Indexed OCR Text
Pages 581-600
٢٠ - كتاب الحج (٤٨) باب (٨٤٤) حدیث وَهُوَ مُحْرِمٌ؟ فَلَمْ يَقُلْ لَهُ الْقَوْمُ شَيْئاً، فَقَالَ سَعِيدٌ: إِنَّ رَجُلاً وَقَعَ بِأَمْرَأَتِهِ وَهُوَ مُحْرِمٌ، فَبَعَثَ إِلَى الْمَدِينَةِ يَسْأَلُ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا إِلَى عَامِ قَابِلٍ . (وهو محرم) بالحجّ أو العمرة، ولعلّ سؤاله كان لاختيار أصحابه وتدريبهم وتنبيههم على المسائل (فلم يقل له القوم شيئاً) أي سكتوا عن الجواب، وسكوتهم إما لأنه لم يكن عندهم علم بذاك أو آثروا تعظيمه والمبالغة في برّه وصرف الأمر إليه. (فقال سعيد) بن المسيب، حكاية لما وقع من هذه الحادية قبل ذلك: (إن رجلاً وقع بامرأته وهو محرم) بالحجّ كما يدلّ عليه جواب سعيد (فبعث) قاصداً (إلى المدينة) المنوّرة (يسأل عن ذلك) الأمر عن علمائها . (فقال بعض الناس) من علماء المدينة (يفرق) ببناء المجهول (بينهما) من وقت الجماع (إلى عام قابل)، قال الباجي(١): قول بعض الناس يفرق بينهما إلى عام قابل، حكاه سعيد بن المسيب على سبيل الإنكار له، ولذلك بَيَّنَ أن افتراقهما إنما يكون من حيث يحرمان بالحج، ولا فائدة في أن يُفَرَّقَ بينهما قبل أن يحِلاً من الحجة التى أفسدا، لأن وطأهما في هذا العام لا يفسد عليهما حجّا، ولا يوجب عليهما هدياً، ولا فائدة في أن يُفَرَّق بينهما بعد الإحلال منه، وقبل الإحرام بحج القضاء؛ لأنهما إنما يكونان حلالين، فلا معنى للتفريق بینهما، انتهى . قلت: وما قال الباجي من أن وطئهما في هذا العام لا يوجب عليهما هدياً مبنيٌّ على مذهب المالكية، قال الدردير(٢): واتّحد الهدي وإن تكرّر وطؤه لامرأة أو لنساء بخلاف جزاء صيد وفدية، فيتعدّد بتعدّد موجبها إلا في مسائل، (١) ((المنتقى)) (٤/٣). (٢) ((الشرح الكبير)) (٦٩/٢). ٥٨١ ٢٠ - كتاب الحج (٤٨) باب (٨٤٤) حديث فَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّب: لِيَنْفُذَا قال الدسوقي: قوله: اتحد أي هدي الفساد وإن تكرّر موجب الفساد كوطئه لامرأة مراراً متعددة أو لنساء، لأن الحكم للوطء الأول، انتهى. وهكذا بخلاف الجمهور، فإنهم يوجبون بتعدد الوطء تكرار الجزاء مع اختلافهم في تفصيله. قال الموفق(١): ويجتنب بعد الفساد كل ما يجتنبه قبله من الوطء ثانياً، وقتل الصيد والطيب واللباس ونحوه، وعليه الفدية في الجناية على الإحرام الفاسد، كالفدية في الجناية على الإحرام الصحيح، انتهى. وقال أيضاً: إذا تكرّر الجماع فإن كَفَّرَ عن الأول فعليه للثاني كفارة ثانية كالأول، وإن لم يكن كَفَّر الأول فكفارة واحدة، وعنه أن لكل وطء كفارة لأنه سبب للكفارة: فأوجبها كالأول، والمذهب الأول، انتهى. وقال البجيرمي(٢): وإذا تكرّر الجماع وجب فيما عدا الأول في كل جماع شاة، انتهى. وهكذا في عامة فروع الشافعية، وفي ((شرح اللباب))(٣): فيفعل جميع ما يفعله في الحج الصحيح، ويجتنب ما يجتنب فيه من المحظورات جميعاً، وإن ارتكب محظوراً كالجماع ثانياً وسائر الجنايات فعليه ما على الصحیح، انتھی. وفي ((البحر)) تحت قول الكنز: وبعد الوقوف بدنة: أطلقه فشمل ما إذا جامع مرة أو مراراً إن اتحد المجلس، وأمّا إذا اختلف فبدنة للأول، وشاة للثاني في قولهما، وقال محمد: إن ذبح للأول فللثاني شاة وإلا لا، انتهى. وسيأتي البسط في آخر الباب. (فقال سعيد بن المسيب) رداً على ما حُكِيَ عن بعض الناس (لينفذا) (١) ((المغني)) (٢٠٦/٥). (٢) ((شرح الإقناع)) (٤٥٧/٢). (٣) (ص١٨٢، ١٨٣). ٥٨٢ ٢٠ - كتاب الحج (٤٨) باب (٨٤٤) حديث لِوَجْهِهِمَا، فَلْيُتِمَّا حَجَّهُمَا الَّذِي أَفْسَدَاهُ، فَإِذَا فَرَغَا رَجَعَا، فَإِنْ أَدْرَكَهُمَا حَجِّ قَابِلٌ، فَعَلَيْهِمَا الْحَجُّ بضم الفاء أي ليمضيا (لوجههما) باللام في أوله في النسخ المصرية، وبالموحدة في الهندية، أي لقصدهما (فليتمّا حجهما الذي أفسداه) لوجوب إتمامه (فإذا فرغا) من الإتمام (رجعا) قال الباجي: يحتمل أن يريد بذلك الإباحة، ومعنى ذلك أنه يجوز لهما أن يرجعا إلى منازلهما، ويحتمل أن يريد بذلك الوجوب، ومعنى ذلك أن يرجعا إلى موضع يجب عليهما فيه الإحرام، انتھی . قلت: وهذا مبنيٍّ على تعيين موضع الإحرام في القضاء، فمن قال: يتعيّن الإحرام من موضع إحرام الأداء لابدّ أن يحمل الرجوع على الوجوب، ليمكن الإحرام من ذلك الموضع، وتقدم المذاهب في ذلك في ((جامع العمرة)) . (فإن أدركهما حج قابل) أي