Indexed OCR Text

Pages 41-60

٢٠ - كتاب الحج
(٥٤) باب
(٨٦٠) حديث
(٥٤) باب وقوف الرجل وهو غير طاهر، ووقوفه على دابة
١٦٨/٨٦٠ - سُئِلَ مَالِكٌ: هَلْ يَقِفُ الرَّجُلُ بِعَرَفَةَ، أَوْ
بِالْمُزْدَلِفَةِ، أَوْ يَرْمِي الْجِمَارَ، أَوْ يَسْعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَهُوَ غَيْرُ
طَاهِرِ؟ فَقَالَ:
(٥٤) وقوف الرجل وهو غير طاهر ووقوفه على دابته
ذكر المصنف فيه مسألتين، الأولى: حكم الطهارة في الوقوف بعرفة،
والثانية: حكم الوقوف راكباً، وتقدم الكلام على الثانية في صوم يوم عرفة، أمّا
الأولى، فقد قال الموفق(١): لا يشترط للوقوف طهارة ولا ستارة ولا استقبال
ولا نيّة، ولا نعلم في ذلك خلافاً، قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه
من أهل العلم على أن الوقوف بعرفة غير طاهر مُدرٌِ للحج ولا شيء عليه،
وفي قول النبيّ وَّ لعائشة: (افعلي ما يفعله الحاجُ غير الطواف بالبيت))، دليل
على أن الوقوف بعرفة على غير طهارة جائز، ووقفت عائشة - رضي الله عنها -
بها حائضاً بأمر النبيّ وَل﴾، ويستحب أن يكون ظاهراً، قال أحمد: يستحب له
أن يشهد المناسك كلها على وضوء، وكان عطاء يقول: لا يقضي شيئاً من
المناسك إلّا على وضوء، انتهى.
وقال الدردير(٢): نُدِب وقوفه بوضوء، انتهى. وقال القاري: وليكن على
طهارة ظاهرة وباطنة .
١٦٨/٨٦٠ - (قال يحيى: وسُئل) ببناء المجهول (مالك: هل يقف أحد)
كذا في النسخ الهندية، وفي المصرية: هل يقف الرجل (بعرفة أو بالمزدلفة أو
يرمي الجمار) يوم النحر وغيره (أو يسعى بين الصفا والمروة وهو غير طاهر)
بالطهارة من الحدث الأصغر أو الأكبر (فقال) الإمام في جوابه مستدلاً بالقياس
(١) ((المغني)) (٢٧٥/٥).
(٢) ((الشرح الكبير)) (٤٤/٢).
٤١

٢٠ - كتاب الحج
(٥٤) باب
(٨٦٠) حديث
كُلُّ أَمْرٍ تَصْنَعُهُ الْحَائِضُ مِنْ أَمْرِ الْحَجِّ، فَالرَّجُلُ يَصْنَعُهُ وَهُوَ غَيْرُ
طَاهِرٍ. ثُمَّ لَا يَكُونُ عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي ذُلِكَ، وَالْفَضْلُ أَنْ يَكُونَ الرَّجُلُ
فِي ذَلِكَ كُلِّهِ طَاهِراً، وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَتَعَمَّدَ ذُلِك.
وَسُئِلَ مَالِكٌ: عَنِ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ لِلرَّاكِبِ، أَيَنْزِلُ أَمْ يَقِفُ
رَاكِباً؟ فَقَالَ: بَلْ يَقِفُ رَاكِباً، إِلَّ أَنْ يَكُونَ بِهِ أَوْ بِدَابَّتِهِ عِلَّةٌ، فَاللَّهُ
أَعْذَرُ بِالْعُذْرِ .
(كل أمر) موصوف (تصنعه الحائض) صفة له (من أمر الحج) بيان لقوله: كل
أمر، والجملة مبتدأ خبره (فالرجل يصنعه وهو غير طاهر) والواو حالية، فإن
الحائض محدثة حدثاً أكبر، فإذا جاز لها أن تفعل سائر المناسك غير الطواف،
دلّ ذلك على أن المحدث والجنب يفعله، فإن المحدث أدون حالاً من
الحائض والجنب مساوٍ له.
(ثم لا يكون عليه شيء من ذلك) من القضاء والجبران (و) لكن (الفضل)
أي المستحب (أن يكون الرجل في ذلك) المذكور في السؤال (كله طاهراً)
متوضئاً (ولا ينبغي له أن يتعمّد ذلك) أي عدم الطهارة في هذه الأماكن بترك
الاستحباب، وقال الشيخ في ((المسوى)(١) بعد قول الإمام مالك هذا: قلت:
وعليه أهل العلم، انتهى.
وقال صاحب ((المحلى)): وبه قال الثلاثة الباقية، انتهى.
(وسئل) الإمام (مالك) - رضي الله عنه - (عن الوقوف بعرفة للراكب
أينزل) عن المركب (أم يقف راكباً) أيّهما أفضل (فقال) مالك: (بل يقف راكباً)
اتّباعاً لفعله وَير (إلا أن يكون به) أي بالراكب (أو بدابته عذر) وفي النسخ
المصرية علّة بدل عذر، والمودى واحد (فالله أعذر بالعذر) أي أجدر بقبول
العذر، فإن الأعذار تسقط الواجبات، فكيف بالمندوبات؟
(١) (٣٧٢/١).
٤٢
۔۔
----

