Indexed OCR Text
Pages 541-560
٢٠ - كتاب الحج (٤٦) باب (٨٣٩) حديث وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ نَافِع؛ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ لَا يَشُقُّ جِلَالَ بُدْنِهِ، أن رسول الله وَ﴾ كان يقول: ((إن الجذع يوفي ما توفي منه الثنية))، وعن جابر قال: قال رسول الله وَله: ((لا تذبحوا إلا مسنّةً إلا أن يعسر عليكم فتذبحوا جذعاً من الضأن))، رواهنّ ابن ماجه، وروى حديث جابر مسلم وأبو داود، وهذا حجّة على عطاء والأوزاعي، وحديث أبي بردة بن نيار حين قال: يا رسول الله إن عندي عناقاً جذعاً خير من شاتي لحم، فقال: ((تُجْزئك، ولا تجزئ عن أحدٍ بعدك))، أخرجه أبو داود والنسائي، انتھی. قلت: وما تقدّم في أوّل كلام الموفق من استثناء جزاء الصيد مبنيٌّ على مذهب من قال: إن المماثلة في آية الصيد هي الصورية، وتقدم الخلاف في ذلك في محلّه، وكذلك ما حكي من اتفاق الأربعة على أسنان الثني مشكل، الخلاف المالكية في ثني البقر، قال الدردير(١): من ذي سنة لجذع الضأن وثني المعز، وذي ثلاث سنين ودخل في الرابعة لثني البقر، وذي خمس سنين ودخل في السادسة لثني الإبل، انتهى. (مالك عن نافع أن عبد الله بن عمر) - رضي الله عنهما - (كان لا يشق جلال بدنه) جمع بدنة أي لا يقطعها من موضع، لئلا تفسد، وتكون قابلة لأي انتفاع كان، وعلّق البخاري في «صحيحه)): وكان ابن عمر - رضي الله عنهما - لا يشقّ من الجلال إلا موضع السنام، فإذا نحرها نزع جلالها مخافة أن يفسدها الدم، ثم يتصدّق بها، قال الحافظ (٢): وصل بعضه مالك في (الموطأ)»، ثم ذكر آثار الباب عن نافع وابن دينار ثم قال: وقال البيهقي بعد أن أخرجه من طريق يحيى بن بكير عن مالك: زاد فيه غيره عن مالك: ((إلا موضع سنام))، إلى آخر الأثر المذكور. (١) انظر: ((الشرح الكبير)) (١١٩/٢). (٢) ((فتح الباري)) (٥٤٩/٣). ٥٤١ ٢٠ - كتاب الحج (٤٦) باب (٨٣٩) حديث وَلَا يُجَلِّلُهَا حَتَّى يَغْدُوَ مِنْ مِنْىَ إِلَى عَرَفَةَ . قلت: فيحتمل أن يكون أثر الباب مختصراً لم يذكر فيه الاستثناء، ويحتمل أن يكون ذلك باختلاف الأحوال، قال الزرقاني: ونقل عياض أن التجليل يكون بعد الإشعار، لئلا يتلطخ بالدم، وإن شق الجلال من الأسنمة إن قلّت قيمتها، فإن كانت نفيسة لم تشق، انتهى. قلت: ويؤيّده ما سيأتي في كلام الباجي عن الإمام مالك - رضي الله عنه - وما يأتي من كلام الباجي يدلّ على أن الإمام مالكاً حمله على النفي مطلقاً . (ولا يجللها) أي لا يكسوها الجلال (حتى يغدو من منى إلى عرفة) قال الباجي(١): ومعنى ذلك أن جلال البدن تُشق على أسنمتها لمعنيين، أحدهما: أن يبدو الإشعار، والثاني: أن ذلك أثبت لها على ظهور البدن، قال مالك: وذلك من عمل الناس، وما علمت أن أحداً ترك ذلك إلا عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - وذلك أنه كان يُجَلِّلُ الحلل والأنماط المرتفعة، فكان يترك ذلك استبقاءً للثياب، ولم يكن يُجَلِّلُ إلا حين يغدو من منى إلى عرفة، لتبقى الثياب بحالها، ولا تتغيّر بطول اللبس لها . قال ابن المبارك: كان ابن عمر يجّلها بذي الحليفة، فإذا مشى ليلة نزع الجلال، فإذا قرب من الحرم جلّلها، وإذا خرج إلى منى جلّلها، فإذا كان حين النحر نزعها، فعلى هذا يحتمل أن تكون هذه الرواية مخالفة لرواية مالك، ويحتمل أن يكون مالك إنما قصد الإخبار عن آخر عمله فيها، واستوفى ابن المبارك الإخبار عن جميع أحوالها، وروى ابن الموّاز عن ابن نافع أن عمر - رضي الله عنه - كان يعقد أطراف الجلال على أذنابها من البول، ثم ينزعها قبل أن يصيبها الدمُ، فيتصدّق بها . (١) ((المنتقى)) (٣١٤/٢). ٥٤٢ ٢٠ - كتاب الحج (٤٦) باب (٨٣٩) حديث وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ هِشَام بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ؛ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ لِبَنِيهِ: يَا بُنَيَّ لَا يُهْدِيَنَّ أَحَدُكُمْ مِنَ الْبُدْنِ شَيْئاً يَسْتَحْيِي أَنْ يُهْدِيَهُ لِكَرِيمِهِ، فَإِنَّ اللَّهَ أَكْرَمُ الْكُرَمَاءِ، وَأَحَقُّ مَنِ اخْتِيرَ لَهُ. قال مالك: وأحبّ إليّ إن كانت الجلال مرتفعة أن يُتْرك شقّها، ولا يجلّلها حتى يغدو من منى إلى عرفة، وإن كانت بالثمن اليسير على الدرهمين ونحوه، فأحبّ إليّ أن تشق، ويجلّلها من حين يحرم، فتأوّل قوله: ((لا يشقّ جلال بدنه ... )) على الامتناع من