عاشا إلى زمان الحج من السنة الآتية (فعليهما الحج) قال الباجي: يريد - والله أعلم - أنهما يستأنفان الإحرام، ولا يجوز لهما البقاء على الإحرام الأول بخلاف من فاته الحج، فإنّ له أن يبقى على إحرامه الأول، ويتمّ حجه عليه، لأنه إحرام صحيح، والذي أفسد حجّه لا يجوز له أن يتمّ قضاء عليه لأنه إحرام فاسد، انتهى. قال الموفق(١): إن اختار من فاته الحج البقاء على إحرامه ليحجّ من قابل فله ذلك، وروي ذلك عن مالك، ويحتمل أنه ليس له ذلك، وهو قول الشافعي وأصحاب الرأي وابن المنذر ورواية عن مالك وقول الصحابة، انتهى. هذا في الفوات، وأمّا في الإفساد، فقد جزم الموفق أنه يفسد الإحرام بالوطء، ويجب عليه أن يحرم من الحل، لأن الإحرام ينبغي أن يجمع فيه بين الحل والحرم، انتهى . (١) ((المغني)) (٤٢٨/٥). ٥٨٣ ٢٠ - كتاب الحج (٤٨) باب (٨٤٤) حدیث وَالْهَدْيُ، وَيُهِلَّانِ مِنْ حَيْثُ أَهَلَّا بِحَجِّهِمَا الَّذِي أَفْسَدَاهُ، وَيَتَفَرَّقَانِ حَتَّى يَقْضِيَا حَجَّهُمَا . قَالَ مَالِكٌ: يُهْدِيَانِ جَمِيعاً، بَدَنَةً بَدَنَةً . (والهدي) قال الباجي(١): يقتضي أن الهدي لا يكون إلاّ في العام المقبل، وكذلك في ((العتبية)) و(الموازية)) عن مالك من رواية أشهب، فإن عجَّله قبل القضاء فلقد قال عبد الملك بن الماجشون: إنه يجزئه، وإن كان أحبّ إلينا أن يكون مع حجة القضاء، ويحتمل على قول أصبغ في هدي الفوات أن لا يجزئه، انتهى. وقال الدردير(٢): وجب نحر هدي في زمن القضاء، ولا يقدمه زمن الفساد. وإن كان وجوبه للفساد، وأجزأ هدي الفساد إن عجّل زمن الفاسد قبل قضائه، انتهى . وقال النووي في (مناسكه)): ما وجب لارتكاب محظور أو ترك مأمور لا يختص بزمان، بل يجوز في يوم النحر وغيره، ثم ما سوى دم الفوات يراق في النسك الذي هو فيه، وأمّا دم الفوات، فيجب تأخيره إلى سنة القضاء، انتهى. وفي فروع الحنفية: أن دماء الجنايات لا يختصّ بزمان، لأنها لما وجبت الجبر النقصان كان التعجيل بها أولى لارتفاع النقصان به من غير تأخير، كذا في ((الهداية)) وغيرها. (ويُهِلَّان) أي يحرمان في القضاء (من حيث أهلاً) أي من الموضع الذي أحرما أولاً في الأداء (بحجّهما الذي أفسداه) والمسألة خلافية تقدّمت في ((جامع العمرة))، ولابن أبي شيبة عن عطاء عن ابن عباس يحرمان من المكان الذي أحدثا فيه، كذا في ((المحلى))، (ويتفرقان) في القضاء (حتى يقضيا) أي يتمّا (حجّهما) كما تقدم قريباً مبسوطاً. (قال مالك: ويهديان) أي الرجل والمرأة (جميعاً) أي كلاهما (بدنة بدنة) (١) ((المنتقى)) (٤/٣). (٢) ((الشرح الكبير)) (٦٩/٢). ٥٨٤ ..--- --- ٢٠ - كتاب الحج (٤٨) باب (٨٤٤) حدیث بالتكرار لإفادة أن على كل واحد منهما بدنة على حدة، وهذا عند الإمام مالك - رضي الله عنه - إذا طاوعته، ففي ((المدونة)): إن أصاب النساء مرة بعد مرة امرأة واحدة كانت أو عدداً من نساء، فليس عليه في جماعه إياهن إلا كفارة واحدة، دم واحد، وإن هو أكرههن فعليه الكفارة لهنّ عن كل واحدة منهنّ كفارة كفارة، وعن نفسه في جماعه إياهن، كلهن كفارة واحدة، وإن كان لم يكرههن، ولكنهن طاوعنه فعليهن على كل واحدة الكفارة، وعليه هو كفارة واحدة في جميع جماعه إياهن، انتهى. وقال الباجي(١): لا يخلو أن تكون هي زوجته أو أمته، فإن كانت زوجة فلا يخلو إن طاوعته أو أكرهها، فإن طاوعته فعلى كل واحد منهما أن يقضي الحج ويهدي، لأن حالها في ذلك كحاله، وإن أكرهها فعليه أن يحجها من ماله ويهدي عنها؛ لأن ما يلزمها من النفقة والهدي مما أتلفه عليها، فوجب عليه حمله عنها، وأمّا مباشرة ذلك بنفسها، فإنها من أحكام الأبدان التي تختصّ بها، وتلزمها، فلا يتحمَّله عنها، وإن كانت أمة له فعليه أن يحجها ويهدي عنها سواء أكرهها أم لا، لأنه مالك لها لا تستطيع الامتناع منه، وهو يملك تصرفها بخلاف الزوجة، فإنه لا يملك تصرفها، انتهى. والمسألة خلافية، قال الخرقي(٢): إن وطئ المحرم في الفرج، فأنزل أو لم ينزل فقد فسد حجهما، وعليه بدنة إن كان استكرهها، وإن كانت طاوعته فعلى كل واحد منهما بدنة. قال الموفق: إذا كانت المرأة مكرهة على الجماع فلا هدي عليها ولا على الرجل أن يهدي عنها، نصّ عليه أحمد لأنه جماع يوجب الكفارة، فلم (١) ((المنتقى)) (٢/٣). (٢) ((المغني)) (١٦٥/٥). ٥٨٥ ٢٠ - كتاب الحج (٤٨) باب (٨٤٤) حديث تجب به حالَ الأكراه أكثرُ من كفارة واحدة كما في الصيام، وهذا قول إسحاق وأبي