حديث جابر الطويل عند مسلم: أن توجّهه مَ ◌ّ منها كان بعد طلوع الشمس. (قال مالك: والأمر الذي لا اختلاف فيه عندنا) بالمدينة المنوّرة (أن الإمام لا يجهر بالقراءة) هكذا في جميع النسخ الهندية، وبعض المصرية، وفي أكثر المصرية: بالقرآن . (في الظهر يوم عرفة) لأن الظهر سرية وهي ظهر، ولا تأثير للخطبة في ذلك، ومعنى ذلك ما تقدم في الباب السابق تحت قول سالم: فاقصر الخطبة، من قول مالك: كل صلاة يخطب لها يجهر فيها بالقراءة؟ فقيل له: فعرفة يخطب فيها، ولا يجهر بالقراءة؟ فقال: إنما تلك للتعليم، انتهى. فنبّه مالك - رضي الله عنه - بهذا القول على السر بالظهر، لئلا يشتبه الأمر بأصله المذكور، قال ابن رشد (١): أجمعوا أن القراءة في هذه الصَّلاة سِرٌّ، انتهى. (وأنه يخطب الناس يوم عرفة) ذكر في ((الحواشي)): بعد الصلاة، وقالت الأئمّة الثلاثة الباقية: قبل الصلاة، انتهى. وظاهر سياق الحواشي أن لفظ: ((بعد الصلاة)) من كلام المتن، لكني لم أجده في أحد من النسخ الهندية ولا المصرية، وهكذا حكى غير واحد من أهل الفقه مذهب الإمام مالك أن الخطبة بعد الصلاة، لكن ما تقدم قريباً في بيان الخطب من نصوص المالكية يأبى عن ذلك، فقد سبق عن الباجي أن المؤذن لا يؤذن إلاّ بعد الخطبة، وعن ابن حبيب: يؤذّن لها إذا جلس بين الخطبتين، وعن ((العتبية)): يؤذن والإمام يخطب. وعن ((المدونة)): إذا فرغ من خطبته أذن المؤذن، فإذا فرغ من أذانه صلّى بالناس، وعن الدردير: بعد فراغه من خطبته أذن للظهر وأقيم لها . (١) ((بداية المجتهد)) (١/ ٣٤٧). ٢٠١ ٢٠ - كتاب الحج (٦٤) باب (٨٨٧) حديث وَأَنَّ الصَّلَاةَ يَوْمَ عَرَفَةَ إِنَّمَا هِيَ ظُهْرٌ، وَإِنْ وَافَقَتِ الْجُمُعَةَ، فَإِنَّمَا هِيَ ◌ُهْرٌ ، ولم أجد في فروعهم أن هذه الخطبة بعد الصلاة بل حكى ابن رشد المالكي في ((البداية)) اتفاق العلماء على ذلك، إذ قال: أما صفة الوقوف فهو أن يصلّي الإمام إلى عرفة قبل الزوال، فإذا زالت الشمس خطب الناس، ثم جمع بين الظهر والعصر في أوّل وقت الظهر. وإنّما اتّفقوا على هذا، لأن هذه الصفة هي مجمع عليها من فعله وَّل، واختلفوا في وقت أذان المؤذن بعرفة، فذكر الاختلاف فيه، وأعجب من ذلك ما قال الزرقاني، وما في الحواشي من ((المحلى))، من قولهم: في حديث جابر حجة للمالكية وغيرهم أن خطبة عرفة فردة؛ إذ ليس فيه أنه خطب خطبتين، وما روي في بعض طرقه أنه خطب خطبتين ضعيف، قاله البيهقي وغيره، انتهى. ووجه الأعجبية أن خطبة عرفة ليست بفردة عند الجمهور، كما تقدمت النصوص في ذلك عن فروعهم في بيان الخطب، لا سيما عند المالكية، فكيف حكى الزرقاني ذلك وهو مالكي، فقد تقدم عن الدردير: ندب خطبتان بعد الزوال يوم عرفة يجلس بينهما، وعن الباجي: من حكم هذه السنة أن يخطب خطبتين، وعن ابن المواز: الخطبة الثانية من خطب الحجّ بعرفة يجلس بينهما، وعن ابن المواز: يؤذن لها إذا جلس الإمام بين الخطبتين، فهؤلاء المالكية صرّحوا بالتثنية، وكذا تقدم التصريح بذلك عن القاري من الحنفية، والنووي من الشافعية: نعم لم أجد النصَّ بذلك في فروع الحنابلة، بل صرّح الشيخ ابن القيم أنها فردة. (وأن الصلاة يوم عرفة إنما هي ظهر) زاد في النسخ المصرية(١): (وإن وافقت الجمعة، فإنما هي ظهر)، أي ليست بجمعة، وإن كانت يوم جمعة، (١) وكذلك في ((الاستذكار)) (١٣ / ١٤٤) أيضاً. ٢٠٢ ٢٠ - كتاب الحج (٦٤) باب (٨٨٧) حديث وَلْكِنَّهَا قَصُرَتْ مِنْ أَجْلِ السَّفَرِ . وإن اتّصلت بخطبة، وإن كانت تقصر وتصلّى ركعتين، وذلك للإجماع على أن حجّته وَلّ كانت يوم الجمعة، وصلّى الظهر، ففي مسلم وغيره من حديث جابر بعد ذكر الخطبة: ثم أذَّنَ بلال، ثم أقام، فصلّى الظهر، ثم أقام، فصلّى العصر، ولم يصلِّ بينهما شيئاً، ولعلّ غرض المصنف بذلك الرد على ما قيل: إن صلاته ◌َ*ل بعرفة كانت جمعة كما مال إليه ابن حزم في ((المحلى))، قال العيني في ((البناية)): زعم ابن حزم أنه وَلّ صلّى الجمعة بعرفات، قال: ولا خلاف أنه وَلّ خطب، وصلّى ركعتين، وهذه صفة صلاة الجمعة، قال: وما روى أحد أنه ما جهر فيها، والقاطع بذلك كاذب على الله وعلى رسوله، ولو صحّ أنه ما جهر لم يكن لهم به تعلق؛ لأنه ليس بفرض، ولجأ بعضهم إلى دعوى الإجماع على ذلك، وهذا مكان يتبيّن فيه الكذب علی مدّعیه . قال العيني: هذا رجل قد سلّ لسانه على الأئمّة الأجلاء، وكلامه متناقضٌ، لا يُلتفت إليه حتى أوجب الجمعة على العبد والمسافر، ويجيز إقامتها في البداوي والقفار باستدلالات باطلة، انتهى. (ولكنها قصرت من أجل السفر) هذا نصّ عن الإمام مالك أن القصر بعرفة لأجل السفر، والمشهور بين أهل العلم من مذهب مالك: أن القصر عنده لأجل النسك. فقد قال الحافظ(١) تحت ترجمة البخاري ((باب الصلاة بمنى)): لم يذكر المصنف حكم المسألة لقوة الخلاف فيها، وخصّ منى بالذكر، لأنها المحل الذي وقعت فيها ذلك قديماً، واختلف السلف في المقيم بمنى، هل يقصر أو يتم؟ بناء على أن القصر بها للسفر أو للنسك، واختار الثاني مالك، وتعقبه (١) ((فتح الباري)) (٢/ ٥٦٣). ٢٠٣ ٢٠ - كتاب الحج (٦٤) باب (٨٨٧) حدیث الطحاوي بأنه لو كان كذلك لكان أهل منى يتمّون، ولا قائل بذلك، وقال بعض المالكية: لو لم يجز لأهل مكّة القصر بمنى لقال لهم النبيّ ◌َّ: أتمّوا، وليس بين مكّة ومنى مسافة القصر، فدلّ أنهم قصروا للنسك، انتهى. وهكذا حكى غير واحد من نقلة المذاهب مذهب الإمام مالك أن القصر عنده للنسك، والظاهر عندي أن القصر عنده أيضاً للسفر كما هو نصّ ((الموطأ)» إلاّ أن هذا السفر مخصوص ومستثنى من تحديد المسافة لعامّة الأسفار. ويؤيّد ذلك ما في ((مختصر الخليل)): سُنَّ لمسافر أربعة برد ذهاباً قصر رباعية لا أقلّ إلاّ كمكي في خروجه لعرفة ورجوعه، قال الدردير: قوله: ((ذهاباً)) أي غير مضموم إليها الرجوع، وإنما صرّح بقوله: لا أقلّ وإن فهم مما تقدم ليرتب عليه قوله: إلا كمكي ومِنوي ومزدلفي ومحصبي، فإنه يسنّ له القصر في خروجه من محله للحج وفي رجوعه لبلده، وفهم من قوله: في خروجه ورجوعه أن كلاً من أهل هذه الأمكنة يتم مكانه لو كان يعمل بغيره عملاً كمكي رجع يوم النحر لمكة للإفاضة ويقصر بغيره، انتهى. فهذا الاستثناء في كلام الخليل يدلّ على أن هذا السفر مستثنى من تقييد أربعة برد، قال الدردير(١) أيضاً في كتاب الحج: جمع الحاج العشاءين استناناً وقصر العشاء إلا أهلها أي المزدلفة فيتمّون كمنى وعرفة، أي أهلهما يتمّون ويقصر غيرهم للسُنَّةِ، قال الدسوقي: للسنة وإلا فليس لههنا مسافة قصر، انتھی . وفي ((الأنوار))(٢): أن قصر الصلاة سنة مؤكدة على الراجح عند السادة المالكية، وقيل: فرض، وقيل: مستحب، وقيل: مباح، كذا في ((حاشية (١) انظر: ((الشرح الكبير)) (٤٤/٢). (٢) ((الأنوار الساطعة)) (ص٦٤٦). ٢٠٤ - - - ٢٠ - كتاب الحج (٦٤) باب (٨٨٧) حديث قَالَ مَالِكٌ، فِي إِمَامِ الْحَاجِّ إِذَا وَافَقَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ يَوْمَ عَرَفَةَ، أَوْ يَوْمَ النَّحْرِ، أَوْ بَعْضَ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ: الصاوي))، وشروط القصر سبعة، الأول: أن يكون السفر طويلاً أربعة برد فأكثر، فمن سافر أقلّ من ذلك يتم الصلاة ولا يقصر إلاّ أهل مكة وأهل المحصب وأهل منى وأهل مزدلفة، وإذا خرجوا من أوطانهم إلى عرفة للحج، فإنهم يقصرون ذهاباً وإياباً، وإن كانت المسافة ليست مسافة قصر للسنّة، كما في ((شرح الخرشي))، انتهى. قلت: وسبب ذلك أن الإمام مالكاً - رضي الله عنه - عدّ هذا الدور كلّه ذهاباً إلى عرفة ورجوعاً منها سفراً واحداً لعدم احتمال انقطاعه، كما سيأتي في كلام الباجي في ((باب صلاة منى)). قال العيني(١): اختلف العلماء في صلاة المكي بمنى، فقال مالك: يتمّ بمكة، ويقصر بمنى، وكذلك أهل منى يتمّون بمنى، ويقصرون بمكة وعرفات، قال: وهذه المواضع مخصوصة بذلك؛ لأن النبيّ وَّ لما قصر بعرفة لم يميز من وراءه. ولا قال لأهل مكة: أتمّوا، وهذا موضع بيان. وممن روي عنه أن المكي يقصر بمنى ابن عمر وسالم والقاسم وطاوس، وبه قال الأوزاعي وإسحاق، وقالوا: إن القصر سنة الموضع، وإنما يتم بمنى وعرفات من كان مقيماً فيها، وقال أكثر أهل العلم، منهم عطاء والزهري والثوري والكوفيون وأبو حنيفة وأصحابه والشافعي وأحمد وأبو ثور: لا يقصر الصلاة أهل مكة بمنى وعرفات لانتفاء مسافة القصر، انتهى. (قال مالك في إمام الحاج: إذا وافق يوم الجمعة) بضم اليوم (يوم عرفة) بعرفة (أو يوم النحر) بمنى بنصب اليوم في كلا الموضعين (أو بعض أيام التشريق) التي (١) ((عمدة القاري)) (٣٧٥/٥). ٢٠٥ ٢٠ - كتاب الحج (٦٤) باب (٨٨٧) حديث إِنَّهُ لَا يُجَمِّعُ فِي شَيْءٍ مِنْ تِلْكَ الأَيَّامِ. بعد أيام النحر بمنى أيضاً، ولفظ ((بعض)) منصوب أيضاً عطفاً على يوم عرفة (إنه لا يُجَمِّعُ) بالتثقيل أي لا يصلّي الجمعة (في شيء من تلك الأيام) بهذه المواضع، قال الزرقاني: لأنه خلاف السنة، ولأنه لا جمعة على مسافر، انتھی . والأوجه منه ما فسّره الباجي(١) كلام المصنف؛ إذ قال: لأن عرفة ليست لموضع تجميع، لأن التجميع لا يكون إلا بموضع استيطان وإقامة، وعرفة ليست بدار قرار، ولا بدار استيطان، ولا إقامة، فلا تُجَمَّعُ فيها، وأيضاً فإنه ليس فيها قرية، وهي شرط في صحة الجمعة. وأمّا منى، فإنها وإن كانت قرية مبنية فليست بدار استيطان، ولا إقامة، ولا أهل يستوطنونها، وإنما يسكنها أيام منى خاصة، وما كان بهذه المثابة فلا يجوز أن يُجَمَّعُ فيها، ولو سكنت واستوطنت لكان حكمها حكم سائر البلاد في التجمیع، انتھی. وفي ((المدونة)): قال مالك: لا جمعة في أيام منى كلها بمنى ولا يوم التروية بمنى ولا يوم عرفة بعرفة، انتهى. : قال ابن رشد(٢): اختلف العلماء في وجوب الجمعة بعرفة ومنى، فقال مالك: لا تجب بعرفة ولا بمنى أيام الحج، لا لأهل مكة، ولا لغيرهم، إلّ أن يكون الإمام من أهل عرفة، وقال الشافعي مثل ذلك إلاّ أنه يشترط في وجوب الجمعة أن يكون هنالك من أهل عرفة أربعون رجلاً على مذهبه في اشتراط هذا العدد في الجمعة، وقال أبو حنيفة: إذا كان أمير الحج ممن لا يقصر الصلاة بمنى ولا بعرفة صلّى بهم فيها الجمعة إذا صادفها، وقال أحمد: إذا كان والي مكة يُجَمِّعُ، وبه قال أبو ثور، انتهى. (١) ((المنتقى)) (٣٧/٣). (٢) (بداية المجتهد)) (٣٤٨/١). ٢٠٦ -- ٢٠ - كتاب الحج (٦٤) باب (٨٨٧) حديث وفي ((الهداية))(١): يجوز بمنى إن كان الأمير أمير الحجاز أو كان الخليفة مسافراً عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وقال محمد: لا جمعة بمنى لأنها من القرى حتى لا يعيد بها، ولهما أنها تتمصر في أيام الموسم، وعدم التعييد للتخفيف، ولا جمعة بعرفات في قولهم جميعاً، لأنها فضاء، وبمنى أبنية والتقييد بالخليفة وأمير الحجاز لأن الولاية لهما، أما أمير الموسم فيلي أمور الحج لا غير، انتهى. قال العيني في ((البناية)): قوله: إن كان الأمير أمير الحجاز، وفي ((شرح الطحاوي)): إن كان الأمير أمير الحجاز أو أمير العراق أو الخليفة معهم مقيمين كانوا أو مسافرين جاز إقامة الجمعة عندهما، وإن كان أمير الموسم إن كان مقيماً جاز، وإن كان مسافراً لم يجز، وذكر فخر الإسلام: أن أمير الموسم ليس له حق إقامة الجمعة، إنما له نيابة الحجاج. وقال في ((المختلف)): أمير الحجاج له ولاية إقامة الجمعة إلّ إذا ولاً، الخليفة أو من له ذلك وهو مقيم، وقوله: أو كان الخليفة مسافراً قيّد به إما للتنبيه على أنه لو كان مقيماً كان الجواز بالطريق الأَوْلى، أو لدفع توهم أن الخليفة إذا كان مسافراً لا يقيم الجمعة، كما إذا كان أمير الموسم مسافراً، فذكره ليعلم أن حكم الخليفة على خلاف حكم أمير الموسم، قوله: وقال محمد: لا جمعة بمنى، وبه قال الشافعي وأحمد، وهو قول عطاء ومجاهد، قوله: ولا جمعة بعرفات في قولهم جميعاً، أي في قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد، وبه قال مالك والشافعي وأحمد وإسحاق، وهو قول الزهري، انتهى. قال النووي في ((مناسكه)): إن كان اليوم الثامن يوم جمعة خرجوا قبل (١) (١/ ٨٢). ٢٠٧ ٢٠ - كتاب الحج (٦٥) باب (٦٥) باب صلاة المزدلفة طلوع الفجر، لأن السفر يوم الجمعة إلى حيث لا تصلّى الجمعة حرام أومكروه، وهم لا يصلّون الجمعة بمنى ولا بعرفات، لأن شرطها دار الإقامة، قال الشافعي - رحمه الله -: فإن بنى بها قرية واستوطنها أربعون من أهل الكمال أقاموا الجمعة هم والناس معهم، انتهى. (٦٥) صلاة المزدلفة قال الموفق(١): السنّة لمن دفع من عرفة أن لا يصلّي المغرب حتى يصل مزدلفة فيجمع بين المغرب والعشاء، لا خلاف في هذا، قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم لا اختلاف بينهم أن السنّة أن يجمع الحاجّ بين المغرب والعشاء، والأصل في ذلك أن النبيّ وَّ جمع بينهما، رواه جابر وابن عمر وأسامة وأبو أيّوب وغيرهم وأحاديثهم صحاح، وإن فاته مع الإمام صلّى وحده، معناه أنه يجمع منفرداً كما يجمع مع الإمام، ولا خلاف في هذا لأن الثانية منهما تصلّ في وقتها بخلاف