٢٠ - كتاب الحج
(٥٥) باب
(٨٦١) حديث
(٥٥) باب وقوف من فاته الحج بعرفة
١٦٩/٨٦١ - حدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنْ نَافِع؛ أَنَّ
عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَقُولُ: مَنْ لَمْ يَقِفْ بِعَرَفَةَ مِنْ لَيْلَةِ الْمُزْدَلِفَّةِ قَبْلَ
أَنْ يَطْلُعَ الفَجْرُ، فَقَدْ فَاتَهُ الْحَجّ، وَمَنْ وَقَفَ بِعَرَفَة مِنْ لَيْلَةِ الْمُزْدَلِفَةِ
مِنْ قَبْلِ أَنْ يَطْلُعَ الفَجْرُ، فَقَدْ أَدْرَكَ الْحَجَّ.
(٥٥) وقوف من فاته الحج
وليس لفظ ((بعرفة)) في النسخ الهندية، والمعنى: أيُّ وقوف بعرفة يكون
سبباً لفوت الحج، وعلم من الآثار الواردة في الباب هو الوقوف الذي لا يكون
في ليلة النحر، وذلك لما تقدم في ((باب الوقوف بعرفة)) أن وقت الوقوف
المفروض عند المالكية، هو من غروب الشمس ليلة النحر إلى طلوع الفجر
منها، وتقدّمت المذاهب في ذلك، وبوّب شيخ مشايخنا الشاه وليّ الله الدهلوي
في ((المصفّى)) (١): ((باب من لم يقف بعرفة حتى طلع الصبح يوم النحر فقد فاته
الحج)).
١٦٩/٨٦١ - (مالك عن نافع أن عبد الله بن عمر) - رضي الله عنهما -
(كان يقول: من لم يقف بعرفة من) بعض (ليلة المزدلفة) وهي ليلة النحر (قبل
أن يطلع الفجر فقد فاته الحج) ولو وقف قبل ذلك من النهار عند الإمام مالك
(ومن وقف بعرفة من ليلة المزدلفة) ولو ساعة (من قبل أن يطلع الفجر) وإن لم
يقف في النهار قبل ذلك أصلاً (فقد أدرك الحجَ).
قال الباجي(٢): هذا يحتمل معنيين، أحدهما: أنه يريد أن هذا آخر ما
يدرك به الوقوف، وإن كان يجوز الوقوف قبله ويُجتزأ به، والثاني: أن يقصد
تبيين زمان الوقوف، فيكون معناه إن لم يقف ليلة المزدلفة بعرفة، فلا وقوف له
(١) (٣٢١/١).
(٢) ((المنتقى)) (١٩/٣).
٤٣

٢٠ - كتاب الحج
(٥٥) باب
(٨٦٢) حدیث
١٧٠/٨٦٢ - وحدّثني عَنْ مَالِكَ. عَنْ هِشَام بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ
أَبِيهِ؛ أَنَّهُ قَالَ: مَنْ أَدْرَكَهُ الْفَجْرُ مِنْ لَيْلَةِ الْمُزْدَلِفَةِ، وَلَمْ يَقِفْ بِعَرَفَةَ،
فَقَدْ فَاتَهُ الْحَجُّ، وَمَنْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ مِنْ لَيْلَةِ الْمُزْدَلِفَةِ، قَبْلَ أَنْ يَطْلُعَ
الْفَجْرُ، فَقَدْ أَدْرَكَ الْحَجَّ .
وقد فاته الحجّ، وإن كان قد وقف قبل ذلك، لأن ما قبل ذلك ليس بزمان
لفرض الوقوف، وهذا هو الأظهر في اللفظ لتعليقه الحكم على الليلة، انتهى.
قلت: وعلى الثاني حمله الإمام مالك، وعلى الأول حمله الجمهور،
منهم الأئمّة الثلاثة، قال الزرقاني(١): وقد جاء هذا بنحوه عن ابن عمر
- رضي الله عنه - مرفوعاً من وجه آخر، وزاد فيه: ((وليحل بعمرة وعليه الحج
من قابل))، وروى أصحاب السنن بإسناد صحيح عن عبد الرحمن بن يعمر
الديلمي مرفوعاً: ((الحجّ عرفة من أدركها قبل أن يطلع الفجر من ليلة جمع فقد
تمّ حجّه)).
١٧٠/٨٦٢ - (مالك عن هشام بن عروة عن أبيه، أنّه قال: من أدركه
الفجر من ليلة المزدلفة، ولم يقف بعرفة) في الليل عند مالك، ولو في الليل
عند الجمهور (فقد فاته الحج) فله التحلّل بفعل عمرة عند مالك، وليتحلّل
بفعلها وجوباً عند الجمهور (ومن وقف بعرفة من ليلة المزدلفة) خاصة عند
مالك، ولو من ليلة المزدلفة عند الجمهور (قبل أن يطلع الفجر، فقد أدرك
الحج).
قال الزرقاني(٢): ففي فحوى كلامه أيضاً أنه لا يكفي الوقوف نهاراً،
وإليه ذهب مالك وذهب الأكثرون إلى أنه إذا وقف أي جزء من زوال يوم عرفة
إلى طلوع فجر النحر فقد أدرك الحجّ، واختاره جمعٌ من أصحابنا، وفي
(١) ((شرح الزرقاني)) (٣٣٩/٢).
(٢) ((شرح الزرقاني)) (٣٤١/٢).
٤٤

٢٠ - كتاب الحج
(٥٥) باب
(٨٦٢) حديث
قَالَ مَالِكٌ، فِي الْعَبْدِ يُعْتَقُ فِي الْمَوْقِفِ بِعَرَفَةَ: فَإِنَّ ذَلِكَ لَا
يُجْزِئُ عَنْهُ مِنْ حَجَّةِ الإِسْلَامِ،
الترمذي صحيحاً مرفوعاً: ((من شهد صلاتنا هذه، ووقف قبل ذلك بعرفة ليلاً
أو نهاراً فقد تمّ حجه))، قال أبو الحسن اللخمي: ليس يشبه أن يكون الفرض
من الغروب إلى الطلوع وما قبله من الزوال إلى الغروب تطوّعاً، ويكلف
النبيّ ◌َّ أمته الوقوف من الزوال إلى المغرب مع كثرة ما فيه من المشقة فيما
لم يفرض عليهم.
ثم يكون حظّه من الفرض لما دخل بغروب الشمس الانصراف لا ما
سواه، فإن الأحاديث جاءت أنه لما غربت الشمس دفع، ولم يقف، ويكون
الفرض المشي حتى يخرج من المحل، والوقوف عبادة يؤتى بها على صفة ما
أتى به النبيّ نَّه انتهى.
قلت: ولأجل ذلك حمل الجمهور هذين الأثرين وما في معناهما على
بيان آخر الوقت، وهي في معنى قوله وَلّ: ((من أدرك ركعة من العصر قبل أن
تغرب الشمس))، كما تقدم في ((باب الوقوف بعرفة)) عن الموفق، وعليه حملها
صاحب ((البدائع)) وغيره.
(قال مالك في العبد يعتق) ببناء المجهول (في الموقف بعرفة) ويكون
محرماً، كما يدلّ عليه السياق (فإن ذلك) أي حجّه بإحرام الرِقّ (لا يجزئ عنه)
أي لا يكفي (من حجة الإسلام) لأن إحرامه هذا نفل يجب عليه إتمامه، ويبقى
عليه حجّة الإسلام، والمسألة خلافية كما سيأتي في كلام الموفق، وبذلك
قالت الحنفية .
قال الدردير (١): شرط وجوبه كشرط وقوعه فرضاً حريّةٌ وتكليفٌ وقت
إحرامه، انتهى. وعَدَّ القاري(٢) في شرائط الوجوب: البلوغ والحرية، وقال
(١) ((الشرح الكبير)) (٥/٢).
(٢) ((شرح اللباب)) (ص١٠).
٤٥