ثور وابن المنذر. وعن أحمد رواية أخرى أن عليه أن يهدي عنها، وهو قول عطاء ومالك، لأن إفساد الحج وجد منه في حقهما، فكان عليه لإفساده حجّها هديٌ، وعنه ما يدلّ على أن الهدي عليها، لأن فساد الحج ثبت بالنسبة إليها، فكان الهدي عليها، كما لو طاوعت، ويحتمل أنه أراد أن الهدي عليها يتحمله الزوج عنها، فلا يكون رواية ثالثة. فأمّا حال المطاوعة، فعلى كل واحد منهما بدنة، هذا قول ابن عباس وسعيد بن المسيب والنخعي والضحاك ومالك والحكم وحماد، لأن ابن عباس قال: أهدِ ناقةً، ولتُهْدِ ناقة، ولأنها أحد المتجامعين من غير إكراه، فلزمتها بدنة كالرجل، وعن أحمد أنه قال: أرجو أن يجزئهما هدي واحد، روي ذلك عن عطاء، وهو مذهب الشافعي، لأنه جماع واحد، فلم يوجب أكثر من بدنة كحالة الإكراه، والنائمة كالمكرهة في هذا، وأمّا فساد الحج، فلا فرق فيه بين حال الإكراه والمطاوعة لا نعلم فيه خلافاً، انتهى. قلت: لكن تقدم في أول الباب في كلام النووي: أن الأصح عندهم عدم الفساد في الإكراه، وتقدم أيضاً عن ((الروض المربع))(١): أن المرأة إن طاوعته لزمها البدنة في الحج والشاة في العمرة، والمكرهة لا فدية عليها، انتهى. فهو المرجح من روايات الإمام أحمد، وبه جزم الخرقي. ولا فرق عند الحنفية في جماع المطاوعة والمكرهة في إفساد الحجّ أو وجوب الجزاء، قال في ((الهداية)) (٢): ومن جامع ناسياً كان كمن جامع (١) (٤٨٨/١). (٢) (٢٧٢/١) ط الهند. ٥٨٦ ٢٠ - كتاب الحج (٤٨) باب (٨٤٤) حديث قَالَ مَالِكٌ، فِي رَجُلٍ وَقَعَ بِأَمْرَأَتِهِ فِي الْحَجِّ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَنْ يَدْفَعَ مِنْ عَرَفَةَ وَيَرْمِيَ الْجَمْرَةَ: إِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الْهَدْيُ، وَحَجُ قَابِلِ. متعمّداً، وقال الشافعي - رحمه الله -: جماع الناسي غير مفسد للحج، وكذا الخلاف في جماع النائمة والمكرهة، هو يقول: الحظر ينعدم بهذه العوارض فلم يقع الفعل جناية، ولنا أن الفساد باعتبار معنى الارتفاق في الإحرام ارتفاقاً مخصوصاً، وهذا لا ينعدم بهذه العوارض. وفي ((شرح اللباب))(١): لا فرق في المجامع بالنسبة إلى هذا الحكم، وإن كان يتفاوت بالإثم وعدمه بين العامد والناسي والطائع والمكره، والحج والعمرة والرجل والمرأة، انتهى. وقد عرفت فيما سبق أن الواجب عند الحنفية في صورة الإفساد شاة، وفيما بعد الوقوف الذي لا فساد فيه بدنة. (قال مالك، في رجل وقع بامرأته) أي جامعها (في الحج ما بينه وبين أن يدفع من عرفة و) بين أن (يرمي الجمرة) وأنت خبير بأنه إذا كان الجماع قبل الدفع من عرفة، فيكون قبل الرمي بالأولى، لكنه ذكر الرمي أيضاً استطراداً، لأن التفريق عندهم في الفساد وعدمه باعتبار التحلّل الأول، وعند الحنفية باعتبار الوقوف بعرفة. (إنه يجب عليه) إتمام هذا الذي أفسده، ويجب (الهدي) أيضاً (وحجَ قابل) قضاءً لما أفسده. قال الباجي (٢): المصيب لأهله لا يخلو أن يكون أصابها قبل الوقوف بعرفة أو بعد ذلك، فإن كان أصابها قبل الوقوف بعرفة، فلا خلاف في فساد حجهما، وأنه يجب عليهما الهدي، وحجّ قابل، وقوله: فيما بينه وبين أن يدفع من عرفة نصٌّ على ما كان قبل وقوفه بعرفة، ونصَّ بعد ذلك على ما كان بعد رمي الجمرة، ولم ينص على من وطئ بعد الوقوف وقبل الرمي، وقد روى (١) (ص١٨٢). (٢) ((المنتقى)) (٤/٣). ٥٨٧ ٢٠ - كتاب الحج (٤٨) باب (٨٤٤) حدیث قَالَ: فَإِنْ كَانَتْ إِصَابَتُهُ أَهْلَهُ بَعْدَ رَمْي الْجَمْرَةِ، فَإِنَّمَا عَلَيْهِ أَنْ يَعْتَمِرَ وَيُهْدِيَ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ حَجُّ قَابِلِ . القاضي أبو محمد عنه في ذلك روايتين، إحداهما، وهي المشهورة: أنه قد أفسد حجّه، وبها قال الشافعي، والثانية: أنه لا يفسد حجّه، وبها قال أبو حنيفة، هذا إذا كان وطؤه يوم النحر قبل غروب الشمس، فإن كان بعد غروب الشمس من يوم النحر، فقد روى أصحابنا عن مالك فيمن وطئ الغد من يوم النحر قبل أن يرمي، ويُفيض، لم يفسد حجّه، وليس بمنزلة من وطئ يوم النحر، وعليه عمرة، وهدي لوطئه، وهدي آخر لما أخَّر من رمي جمرة العقبة، ووجه ذلك أن التحلّل قد حصل بانقضاء وقت الرمي وخروجه، انتهى. (قال: فإن كانت إصابته) مصدر مضاف إلى فاعله (أهلَه) بالنصب مفعول المصدر (بعد رمي الجمرة) قال الباجي: الوطء بعد الرمي لا يخلو أن يكون قبل الإفاضة، أو بعدها، فإن كان قبل الإفاضة، فلا