العصر مع الظهر. وكذلك إن فرّق بينهما لم يبطل الجمع، والسنّة التعجيل بالصلاتين، وأن يصلّي قبل حط الرحال، والسنّة أن لا يتطوّع بينهما، قال ابن المنذر: لا أعلمهم يختلفون في ذلك، فإن صلّى المغرب قبل أن يأتي مزدلفة ولم يجمع خالف السنّة، وصحّت صلاته، وبه قال عطاء، وعروة، والقاسم بن محمد، وسعيد بن جبير، ومالك، والشافعي، وإسحاق، وأبو ثور، وأبو يوسف، وابن المنذر، وقال أبو حنيفة والثوري: لا يجزئه، انتهى. قلت: وما حكي من الإجماع مشكل، قال النووي في ((شرح مسلم)): الصحيح عند أصحابنا أنه جمع بسبب السفر، فلا يجوز إلاّ لمسافر سفراً يبلغ به مسافة القصر، وللشافعي قول ضعيف أنه يجوز الجمع في كل سفر، وإن (١) ((المغني)) (٢٧٨/٥). ٢٠٨ ٢٠ - كتاب الحج (٦٥) باب كان قصيراً، وقال بعض أصحابنا: هذا الجمع بسبب النسك كما قال أبو حنيفة، انتھی. وقال الموفق(١): يجوز الجمع لكل من بعرفة من مكي وغيره، قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن الإمام يجمع بينهما بعرفة، وذكر أصحابنا أنه لا يجوز الجمع إلاّ لمن بينه وبين وطنه ستة عشر فرسخاً إلحاقاً له بالقصر، وليس بصحيح؛ لأنه ◌ّل جمع، فجمع معه من حضر من المكيّين وغيرهم ولم يأمرهم بترك الجمع، كما أمرهم بترك القصر، وقد كان عثمان - رضي الله عنه - يتم الصلاة ولم يترك الجمع، وقال ابن الزبير: إذا أفاض فلا صلاة إلا بجمع، رواه الأثرم، وكان عمر بن عبد العزيز والي مكة، فخرج، فجمع بين الصلاتين. ولم يبلغنا عن أحد من المتقدّمين خلاف في الجمع بعرفة ومزدلفة، بل وافق عليه من لا يرى الجمع في غيره، وأمّا قصر الصلاة فلا يجوز لأهل مكّة، وبهذا قال عطاء ومجاهد والزهري وابن جريج والثوري والشافعي وأصحاب الرأي، وقال القاسم وسالم ومالك والأوزاعي: لهم القصر؛ لأن لهم الجمع، ولنا أنهم في غير سفر بعيد فلم يجز لهم القصر، انتهى. قال الحافظ(٢): أمّا صلاة المغرب، فعند أبي حنيفة وزفر ومحمد يجب تأخيرها إلى العشاء، فلو صلآّها في الطريق أعاد، وعن مالك: يجوز لمن به أو بدابّته عذر، فيصلّيها، لكن بعد مغيب الشفق الأحمر، وعن ((المدونة)): يعيد من صلّى المغرب قبل أن يأتي جمعاً، وكذا من جمع بينهما وبين العشاء بعد مغيب الشفق فيعيد العشاء، وعن أشهب: إن جاء جمعاً قبل الشفق جمع، (١) ((المغني)) (٢٦٤/٥). (٢) ((فتح الباري)) (٥١٥/٣). ٢٠٩ ٢٠ - كتاب الحج (٦٥) باب وقال ابن القاسم: حتى يغيب، وعند الشافعية وجمهور أهل العلم: لو جمع تقديماً أو تأخيراً قبل جمع أو بعد أن نزلها أو أفرد أجزأ وفاتت السنّة، واختلافهم مبنيٌّ على أن الجمع بعرفة ومزدلفة للنسك أو للسفر، انتهى. وبسط الباجي في بيان مذاهب أصحابهم، وسيأتي شيء منه تحت قوله في الحديث: ((الصلاة أمامك))، ويُشْكل على من قال: إن الجمع للسفر، إن حق الجمع السفري أن من ارتحل بعد الغروب يصلّي المغرب والعشاء، ثم يرتحل، والنبيّ ◌َ﴾ ارتحل من عرفة بعدما غربت الشمس، فكان ينبغي عندهم أن يجمع بينهما بعرفة، ثم يرتحل، وأيضاً قال ابن دقيق العيد: إنه لم ينقل أن النبيّ ◌َ* كان يجمع بين الصلاتين في طول سفره ذلك، فإن كان لم يجمع في نفس الأمر فيقوى أن يكون الجمع للنسك؛ لأن الحكم المتجدّد عند تجدّد أمر يقتضي إضافة ذلك الحكم إلى ذلك الأمر، إلى آخر ما ذكر من الاحتمالات. وقال العيني(١): الجمع بينهما بمزدلفة لا خلاف فيه، لكن الخلاف فيه: هل هو للنسك أو لمطلق السفر أو للسفر الطويل؟ فمن قال: للنسك قال: يجمع أهل مكة ومنى والمزدلفة، ومن قال: لمطلق السفر قال: يجمعون سوى أهل المزدلفة، ومن قال: للسفر الطويل، قال: يتمّ أهل مكة ومنى وعرفة والمزدلفة وجميع من كان بينه وبينها دون مسافة القصر، ويقصر من طال سفره. قال الترمذي(٢) بعد حديث الباب: والعمل على هذا عند أهل العلم أنه لا يصلّي المغرب دون جمع، قال زين الدين: كأنه أراد أن العمل عليه مشروعيةً واستحباباً لا تحتّماً ولزوماً، فإنهم لم يتفقوا على ذلك، بل اختلفوا فيه، فقال سفيان الثوري: لا يصلّيهما حتى يأتي جمعاً، فإن صلاهما دون جمع (١) ((عمدة القاري)) (٢٦٨/٧). (٢) ((جامع الترمذي)) (٢٣٦/٣). ٢١٠ --- - ٢٠ - كتاب الحج (٦٥) باب أعاد، وكذا قال أبو حنيفة: إن صلآّهما قبل أن يأتي المزدلفة فعليه الإعادة سواء صلاّهما قبل مغيب الشفق أو بعده. وقال مالك: لا