٢٠ - كتاب الحج
(٥٥) باب
(٨٦٢) حدیث
إِلَّا أَنْ يَكُونَ لَمْ يُحْرِمْ، فَيُحْرِمُ بَعْدَ أَنْ يُعْتَقَ، ثُمَّ يَقِفُ بِعَرَفَةَ مِنْ تِلْكَ
اللَّيْلَةِ، قَبْلَ أَنْ يَطْلُعَ الْفَجْرُ، فَإِنْ فَعَلَ ذُلِكَ أَجْزَأَ عَنْهُ. وَإِنْ لَمْ يُحْرِمْ
حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ، كَانَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ فَاتَهُ الْحَجُّ، إِذَا لَمْ يُدْرِكِ الْوُقُوفَ
بِعَرَفَةَ، قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ مِنْ لَيْلَةِ الْمُزْدَلِفَةِ،
فيهما: إنهما شرط الوجوب والوقوع عن الفرض، لا عن الجواز والصحة،
ومذهب الشافعي - رحمه الله - كما حكاه النووي في ((مناسكه)) موافق لما يأتي
من مسلك الإمام أحمد عن ((المغني)).
(إلا أن يكون) هذا العبد المعتق (لم يحرم) إلى الآن (فيحرم بعد أن يعتق
ثم يقف بعرفة من تلك الليلة قبل أن يطلع الفجر) من يوم النحر (فإن فعل ذلك
أجزأ عنه) يعني إن لم يكن أحرم بالحج، وبقي حلالاً حتى أعتق، فأدرك أن
يحرم بالحج ويقف بعرفة قبل طلوع الفجر من ليلة النحر، فإن حجّه يجزئه عن
فرضه، لأن إحرامه انعقد بنية الفرض كذا في ((المنتقى))(١)، والمسألة إجماعية.
(وإن لم يحرم) بعد العتق أيضاً (حتى يطلع) بصيغة المضارع أو الماضي
نسختان (الفجر) فقد فاته الحجّ من تلك السنة ويبقى عليه حجة الإسلام، و (كان
بمنزلة من فاته الحجّ، إذا لم يدرك الوقوف بعرفة، قبل طلوع الفجر من ليلة
المزدلفة)، قال الزرقاني (٢): فيتحلّل بفعل عمرة، انتهى.
قلت: ولم أتحصّله فإنه لم يحرم بعد، فكيف التحلّل منه! اللّهمّ إلّا أن
يقال: إن المعنى إن لم يحرم حتى الفجر، بل أحرم بعده، فحينئذ يصح كلام
الزرقاني، والتشبيه عندي في بقاء حجة الإسلام عليه كما تبقى على الفائت.
قال الباجي: يريد أنه إن لم يحرم بعد عتقه حتى يطلع الفجر من ليلة
النحر فقد فاته الحج، ولا يخلو أن لا يحرم بعد ذلك أو يحرم، فإن لم يحرم
(١) (٢٠/٣).
(٢) ((شرح الزرقاني)) (٣٤٠/٣).
٤٦
------

٢٠ - كتاب الحج
(٥٥) باب
(٨٦٢) حديث
وَيَكُونُ عَلَى الْعَبْدِ حَجَّةُ الإِسْلَامِ يَقْضِيهَا .
فلا شيء عليه سوى حجة الإسلام في المستقبل، ويحتمل أن يريد هذا بقوله:
كان بمنزلة من فاته الوقوف بعرفة على تأويل أنه لِمَا رأى أنه قد فاته الوقوف
بعرفة لم يحرم بالحج، وهو الصواب، إلا أن يحرم به إذا طلع الفجر من يوم
النحر، وكان في وقت يعلم أنه إن أحرم طلع عليه الفجر قبل الوصول إلى
عرفة؛ لأنه دخل في حج يتيقن أنه لا يمكنه، انتهى.
(ويكون على العبد) المذكور الذي أعتق بعرفة، ولم يحرم أو أحرم بعد
طلوع الفجر (حجة الإسلام يقضيها) أي يؤدّيها على الفور أو التراخي.
قال الباجي(١): يريد أنه إذا فاته الوقوف بعرفة إما لأنه لم يحرم أو لأنه
أحرم قبل العتق أو أحرم بعد العتق فلم يمكنه الوقوف بعرفة، فإن حجة
الإسلام باقية عليه لا يقضيها عنه ولا يسقطها وجوبها بشيء مما تقدم، انتهى.
وفي ((المغني)) و(الشرح الكبير)) (٢) لا بني قدامة: قال ابن المنذر: أجمع أهل
العلم إلا من شذّ عنهم ممن لا يعتدّ بخلافه على أن الصبي إذا حجّ في صغره والعبد
إذا حج في رقّه ثم بلغ أو عتق أن عليهما حجة الإسلام إذا وجدا إليها سبيلاً،
كذلك قال ابن عباس وعطاء والحسن والنخعي والثوري ومالك والشافعي وإسحاق
وأبو ثور وأصحاب الرأي، قال الترمذي: وقد أجمع أهل العلم عليه.
وقال الإمام أحمد عن محمد بن كعب القرظيّ، قال: قال رسول الله وَله:
((إني أريد أن أُجَدِّدَ في صدور المؤمنين عهداً، أيما صبي حجّ به أهلُه، فمات
أجزأت عنه، فإن أدرك فعليه الحج، وأيّما مملوكٍ حجّ به أهله، فمات أجزأت
عنه، فإن أُعتِق فعليه الحج))، رواه سعيد في ((سننه))(٣)، والشافعي في ((مسنده))
عن ابن عباس من قوله.
(١) ((المنتقى)) (٢٠/٣).
(٢) (٢٠٠/٣، ٢٠١)، و(«المغني)) (٤٤/٥).
(٣) عزاه الزيلعي، في أوّل كتاب الحج، لأبي داود في ((مراسيله)) ((نصب الراية)) (٧/٣).
٤٧