يخلو أن يكون يوم النحر أو بعده، فإن كان يوم النحر، فقد اختلف فيه قول مالك، والمشهور عنه أنه لا يفسد حجّه، قال القاضي أبو الحسن: وهو الصحيح. وقد قال أيضاً: يفسد قبل الإفاضة، وبه قال أبو حنيفة والشافعي، وإن وطئ بعد الإفاضة وقبل الرمي، فلا يخلو أن يكون ذلك يوم النحر، أوبعده، فإن كان يوم النحر فقد اختلف أصحابنا فيه، فقال ابن القاسم وابن كنانة وأصبغ: لا يفسد، وليس عليه إلا الهدي، وقال أشهب وابن وهب: يفسد حجّه، فإن كان وطؤه بعد يوم النحر، فقد روى ابن حبيب عن أصبغ: لا شيء عليه، انتهى. قلت: ما حكى من مذهب أبي حنيفة والشافعي ليس بصحيح، نعم قال به بعض السلف، كما تقدم في أول الباب من ((المغني)) والفروع. وعُلِم من هذا كلّه أن مسألة الباب هي وطء من أصابها يوم النحر بعد الرمي قبل طواف الإفاضة. (فإنما عليه أن يعتمر) أي يُحرم بالعمرة من الحل، ويأتي بأفعالها (ويهدي) لجنايته على طواف الإفاضة (وليس عليه حجّ قابل) لأن حجّه الأول ٥٨٨ ٢٠ - كتاب الحج (٤٨) باب (٨٤٤) حديث . لم يفسد لوقوع الوطء بعد التحلّل الأول، وهذا على المشهور من مذهب الإمام مالك(١)، وصححه أبو الحسن كما تقدم قريباً. قال الباجي(٢): فإذا قلنا: لا يفسد حجّه، فإنه يلزمه عمرة وهدي، وقال أبو حنيفة والشافعي: لا يجب عليه عمرة، والدليل على صحة ما نقوله أن عليه أن يأتي بطواف الإفاضة في نُسُك لم يدخل عليه نقصُ الوطء، وذلك لا يكون إلا بالعمرة، لأن الطواف لا يكون في الإحرام إلا بحجّ أو عمرة، وقد قلنا : إنه لا حج عليه، فلزمته العمرة، انتهى. قلت: ما قال مالك هو المنصوص عن الإمام أحمد، كما تقدم في أول الباب في آخر كلام الموفق، إذ قال: والمنصوص عن أحمد ومن وافقه من الأئمّة أنه يعتمر، فيحتمل أنهم أرادوا هذا، أي الطواف فقط أو السعي أيضاً، وسمّوه عمرةً، لأن هذا هو أفعال العمرة، ويحتمل أنهم أرادوا عمرة حقيقية، فيلزمه سعي، وتقصير، والأول أصح، انتهى. قلت: ويؤيّد الأول أن صاحب ((الروض المربع)) لم يذكر فيه العمرة، بل قال: يحرم من الحل، لطواف الفروض، أي ليطوف طواف الزيارة محرماً، انتهى. وظاهر فروع المالكية أنهم قالوا بالعمرة بتمامها كما يظهر من كلام الباجي المذكور قريباً، وفي ((الدردير)) (٣): أفسد الجماع الحج والعمرة إن وقع قبل الوقوف مطلقاً، أو وقع بعده بشرطين، إن وقع قبل إفاضة ورمي عقبة يوم النحر أو قبله، وإلا بأن وقع قبلهما بعد يوم النحر، أو بعد أحدهما في يوم النحر، فهديٌ واجب، ولا فساد في الصور الثلاث، وعمرة، أي حيث قلنا : (١) انظر ((الاستذكار)) (٢٩٠/١٢). (٢) ((المنتقى)) (٥/٣). (٣) ((الشرح الكبير)) (٦٨/٢). ٥٨٩ ٢٠ - كتاب الحج (٤٨) باب (٨٤٤) حدیث قَالَ مَالِكٌ: وَالَّذِي يُفْسِدُ الْحَجَّ أَوِ الْعُمْرَةَ، حَتَّى يَجِبَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ الْهَدْيُ فِي الْحَجِّ أَوِ الْعُمْرَةِ، الْتِقَاءُ الْخِتَانَيْنِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَاءٌ دَافِقٌ . لا فساد، فهدي، ويجب مع الهدي عمرة يأتي بها بعد أيام منى، قال الدسوقي: قوله: حيث قلنا: لا فساد أي إذا حصل الجماع قبل الإفاضة، ورمي جمرة العقبة بعد النحر أو بعد أحدهما، وقبل الآخر يوم النحر يجب مع الهدي عمرة جابرة لما فعله، وهذه العمرة لا تكفي عن العمرة التي هي سنة في العمرة، فهو حينئذ يأتي بعمرتين، انتهى. (قال مالك) في تفصيل ما يفسد الحجّ والعمرة من الجماع ودواعيه (الذي يفسد الحج أو العمرة) من الجماع (حتى يجب) عليه (في ذلك الهدي في الحج أو العمرة) هكذا في أكثر النسخ المصرية والهندية، قال الباجي (١): في الحج أو العمرة يحتمل معنيين أحدهما: أن الإفساد وجد في أحدهما، فيجب بذلك الهدي والقضاء، فاجتزا بذكر الإفساد عن ذكر القضاء، والثاني: أنه يريد يجب عليه بذلك الهدي في الحجّ أو العمرة الذي هو القضاء عمّا أفسده منهما، انتھی . قلت: وهذا التوجيه يختص بمسلك الإمام مالك؛ إذ يجب عنده الهدي في القضاء كما تقدم قريباً، وفي بعض النسخ المصرية محله (مع الحج أو العمرة)) ((بلفظ مع)) بدل ((في)) وهو لا يحتاج إلى توجيه. (التقاء الختانين) أي ختان الرجل، وخفاض المرأة ثُنِّي تغليباً، قال صاحب ((المحلى)): الموصول مع الصلة مبتدأ، أو التقاء الختانين خبره (وإن لم يكن ماء دافق) يعني أن التقاء الختانين وهو يلزم الإيلاج، كما تقدم في أبواب الغسل يفسد