يصلّيهما أحد قبل جمع إلا من عذر، فإن صلاهما من عذر لم يجمع بينهما حتى يغيب الشفق، وذهب الشافعي إلى أن هذا هو الأفضل، وإنه إن جمع بينهما في وقت المغرب أو في وقت العشاء بأرض عرفات أو غيرها، أو صلّى كل صلاة في وقتها جاز ذلك، وبه قال الأوزاعي وإسحاق بن راهويه، وأبو ثور وأبو يوسف وأشهب، وحكاه النووي عن أصحاب الحديث، وبه قال من التابعين عطاء وعروة وسالم والقاسم وسعيد بن جبیر، انتهى. وقال الدردير(١): جمع الحاج العشاءين استناناً بالمزدلفة، وإن عجز من وقف مع الإمام عن لحاق الناس في سيرهم لمزدلفة لعجز به أو بدابّته، فبعد الشفق يجمع في أي محل كان، وإلّ يقف معه، فكل من الفرضين يصلّي لوقته من غير جمع، وإن قُدِّمَتَا على النزول بمزدلفة، وقد صلاّهما بعد الشفق، والحال أنه مطالب بالجمع لكونه وقف مع الإمام أعادهما بمزدلفة ندباً، وإن قُدِّمَتَا على الشفق أعاد المغرب ندباً، إن بقي وقتها والعشاء وجوباً لبطلانها، انتهى بتغير وزيادة من الدسوقي. وفي ((الهداية))(٢): إذا أتى مزدلفة، فالمستحب أن يقف بقرب قزح، ويصلّي الإمام بالناس المغرب والعشاء، ولا يتطوّع بينهما، ولا تشترط الجماعة لهذا الجمع عند أبي حنيفة؛ لأن المغرب مؤخرة عن وقتها، بخلاف الجمع بعرفة، لأن العصر مقدم على وقته، ومن صلّى المغرب في الطريق لم تجزه (١) ((الشرح الكبير)) (٤٤/٢). (٢) (١٤٣/١). ٢١١ ٢٠ - كتاب الحج (٦٥) باب عند أبي حنيفة ومحمد، وعليه إعادتها ما لم تطلع الفجر، وقال أبو يوسف: يجزئه، وقد أساء، لأنه أدّاها في وقتها، فلا يجب إعادتها كما بعد طلوع الفجر، إلاّ أن التأخير من السنّة، فيصير مسيئاً بتركه. ولهما ما روي أنه ◌َّ قال لأسامة في طريق المزدلفة: ((الصلاة أمامك))، معناه وقت الصلاة، وهذا إشارة إلى أن التأخير واجب، وإنما أوجب ليمكنه الجمع بينهما بالمزدلفة، فكان عليه الإعادة ما لم يطلع الفجر ليصير جامعاً بينهما، وإذا طلع الفجر لا يمكنه الجمع فسقطت الإعادة، انتهى. ويستدلّ بوجوب صلاة المغرب بالمزدلفة بما قال الحافظ (١): كان جابر - رضي الله عنه - يقول: لا صلاة إلاّ بجمع، أخرجه ابن المنذر بإسناد صحيح، وسيأتي عن عكرمة الإنكار على الأمراء حيث يصلّون في الطريق، ويستدلّ أيضاً بما رواه البخاري وغيره عن ابن مسعود: ((هما صلاتان تحولان عن وقتهما صلاة المغرب بعدما يأتي الناس المزدلفة))، الحديث نصّ في أنها تحوّلت عن وقتها . وقال ابن حزم في ((المحلى)): لا تجزئ صلاة المغرب تلك الليلة إلاّ بمزدلفة، ولا به، وبعد غروب الشفق، ولا به، ثم ذكر حديث أسامة بطريقين، ثم قال: فإذا قصد عليه السلام ترك صلاة المغرب، وأخبر بأن المصلّى من أمام وأن الصلاة من أمام، والمصلى هو موضع الصلاة، فأخبر أن موضع الصلاة ووقت الصلاة من أمام، فصحّ يقيناً أن ما قبل ذلك الوقت، وما قبل ذلك المكان ليس مصلّى، ولا الصلاة فيه صلاة. ثم ذكر أثر جابر المذكور، وروي عن عبد الله بن أبي مليكة قال: كان ابن الزبير يخطبنا فيقول: ألّا لَا صلاة إلاّ بجمع، يردّدها ثلاثاً، وعن مجاهد: لا صلاة إلّ بجمع ولو إلى نصف الليل، انتهى. (١) ((فتح الباري)) (٥٢٠/٣). ٢١٢ ٢٠ - كتاب الحج (٦٥) باب (٨٨٨ - ٨٨٩) حديث ١٩٦/٨٨٨ - حدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنِ ابْنِ شِهَابِ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ مَّهِ صَلَّى الْمَغْرِّبَ وَالْعِشَاءَ بِالْمُزْدَلِفَةِ جَمِيعاً. أخرجه البخاريّ في: ٢٥ - كتاب الحج، ٩٦ - باب من جمع بينهما ولم يتطوع . ومسلم في: ١٥ - كتاب الحج، ٤٧ - باب الإفاضة من عرفات إلى المزدلفة، حديث ٢٨٦. ٨٨٩/ ١٩٧ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ كُرَيْبِ مَوْلَى أَبْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ أَسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ؛ ١٩٦/٨٨٨ - (مالك، عن ابن شهاب) الزهري (عن سالم بن عبد الله عن عبد الله بن عمر أن رسول الله ﴿ ﴿ صلّى) في حجة الوداع (المغرب والعشاء بالمزدلفة جميعاً) أي جمع بينهما جمع تأخير، كما دلّ عليه الروايات الأُخَر، منها: التي تليها، وإن لم يكن لفظ حديث الباب نصاً في ذلك، ولذا قال الباجي(١): يحتمل من جهة اللفظ أنه صلّى كل واحدة منهما بالمزدلفة، وإن كان صلّى كل واحدة منهما منفردة، ويحتمل أن يكون جمع بينهما، وهو الأظهر، انتهى . قلت: ويؤيّد هذا الثاني لفظ البخاري برواية ابن أبي ذئب عن الزهري بهذا السند ((جمع النبيّ ◌َّر المغرب والعشاء بجمع كل واحدة منهما بإقامة ولم يُسَبِّحْ بينهما، ولا على أثر كل واحدة منهما)). ١٩٧/٨٨٩ - (مالك، عن موسى بن عقبة) بضم العين وسكون القاف المدني إمام المغازي (عن كريب) مصغراً (مولى ابن عباس عن أسامة بن زيد) حِبّ النبيّ ◌َ﴿، قال ابن عبد البرّ: كذا رواه الحفاظ الأثبات عن مالك إلا (١) ((المنتقى)) (٣٨/٣). ٢١٣ ٢٠ - كتاب الحج (٦٥) باب (٨٨٩) حديث أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ: دَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِّ مِنْ عَرَفَةَ، حَتَّى إِذَا كَانَ بِالشِّعْبِ نَزَلَ فَبَالَ أشهب وابن الماجشون فقالا: عن كريب عن ابن عباس عن أسامة أخرجه النسائي، والصحيح إسقاط ابن عباس من إسناده، كذا في ((الفتح)) و((التنوير)) (أنه سمعه) أي سمع كريب أسامة، وهذا نصّ على عدم الواسطة. (يقول: دفع) أي رجع (رسول الله وَلير من) وقوف (عرفة) بعد الغروب (حتى إذا كان بالشعب) - بكسر المعجمة وسكون العين المهملة - الطريق بين الجبلين، واللام لههنا للعهد، بيّنه محمد بن حرملة عن موسى بن عقبة في البخاري بلفظ: ((فلما بلغ رسول الله وَل الشعب الأيسر الذي دون المزدلفة أناخ))، فبيّن أنه قرب المزدلفة (نزل فبال) قال الباجي(١): ليس النزول بالشعب بسنة؛ لأنه ليس من جنس العبادات، قال ابن حبيب: لم ينزل النبيّ وَلّ بين عرفات وجمع إلا ليهريق الماء. قلت: وكان ابن عمر - رضي الله عنهما - كثير الاتباع لرسول الله وَل فيقتدي في ذلك أيضاً، فقد أخرج البخاري برواية جويرية عن نافع: كان ابن عمر - رضي الله عنهما - ((يجمع بين المغرب والعشاء بجمع غير أنه يمر بالشعب الذي أخذه رسول الله وَّ# فيدخل، فينتفض، ويتوضأ، ولا يصلّ حتى يصلّي بجمع))، قال الحافظ (٢): قوله: ((فينتفض)) أي يستجمر، وأخرجه الفاكهي من طريق سعيد بن جبير قال: ((دفعت مع ابن عمر - رضي الله عنهما - من عرفة، حتى إذا وازينا الشعب الذي يصلّي فيه الخلفاء المغرب دخله ابن عمر، فتنفض فيه، ثم توضّأ وكبر وانطلق حتى جاء جمعاً))، الحديث. وروى الفاكهي أيضاً من طريق ابن جريج قال: قال عطاء: وأردف : (١) ((المنتقى)) (٣٨/٣). (٢) ((فتح الباري)) (٥٢٠/٣). -...... ٢١٤ ----- ٢٠ - كتاب الحج (٦٥) باب (٨٨٩) حديث فَتَوَضَّأَ ، النبيّ ◌َ﴾ أسامة، فلما جاء الشعب الذي يصلّي فيه الخلفاء الآن المغرب نزل، فأهراق الماء، ثم توضأ، وظاهر هذين الطريقين أن الخلفاء كانوا يصلّون المغرب عند الشعب المذكور قبل دخول وقت العشاء، وهو خلاف السنّة في الجمع بين الصلاتين بمزدلفة . ووقع عند مسلم من طريق محمد بن عقبة عن كريب: لما أتى الشِّعْبَ الذي ينزله الأمراء، وله من طريق إبراهيم بن عقبة عن كريب: الشعب الذي ينيخ الناس فيه للمغرب، والمراد بالخلفاء والأمراء في هذا الحديث بنو أميّة، فلم يوافقهم ابن عمر - رضي الله عنهما - على ذلك، وقد جاء عن عكرمة إنكار ذلك. فروى الفاكهي من طريق ابن أبي نجيح: سمعت عكرمة يقول: ((اتّخذه رسول الله ﴿ ﴿ مبالاً، واتخذتموه مصلّى))، وكأنه أنكر بذلك على من ترك الجمع بين الصلاتين لمخالفته السنّة في ذلك، انتهى. (فتوضأ) قال الحافظ في ((الفتح)»: الماء الذي توضّأ به النبيّ وَلّل ليلتئذٍ كان من ماء زمزم، كما رواه عبد الله بن أحمد في ((زوائد مسند)) أبيه بإسناد حسن من حديث علي، وفيه رَدٌّ على منع استعماله لغير الشرب، انتهى. قال ابن حجر في ((شرح المناسك)): كذا قيل، وإنما يتم أن لو ثبت أنه كان معه غيره، وإلا فيحتمل أن وضوءه به لتعينه، انتهى. قلت: وفيه أيضاً أن استعماله وَل﴾ لا يقاس عليه استعمال غيره، كيف؟ وقد رجح طهارة فضلاته، وفي ((الدر المختار))(١): يكره الاستنجاء بماء زمزم لا الاغتسال، وفيه أيضاً يرفع الحدث بماء مطلق وماء زمزم بلا كراهة، وعن أحمد يكره، قال ابن عابدين: استفيد من الأول أن نفي الكراهة خاص في رفع الحدث بخلاف الخبث، انتهى. (١) (٦٨٨/٢). ٢١٥ ٢٠ - كتاب الحج (٦٥) باب (٨٨٩) حدیث فَلَمْ يُسْبِغِ الْوُضُوءَ، وفي ((الأنوار))(١) عن ((شرح الخرشي)): مما يستحب لكل من بمكة أن يكثر من شرب ماء زمزم، ويتوضأ، ويغتسل به ما أقام بمكّة، انتهى. (فلم يسبغ الوضوء) اختلف في المراد بذلك على أقوال، أوجهها: أنه خفّفه كما في رواية محمد بن حرملة، فتوضأ وضوءاً خفيفاً، وقيل: معناه توضأ مرة مرة أو خفّف استعمال الماء بالنسبة إلى غالب عادته، وقيل: المراد اللغوي، وتعقب، قال الحافظ(٢): وأغرب ابن عبد البر في معنى قوله: ((فلم يسبغ الوضوء)) أي استنجى به، وأطلق عليه اسم الوضوء اللغوي، لأنه من الوضاءة وهي النظافة، ومعنى الإسباغ الإكمال أي لم يكمل وضوءه، فيتوضأ للصلاة، قال: وقيل: إنه توضأ وضوءاً خفيفاً، ولكن الأصول تدفع هذا، لأنه لا يشرع الوضوء لصلاة واحدة مرتين، وليس ذلك في رواية مالك، ثم قال: وقيل: إن معنى قوله: ((لم يسبغ الوضوء)) أي لم يتوضّأ في جميع الأعضاء، بل اقتصر على بعضها، واستضعفه. وحكى ابن بطال: أن عيسى بن دينار من قدماء أصحابهم، سبق ابن عبد البر إلى ما اختاره أولاً، وهو متعقب بهذه الرواية الصريحة، أي رواية : محمد بن حرملة، وقد تابعه عليها محمد بن عقبة أخو موسى أخرجه مسلم بمثل لفظه، وتابعهما إبراهيم بن عقبة أخو موسى أيضاً، أخرجه مسلم أيضاً بلفظ: ((وضوءاً ليس بالبالغ))، وقد أخرج البخاري في ((باب الرجل يوضئ صاحبه))، قال أسامة: فجعلت أصبّ عليه، ويتوضأ، ولم تكن عادته وَلّ أن يباشر ذلك أحد منه حال الاستنجاء. ويوضحه أيضاً ما في مسلم في هذه القصّة بلفظ: ((ذهب إلى الغائط فلما (١) (ص ٦٤٥). (٢) انظر: ((فتح الباري)) (٥٢٠/٣). ٢١٦ ٢٠ - كتاب الحج (٦٥) باب (٨٨٩) حدیث رجع صببت عليه من الإداوة))، قال القرطبي: اختلف الشرّاح في قوله: ((ولم يسبغ الوضوء»، هل المراد به اقتصر على بعض الأعضاء، فيكون وضوءاً لغوياً، أو اقتصر على بعض العدد، فيكون وضوءاً شرعياً؟ وكلاهما محتمل، ويعضد الثاني ما في الرواية الأخرى: ((وضوءاً خفيفاً))، لأنه لا يقال للناقص: وضوءاً خفيفاً، وأما اعتلال ابن عبد البرّ بأن الوضوء لا يشرع مرتين بصلاة واحدة فليس بلازم لاحتمال أنه توضأ ثانياً لحدث طارئ. وليس الشرط بأنه لا يشرع تجديد الوضوء إلّ لمن أدّى به صلاة فرضاً أو نفلاً متفق عليه، بل ذهب جماعة إلى جوازه، وإن كان الأصح خلافه، وإنما توضأ أولاً ليستديم الطهارة، ولا سيّما في تلك الحالة لكثرة الاحتياج إلى ذكر الله حينئذ، وخفّف الوضوء لقلّة الماء حينئذ، وقال الخطابي: إنما ترك إسباغه حين نزل الشعب ليكون مستصحباً للطهارة في طريقه، وتجوّز فيه، لأنه لم يرد أن يصلّي به، فلما نزل وأرادها أسبغه، انتهى. وقال الباجي(١): يريد بقوله: ((توضأ)» الاستنجاء من البول، ويريد بقوله: (لم يسبغ الوضوء)) لم يتوضأ وضوء الحدث، ولذلك قال أسامة: الصلاة يا رسول الله تذكرة لها، لما رأى من تركه الاستعداد لها بالوضوء، ويحتمل أن يريد بقوله: ((فتوضأ)) وضوء الحدث، وأراد بقوله: ((لم يسبغ)) لم يبالغ فيه مبالغته إذا أراد الصلاة به، وقد روي هذا المعنى في الحديث، فيكون الوضوء ذلك وضوءاً آخر ليكون على طهارة، انتهى. وقال الحافظ في ((الفتح)): أما من زعم أن المراد بالوضوء الاستنجاء فباطل، لقوله في الرواية الأخرى: ((فجعلت أصبّ عليه وهو يتوضأ))، ولقوله هُهنا: (لم يسبغ الوضوء))، انتهى. (١) ((المنتقى)) (٣٨/٣). ٢١٧ ٢٠ - كتاب الحج (٦٥) باب (٨٨٩) حديث فَقُلْتُ لَهُ: الصَّلَاةَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ: ((الصَّلَاةُ أَمَامَكَ))، . وما أورد من أن تجديد الوضوء لا يشرع إلاّ لمن أدّى به عبادة يتوقف على الطهارة لا يرد على المالكية ولا على الحنفية، أمّا على المالكية فلأن تجديد الوضوء بدون أداء عبادة، وإن لم يشرع عندهم لكن يخص منه ما لم يسبغ الوضوء أولاً . قال الدردير(١): نُدِب تجديد وضوء إن صلّى به ولو نفلاً أو فعل به ما يتوقف على طهارة كطواف ومسّ مصحف على الراجح، فلو لم يفعل به ما يتوقف على الطهارة لم يجز التجديد، أي يكره أو يمنع، قال الدسوقي: قوله: ((لم يجز التجديد)) أي ما لم يكن توضأ أولاً واحدة واحدة أو اثنتين اثنتين، فله أن يُجَدِّدَ بحيث يكمل الثلاث، انتهى. أمّا على الحنفية، فلما في ((مراقي الفلاح)»: نُدِب تجديده للمداومة عليه، وللوضوء على وضوء إذا تبدّل مجلسه، لأنه نور على نور، وإذا لم يتبدّل فهو إسراف، انتهى. ولههنا تبدّل المجلس أي التبدّل. (فقلت له: الصلاة) بالنصب على الإغراء، أو بتقدير أتذكر، أو تريد، ويؤيّد ذلك ما في رواية للبخاري: أتصلّي يا رسول الله؟ أو بحذف ((صلّ))، ويجوز الرفع على تقدير ((حانت الصلاة))، كذا في ((الفتح))(٢). (يا رسول الله) اليه (فقال: الصلاة) بالرفع مبتدأ، وخبره (أمامك) بفتح الهمزة والنصب على الظرفية، أي موضع هذه الصلاة قدامك، وهو المزدلفة، فهو من ذكر الحال، وإرادة المحل. ويؤيّد ذلك ما في رواية للبخاري: ((المصلّى أمامك))، أو التقدير: وقت الصلاة قدامك، ففيه حذف مضاف؛ إذ الصلاة نفسها لا توجد قبل إيجادها، وإذا وجدت لا تكون أمامه. (١) (الشرح الكبير)) (١٢٤/١). (٢) ((فتح الباري)) (٥٢١/٣). ٢١٨ ٢٠ - كتاب الحج (٦٥) باب (٨٨٩) حديث فَرَكِبَ، قال الباجي(١): قوله: ((الصلاة أمامك)) يقتضي أن ذلك ليس بوقت الصلاة، أو أن ذلك ليس بموضع الصلاة، أو أن الأمرين جميعاً قد اتّفقا هنالك، ومن وقف مع الإمام ودفع بدفعه، فقد قال مالك: لا يصلّي حتى يأتي المزدلفة، واستدلّ على ذلك بقوله: الصلاة أمامك، فمن صلّى دون أن يأتي المزدلفة دون عذر، فقال ابن حبيب: يعيد متى علم بمنزلة من صلّى قبل الزوال لقوله وَالله: ((الصلاة أمامك))، وبه قال أبو حنيفة، وقال أشهب: بئس ما صنع، ولا إعادة عليه إلاّ أن يصلّيهما قبل مغيب الشفق، فيعيد العشاء وحدها أبداً، وبه قال الشافعي، ومن أسرع فأتى المزدلفة قبل مغيب الشفق، فقد قال ابن حبيب: لا صلاة له، لا لإمام ولا لغيره حتى يغيب الشفق، ووجه ذلك قوله وَّ ر: ((الصلاة أمامك)) ثم صلآّها بالمزدلفة بعد مغيب الشفق، انتهى. (فركب) رسول الله وَ ل﴿ ناقته القصواء بعدما نزل عنها فبال وتوضأ، ويُشكل على هذا ما أخرجه أبو داود وأحمد عن الشريد - رضي الله عنه - يقول: أفضت مع رسول الله وَّر، فما مست قدماه الأرض حتى أتى جمعاً. قال القاري: قال الطيبي: عبارة عن الركوب من عرفة إلى الجمع، يعني فما يرد عليه أنه ◌َ﴿ نزل فتوضأ، انتهى. وحاصله أنه بالغ في بيان ركوب النبيّ وَّر في السير من عرفات إلى المزدلفة بأنه ◌َ * قطع تلك المسافة راكباً، ولم يمش على الأرجل في تلك المسافة، وليس معناه أنه لم ينزل عن الناقة، فلا يعارض حديث أسامة، وأما الجواب بترجيح رواية أسامة، كما فعله صاحب ((العون)) بأن أسامة كان رديفه ◌َّ فبعيدٌ، فإنه وقعت في حديث الشريد أنه كان مع رسول الله صَلّ، فلا سبيل لترجيح أحدهما على الآخر، كذا أفاده الشيخ في ((البذل))(٢). (١) ((المنتقى)) (٣٨/٣). (٢) انظر: ((بذل المجهود)) (٢٣٦/٩). ٢١٩ ٢٠ - كتاب الحج (٦٥) باب (٨٨٩) حدیث فَلَمَّا جَاءَ الْمُزْدَلِفَةَ، نَزَلَ فَتَوَضَّأَ فَأَسْبَغَ الْوُضُوءَ، ثُمَّ أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَصَلَّى الْمَغْرِبَ، ثُمَّ أَنَاخَ كُلُّ إِنْسَانٍ بَعِيرَهُ فِي مَنْزِلِهِ، (فلما جاء المزدلفة نزل) عن القصواء (فتوضأ) قال الزرقاني: بماء زمزم (فأسبغ الوضوء) يحتمل تجديد الوضوء، أو لحدثٍ طرأ (ثم أقيمت الصلاة) ولم يذكر فيه النداء، وبهذا استدلّ من ذهب إلى عدم النداء في الأولى، كما سيأتي في آخر الباب (فصلّى المغرب) قال الحافظ: أي لم يبدأ بشيء قبل الصلاة، قال الباجي: يريد - والله أعلم - تعجيل صلاة المغرب عند الوصول أو قبل أن يعيد (١) كل إنسان مكان نزوله، فلما صلّى المغرب اتّسع الوقت للعشاء، فذهب كل إنسان إلى تعيين مكان نزوله وإناخة بعيره. (ثم أناخ كل إنسان بعيره في منزله) قال الحافظ(٢): وبَيَّنَ مسلم من وجه آخر عن كريب أنهم لم يزيدوا بين الصلاتين على الإناخة، ولفظه: «فأقام المغرب، ثم أناخ الناس، ولم يحلوا حتى أقام العشاء، فصلّوا، ثم حلّوا))، وكأنهم صنعوا ذلك رفقاً بالدواب، أو للأمن من تشويشهم بها، وفيه أنه لا بأس بالعمل اليسير بين الصلاتين، ولا يقطع ذلك الجمع، انتهى. قال الباجي(٣): وتعشَّى النبيّ وَ ل# بعد ذلك على رواية ابن مسعود، ليُتِمَّ كلّ إنسان ما يحتاج إليه من إناخة بعيره، والتخفيف عن راحلته، قال أشهب: يحّ عن راحلته بعد المغرب إن شاء، وإن لم يكن بها ثقل، فإن ذلك قريب لا تفاوت فيه بين الصلاتين، وليس ذلك بعمل مشروع بين الصلاتين، فيعتبر، وإنما هو مباح موسع. وقد سئل مالك فيمن أتى المزدلفة أيبدأ بالصلاة أم يؤخّر حتى يحطّ عن (١) كذا في الأصل، اهـ، ((ش)). (٢) ((فتح الباري)) (٥٢١/٣). (٣) ((المنتقى)) (٣٨/٣). ٢٢٠