٢٠ - كتاب الحج
(٥٥) باب
(٨٦٢) حديث
فإن بلغ الصبي أو عتق العبد بعرفة أو قبلها غير محرمَين، فأحرما ووقفا
بعرفة، وإنما المناسك أجزأهما عن حجة الإسلام، لا نعلم فيه خلافاً، لأنه لم
يفتهما شيء من أركان الحج، وإن كان البلوغ أو العتق، وهما محرمان
أجزأهما أيضاً عن حجة الإسلام، كذلك قال ابن عباس، وهو مذهب الشافعي
وإسحاق، وقاله الحسن في العبد.
وقال مالك: لا يجزئهما، وهو اختيار ابن المنذر، وقال أصحاب
الرأي: لا يجزئ العبد، فأما الصبي فإن جدّد إحراماً بعد أن احتلم قبل
الوقوف أجزأه وإلّا لا؛ لأن إحرامهما لم ينعقد واجباً فلا يجزئ عن الواجب،
كما لو بقيا على حالهما .
ولنا؛ أنه أدرك الوقوف حراً بالغاً، فأجزأه، كما لو أحرم تلك الساعة،
قال أحمد: قال طاووس عن ابن عباس: إذا أعتق العبد بعرفة أجزأت عنه
حجّته، فإن أعتق بجمع لم تجزئ عنه، وهؤلاء يقولون: لا تجزئ، ومالك
يقوله أيضاً، والحكم فيما إذا أعتق العبد وبلغ الصبي بعد خروجهما من عرفة،
فعاد إليها قبل طلوع الفجر ليلة النحر، كالحكم فيما إذا كان ذلك فيها؛ لأنهما
قد أدركا من الوقت ما يجزئ ولو لحظة، وإن لم يعودا أو كان ذلك بعد طلوع
الفجر من يوم النحر لم يجزئهما عن حجة الإسلام، ويتمّان حجهما تطوعاً
لفوات الوقوف المفروض، ولا دم عليهما، لأنهما حجّا تطوعاً بإحرام صحيح.
وإذا بلغ الصبي أو عتق العبد قبل الوقوف أو في وقته، وأمكنهما الإتيان
بالحج لزمهما ذلك، لأن الحج واجب على الفور، فلا يجوز تأخيره مع
إمكانه، وإن فاتهما الحج لزمتهما العمرة، لأنها واجبة أمكن فعلها فأشبهت
الحج، ومتى أمكنهما ذلك فلم يفعلا استقرّ الوجوب عليهما سواء كانا موسرين
أو معسرين، لأن ذلك وجب عليهما بإمكانه في موضعه فلم يسقط بفوات
القدرة بعده .
٤٨

٢٠ - كتاب الحج
(٥٥) باب
(٨٦٢) حديث
٠
والحكم في الكافر يُسْلِمُ، والمجنون يفيق حكمُ الصبي في جميع ما
فصلناه، إلّا أن هذين لم يصح إحرامهما، ولو أحرما ما لم ينعقد، لأنهما من
غير أهل العبادات، ويكون حكمهما حكم من لم يحرم، انتهى.
وقال ابن عبد البرّ في ((التمهيد))(١): اختلف الفقهاء في المراهق والعبد
يحرمان بالحج، ثم يحتلم هذا، ويعتق هذا قبل الوقوف بعرفة، فقال مالك
وأصحابه: لا سبيل إلى رفض الإحرام لهذين، ولا لأحد، ويتماديان على
إحرامهما، ولا يجزئهما حجهما ذلك عن حجة الإسلام، وقال أبو حنيفة: إن
جدّد لصبي إحراماً بعدما بلغ أجزأه.
وقال الشافعي: إذا أحرم الصبي ثم بلغ قبل الوقوف بعرفة فوقف بها
محرماً أجزأه عن حجة الإسلام، وكذلك العبد إذا أحرم ثم عتق قبل الوقوف
فوقف بها محرماً أجزأه عن حجة الإسلام، ولم يحتج إلى تجديد إحرام واحد
منهما، انتهى. وقال النووي في ((مناسكه)): إذا بلغ الصبي بعد خروج وقت
الوقوف أو قبل خروجه وبعد مفارقة عرفات ولم يعد إليها بعد البلوغ لم يجزئه
عن حجة الإسلام، وإن بلغ في حال الوقوف أو بعده فعاد ووقف في الوقت
أجزأه عن حجة الإسلام، انتهى.
وفي ((الهداية))(٢): إذا بلغ الصبي بعدما أحرم أو أعتق العبد فمضيا لم
يجزئهما عن حجة الإسلام، لأن إحرامهما انعقد لأداء النفل. فلا ينقلب لأداء
الفرض، ولو جدّد الصبي الإحرام قبل الوقوف ونوى حجة الإسلام جاز،
والعبد لو فعل ذلك لم يجز، لأن إحرام الصبي غير لازم لعدم الأهلية، وأما
إحرام العبد لازم فلا يمكنه الخروج منه بالشروع في غيره، انتهى.
(١) (١١٠/١).
(٢) (١٣٣/١).
٤٩

٢٠ - كتاب الحج
(٥٦) باب
(٥٦) باب تقديم النساء والصبيان
قلت: وظهر منه وجه الفرق عند الحنفية في الصبي والعبد، إذ يكفي
تجديد الأول إحرامه، دون الثاني، ويوضحه ما حكاه القاري؛ إذ قال: لا
يجب على صبي فلو حجّ فهو نفل لا فرض، لكونه غير مكلف، فلو أحرم ثم
بلغ فلو جدّد إحرامه يقع عن فرضه، وإلّا لا، وإنما جوّز له التجديد لكون
شروعه غير ملزم له، بخلاف العبد البالغ إذا أعتق، فإنه ليس له أن يجدد
إحرامه بالفرض للزوم الإحرام الأول في حقّه بشروعه، فليس له أن يخرج عنه
إلّا بأدائه، انتهى.
ولا يذهب عليك أن الحنفية اختلفوا في صحة التجديد بعد الوقوف،
فذهب بعضهم: إلى أنه معتبر، وقال بعضهم: لا يعتبر، لأن بالوقوف ولو
لحظة تم حج النفل، ولا يصح في سَنَةٍ حجتان إجماعاً، وأجمل الكلام على
المسألة ابن عابدين في هامش ((البحر)) (١).
(٥٦) تقديم النساء والصبيان
من المزدلفة إلى منى، قال الموفق(٢): لا بأس بتقديم الضعفة والنساء
وممن كان يقدم ضعفة أهله عبد الرحمن بن عوف وعائشة، وبه قال عطاء
والثوري والشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي، ولا نعلم فيه مخالفاً، ولأن فيه
رفقاً بهم ودفعاً لمشقة الزحام عنهم واقتداءً بفعل نبيّهم ◌َّ، فروي عن ابن
عباس قال: ((كنت فيمن قدم النبيّ ◌َّ في ضعفة أهله من مزدلفة إلى منى))،
وعن أسماء قالت: ((إن رسول الله ◌َ﴾ أذن للطعن))، متفق عليهما. وترجم
البخاري في ((صحيحه))(٣) ((باب من قدم ضعفة أهله بليل، فيقفون بالمزدلفة
ويدعون. ويُقَدِّم إذا غاب القمر)).
(١) انظر: ((البحر الرائق)) (٥٢٩/٢).
(٢) ((المغني)) (٢٨٦/٥).
(٣) ((فتح الباري)) (٥٢٦/٣).
٥٠
-------
------------