الحج وإن لم يتحقّق الإنزال، لأن كل حكم يتعلق بالوطء، فإنه (١) ((المنتقى)) (٥/٣). ٥٩٠ ٢٠ - كتاب الحج (٤٨) باب (٨٤٤) حديث قَالَ: وَيُوجِبُ ذُلِكَ أَيْضاً الْمَاءُ الدَّافِقُ، إِذَا كَانَ مِنْ مُبَاشَرَةٍ، يتعلق بالتقاء الختانين من إفساد الصوم، ووجوب الغسل، والحد، والمهر، وغير ذلك، ولا خلاف في ذلك بين العلماء، وكذلك لا خلاف بين الأئمّة في المرجح عنهم أن الدبر في ذلك في حكم القبل، نعم اختلفوا في الوطء بالبهيمة، كما تقدم. (قال) مالك: (ويوجب ذلك) أي الهدي مع إفساد الحج أو العمرة (أيضاً الماء الدافق) بدون الجماع (إذا كان) خروجه (من مباشرة) للجسد، وفي حكمه أيضاً الإنزال بإدامة النظر، وإدامة الفكر عند المالكية، كما جزم به الزرقاني، وتقدم التصريح به في كلام الدردير، وسيأتي التصريح بذلك عن (المدونة)) في القول الآتي. وقال الخرقي(١): إن وطئ دون الفرج، فلم ينزل، فعليه دم، وإن أنزل فعليه بدنة، وقد فسد حجّه، قال الموفق: أما إذا لم ينزل، فإن حجه لا يفسد بذلك، لا نعلم أحداً قال: بفساد حجّه؛ لأنها مباشرة دون الفرج، عرِيَتْ عن الإنزال، فلم يفسد بها الحج، وقال الحسن فيمن ضرب بيده على فرج جاريته: عليه بدنة، وعن سعيد بن جبير: إذا نال منها ما دون الجماع، ذبح بقرة، ولنا، أنها ملامسة من غير إنزال، فأشبهت لمس غير الفرج، فأما إن أنزل، فعليه بدنة، وبذلك قال الحسن، وسعيد بن جبير، والثوري، وأبو ثور، وقال الثوري (٢) وأصحاب الرأي وابن المنذر: عليه شاة، لأنها مباشرة دون الفرج، فأشبهت ما لو لم ينزل. ولنا، أنه جماع أوجب الغسل، فأوجب بدنة، كالوطء في الفرج، وفي فساد حجه بذلك روايتان، إحداهما: يفسد، وهو اختيار الخرقي وأبي بكر، (١) ((المغني)) (١٦٩/٥). (٢) كذا في الأصل، وهو تحريف، والصواب ((الشافعي)) كما في ((المغني)) (١٦٩/٥). ٥٩١ ٢٠ - كتاب الحج (٤٨) باب (٨٤٤) حديث فَأَمَّا رَجُلٌ ذَكَرَ شَيْئاً، حَتَّى خَرَجَ مِنْهُ مَاءٌ دَافِقٌ، فَلَا أَرَى عَلَيْهِ شَيْئاً. وهو قول عطاء، والقاسم بن محمد، والحسن، ومالك، وإسحاق؛ لأنها عبادة يفسدها الوطء. فأفسدها الإنزال عن مباشرة، كالصيام، والثانية: لا يفسد الحج، وهو قول الشافعي وأصحاب الرأي، وابن المنذر، وهي الصحيحة، إن شاء الله؛ لأنه استمتاع لا يجب بنوعه الحد، فلم يفسد الحجّ كما لو لم ينزل، ولأنه لا نصّ فيه، ولا إجماع، ولا هو في معنى المنصوص عليه، انتهى. قلت: ورَجَّح هذه الرواية أبو الفرج في ((الشرح الكبير)) على متن ((المقنع))، وعليه اقتصر صاحب (الروض المربع)) كما تقدم في أوّل الباب، وقال: لا يصح قياسه على الوطء، وكذا لا يفسد عند الشافعية، كما تقدم عن ((مناسك النووي))، وكذا عند الحنفية كما تقدم عن ((شرح اللباب))، من أنه لا يفسد شيء من الدواعي، نعم يفسده الاستمناء عند المالكية كما تقدم قريباً، وأمّا الهدي فتجب البدنة في الإنزال والشاة بدونه عند الإمام أحمد، وتجب الشاة عند الحنفية والشافعية سواء أنزل أو لم ينزل، وعند المالكية هو في حكم الجماع في الهدي أيضاً. (فأمّا رجل ذكر شيئاً) بدون الاستدامة على ما هو المشهور عند المالكية. وعليه حمله الزرقاني، لكن قال الباجي: ظاهره الاستدامة كما سيأتي من كلامه (حتى خرج منه ماء دافق) أي وقع الإنزال بالتذكر (فلا أرى عليه شيئاً) أي فساداً ولكن يستحب له الهدي عند الأبهري، ورجح غيره الوجوب، قاله الزرقاني(١). قلت: لكن قوله: لا أرى عليه شيئاً، ظاهره ينفي الهدي مطلقاً، قال الباجي(٢): قوله: أما رجل ذكر شيئاً حتى خرج، ظاهره استدامة التذكّر، وترديده على قلبه حتى ينزل، لأنه أتى بلفظ الغاية، فقال: إنه إن ذكر شيئاً حتى (١) ((شرح الزرقاني)) (٣٣١/٢). (٢) ((المنتقى)) (٦/٣). ٥٩٢ ٢٠ - كتاب الحج (٤٨) باب (٨٤٤) حديث أنزل، وذلك لا يستعمل إلاّ فيما يستدام ويكرّر، وقد قال: إنه لا شيء عليه، وحكى القاضي أبو الحسن عن مالك فيمن كَرَّرَ التذكر حتى أنزل روايتين، فالذي روى أبو القاسم عن مالك في ((العتبية)) و((الموازية)): أنه قد أفسد الحج، وروى عنه أشهب: ليس عليه إلا الهدي، وقد روى ابن القاسم عن مالك في (الموازية)) و((العتبية)): من تذكَّر شيئاً فأنزل، فلا يفسد حجّه، قال أحمد بن ميسرة: ويهدي، ومعنى ذلك أنه أجرى على قلبه ذكراً من غير قصد، انتهى. فَعُلِمَ منه أن ظاهر السياق، وإن كان يومئ إلى الاستدامة، لكنه محمول على غير الاستدامة، فإن الإنزال