ذلك جملة، وأن الذي يتعلق بغدوه من منى إلى عرفة، هو التجليل خاصة، وهذا في الإبل، وأمّا البقر والغنم فلا تجلل، قاله مالك في ((المبسوط)) إلى ما تقدم من كلامه في التجليل. وما حكى ابن المبارك من عمل ابن عمر - رضي الله عنهما - يؤيّده ما في ((الفتح)) (١)، إذ قال: روى ابن المنذر من طريق أسامة بن زيد عن نافع أن ابن عمر - رضي الله عنهما - كان يجّل بدنه الأنماط والبرد والحبر حتى يخرج من المدينة، ثم ينزعها فيطويها، حتى يكون يوم عرفة، فيلبسها إياها حتى ينحرها، ثم يتصدّق بها، قال نافع: وربما دفعها إلى بني شيبة، انتهى. وتقدم في كسوة الكعبة ما روى الفاكهي بإسناد صحيح عن ابن عمر - رضي الله عنهما -: أنه كان يكسو بدنه القباطي والحبرات يوم يُقَلِّدُها، فإذا كان يوم النحر نزعها، ثم أرسلها إلى شيبة بن عثمان، فناطها على الكعبة . (مالك عن هشام بن عروة عن أبيه أنه كان يقول لبنيه: يا بني) بفتح · الموحدة وتشديد المثناة التحتية (لا يهدين) بضم المثناة التحتية وبالنون الثقيلة (أحدكم الله من البدن) بضم الدال وسكونها جمع بدنة (شيئاً يستحيي أن يهديه لكريمه، فإن الله أكرم الكرماء) جمع كريم، وهو الجامع لأنواع الخير والشرف والفضائل، (وأحق من اختير له) قال الباجي(٢): ومعنى ذلك الوعظ لهم والنهي (١) ((فتح الباري)) (٥٤٩/٣). (٢) ((المنتقى)) (٣١٥/٢). ٥٤٣ ٢٠ - كتاب الحج (٤٧) باب (٨٤٠) حديث (٤٧) باب العمل في الهدي إذا عطب أو ضلّ ١٤٨/٨٤٠ - حدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكٍ، عَنْ هِشَام بْنِ عُرْوَةَ صَلى الله عاميه وسام عَنْ أَبِيهِ؛ أَنَّ صَاحِبَ هَدْي رَسُولِ اللَّهِ عن أن يهدي أحدهم من الهدي ما يستحيي أن يهديه لمن يكرم عليه، وذكرهم بأن الله عزّ وجلّ أكرم الكرماء وأحق من استحيى منه أن يهدي له الحقير، وأوْلى من اختير له الرفيع، انتهى. هذا وقد قال عزّ اسمه: ﴿وَمَن يُعَظِّمْ شَعَكِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَ الْقُلُوبِ﴾(١)، وأخرج السيوطي في ((الدر))(٢): عن ابن عباس ومجاهد في قوله: ومن يعظم، قال: الاستسمان والاستحسان والاستعظام، وفي البخاري في (باب ركوب البدن)»(٣) عن مجاهد، شعائرُ الله: استعظامُ البُدْنِ واستحسانُها، هذا وقد أهدى النبيّ رُّ في حجة الوداع بمائة بدنة، وفي الحديبية أيضاً عدداً كثيراً فيه جمل لأبي جهل في أنفه برة من ذهب، وأن عمر - رضي الله عنه - أهدى بختية طلبت منه بثلاث مائة دينار، كما في ((المحلى)). (٤٧) العمل في الهدي إذا عطب أو ضلّ قوله: عطب كفرح: هلك، كذا في ((المصباح))، وفي ((المجمع)): عطب الهدي هلاكه، وقد يُعَبَّرُ به عن آفةٍ تعتريه تمنعه من السير فينحر، ومقصود الترجمة أن الهدي سواء كان واجباً أو تطوّعاً إذا عطب في الطريق، فما يفعل به؟ وهل يجب عليه البدل أم لا؟ وكذلك إن ضلّ، وكذلك إن نحر العطب أو الضّال بعد الوجدان، هل يجوز الأكل منه أم لا؟ ١٤٨/٨٤٠ - (مالك عن هشام بن عروة عن أبيه أن صاحب هدي رسول الله (وَليه) (١) سورة الحج: الآية ٣٢. (٢) ((الدر المنثور)) (٤٤/٦). (٣) ((صحيح البخاري)) ح (١٠٣). ((فتح الباري)) (٥٣٥/٣). ٥٤٤ ٢٠ - كتاب الحج (٤٧) باب (٨٤٠) حديث قال الباجي(١): صاحب الهدي هو ناجية بن جندب الأسلمي، وقال ابن عفير: اسمه ذكوان، سمّاه النبيَّّ﴿ ناجية إذ نجا من قريش، وقال الزرقاني(٢): مرسلٌ صورةً، لكنه محمول على الوصل؛ لأن عروة ثبت سماعه من ناجية، بالنون والجيم، الصحابي، فقد أخرجه ابن خزيمة(٣) من طريق عبد الرحيم بن سليمان عن هشام عن عروة قال: حدّثني ناجية، ورواه أبو داود وابن عبد البرّ: من طريق الثوري، والترمذي، والنسائي: من طريق عبدة بن سليمان، وقال الترمذي: حسن صحيح، وابن ماجه من طريق وكيع، والطحاوي: من طريق سفيان بن عيينة، وابن عبد البرّ: من طريق وهيب بن خالد، خمستهم عن هشام عن أبيه عن ناجية الأسلمي، وكذا رواه جعفر بن عون ورَوْح بن القاسم وغيرهم: عن هشام، انتهى. قلت: لكن لم يصرّح كلهم بالأسلمي، بل في رواية أبي داود(٤) فقط الأسلميّ، وفي رواية الترمذي(٥) وابن ماجه (٦): عن ناجية الخزاعي، وأخرج ابن عبد البرّ طريق وهب في ((الاستيعاب))، وليس فيه الخزاعي ولا الأسلمي، بل ذكره بلفظ: عن ناجية صاحب بدن رسول الله بحثية، لكن ذكره في ترجمة ناجية الأسلمي، وقال الحافظ في ((تهذيبه))(٧): ناجية بن كعب بن جندب، ويقال: ابن جندب بن كعب، ويقال: ابن عمير بن معمر الأسلمي الخزاعي، (١) ((المنتقى)) (٣١٥/٢). (٢) (شرح الزرقاني)) (٣٢٨/٢). (٣) رواه ابن خزيمة (٢٥٧٧). (٤) أخرجه أبو داود (١٧٦٢). (٥) أخرجه الترمذي (٢٥٣/٣)، رقم الحديث (٩١٠). (٦) أخرجه ابن ماجه في («المناسك)) (٣١٠٦). (٧) ((تهذيب التهذيب)) (٣٩٩/١٠). ٥٤٥ ٢٠ - كتاب الحج (٤٧) باب (٨٤٠) حديث روى عن النبيّ ◌َّة، وكان صاحب بدنه فيما يصنع بما عطب، روى عنه عروة بن الزبير ومجزأة بن زاهر الأسلمي، قال ابن أبي حاتم عن أبيه: مات بالمدينة في زمان معاوية - رضي الله عنه -، وقال ابن عفير: كان اسمه ذكوان، فسمّاه رسول الله وَلّ ناجية إذ نجا من قريش، وقال صالح بن محمد: صحفه أبو ضمرة تصحيفاً عجيباً، روى حديثه عن هشام بن عروة عن أبيه أن أبا حسنة صاحب البدن أخبره، قال صالح: وإنما هو ناجية، فزاد لههنا ألفاً، فصار أبا حسنة، وهو خطأ . وقال الحافظ: قوله أي صاحب ((تهذيب الكمال)): الأسلمي الخزاعي، عجيب، وقد بيّنت في ((معرفة الصحابة)) أن ناجية بن جندب الأسلمي غير ناجية بن جندب الخزاعي، وأن كلاً منهما وقع له استصحاب البدن، وأن الذي روى عنه عروة هو الخزاعي، وقيل فيه: الأسلمي، وأن الذي روى عنه مجزأة هو الأسلمي بلا خلاف، والأسلمي قد ذكر ابن سعد أنه شهد الحديبية، وزعم الأزدي وأبو صالح المؤذن؛ أن عروة تفرّد بالرواية عن الخزاعي، وأمّا الأسلمي فروى عنه مجزأة بن زاهر وعبد الله بن عمر الأسلمي أيضاً، انتهى. وقال في ((التقريب)): ناجية بن جندب بن عمير بن يعمر الأسلمي صحابي، روى عنه مجزأة بن زاهر وغيره، وناجية بن جندب بن كعب، وقيل: ابن كعب بن جندب الخزاعي صحابي أيضاً، تفرّد بالرواية عنه عروة بن الزبير ووهم من خلطهما، انتهى. فظاهر كلام الحافظ أن الصواب في حديث عروة ناجية الخزاعي، وذكر الزرقاني كلام الحافظ عن ((الإصابة))، ثم تعقّبه بأن جزم أبي الفتح الأزدي وأبي صالح المؤذن بتفرّد عروة بالرواية عن الخزاعي، لا يدلّ على أن هذا الحديث عنه، فلعلّ الصواب رواية من قال: إنه الأسلمي لا سيما وهم حفّاظ ثقات. وقد جزم ابن عبد البرّ: بأنه ناجية بن جندب الأسلمي، انتھی. ٥٤٦ ٢٠ - كتاب الحج (٤٧) باب (٨٤٠) حدیث قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ أَصْنَعُ بِمَا عَعِبَ مِنَ الْهَدْيِ؟ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ وَل﴾: «كُلُّ بَدَنَةٍ عَطِبَتْ مِنَ الْهَدْيِ فَانْحَرْهَا، لكن فيه أن مدار تعقب العلامة الزرقاني على أن الخمسة المذكورين في كلامه رووه عن الأسلمي، والأمر ليس كذلك، كما عرفته، نعم يؤيّده أن عامّة من صنف في الرجال نسبوا الحديث إلى الأسلمي، ولم يذكروا الخزاعي كصاحب ((الإكمال)) و((الاستيعاب)) و((رجال جامع الأصول)). (قال: يا رسول الله) مَ﴾ (كيف أصنع بما عطب) بكسر الطاء أي قارب الهلاك، وقيل: وقف في الطريق، وعجز عن السير، قال المجد: عطب كفرح: هلك، والبعير والفرس انكسر، انتهى. (من الهدي) قال الباجي(١): يحتمل أن يكون سؤالاً عن جميع جنس الهدي، ويحتمل أن يكون سؤالاً عن هدي معهود عندهما، وهو الهدي الذي بعثه وَثر معه، وهو الأظهر. فسؤاله عما يصنع بما عطب يحتمل معنيين من جهة اللفظ، أحدهما : العطب من جهة الموت والفوات، غير أن جواب النبيّ ◌َّ يمنع هذا، والمعنى الثاني: أن يكون المعنى بلغت مبلغاً لا يمكن توصيلها معه، وذلك على ضربين، أحدهما: أن يكون ذلك منع إيصالها في الوقت وبعده، والثاني: أن يمنع منه في الوقت من إعياء غلب عليها، ويمكن إيصالها بعد الوقت. (فقال له رسول الله جل *: كل بدنة عطبت من الهدي) يحتمل الوجهين المتقدمين من استغراق الجنس والعهد، ولا يمتنع أن تكون الأولى بمعنى العهد، والثانية الاستغراق الجنس، كذا في ((المنتقى)). (فانحرها) وجوباً، كما جزم به الزرقاني، فهو عند المالكية، وأمّا عند غيرهم فيختصّ الوجوب بالتطوّع لا الواجب، كما سيأتي، قال الباجي: يبيّن أنه لم تفت الذكاة، وإنما منع بلوغها محلها، فأمره بنحرها، وهذا حكم ما عطب من الهدي، سواء كان (١) ((المنتقى)) (٣١٥/٢). ٥٤٧ ٢٠ - كتاب الحج (٤٧) باب (٨٤٠) حدیث ثُمَّ أَلْقِ قِلَادَتَهَا فِي دَمِهَا، ثُمَّ خَلِّ بَيْنَهَا وَبَيْنَ النَّاسِ يَأْكُلُونَهَا)». وصله أبو داود عن ناجية في: ١١ - كتاب الحج، ١٨ - باب في الهدي إذا عطب قبل أن يبلغ. والترمذيّ في: ٧ - كتاب الحج، ٧١ - باب ما جاء إذا عطب الهدي ما يصنع. وابن ماجه في: ٢٥ - كتاب الحجّ، ١٠١ - باب في الهدي إذا عطب. واجباً أو غيره، غير أن الواجب عليه بدله، ولا بدل عليه في غير الواجب، إلا على وجهٍ من التعدّي فيه. (ثم ألق) بصيغة الأمر (قلادتها) بكسر القاف، المفتولة التي تجعل في العنق من خيط وفضة وغيرهما، وفي بعض النسخ المصرية قلائدها بصيغة الجمع (في دمها) حكي عن الإمام مالك في تأويل الأمر بذلك قولان، الأول: ما حكي عنه أنه قال مرّة: أمره بذلك ليعلم أنه هدي، فلا يستباح إلاّ على الوجه الذي ينبغي، وإليه يؤول ما قال الباجي، روى عنه ابن المواز أنه علم للإذن للناس في إظهاره، انتهى. وحاصلهما واحد، وهو أن الأمر بإلقاء القلادة في الدم للإشارة وإعلام الناس بأن هذا هدي عطب، فينبغي أن يأكله من يجوز له أكله، والثاني: أنه تأوّله مرةً على أنه نهي أن يُنتفع منها بشيء حتى لا تحبس قلادتها لتقلّد بها غيره، انتهى. يعني لا يستبقى شيئاً منها ولا يتشبث لشيء من أمرها حتى القلائد على قلّتها ونزارتها . (ثم خَلِّ) بصيغة الأمر من التخلية، واستدلّ بهذا اللفظ الباجي وغيره من المالكية، أنه لا يلي تفريق ذلك على الناس (بينها وبين الناس) واختلفت الأئمّة في المراد بالناس، كما سيأتي في الأثر الآتي (يأكلونها) الظاهر إسقاط النون لجواب الأمر، لكن التقدير، فهم يأكلونها، زاد مسلم (١) وغيره في حديث ابن (١) أخرجه مسلم في الحج (٣١٥٨)، وابن ماجه (١٠٣٦/٢) (ح ٣١٠٥). ٥٤٨ ---- ----.** ***-* ٢٠ - كتاب الحج (٤٧) باب (٨٤٠) حديث عباس: ((ولا تأكل منها أنت ولا أهل رفقتك))، قال المازري: قيل: نهاه عن ذلك حماية أن يتساهل فينحره قبل أوانه، انتهى. واختلف أهل العلم من فقهاء الأمصار فيما يعمل بالهدي إذا عطب، وفي جواز أكله، وأردتُ أن أحكي مسالكهم مفصّلة، واختلفت نقلة المذاهب وأصحاب الفروع الشافعية في بيان مسلك الإمام الشافعي، فقال الترمذي(١): حديث ناجية حديث حسن صحيح، والعمل على هذا عند أهل العلم، قالوا في هدي التطوّع إذا عطب: لا يأكل هو ولا أحد من أهل رفقته ويُخَلَّى بينه وبين الناس يأكلونه وقد أجزأ عنه، وهو قول الشافعي وأحمد وإسحاق، وقالوا: إن أكل منه شيئاً، غرم مقدار ما أكل منه، انتهى. وفي ((كتاب الأم))(٢): الهدي هديان: هدي أصله تطوّع، فذلك إذا ساقه، فعطب، فأدرك ذكاته، فنحره أحببت له أن يغمس قلادته في دمه، ثم يخلي بينه وبين الناس يأكلونه، فإن لم يحضره أحد تركه بتلك الحال، وإن عطب فلم يدرك ذكاته، فلا يدلّ عليه في واحدة من الحالين، فإن أدرك ذكاته فترك أن يذكيه أو ذكاه، فأكله، أو أطعمه أغنياء، أو باعه، فعليه بدله، وإن أطعم بعضه أغنياء، وبعضه مساكين، أو أكل بعضه، غرم قيمة ما أكل وما أطعم الأغنياء. وهدي واجب: فذلك إذا عطب دون الحرم، صنع به صاحبه ما شاء من بيع وهبة وإمساك، وعليه بدله بكل حال؛ لأنه قد خرج من أن يكون هدياً حين عطب قبل أن يبلغ محله، انتهى. وبنحو ذلك ذكر المزني في ((مختصره))، وقال ابن رشد (٣): أجمعوا على أن هدي التطوع إذا بلغ محله أنه يأكل منه صاحبه، (١) ((جامع الترمذي)) (٢٥٣/٣). (٢) (٢١٦/٢/١). (٣) (بداية المجتهد)) (٣٧٩/١). ٥٤٩ ٢٠ - كتاب الحج (٤٧) باب (٨٤٠) حديث كسائر الناس، وأنه إذا عطب قبل أن يبلغ محله، خلّى بينه وبين الناس، ولم يأكل منه، انتهى. وفي ((العيني)) (١) عن ((التوضيح)): اختلف أهل العلم في هدي التطوع إذا عطب قبل محله، فقالت طائفة: صاحبه ممنوع من الأكل منه، روي ذلك عن ابن عباس، وهو قول مالك وأبي حنيفة والشافعي، ورخّصت طائفة في الأكل منه، روي ذلك عن عائشة وابن عمر - رضي الله عنهما - انتهى. قلت: وهكذا حكى الموفق موافقة الشافعي لأحمد في المنع من أكل هدي التطوّع، والإباحة من هدي الواجب إذا عطبا. هذا، وقال النووي في ((شرح مسلم))(٢) تحت حديث الباب: اختلف العلماء في الأكل من الهدي إذا عطب، فقال الشافعي: إن كان هدي تطوع كان له أن يفعل فيه ما شاء من بيع وذبح وأكل وإطعام وغير ذلك، وله تركه ولا شيء عليه في كل ذلك؛ لأنه ملكه، وإن كان هدياً منذوراً، لزمه ذبحه، فإن تركه حتى هلك، لزمه ضمانه، كما لوفرّط في حفظ الوديعة حتى تلفت، فإذا ذبحه غمس نعله التي قلّده إياها في دمه، ليعلم من مَرَّ به أنه هدي، فيأكله، ولا يجوز للمهدي ولا لسائق هذا الهدي الأكل منه، ولا يجوز للأغنياء الأكل منه مطلقاً؛ لأن الهدي مستحق للمساكين، فلا يجوز لغيرهم. ويجوز للفقراء من غير أهل هذه الرفقة، ولا يجوز للفقراء الرفقة. وفي المراد بالرفقة وجهان لأصحابنا، أحدهما: أنهم الذين يُخالطون المهدي في الأكل وغيره دون باقي القافلة، والثاني، وهو الأصح الذي يقتضيه ظاهر الحديث، ونصّ الشافعي وكلام جمهور أصحابه: أن المراد بالرفقة جميع (١) ((عمدة القاري)) (٧/ ٣٣٠). (٢) (٧٧/٩/٥). ٥٥٠ ----------- ٢٠ - كتاب الحج (٤٧) باب (٨٤٠) حديث القافلة؛ لأن السبب الذي منعت به الرفقة، هو خوف تعطيبهم إياه، وهذا موجود في جميع القافلة، فإن قيل: إذا لم يجز لأهل القافلة أكله، وترك في البرية كان طعمة للسباع وهذا إضاعة مال؟ قلنا: ليس فيه إضاعة، بل العادة الغالبة أن سكان البوادي وغيرهم يتبعون منازل الحجيج لالتقاط ساقطته، وقد تأتي قافلة أخرى في أثر قافلة، انتهى. وكذا قال في ((مناسكه)): من أن الهدي لو عطب في الطريق، فإن كان تطوّعاً، فعل به ما شاء من بيع وأكل وغيرهما، وإن كان واجباً، لزمه ذبحه، إلى آخر ما بسطه بمثل ما تقدم. قال ابن حجر: قوله: لزمه ذبحه محله، كما نقله الزركشي عن النص في الواجب المعين ابتداء، أمّا المعين عما في الذمة فيعود إلى ملكه بالعطب، فله التصرّف فيه ويبقى الأصل في ذمّته، انتهى. وقال القسطلاني (١): لو عطب الهدي في الطريق وكان تطوّعاً، فله التصرّف فيه ببيع وأكل وغيرهما؛ لأن ملكه ثابت عليه، وإن كان نذراً لزمه ذبحه؛ لأنه هدي معكوف على الحرم، فوجب نحره مكانه، انتهى. وهكذا حكى شيخنا في ((المسوى)) (٢) مذهب الشافعي - رحمه الله - فقال بعد حديث الباب: قلت: عليه أحمد وإسحاق. وقال أبو حنيفة: إن عطبت البدنة في الطريق، فإن كان تطوّعاً نحرها، وإن كانت واجبة، أقام غيرها مقامها، وصنع بها ما شاء، وقال الشافعي: إن كان تطوّعاً فله أن يأكل ويتموّل، وإن كانت واجبة لم تحلّ له ولا لرفقته، فقراء كانوا أو أغنياء، بل يغمس نعلها في دمها، ويضرب به صفحة سنامها، ليعلم من مرّ بها أنها هدي، (١) ((إرشاد الساري)) (٤/ ٢٧٠). (٢) (٣٦٥/١). ٥٥١ ٢٠ - كتاب الحج (٤٧) باب (٨٤٠) حديث فمن كان محتاجاً أكل منها، ومن لم يكن محتاجاً لم يأكل منها، انتهى. وعلى الواجب حمله الطيبي من الشافعية، كما حكاه القاري في حديث ابن عباس تحت قوله: ((ولا تأكل أنت ولا أحد من أهل رفقتك))، فقال: قال الطيبي: سواء كان فقيراً أو غنياً، هذا إذا أوجبه على نفسه، وأمّا إذا كان تطوّعاً، فله أن ينحره، ويأكل منه، فإن مجرد التقليد لا يخرجه عن ملكه، انتھی . وقال الخرقي: من ساق هدياً واجباً، فعطب دون محله، صنع به ما شاء، وعليه مكانه. قال الموفق(١): الواجب من الهدي نوعان، أحدهما: وجب بالنذر في ذمّته، والثاني: وجب بغيره، كدم التمتّع، والقران، والدماء الواجبة بترك واجب، أو فعل محظور، وجميع ذلك ضربان، أحدهما: أن يسوقه ينوي به الواجب الذي عليه، من غير أن يعينه بالقول، فهذا لا يزول ملكه عنه إلا بذبحه، وله التصرّف فيه بما شاء من بيع وهبة، وإن عَطِبَ تَلِفَ من ماله، وإن تعيّب لم يجزئه ذبحه، وعليه الهدي الذي كان واجباً . الضرب الثاني: أن يعين بالقول، فيقول: هذا الواجب عليّ، فإنه يتعيّن الوجوب فيه من غير أن تبرأ الذمة منه، فإن عطب أو سرق عاد الوجوب إلى ذمّته، وهذا كلّه لا نعلم فيه مخالفاً، وعن أحمد: يذبح المعيب وما في الذمة جمیعاً، ولا يرجع إلى ملکه. ثم قال الخرقي: وإن ساقه تطوّعاً نحره موضعه، وخلّى بينه وبين المساكين، ولم يأكل منه هو ولا أحد من أهل رفقته، ولا بدل عليه. (١) («المغني)) (٤٣٤/٥). ٥٥٢ ---- ٢٠ - كتاب الحج (٤٧) باب (٨٤٠) حديث قال الموفق(١): إن من تطوّع بهدي غير واجب، لم يخل من حالين؛ أحدهما: أن ينويه هدياً، ولا يوجب بلسانه ولا بإشعاره وتقليده، فهذا لا يلزمه إمضائه، وله أولاده ونماؤه والرجوع فيه متى شاء ما لم يذبحه؛ لأنه نوى الصدقة بشيء من ماله، فأشبه ما لو نوى الصدقة بدرهم. الثاني: أن يوجب بلسانه، أو يقلّده، أو يشعره ينوي بذلك إهدائه، فيصير واجباً معيناً، يتعلق الوجوب بعينه دون ذمّة صاحبه، فإن تلف بغير تفريط صاحبه أو سرق أو ضلّ، لم يلزمه شيء. وقد روى الدارقطني بإسناده عن ابن عمر - رضي الله عنهما - قال: سمعتُ رسول الله ◌َليل يقول: ((من أهدى تطوّعاً ثم ضلّت، فليس عليه البدل، إلاّ أن يشاء، فإن كان نذراً فعليه البدل))، فأمّا إن أتلفه أو تلف بتفريطه، فعليه ضمانه؛ لأنه أتلف ذابحاً لغيره، فضمنه كالوديعة، وإن خاف عطبه، أو عجز عن المشي وصحبة الرفاق، نحره موضعه، وخلّ بينه وبين المساكين، ولم يبح له أكل شيءٍ منه، ولا لأحدٍ من صحابته وإن كانوا فقراء، ويستحبّ له أن يضعَ نعلَ الهدي المقلّد في عنقه في دمه، ليعرفه الفقراء، فيعلموا أنه هدي، وليس بميتةٍ، فيأخذوه، وبهذا قال الشافعي وسعيد بن جبير، انتهى. قلت: والظاهر أن موافقة الإمام الشافعي في عدم أكل الصحابة، لا في جميع ما تقدم، لما يخالفه ظاهر كلام النووي المتقدم، فالظاهر أن وجوب النحر يختصّ بالواجب المعين ابتداءً فقط عند الشافعي - رحمه الله - ، وبالتطوّع الموجب باللسان أو الفعل عند الإمام أحمد، لا غير المذكور من أنواع الهدي، وأمّا عند المالكية فيجب النحر في الهدي المعطوب مطلقاً، سواء كان واجباً أو تطوّعاً، كما تقدم النص بذلك في كلام الباجي، وفي جواز الأكل عندهم تفصيل كثير، سيأتي في آخر الباب. (١) («المغني)) (٤٣٧/٥). ٥٥٣ ٢٠ - كتاب الحج (٤٧) باب (٨٤٠) حديث وحكى الأبي(١) عن القاضي عياض: ما عطب من هدي التطوّع قبل بلوغه محله، أباح لصاحبه أن يأكل منه عائشةُ - رضي الله عنها -، وقال ابن عباس وابن المنذر: لا يأكل منه صاحبُه ولا سائقُه ولا أهلُ الرفقة لنصّ الحديث، وقال مالك والجمهور: لا يأكل منه صاحبه، ويخلّي بينه وبين الناس، وإن أكل منه ضمنه، ومذهب مالك والجمهور أنه لا بدل على صاحبه فيما عطب، وهو موضع بيان، وأمّا ما عطب من الهدي الواجب قبل النحر، فقال مالك والجمهور: يأكل منه صاحبه والأغنياء؛ لأن صاحبه يضمنه؛ لأنه تعلق بذمته . واختلف هل له بيعه؟ فمنعه مالك وأجازه الجمهور، انتهى. وقال الدردير(٢): هدي تطوع لم يجعله للمساكين بلفظ ولا نية، إن عطب قبل محله فلا يأكل منه، فتلقى قلادته بدمه، ويُخلّى للناس مطلقاً، ولو أغنياء كرسوله، انتهى مختصراً. وقوله: لم يجعله للمساكين، احتراز عمّا جعل لهم باللفظ أو بالنية، فإنه لا يجوز الأكل منه مطلقاً، سواء بلغ المحل أو لا . ويوضح ذلك ما قال الدسوقي(٣): إن النذر أربعة أقسام، إمّا أن يسمّيه " للفقراء باللفظ أو النيّة، أو لا يسمّيه لهم، وفي كل، إمّا أن يكون الهدي معيناً أو لا، فإن سمّاه لهم باللفظ أو النّة وكان معيناً، فلا يأكل منه مطلقاً، لا قبل المحل ولا بعده، وإن لم يعينه ولم يسمّه للمساكين، كان له الأكل مطلقاً، وإن لم يعيّنه وسمّاه للمساكين، فلا يأكل منه بعد المحل بل قبله، وإن عيّنه ولم يجعله للمساكين، فلا يأكل منه قبل المحل بل بعده، انتهى. (١) ((إكمال إكمال المعلم)) (٤١٥/٣). (٢) ((الشرح الكبير)) (٢/ ٩٢). (٣) ((حاشية الدسوقي)) (٨٩/٢). ٥٥٤ ٢٠ - كتاب الحج (٤٧) باب (٨٤٠) حدیث وأمّا عند الحنفية كما في ((الغنية)) و((شرح اللباب)) (١) وغيرهما: إذا عطب الهدي قبل وصوله إلى محله، فإن كان تطوّعاً نحره، وصبغ قلادتها بدمها، ليُعْلَم أنه هدي، ويأكل منه الفقراء دون الأغنياء، ولا يأكل منه المهدي ولو كان فقيراً، وليس عليه إقامة غيره بدله، وإن كان واجباً فعليه أن يقيم غيره بدله، وصنع بالأوّل ما شاء من بيع وغيره، انتهى. والحاصل: أن الأكل من الهدي إذا عطب لا يجوز لصاحبه ولا لرفقته، سواء كانوا أغنياء أو فقراء عند الشافعي وأحمد، ويجوز لغيرهم إذا كانوا فقراء، وأمّا عند مالك، فيجوز للرفقاء مطلقاً، سواء كانوا أغنياء أو فقراء، فضلاً عن غير الرفقة، ولا يجوز لصاحبه ولو فقيراً ولا لرسوله، ولا يجوز له الأمر لأحد أن يأكل، ولا أن يفرّقه على الناس، بل يخلِّي بينه وبينهم، وأمّا عند الحنفية، فيجوز للفقراء، سواء كانوا رفقة أم لا، ولا يجوز للأغنياء مطلقاً، قال الموفق(٢): قال مالك: يباح لرفقته ولسائر الناس، غير صاحبه أو سائقه، ولا يأمر أحداً يأكل منه، فإن أكل أو أمر من أكل ضمنه. واحتجّ ابن عبد البرّ لذلك بما روى هشام عن أبيه، فذكر حديث الباب، قال: وهذا أصح من حديث ابن عباس، وعليه العمل عند الفقهاء، ويدخل في عموم قوله: (خَلِّ بينه وبين الناس))(٣) رفقتُه وغيرُهم، ولنا، حديث ابن عباس بلفظ: ((ولا تطعمها أنت ولا أحد من أهل رفقتك))، رواه مسلم (٤)، وهذا صحيح متضمّن للزيادة، ومعنى خاص، فيجب تقديمه على عموم ما خالفه، انتھی . (١) (ص٢٧٢). (٢) ((المغني)) (٤٣٩/٥). (٣) أخرجه أبو داود (١٧٦٢)، والترمذي (٩١٠)، وابن ماجه (٣١٠٦). (٤) أخرجه مسلم (١٣٢٦). ٥٥٥ ٢٠ - كتاب الحج (٤٧) باب (٨٤١) حدیث ٨٤١/ ١٤٩ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدٍ بْنِ الْمُسَيَّب؛ أَنَّهُ قَالَ: مَنْ سَاقَ بَدَنَةً تَطَوُّعاً، فَعَطِبَتْ، ... فَنَحَرَهَا، ثُمَّ خَلَّى بَيْنَهَا وَبَيْنَ النَّاسِ يَأْكُلُونَهَا، فَلَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ، قلت: وحمل الإمام مالك - رضي الله عنه - حديث ابن عباس على سدٍّ الذرائع، كما جزم به الزرقاني(١) والأبي وغيرهما، وحملته الحنفية على الأغنياء، قال الزيلعي(٢) في ((التبيين)): قلنا: هو محمول على أنه ورفقته كانوا أغنياء، ألا ترى إلى ما يروى عن هشام عن أبيه؟ فذكر حديث الباب، ثم قال: رواه مالك في ((الموطأ))، وعن ناجية الأسلمي مثله، ذكر مطلق الناس، ولم يفرّق بين رفقته وغيرهم، والمراد به الفقراء دون الأغنياء بدليل ما نصّ على تخلية للمساكين في حديث الترمذي، انتهى. قلت: لم أجد هذا اللفظ في النسخ التي بأيدينا من الترمذي، بل ذكره بلفظ الناس، نعم ذكره صاحب ((البدائع)) بلفظ: ((خَلِّ بينها وبين الفقراء))، لكني لم أجد هذا اللفظ بعد في كتب الروايات والتخريج. ١٤٩/٨٤١ - (مالك عن ابن شهاب) الزهريّ (عن سعيد بن المسيب أنه قال: من ساق بدنة) أو غيرها من الهدايا (تطوّعاً) بخلاف الواجب (فعطبت) بكسر الطاء أي قاربت الهلاك (فنحرها ثم خلّى) من التخلية (بينها وبين الناس) قال صاحب ((المحلى)): التعريف فيه للعهد، والمراد الذين يبتغون القافلة، ويلمسون الساقطة، أو جماعة غيرهم، وهي قافلة أخرى، قاله الطيبي، انتهى. قلت: ويدخل فيهم الفقراء والأغنياء ما خلا المُهْدِي ورسوله عند المالكية، والناس الفقراء خاصةً عند الحنفية، وكذلك عَدَّ الشافعيةُ والحنابلةُ ما خلا أهل الرفقة. (يأكلونها فليس عليه شيء) أي لا بدل عليه ولا ضمان. (١) ((شرح الزرقاني)) (٣٢٨/٢). (٢) (تبيين الحقائق)) (٩١/٢). ٥٥٦ ٢٠ - كتاب الحج (٤٧) باب (٨٤١) حديث وَإِنْ أَكَلَ مِنْهَا، أَوْ أَمَرَ مَنْ يَأْكُلُ مِنْهَا، غَرِمَهَا . وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدِ الدِّيلِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْن عَبَّاسٍ؛ مِثْلَ ذُلِكَ . (وإن أكل منها) المُهْديّ (أو أمر من يأكل منها) سواء كان المأمور غنياً أو فقيراً عند المالكية، ويختصّ الضمان بإطعام الغنيّ عند الأئمة الثلاثة (غرمها) بكسر الراء أي دفع بدلها هدياً كاملاً، لا قدر أكله أو ما أمر بأكله على أصح القولين في المذهب، قاله الزرقاني(١). وقال الدردير(٢): ضمن ربّه بأمره بأخذ شيء من الممنوع الأكل، كأكل ربه من ممنوع أكله بدله مفعول ضمن، أي ضمن هدياً كاملاً بدله إلاّ أن يأمر في غير التطوّع مستحقاً فلا شيء عليه، أمّا الرسول فلا ضمان عليه إذا أكل أو أمر، وكان هو أو مأموره مستحقاً وإلا ضمن قدر أكله أو قدر أخذ مأموره فقط ، انتهى . قال ابن رشد (٣). اختلفوا فيما يجب على ما أكل منه، فقال مالك: إن أكل منه وجب عليه بدله، وقال الشافعي وأبو حنيفة والثوري وأحمد وابن حبيب من أصحاب مالك: عليه قيمة ما أكل أو أمر بأكله طعاماً يتصدّق به، وروي ذلك عن عليّ وابن مسعود وابن عباس وجماعة من التابعين، انتهى. (مالك عن ثور) بمثلثة (ابن زيد الدّيلي) بكسر الدال وإسكان التحتية (عن عبد الله بن عباس مثل ذلك) المذكور قبل عن سعيد بن المسيّب، وروي ذلك أيضاً عن عمر وعليّ وابن مسعود وعليه جماعة فقهاء الأمصار، كما تقدم مفصلاً قبل ذلك. (١) ((شرح الزرقاني)) (٣٢٨/٢). (٢) ((الشرح الكبير)) (٩٠/٢، ٩١). (٣) (بداية المجتهد)) (٣٧٩/١). ٥٥٧ ٢٠ - كتاب الحج (٤٧) باب (٨٤٢) حديث ١٥٠/٨٤٢ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنِ ابْنِ شِهَاب؛ أَنَّهُ قَالَ: مَنْ أَهْدَى بَدَنَةً، جَزَاءً أَوْ نَذْراً، أَوْ هَدْيَ تَمَتُّعٍ، فَأُصِيبَتْ فِي الطَّرِيقِ، فَعَلَيْهِ الْبَدَلُ. وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ نَافِعِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ؛ أَنَّهُ قَالَ: مَنْ أَهْذَى بَدَنَةَ، ثُمَّ ضَلَّتْ أَوَْ مَاتَتْ، فَإِنَّهَا، إِنْ كَانَتْ نَذْراً ١٥٠/٨٤٢ - (مالك عن ابن شهاب) الزهري (أنه قال: من أهدى بدنة) واجبة مثل أن تكون (جزاء) عن صيد لزمه (أو نذراً) أوجبه على نفسه غير معين (أو هدي تمتع) أو قِران (فأصيبت) أي هلكَتْ أو عَطَبَتْ بصيغة التأنيث في جميع الهندية وبعض المصرية، وفي بعضها فأصيب بلفظ التذكير (في الطريق) كذا في النسخ المصرية، وفي الهندية بالطريق، والأوجه الأول (فعليه البدل) ويفعل بالمعطوبة ما شاء من أكل وإطعام وبيع وغير ذلك عند الجمهور، ومنهم الحنفية على ما تقدم، إلا أن الإمام مالكاً - رضي الله عنه - لم يُجَوّز بيعه. قال ابن رشد (١): أما الهدي الواجب إذا عطب قبل محله، فإن لصاحبه أن يأكل منه لأن عليه بدله، ومنهم من أجاز له بيع لحمه، وأن يستعين به من البول، وكره ذلك مالك، انتهى. وقال الأبيّ في ((الإكمال))(٢): أمّا ما عطب من الهدي الواجب قبل النحر، فقال مالك والجمهور: يأكل منه صاحبه والأغنياء؛ لأن صاحبه يضمنه، لأنه تعلق بذمّته، واختلف هل له بيعه؟ فمنعه مالك وأجازه الجمهور، انتهى. (مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر أنه قال: من أهدى بدنة) مثلاً، وهكذا حكم غيرها من الهدايا (ثم ضلّت) فلم توجد إلى وقت النحر (أو ماتت) قبل بلوغ المحل (فإنها إن كانت نذراً) أي واجبة في الذمة غير معينة، قال (١) ((بداية المجتهد)) (٣٧٩/١). (٢) ((إكمال إكمال المعلم)) (٤١٥/٣). ٥٥٨ ٢٠ - كتاب الحج (٤٧) باب (٨٤٢) حديث أَبْدَلَهَا وَإِنْ كَانَتْ تَطَوُّعاً فَإِنْ شَاءَ أَبْدَلَهَا وَإِنْ شَاءَ تَرَكَهَا . وحدثني عَنْ مَالِكِ؛ أَنَّهُ سَمِعَ أَهْلَ الْعِلْمِ يَقُولُونَ: لَا يَأْكُلُ صَاحِبُ الْهَدْيِ مِنَ الْجَزَاءِ وَالنُّسُكِ. الباجي(١): يريد نذراً متعلقاً بالذمة، وهذا حكم كل هدي متعلق بالذمة من جزاء صيد أو قران أو تمتع أن يبدل إن ضلّ (أبدلها) أي يجب عليه بدلها، لأن وجوبه متعلق بالذمة، فلا تبرأ حتى تنحر، وتقدّم في أول الباب الإجماع على ذلك من كلام الموفق. (وإن كانت تطوعاً، فإن شاء أبدلها وإن شاء تركها) أي لم يبدلها، وحكى شيخنا في ((المصفى)) الإجماع على ذلك، نعم اختلفوا جداً فيما إذا وجد بعد الضلال، وبسط الباجي أقوال المالكية في ذلك، وكذلك الموفق وغيره. (مالك، أنه سمع أهل العلم) من فقهاء المدينة المنورة (يقولون: لا يأكل صاحب الهدي من الجزاء) للصيد (والنسك) والمراد بالنسك في اصطلاح المالكية كما جزم به الزرقاني وغيره هو ما كان لإلقاء تفث أو رفاهية يمنعها الإحرام . وقال الأبي في ((الإكمال))(٢): إن دماء الحج تنقسم إلى هدي ونُسك، فالهدي عندنا ما كان لجزاء أوتمتّع أو قران أو فساد أو فوات، وقال الطرطوشي: يجب الهدي في نحو الأربعين(٣) خصلة، والدليل لما ذكر الاستقراء وما أظنها إذا استقرئت تبلغ الثلاثين، والنسك فسّره ابن شاس بأنه ما وجب عن رفاهية أو إلقاء تفث، انتهى. واختلفت الأئمة وفقهاء الأمصار فيما يأكل المُهْدي من الهدايا إذا بلغت (١) ((المنتقى)) (٣١٧/٢). (٢) ((إكمال إكمال المعلم)) (٤١٥/٣). (٣) هكذا في الأصل، والصواب ((الثلاثين))، كما في ((الإكمال)). ٥٥٩ ٢٠ - كتاب الحج (٤٧) باب (٨٤٢) حدیث محلها، وأمّا إذا لم تبلغ، فتقدم الخلاف فيها في أوّل الباب، واختلفت نقلة المذاهب أيضاً في ذلك، قال الأبي: أمّا ما بلغ من الهدي محلّه، فمشهور مذهب مالك أنه لا يأكل من ثلاثة، من الجزاء، والفدية، ونذر المساكين، ويأكل مما سوى ذلك، وبه قال فقهاء الأمصار، وجماعة من السلف. وقال الحسن: يأكل من الجزاء والفدية، انتهى. وقال الدردير(١): لما كان الأكل من دماء الحج ينقسم منعاً وإباحةً باعتبار بلوغ المحل وعدمه أربعة أقسام، أشار للأول منها، وهو المنع مطلقاً بقوله: ((ولم يُؤكل))، أي يحرم على رب الهدي أن يأكل من نذر مساكين غُيّن لهم باللفظ أو النية بأن قال: هذا نذر لله عليّ، ونوى أن يكون للمساكين مُطلقاً، بلغ محلّه أو لم يبلغ، ومثل نذر المساكين هدي التطوّع إذا نواه للمساكين، وكذا الفدية إن لم يجعل هدياً. فهذه ثلاثة يحرم الأكل منها مطلقاً، وأشار للقسم الثاني بقوله: ((عَكْسُ الجميع))، أي جميع الهدايا غير ما ذكر من تطوّع أو واجب لنقصٍ بحجِّ أو عمرةٍ من ترك واجبٍ أو فساد أو فوات أو تعدّي ميقاتٍ أو متعة أو قران أو نذر لم يعيّن، فله الأكل منها مطلقاً، بلغت محلّها أو لا، وإذا جاز له الأكل في الجميع فله إطعامُ الغنيّ والقريب، وأولى غيرهما . ثم استثنى مما يُؤكل منه مطلقاً ما يؤكل في حال دون حال، وتحته قسمان أوّلهما ثالث الأقسام الأربعة بقوله: ((إلا)) ثلاثة ((نذراً لم يُعيّن)) مثل الله عليّ هدي للمساكين، والفدية إذا جعلت هدياً و((الجزاء)) للصيد فلا يأكل من هذه الثلاثة، بعد بلوغ ((المحل)) سالمة، فأمّا إن عطبت قبله، فيأكل منها، لأن عليه بدلها، وأشار لرابع الأقسام بقوله: ((وهدي تطوّع)) لم يجعله للمساكين (١) ((الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي)) (٨٩/٢). ٥٦٠