٢٠ - كتاب الحج
(٥٦) باب
.
قال النووي في ((مناسكه)): إن ترك المبيت ليلة المزدلفة جبرها بدم، ومن
ترك المبيت لعذر فلا شيء عليه، والعذر أقسام، أحدها: أهل السقاية،
والثاني: رعاء الإبل، والثالث: من له عذر آخر كمن له مال يخاف ضياعه لو
اشتغل بالمبيت، أو يخاف على نفسه أو مال معه، الرابع: لو انتهى ليلة العيد
إلى عرفات فانتقل بالوقوف عن المبيت، فلا شيء عليه، انتهى.
قال ابن حجر في ((شرحه)): قوله: رخص لهم مبنيٌ على وجوبه، وهو
الأصح، ثم الأعذار مسقطة للإثم، وليست محصلة لفضل ما فات على
المذهب الذي مشى عليه المصنف وغيره في ترك الجماعة، وعلى ما اختاره
كثيرون، وصرائح السنة تشهد له يحصل ذلك أيضاً، انتهى.
وقال الدردير(١): رخص ندباً تقديم الضعفة من النساء والصبيان
والمرضى ونحوهم في الرد إلى منى من المزدلفة، فيذهبون ليلاً للبيات بمنى،
وليس المراد الترخيص في عدم النزول في مزدلفة بالكلية، لما تقدم من قوله:
وإن لم ينزل فالدم، قال الدسوقي: معنى الترخيص لهم في عدم البيات
بالمزدلفة، أنه يحصل لهم ثواب البيات بها، فلا يعترض بأن البيات بها ليس
أمراً واجباً، حتى يقال: رخص لهم في تركه، قوله: فيذهبون ليلاً للبيات بمنى
بعد نزولهم بالمزدلفة بقدر حطّ الرحال، وإن لم ينزل فالدم، ولا فرق في ذلك
بين الضعفاء وغيرهم، انتهى.
وفي ((شرح اللباب))(٢): البيتوتة بها سنّة مؤكدة إلى الفجر، والوقوف بعد
الفجر واجب، ولو ترك الوقوف بها بأن دفع ليلاً فعليه دم، لتركه الواجب، إلّا
إذا كان لعلة أو ضعف بنية من كبر أو صغر أو يكون امرأة تخاف الزحام، فلا
شيء عليه .
(١) ((الشرح الكبير)) (٤٩/٢).
(٢) (ص١١٦).
٥١

٢٠ - كتاب الحج
(٥٦) باب
(٨٦٣) حديث
٨٦٣/ ١٧١ - حدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنْ نَافِعِ، عَنْ سَالِم
وَعُبَيْدِ اللَّهِ ابْنَيْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ؛ أَنَّ أَبَاهُمَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانُّ
يُقَدِّمُ أَهْلَهُ وَصِبْيَانَهُ مِنَ الْمُزْدَلِفَةِ إِلَى مِنَّى، حَتَّى يُصَلَّوا الصُّبْحَ بِمِنَّى،
١٧١/٨٦٣ - (مالك عن نافع عن سالم وعبيد الله) بضم العين مصغراً في
النسخ الهندية، وكذا في رواية ((الموطأ)) لمحمد (١)، وفي النسخ المصرية بفتح
العين مكبراً، وكلاهما أي المكبر والمصغر ولدان لعبد الله بن عمر - رضي الله
عنهما - (ابني) بتثنية ابن في أكثر النسخ، وفي بعضها بالإفراد، فيكون صفة
للثاني فقط .
(عبد الله بن عمر) - رضي الله عنهما - (أن أباهما عبد الله بن عمر)
وأخرج البخاري في ((صحيحه)) (٢) بسنده إلى الزهري قال سالم: كان عبد الله بن
عمر يقدم ضعفة أهله فيقفون عند المشعر الحرام بالمزدلفة بليل فيذكرون الله
عزّ وجلّ ما بدا لهم، ثم يرجعون قبل أن يقف الإمام، وقبل أن يدفع، فمنهم
من يقدم منى لصلاة الفجر، ومنهم من يقدم بعد ذلك، فإذا قدموا رموا
الجمرة، وكان ابن عمر - رضي الله عنه - يقول: أرخص في أولئك
رسول الله چچ.
(كان يقدم) ببناء الفاعل من التقديم (أهلَه) بالنصب مفعول، والمراد
النساء (وصبيانه من المزدلفة إلى منى) اتّباعاً لفعله ◌ٍَّ ورفقاً بهم لخوف الزحمة
(حتى يصلّوا الصبح بمنى) وهذا يقتضي أن التقدم كان قبيل الصبح، وأن ذلك
كان بمقدار ما يأتون منى لصلاة الصبح، وتقدم قريباً عن رواية البخاري، منهم
من يقدم منى لصلاة الفجر، ومنهم من يقدم بعد ذلك.
(١) (ص١٦٩)، وفي نسخة ((الاستذكار)) (١٣ / ٥٠) بضم العين مصغراً.
(٢) أخرجه البخاري في الحج (١٦٧٦)، و((فتح الباري)) (٥٢٦/٣).
٥٢