بالاستدامة في حكم الجماع عند المالكية، كما تقدم في القول السابق، وأوّل الباب، وهو المنصوص عن الإمام، ففي ((المدونة)) فيمن تذكّر فأدام ذلك في نفسه تلذّذاً منه بذلك وهو محرم حتى أنزل، قال مالك: قد أفسد حجّه، وعليه الحج قابلاً. وأما الإنزال بمجرد التذكر بدون الاستدامة فظاهر ((الموطأ)) لا شيء عليه، لكن أهل الفروع صرّحوا بالهدي استحباباً أو وجوباً، كما تقدم، وبالثاني جزم الدردير، إذ قال: إن خرج بمجرد فكر أو نظر لم يفسد، وعليه هدي وجوباً، انتهى. ولم يذكر فيه خلافاً هو ولا الدسوقي، ولا فساد بالنظر والفكر عند غير مالك من الأئمّة. ولو أدام ولو أنزل، قال الخرقي: فإن نظر، فصرف بصره فأمنى فعليه دم، وإن كرّر النظر حتى أمنى فعليه بدنة. قال الموفق(١): وجملة ذلك أن الحج لا يفسد بتكرار النظر أنزل أو لم ينزل، روي ذلك عن ابن عباس، وهو قول أبي حنيفة والشافعي، وروي عن الحسن وعطاء ومالك فيمن ردّد النظر حتى أمنى عليه حج قابل؛ لأنه أنزل بفعل محظور أشبه الإنزال بالمباشرة. (١) ((المغني)) (١٧١/٥). ٥٩٣ ٢٠ - كتاب الحج (٤٨) باب (٨٤٤) حدیث وَلَوْ أَنَّ رَجُلاً قَبَّلَ امْرَأَتَهُ، وَلَمْ يَكُنْ مِنْ ذُلِكَ مَاءٌ دَافِقٌ، لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ فِي الْقُبْلَةِ إِلَّا الْهَدْيُ. ولنا: أنه إنزال من غير مباشرة، فأشبه الإنزال بالفكر والاحتلام، ثم إن المباشرة أبلغ في اللذّة وآكد في استدعاء الشهوة فلا يصح القياس عليه، فأما إن نظر ولم يكرّر، فأمنى، فعليه شاة، وإن كرّره فأنزل، ففيه روايتان، إحداهما عليه بدنة، روي ذلك عن ابن عباس، والثانية: عليه شاة، وهو قول سعيد بن جبير وإسحاق، ورواية ثانية عن ابن عباس، وقال أبو ثور: لا شيء عليه، وحكي ذلك عن أبي حنيفة والشافعي، انتهى. قلت: وهو كذلك عندهما كما تقدم أول الباب عن ((مناسك النووي)) و((شرح اللباب)) للقاري. (قال مالك) - رضي الله عنه - (ولو أن رجلاً قَبَّلَ) بتشديد الموحدة من التفعيل (امرأته ولم يكن من ذلك) أي من أجل التقبيل (ماء دافق) أي لم يقع الإنزال، وقيد بذلك، لأن القبلة مع الإنزال مفسدة عنده، ففي ((المدونة)): قال مالك: إن هو لمس أو قبّل أو باشر، فأنزل فعليه الحج قابلاً، وقد أفسد حجّه، انتھی. (لم يكن عليه في القبلة) بدون الإنزال (إلا الهدي) قال الباجي(١): لأن القبلة ممنوعة لحرمة الإحرام، فإذا لم تُفْضِ إلى الإنزال لم يجب بها إلا الهدي، وإنما وجب الهدي لأنه أدخل على نُسُكه نقصاً بما أتاه من الاستمتاع، وقد روى ابن الموّاز عن مالك: أن هديه بدنة، ووجه ذلك أنه هدي يجب بالاستمتاع، فكان بدنة کهدي الاستمتاع، انتهى. وقال الدردير: قُبْلتُه فيها الهدي، إن كانت بفم، وإلا فكالملامسة لا شيء فيها، إلا إذا أمذى أو كثرت، قال الدسوقي(٢): قوله: قبلته أي بغير (١) ((المنتقى)) (٦/٣). (٢) ((حاشية الدسوقي)) (٦٨/٢). ٥٩٤ ---- ٢٠ - كتاب الحج (٤٨) باب (٨٤٤) حدیث وَلَيْسَ عَلَى الْمَرْأَةِ الَّتِي يُصِيبُّهَا زَوْجُهَا، وَهِي مُحْرِمَةٌ مَرَارًا، فِى الْحَجِّ إنزال أو مذي، وهذا إذا كانت على الفم، وكانت لغير وداع أو رحمة، فإن كان على غير الفم فلا شيء فيها إلا إذا أمذى أو كثرت، وكذا إن كانت لوداع أو رحمة، فلا شيء فيها ما لم يخرج معها مني أو مذي وإلا فالهدي، انتهى. وقال الخرقي: إن قَبَّلَ فلم ينزل، فعليه دم، وإن أنزل فعليه بدنة، وعن أبي عبد الله الإمام أحمد، رواية أخرى: إن أنزل أفسد حجه، قال الموفق(١): وجملة ذلك أن حكم القبلة حكم المباشرة فيما دون الفرج سواء، وقد روي عن ابن عباس أنه قال لرجل قبّل امرأته: أفسدت حجّتك، وروي ذلك عن سعيد بن جبير، وقال سعيد بن المسيب، وعطاء، وابن سيرين، والزهري، وقتادة، ومالك، والثوري، والشافعي، وأبو ثور، وأصحاب الرأي: عليه دم، وروي ذلك عن الشعبي، وسعيد بن جبير، وروى الأثرم بإسناده عن عبد الرحمن بن الحارث أن عمر بن عبد الله قَبَّلَ عائشة بنت طلحة محرماً، فسأل، فأُجمِع له على أن يهريق دماً، والظاهر: أنه لم يكن أنزل؛ لأنه لم يُذْكَرْ، وسواء أمذی أو لم يُمْذِ، انتهى. قلت: وتقدم قريباً في المباشرة أن الموفق وغيره رَجَّحُوا رواية عدم الإفساد. وأوجبوا في الإنزال البدنة وبدونه الشاة، ولا فساد فيه عند الشافعية والحنفية ، والواجب فيها عندهم الشاة سواء أنزل أو لم ينزل، كما تقدم عن ((مناسك النووي)) و(شرح اللباب))، وما