٢٠ - كتاب الحج
(٥٦) باب
(٨٦٤) حدیث
وَيَرْمُوا قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ النَّاسُ.
أخرجه البخاري في: ٢٥ - كتاب الحج، ٩٨ - باب من قدم ضعفة أهله
بلیل .
ومسلم في: ١٥ - كتاب الحج، ٤٩ - باب استحباب تقديم دفع الضعفة من
النساء وغيرهن، حديث ٣٠٤.
٨٦٤/ ١٧٢ - وحدّثني عَنْ مَالِكٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ
عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحِ؛ أَنَّ مَوْلَاةً ....
(ويرموا قبل أن يأتي الناس) إلى منى، قال الباجي (١): لما كان التعريس
الذي هو فرض المبيت بالمزدلفة قد وُجِد منهم، ولم يبق إلا فضيلة الوقوف مع
الإمام، فرخّص لهم في ذلك لضعفهم، انتهى.
قلت: ومن قال بوجوب الوقوف قال بسقوط ذلك عنهم للعذر كسقوط
الوداع عن الحائض.
٨٦٤/ ١٧٢ - (مالك عن يحيى بن سعيد عن عطاء بن أبي رباح أن مولاة)
بالتأنيث في جميع النسخ الهندية والمصرية، ولم يذكرها أهل الرجال في
المبهمات، قال الزرقاني(٢): لم تسمّ، لكن قد رواه ابن القاسم عن مالك عند
النسائي بلفظ أن مولى بالتذكير فهو عبد الله، كما في ((الصحيحين)).
قلت: أخرج البخاري(٣) في ((صحيحه)) برواية مسدد عن يحيى عن ابن
جريج حدّثني عبد الله مولى أسماء عن أسماء: ((أنها نزلت ليلة جمع عند
المزدلفة، فقامت تصلّي فصلّت ساعة))، ثم قالت: يا بُنَيَّ هل غاب القمر؟
قلت: لا، فصلّت ساعة، ثم قالت: يا بُنيّ هل غاب القمر؟ قلت: نعم،
(١) ((المنتقى)) (٢١/٣).
(٢) ((شرح الزرقاني)) (٣٤١/٢).
(٣) رقم الحديث (١٦٧٩)، و((فتح الباري)) (٥٢٦/٣).
٥٣

٢٠ - كتاب الحج
(٥٦) باب
(٨٦٤) حديث
قالت: فارتحلوا، فارتحلنا فمضينا حتى رمت الجمرة، ثم رجعت، فصلت
الصبح في منزلها، فقلت لها: يا هنتاه! ما أرانا إلا قد غلّسنا، قالت: يا بُنَيّ
إن رسول الله ◌َالة: أذن للظغن)).
قال الحافظ (١): قوله: عبد الله مولى أسماء هو ابن كيسان المدني، يكنى
أبا عمر ليس له في البخاري سوى هذا وآخر في أبواب العمرة، وقد صرّح ابن
جريج بتحديث عبد الله له، هكذا في رواية مسدد هذه عن يحيى.
وكذا رواه مسلم (٢) عن محمد بن أبي بكر المقدمي وابن خزيمة عن
بندار، وكذا أخرجه أحمد في ((مسنده)) كلّهم عن يحيى، وأخرجه مسلم من
طريق عيسى بن يونس، وأخرجه الإسماعيلي من طريق داود العطار، والطبراني
من طريق ابن عيينة، والطحاوي من طريق سعيد بن سالم، وأبو نعيم من طريق
محمد بن بكير، كلّهم عن ابن جريج، وأخرجه أبو داود عن محمد بن خلّاد
عن يحيى القطان عن ابن جريج عن عطاء أخبرني مخبر عن أسماء، وأخرجه
مالك عن يحيى بن سعيد عن عطاء أن مولى أسماء أخبره، وكذا أخرجه
الطبراني من طريق أبي خالد الأحمر عن يحيى بن سعيد.
فالظاهر أن ابن جريج سمعه من عطاء ثم لقي عبد الله فأخذه عنه،
ويحتمل أن يكون مولى أسماء شيخ عطاء غير عبد الله، انتهى. وهكذا قاله
العيني(٣)، وكلاهما عن مالك أن مولى أسماء أخبره بلفظ التذكير، كما تقدّم
عن النسائي برواية ابن القاسم عن مالك، وعلى هذا فيحتمل أن يكون عبد الله
أو غيره، كما قاله الحافظ، وعلى صحة لفظ التأنيث في رواية ((الموطأ))، قال
(١) ((فتح الباري)) (٥٢٨/٣).
(٢) أخرجه مسلم برقم (١٢٩٥) في الحج.
(٣) ((عمدة القاري)) (٢٢٧/٧).
٥٤

٢٠ - كتاب الحج
(٥٦) باب
(٨٦٤) حديث
الأَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ أَخْبَرَتْهُ، قَالَتْ: جِئْنَا مَعَ أَسْمَاءَ ابْنَةِ أَبِي بَكْرٍ
مِنَّى، بِغَلَس، قَالَتْ: فَقُلْتُ لَهَا: لَقَدْ جِثْنَا مِنَّى بِغَلَسِ،
الزرقاني(١): لا منافاة بين رواية ((الموطأ)) والبخاري لحمله على أنهما جميعاً
سألاه في عام أو عامين، انتهى.
(لأسماء بنت أبي بكر) الصدّيق - رضي الله عنه - (أخبرته) أي عطاء
(قالت: جئنا) من المزدلفة (مع أسماء بنت أبي بكر) الصديق - رضي الله عنه -
(منى) بالصرف (بغلس) بفتحتين، هو الظلمة آخر الليل اختلط بضوء الصباح،
كما في ((المجمع))، قال الباجي(٢): يحتمل أن تريد به قبل طلوع الفجر،
ويحتمل أن تريد بعد طلوع الفجر، وهو الأظهر، ولذلك روي عن عائشة أنها
قالت: كان رسول الله ◌َلم يصلّي الصبح بغلس.
قلت: يؤيّد الأول ما تقدم قريباً عن البخاري أنها ترتحل حين غاب
القمر، ويؤيّد الثاني ما سيأتي في آخر الباب أنها تصلّي بالمزدلفة الفجر، ثم
تركب، فتسير منى، وقال الزيلعي على ((الكنز)): الغلس يكون بعد الفجر، كما
في حديث ابن مسعود صلّاها يومئذ بغلس، والذي يدلّ عليه أن دفعها من
المزدلفة كان بعدما غاب القمر، وهو لا يغيب في الليلة العاشرة إلا آخر الليل،
ويغلب على الظن أنهم إلى أن يتأهَّبُوا للدفع ويصلوا إلى منى يطلع الفجر،
ويحتمل أنها قعدت بعدما غاب القمر زماناً طويلاً، لأنه لم يبيّن الراوي أنها
دفعت كما غاب القمر، انتهى.
(قالت) المولاة: (فقلت لها) أي لأسماء: (لقد جئنا منى بغلس) إنكار
الأمة عليها إتيانها بغلس، لما علمت أن السنة الوقوف بالمزدلفة إلى
الإسفار، بل إلى قبيل الطلوع، قال الموفق(٣): لا نعلم خلافاً في أن السنة
(١) (٣٤١/٢).
(٢) ((المنتقى)) (٢١/٣).
(٣) («المغني)) (٢٨٦/٥).
٥٥