في ((الهداية)) وغيرها من نقل الفساد عند الشافعي تعقب عليه العيني في ((البناية))، وفي ((الغنية)): لو قبّل امرأته مودِّعاً لها. إن قصد الشهوة، فعليه الفدية وإلاّ لا، انتهى. (قال مالك: وليس على المرأة التي يصيبها) أي يجامعها (زوجها وهي محرمة) أي يطأها في حالة الإحرام (مراراً) أي عدة مرات سواء كان (في الحجّ (١) ((المغني)) (١٧٠/٥). ٥٩٥ ٢٠ - كتاب الحج (٤٨) باب (٨٤٤) حدیث أَوِ الْعُمْرَةِ، وَهِيَ لَهُ فِي ذُلِكَ مُطَاوِعَةٌ، إِلَّا الْهَدْيُ وَحَجُّ قَابِل، إِنْ أَصَابَهَا فِي الْحَجِّ، وَإِنْ كَانَ أَصَابَهَا فِي الْعُمْرَةِ، فَإِنَّمَا عَلَيْهَا قَضَاءُ الْعُمْرَةِ الَّتِي أَفْسَدَتْ، وَالْهَدْيُ. أو العمرة) وكذلك حكم الرجل إذا وطئ امرأة مرات أو النساء في الحجّ أو العمرة (وهي له في ذلك مطاوعة) قيد بذلك، لأن هدي المكرهة لا يجب عليها عند مالك، بل يتحمّله عنها الزوج كما تقدم قريباً. (إلا الهدي) الواحد (وحج قابل) قضاءً . (إن أصابها في الحجّ، وإن كان أصابها في العمرة فإنما عليها قضاء العمرة التي أفسدت) فوراً بعد إتمام المفسدة (والهدي) الواحد. قال الباجي(١): وهذا كما قال: إن المرأة التي يصيبها الزوج وهي محرمة مراراً، فإنه ليس عليها إلاّ حج قابل، والهدي يجب ذلك عليها بأوّل وطء، وأمّا الثاني، وما بعده فإنه لا يجب به هدي ولا حجّ ولا عمرة، سواء كَفَّر عن الوطء الأوّل قبل الوطء الثاني أو لم يُكَفِّر حتى وطئ، وقال أبو حنيفة: إن كَفَّر عن الوطء الأول، فعليه كفارة ثانية عن الوطء الثاني، وإلاّ فلا، وللشافعي قولان أحدهما مثل قولنا، والثاني: يجب عليه بكل وطء كفارةٌ سواء كفّر عن الأول أو لم يكفّر، انتهى. قال الدردير(٢): واتّحد الهدي، وإن تكرّر وطؤه لامرأة، والنساء بخلاف جزاء الصيد، فيتعدّد بتعدّد الصيد، وبخلاف فديةٍ فيتعدَّدُ بتعدّدها إلا في أربعة مسائل، قال الدسوقي قوله: اتّحد الهدي أي هدي الفساد، وإن تكرّر موجب الفساد كوطئه لامرأة مراراً متعدّدة أو لنساء؛ لأن الحكم للوطء الأول، انتهى. وقال الموفق(٣): إذا تكرر الجماع، فإن كَفَّرَ عن الأول فعليه للثاني كفارة (١) ((المنتقى)) (٦/٣). (٢) ((الشرح الكبير)) (٦٩/٢). (٣) («المغني)) (٣٣٩/٣). ٥٩٦ ٢٠ - كتاب الحج (٤٨) باب (٨٤٤) حديث ثانية كالأول، وإن لم يكن كفّر عن الأول، فكفارة واحدة، وعنه - أي عن الإمام أحمد رواية أخرى - أن لكل وطء كفارة؛ لأنه سبب للكفارة، فأوجبها كالأول، والمذهب الأول، لأنه جماع مُؤْجب للكفارة، فإذا تكرّر قبل التكفير عن الأوّل لم يوجب كفارة ثانية، كما في الصيام، وقال أبو حنيفة: للوطء الثاني شاة سواء كفّر عن الأول أو لم يكفّر، إلاّ أن يتكرّر الوطء في مجلس واحد على وجه الرفض، وقال مالك: لا يجب بالثاني شيء، وروي ذلك عن عطاء، لأنه لا يفسد الحجّ فلا يجب به شيء، ولنا على وجوب البدنة إذا كفّر أنه وطئ في إحرام. ولم يتحلّل منه ولا أمكن تداخل كفارته في غيره، فأشبه الوطء الأول، ولأن الإحرام الفاسد كالصحيح في سائر الكفارات فكذلك في الوطء، انتهى. وصرّح في جميع فروع الشافعية أن في الجماع الأول بدنة، وفي كل جماع بعده شاة، وبسط في ذلك ابن حجر، وجعله مستثنى من عموم قاعدتهم في تداخل الكفارات، وحكى عن السراج البلقيني في ((فتاواه)) عن أبي حامد: إن جامع مراراً لم يتداخل الجزاء، ووجب للأول بدنة، ولكل جماع بعده شاة، وإن اتّحد الزمان والمكان، انتهى. وأمّا عند الحنفية، فلو جامع مراراً قبل الوقوف بعرفة في مجلس واحد مع امرأة واحدة أو لنسوة، فعليه دم واحد، وإن اختلف المجالس مع واحدة أو النسوة يلزمه لكل مجلس دم على حدة عند الشيخين، وقال محمد(١): عليه دم واحد في تعدد المجالس أيضاً ما لم يُكَفِّرْ عن الأول، ولو جامع في مجلس آخر، ونوى به رفض الفاسد، فعليه دم واحد في قولهم جميعاً مع أن نية الرفض باطلة، لأنه لا يخرج منه إلا بالأعمال. (١) انظر ((الاستذكار)) (٢٩٦/١٢). ٥٩٧ ٢٠ - كتاب الحج (٤٩) باب (٤٩) باب هدي من فاته الحجُ ولو جامع بعد الوقوف بعرفة فلم يفسد حجّه، وعليه بدنة سواء جامع مرةً أو مراراً، إن اتّحد المجلس، وإن اختلف ولم يقصد بالثاني رفض الإحرام فبدنة للأول، وشاة للثاني في قولهما، وقال محمد: إن ذبح للأول بدنة فيجب للثاني شاة، وإلّ فلا، كذا في ((الغنية)) و((شرح اللباب)) وغيرهما. (٤٩) هدي من فاته الحج قال ابن رشد(١): أما الفساد بفوات الوقوف، فالعلماء أجمعوا على أنه لا يخرج من إحرامه إلا بالطواف بالبيت وبالسعي بين الصفا والمروة، أعني أنه لا يحلّ، ولا بد بعمرة وأنه عليه حجّ قابل، واختلفوا هل عليه هدي أم لا؟ فقال مالك والشافعي وأحمد والثوري وأبو ثور: عليه الهدي، وقال أبو حنيفة: لا هدي عليه، انتھی . وقال الخرقي(٢): من لم يقف بعرفة حتى طلع الفجرُ يوم النحر تحلّل بعمرة، وذَبَحَ إن كان معه هديٌّ، وحَجَّ من قابلٍ، وأتى بدم، قال الموفق: الكلام في هذه المسألة في أربعة فصول. الأول: أن آخر وقت الوقوف آخر ليلة النحر، فمن لم يدرك الوقوف حتى طلع الفجر يومئذٍ فاته الحج، لا نعلم فيه خلافاً، قال جابر: لا يفوت الحج حتى يطلع الفجر من ليلة جمع، قال أبو الزبير: فقلت له: قال رسول الله وَل ذلك؟ قال: نعم، رواه الأثرم بإسناده(٣) . وقول النبيّ ◌َّ: ((الحج عرفة، فمن جاء قبل صلاة الفجر ليلة جَمْع فقد (١) ((بداية المجتهد)) (١/ ٣٧٢). (٢) ((المغني)) (٤٢٤/٥). (٣) أخرجه البيهقي في ((السنن الكبرى)) (١٧٤/٥). ٥٩٨ ------ ٢٠ - كتاب الحج (٤٩) باب تمّ حجّه))، يدلّ على فواته بخروج ليلة جَمْع، وروى ابن عمر أن رسول الله وَلآه قال: ((من وقف بعرفات بليل فقد أدرك الحج، ومن فاته عرفات بليل فليحل بعمرة، وعليه الحجّ من قابل)) رواه الدار قطني(١) وضعفه. الفصل الثاني: إن من فاته الحج يتحلّل بطواف وسعي وحلاق، هذا الصحيح من المذهب(٢)، وروي ذلك عن عمر بن الخطاب وابنه وزيد بن ثابت وابن عباس وابن الزبير، وهو قول مالك والثوري والشافعي وأصحاب الرأي. وقال ابن أبي موسى في المسألة روايتان: إحداهما ما ذكرنا، والثانية: يمضي في حج فاسد، وهو قول المزني، قال: يلزمه جميع أفعال الحج، لأن سقوط ما فات لا يمنع ما لم يفت، ولنا قول من سمّينا من الصحابة، ولم نعرف لهم مخالفاً، فكان إجماعاً، وروى الشافعي في ((مسنده))(٣) أن عمر - رضي الله عنه - قال لأبي أيوب حين فاته الحج: اصنع ما يصنع المعتمر ثم قد حللت، فإن أدركت الحج قابلاً فحج وأهدِ ما استيسر من الهدي، وروي أيضاً عن ابن عمر نحوه. وروى الأثرم بإسناده عن سليمان بن يسار أن هبّار بن الأسود حجّ من الشام. فقدم يوم النحر، فقال عمر - رضي الله عنه -: ما حبسك؟ قال: حسبت أن اليوم عرفة، قال: فانطلق إلى البيت فطف به سبعاً، وإن كان معك هدي فانحرها، ثم إذا كان عام قابلٍ، فاحجج، فإن وجدت سعة فأهدِ، فإن لم تجد فصم ثلاثة أيام في الحج وسبعة، إذا رجعت إن شاء الله. وروى النجاد بإسناده عن عطاء أن النبيّ وَّ قال: ((من فاته الحج فعليه (١) ((سنن الدار قطني)) (٢٤١/٢). (٢) انظر ((الاستذكار)) (٣٠٠/١٢). (٣) ((مسند الشافعي في ترتيب السندي)) (٣٤٨/١) و((السنن الكبرى)) (١٧٤/٥). ٥٩٩ ٢٠ - كتاب الحج (٤٩) باب دم، وليجعلها عمرةً، ليحُجَّ من قابلٍ))(١)، ولأنه يجوز فسخ الحج إلى العمرة من غير فوات، فمع الفوات أولى، إذا ثبت هذا. فإنه يجعل إحرامه بعمرة، هذا ظاهر كلام الخرقي، ونصّ عليه أحمد، واختاره أبو بكر، وهو قول ابن عباس وابن الزبير وعطاء. وقال ابن حامد: لا يصير إحرامه بعمرة، بل يتحلّل بطواف وسعي وحلق، وهو مذهب مالك والشافعي، لأن إحرامه انعقد بأحد النسكين، فلم ينقلب إلى الآخر، ويحتمل أن من قال: يجعله إحرامه عمرةً أراد به يفعل ما يفعل المعتمر، وهو الطواف والسعي، ولا يكون بين القولين اختلافٌ، ويحتمل أن يصير إحرام الحج إحراماً بعمرة بحيث يجزئه عن عمرة الإسلام إن لم يكن اعتمر . الفصل الثالث: أنه يلزمه القضاء من قابل سواء كان الفائت واجباً أو تطوّعاً، روي ذلك عن عمر وابنه وزيد وابن عباس وابن الزبير - رضي الله عنهم -، وهو قول مالك والشافعي وأصحاب الرأي، وعن أحمد لا قضاء عليه بل إن كانت فرضاً فعلها بالوجوب السابق، وإن كانت نفلاً سقطت، وروي هذا عن عطاء، وهو إحدى الروايتين عن مالك؛ لأن النبيّ وَّ لما سُئِلَ عن الحجّ أكثر من مرة، قال: ((بل مرة))(٢)، ولو أوجبنا القضاء كان أكثر من مرة. ..---- ----------- وجه الرواية الأولى ما ذكرنا من الحديث، وإجماع الصحابة، وروى الدارقطني بإسناده عن ابن عباس، قال: قال رسول الله وَلقوله: ((من فاته عرفات فاته الحَجّ فليحل بعمرة وعليه الحج من قابلٍ))، وأما الحديث فأراد أن الواجب بأصل الشرع حجة واحدة، وهذه إنما تجب بإيجابه لها بالشروع فيها (١) ((سنن الدارقطني)) (٢٤١/٢). (٢) أخرجه أبو داود (١٧٢١) وابن ماجه (٢/ ٩٦٣). ٦٠٠