٢٠ - كتاب الحج
(٥٦) باب
(٨٦٤) حديث
فَقَالَتْ: قَدْ كُنَّا نَصْنَعُ ذَلِكَ مَعَ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْكِ.
أخرجه البخاريّ في: ٢٥ - كتاب الحج، ٩٨ - باب من قدم ضعفة أهله
بلیل .
ومسلم في: ١٥ - كتاب الحج، ٤٩ - باب استحباب تقديم دفع الضعفة من
النساء وغيرهن، حديث ٢٩٧.
الدفع قبل طلوع الشمس، وذلك لأن النبيّ م 18 كان يفعله، قال عمر
- رضي الله عنه -: إن المشركين كانوا لا يُفيضون حتى تطلع الشمس،
ويقولون: أشرق ثبير(١) كيما نِغُير، وإن رسول الله مَّ خالفهم. فأفاض قبل
أن تطلع الشمس، رواه البخاري(٢)، والسنّة أن يقف حتى يسفر جداً،
وبهذا قال الشافعي وأصحاب الرأي، وكان مالك يرى الدفع قبل الإسفار،
انتھی .
قلت: لكن مالكاً - رضي الله عنه - يرى الوقوف بالمشعر الحرام إلى
الإسفار، كما تقدم عن الدردير، فليس عندهم مزيد خلاف، فأنكَرَتْ عليها
لذلك ولما فيه من مخالفة الحُجَّاج في ذلك، فأعلمتها أسماءُ ما عندها في
ذلك. (فقالت: قد كنّا نصنع) وفي رواية: نفعل (ذلك) أي التعجيل (مع من هو
خير منكِ) بكسر الكاف خطاب المؤنث.
قال الباجي(٣): يحتمل أن تريد بذلك النبيّ وَله، فقد روي عنها هذا
الحديث مسنداً، ويحتمل أن تريد بذلك من بعد النبيّ ◌َ لّر من الخلفاء أبا بكر
وعمر وعثمان - رضي الله عنهم أجمعين -، ولعلّها أرادت بذلك الزبير
- رضى الله عنه - انتهى.
٠٠
(١) ثبير: جبل بالمزدلفة على يسار الذاهب إلى منى.
(٢) ((صحيح البخاري)) (١٦٨٤).
(٣) ((المنتقى)) (٢١/٣).
٥٦

٢٠ - كتاب الحج
(٥٦) باب
(٨٦٥ - ٨٦٦) حديث
١٧٣/٨٦٥ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ؛ أَنَّهُ بَلَغَهُ: أَنَّ طَلْحَةَ بْنَ
عُبَيْدِ اللَّهِ كَانَ يُقَدِّمُ نِسَاءَهُ وَصِبْيَانَهُ مِنَ الْمُزْدَلِفَةِ إِلَى مِنَّى.
١٧٤/٨٦٦ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ؛ أَنَّهُ سَمِعَ بَعْضَ أَهْلَ الْعِلْم
يَكْرَهُ رَمْيَ الْجَمْرَةِ، حَتَّى يَطْلَعَ الْفَجْرُ مِنْ يَوْمِ النَّحْرِ،
قلت: وعلى الأول فهو مرفوع حكماً، ولفظ أبي داود(١): ((إنّا كنا نصنع
هذا على عهد رسول الله (وَالچ)) .
٨٦٥/ ١٧٣ - (مالك أنه بلغه أن طلحة بن عبيد الله) مصغراً أحد العشرة
المبشّرة (كان يقدم) ببناء الفاعل من التقديم (نساءه وصبيانه من المزدلفة إلى
منى) اتّباعاً لفعله مَّ وعملاً بالرخصة، قال الباجي: لم يبيّن وقت التقديم،
فيحتمل أن يكون قدّمهم قبل الفجر، فيصلّوا بمنى على ما تقدم في حديث
أسماء، ويحتمل أن يكون قدّمهم بعد الفجر وقبل الوقوف، إلّا أن الرفق بهم
أبلغ في تقديمهم قبل الفجر، لأنه أخلى لهم.
١٧٤/٨٦٦ - (مالك أنه سمع بعض أهل العلم) وقد روي ذلك عن جماعة
من الصحابة والتابعين (يكره رمي الجمرة) للعقبة في يوم النحر (حتى يطلع
الفجر من يوم النحر)، قال الباجي(٢): هذه كراهة على وجه المنع ونفي
الإجزاء، وذلك أن وقت الرمي النهار دون الليل، ولذلك وصفت الأيام بالرمي
دون الليل، قال الله تعالى: ﴿وَأَذْكُرُواْ اللَّهَ فِىّ أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ﴾(٣)، فوصفت
الأيام بأنها معدودات للجمار المعدودات فيها، فلا يجوز الرمي بالليل، فمن
رمى ليلاً أعاد وبه قال أبو حنيفة، وقال الشافعي: إن من رمى بعد نصف الليل
أجزأه، انتهى.
(١) ((سنن أبي داود)) (١٩٤٣).
(٢) ((المنتقى)) (٢٢/٣).
(٣) سورة البقرة: الآية ٢٠٣.
٥٧

٢٠ - كتاب الحج
(٥٦) باب
(٨٦٦) حديث
قال الموفق(١): ولرمي هذه الجمرة وقتان: وقت فضيلة، ووقت إجزاء،
أمّا وقت الفضيلة، فبعد طلوع الشمس، قال ابن عبد البرّ: أجمع علماء
المسلمين على أن رسول الله 18 إنما رماها ضحى ذلك اليوم، وقال جابر:
((رأيت رسول الله ◌َ﴾ يرمي الجمرة ضحى يوم النحر وحده، ورمى بعد ذلك
بعد زوال الشمس))، أخرجه مسلم (٢). وقال ابن عباس: ((قدمنا على
رسول الله ولم أغيلمة بني عبد المطلب ... )) الحديث. وفيه: ((لا ترموا الجمرة
حتى تطلع الشمس))، رواه أحمد وابن ماجه(٣)، والرمي بعد طلوع الشمس
يجزئ بالإجماع، وكان أولی.
وأما وقت الجواز فأوّله نصف الليل من ليلة النحر، وبذلك قال عطاء
وابن أبي ليلى، وعكرمة بن خالد والشافعي، وعن أحمد: يجزئ بعد الفجر
قبل طلوع الشمس، وهو قول مالك. وأصحاب الرأي وإسحاق وابن المنذر،
وقال مجاهد، والثوري، والنخعي: لا يرميها إلّا بعد طلوع الشمس لما رويناه
من الحدیث.
ولنا، ما روى أبو داود عن عائشة - رضي الله عنها - أن النبيّ وَّ أمر أم
سلمة ليلة النحر، فرمت قبل الفجر، ثم مضت، فأفاضت، ورُوِي أنه أمرها أن
تُعَجِّل الإفاضة، وتُوافي مكة بعد صلاة الصبح، واحتجّ به أحمد، وقد ذكرنا
في حديث أسماء أنها رمت، ثم رجعت، فصّت الصبح، وذكرت أن النبيّ وَّة
أذن للظعن، والأخبار المتقدمة محمولة على الاستحباب، وإن أخّر الرمي إلى
آخر النهار جاز.
(١) ((المغني)) (٢٩٤/٥).
(٢) ((صحيح مسلم)) (٩٤٥/٢).
(٣) ((سنن ابن ماجه)) (١٠٠٧/٢)، و((المسند)) للإمام أحمد (٢٣٤/١).
٥٨
--------

٢٠ - كتاب الحج
(٥٦) باب
(٨٦٦) حديث
قال ابن عبد البر: أجمع أهل العلم على أن من رماها يوم النحر قبل
المغيب، فقد رماها في وقت لها، وإن لم يكن ذلك مستحباً لها. وروى ابن
عباس قال: ((كان النبيّ ◌َل يسأل يوم النحر بمنى، قال رجل: رميت بعدما
أمسيت، فقال: لا حرج))، رواه البخاري، فإن أخّرها إلى الليل لم يرمها حتى
تزول الشمس من الغد، وبهذا قال أبو حنيفة وإسحاق، وقال الشافعي ومحمد
وأبو يوسف وابن المنذر: يرمي ليلاً لقول النبيّ ◌َّ: ((ارمٍ ولا حرج)).
ولنا، أن ابن عمر - رضي الله عنهما - قال: من فاته الرمي حتى تغيب
الشمس، فلا يرم حتى تزول الشمس من الغد، وقول النبيّ ◌َ ﴾: ((ارم ولا
حرج))، إنما كان في النهار، لأنه سأله في يوم النحر. ولا يكون اليوم إلا قبل
مغيب الشمس، وقال مالك: يرمي ليلاً وعليه دم، ومرة قال: لا دم عليه،
انتھی .
ثم قال: وإذا أخّر رمي يوم إلى ما بعده أو أخّر الرمي كله إلى آخر أيام
التشريق ترك السنة، ولا شيء عليه إلّا أنه يقدم بالنيّة رمي يوم الأول، ثم
الثاني، وبذلك قال الشافعي وأبو ثور، وقال أبو حنيفة: إن ترك حصاة أو
حصاتين أو ثلاثاً إلى الغد رماها وعليه بكل حصاة نصف صاع وإن ترك أربعاً
رماها وعليه دم، انتهى.
قال ابن رشد(١): وذلك أن المسلمين اتّفقوا على أن النبيّ وَّ وقف
بالمشعر الحرام، وهي المزدلفة بعدما صلّى الفجر، ثم دفع منها قبل طلوع
الشمس إلى منى، وأنه في هذا اليوم، وهو يوم النحر، رمى جمرة العقبة بعد
طلوع الشمس، وأجمع المسلمون أن من رماها في ذلك الوقت في هذا اليوم
فقد رماها في وقتها، وأجمعوا أن رسول الله و ◌َ لّ لم يرم يوم النحر غيرها،
(١) ((بداية المجتهد)) (٣٥٠/١).
٥٩

٢٠ - كتاب الحج
(٥٦) باب
(٨٦٦) حديث
واختلفوا فيمن رمى جمرة العقبة قبل طلوع الفجر، فقال مالك: لم يبلغنا أن
رسول الله ◌َّ رخّص لأحد أن يرمي قبل طلوع الفجر، ولا يجوز ذلك، فإن
رماها قبل الفجر أعاد، وبه قال أبو حنيفة وسفيان وأحمد، وقال الشافعي: لا
بأس به، فحجّته من منع ذلك فعله ◌َّ، وحديث الأغيلمة عن ابن عباس،
وحجّة من جَوَّز ذلك حديث أم سلمة، أخرجه أبو داود وغيره عن عائشة،
وحديث أسماء.
وأجمع العلماء أن الوقت المستحب لرمي جمرة العقبة من لدن طلوع
الشمس إلى وقت الزوال، وأنه إن رماها قبل غروب الشمس أجزأه، ولا شيء
عليه، إلا أن مالكاً استحب له أن يريق دماً، واختلفوا فيمن لم يرمها حتى
غابت الشمس، فرماها من الليل، أو من الغد، فقال مالك: عليه دم، وقال أبو
حنيفة: إن رمى من الليل، فلا شيء عليه، وإن أخّرها إلى الغد، فعليه دم،
وقال أبو يوسف ومحمد والشافعي: لا شيء عليه إن أخّرها إلى الليل أو إلى
الغد، وحجّتهم أن رسول الله وَله رخّص لرعاء الإبل.
قلت: وسيأتي الكلام على هذا الحديث مفصلاً.
وفي ((الروض المربع))(١): يرمي ندباً بعد طلوع الشمس، ويجزئ بعد
نصف الليل من ليلة النحر، فإن غربت شمس يوم الأضحى قبل رميه، رمى من
غدٍ بعد الزوال، انتهى.
قال النووي في ((مناسكه)): يدخل وقت الرمي بنصف الليل من ليلة
العيد، ويبقى الرمي إلى غروب الشمس، وقيل: يبقى إلى طلوع الفجر، قال
ابن حجر: مراده به وقت الاختيار، وإلّا فوقت أدائه لا يفوت إلا بآخر أيام
التشريق، ثم قال النووي: إذا ترك شيئاً من الرمي نهاراً، فالأصح أنه يتداركه
ليلاً أو فيما بقي من أيام التشريق، سواء تركه عمداً أو سهواً، وإذا تداركه
(١) (٥١٤/١).
٦٠