Indexed OCR Text
Pages 401-420
٢٠ - كتاب الحج (٣٨) باب (٨١١) حديث صلاة فيدخل في عموم الخبر، وإذا ثبت ذلك في الطواف مع تأكّده، ففي السعي بين الصفا والمروة أولى، مع أنه قول ابن عمر - رضي الله عنهما - ومن سمّيناه من أهل العلم، ولم نعرف لهم في عصرهم مخالفاً، وإذا صلى بنى على طوافه وسعيه في قول من سمّينا من أهل العلم، قال ابن المنذر: ولا نعلم أحداً خالف في ذلك إلا الحسن، فإنه قال: يستأنف، وكذلك الحكم في صلاة الجنازة، إذا حضرت يصلّي عليها، ثم يبني على طوافه؛ لأنها تفوت بالتشاغل عنها، قال أحمد: ويكون ابتداءه من الحجر، يعني أنه يبتدئ الشوط الذي قطعه من الحجر حين يشرع في البناء، انتهى. قلت: ما حكي عن مالك يأبى عنه كتب فروعه، فقد تقدم النص عنهم بوجوب القطع للمكتوبة، وكذلك عامة نقلة المذاهب من شُرَّاح البخاري، حكوا عن مالك قطعه للمكتوبة وفق الجمهور، وقال النووي في ((مناسكه)): وإذا أقيمت الجماعة المكتوبة وهو في الطواف، أو عرضت حاجة ماسّة قطع الطواف لذلك، فإذا فرغ يبني والاستئناف أفضل، ويكره قطعه بلا سبب، حتى يكره قطع الطواف المفروض لصلاة جنازة أو صلاة نافلة، انتهى. قال ابن حجر في ((شرحه)): وحيث قطعه، فالأَوْلى أن يقطعه عن وتر، وأن يكون من عند الحجر الأسود، انتهى. قلت: وكذلك يبني عند الحنفية، كما تقدم في الحدث في الطواف. قال ابن عابدين(١): إذا حضرت الجنازة أو المكتوبة في أثناء الشوط هل يتمّه أو لا؟ لم أرَ من صرّح به عندنا، وينبغي عدم الإتمام، إذا خاف فوت الركعة مع الإمام، وإذا عاد للبناء، هل يبني من محل انصرافه أو يبتدئ الشوط من الحجر؟ والظاهر الأول قياساً على من سبقه الحدث في الصلاة، وهو ظاهر (١) ((رد المحتار)) (٥٤٧/٢). ٤٠١ ٢٠ - كتاب الحج (٣٩) باب (٣٩) باب وداع البيت قول ((الفتح)) (١): بنى على ما كان طافه، انتهى. وعَدَّ صاحب ((اللباب))(٢) في المكروهات الطواف عند إقامة المكتوبة، قال القاري: فإن ابتداء الطواف حينئذ مكروه بلا شبهة، وأما إذا كان يمكنه إتمام الواجب عليه وإلحاقه بالصلاة وإدراك الجماعة، فالظاهر أنه هو الأولى من قطعه، انتهى. وقال أيضاً: يُكره تأخيرهما أي الركعتين عن الطواف؛ لأن الموالاة بينه وبينهما سنّة إلاّ في وقت مكروه، ولو طاف بعد العصر يصلّي المغرب، ثم ركعتي الطواف لكونهما واجبتين، ولسبق تعلقهما بالذِمَّة قبل السنة، ثم يصلي سنّة المغرب، انتهى. ولعلّك قد عرفت أن المسائل الخلافية في هذين القولين اللذين ذكرهما المصنف، والأقوال التي ذكرت من فروع الأئمة سبعة، الأولى: قطع الطواف للمكتوبة، والثانية: قطعه لصلاة الجنازة، والثالثة: قطعه لغيرهما من الأعذار، والرابعة: هل يقطعه بعد تمام الشوط أو قبله؟ والخامسة: هل يبني من ابتداء الشوط أو من المحل الذي قطعه فيه؟ والسادسة: هل يصلّي التحية قبل المغرب أو بعده؟ والسابعة: هل يجوز أن يصليها بعد راتبة المغرب أو لا بدّ من قبلها؟ (٣٩) وداع البيت بفتح الواو اسم للتوديع كسلام وكلام، كذا في ((العناية))، وقال ابن نجيم: له خمسة أسام: طواف الصدر، لأنه يصدر عنه، والصدر الرجوع، وطواف الوداع، لأنه يُؤَدِّع البيت به، وطواف الإفاضة، لأنه لأجله يُفيض إلى (١) ((فتح القدير)) (٣٨٩/٢). (٢) انظر: ((شرح اللباب)) (ص٨٢). ٤٠٢ ٢٠ - كتاب الحج (٣٩) باب البيت من منى، وطواف آخرُ عهد بالبيت؛ لأنه لا طواف بعده، وطواف الواجب. واختلف في المراد بالصدر الذي هو الرجوع، فعندنا هو الرجوع عن أفعال الحج، وعند الشافعي هو الرجوع إلى أهله، ويبتني عليه أنه لو طاف للصدر، ثم أقام بمكة لشغلٍ لم تلزمه الإعادة عندنا خلافاً له، انتهى. قال الموفق(١): طواف الوداع واجب، ينوب عنه الدم إذا تركه، وبهذا قال أبو حنيفة وأصحابه والثوري والشافعي، وقال أيضاً: من أتى مكة لا يخلو إما أن يريد الإقامة بها أو الخروج منها، فإن أقام بها فلا وداع عليه؛ لأن الوداع من المفارق لا من الملازم، سواء نوى الإقامة قبل النفر أو بعده، وبهذا قال الشافعي، وقال أبو حنيفة: إن نوى الإقامة بعد أن حلّ له النفر، لم يسقط عنه الطواف، فأما الخارج من مكة، فليس له أن يخرج حتى يودع البيت بطواف، وهو واجب، من تركه لزمه دم، وبذلك قال الحكم وحماد والثوري وإسحاق وأبو ثور، وقال الشافعي في قول له: لا يجب بتركه شيء؛ لأنه يسقط عن الحائض، فلم يكن واجباً . ولنا، ما روي عن ابن عباس، قال: ((أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت، إلاّ أنه خفّف عن المرأة الحائض))، متفق عليه. ووقته بعد فراغ المرء من جميع أموره ليكون آخر عهده بالبيت، ومن كان منزله في الحرم، فهو كالمكي لا وداع عليه، ومن كان منزله خارج الحرم قريباً منه، فظاهر كلام الخرقي أنه لا يخرج حتى يُؤَدِّعَ، وهذا قول أبي ثور، فإن أخَّرَ طوافَ الزيارة، فطافه عند الخروج، ففيه روايتان: إحداهما يجزئه؛ لأنه أمر أن يكون آخر عهده بالبيت، وقد فعل، وعنه: لا يجزئه؛ لأنهما عبادتان فلم تجز إحداهما (١) ((المغني)) (٣٣٦/٥). ٤٠٣ ٢٠ - كتاب الحج (٣٩) باب عن الأخرى، فإن وَدَّعَ واشتغل بتجارة أو إقامة، فعليه إعادته، وبهذا قال عطاء ومالك والثوري والشافعي وأبو ثور، انتهى. وجزم في ((الروض المربع))(١) بإجزاء طواف الزيارة عن الوداع. وقال النووي(٢): هو واجب، يلزم بتركه دمٌّ على الصحيح عندنا، وهو قول أكثر أهل العلم، وقال مالك وداود وابن المنذر: هو سنة لا شيء في تركه، وقال أصحابنا الحنفية: هو واجب على الآفاقي دون المكي والميقاتي، وقال أبو يوسف: أحبُّ إليّ أن يطوف المكي؛ لأنه يختم المناسك، ولا يجب على الحائض والنفساء ولا على المعتمر؛ لأن وجوبه عرف نصًّا في الحج، فيقتصر عليه، ولا على فائت الحج؛ لأن الواجب عليه العمرة، وليس لها طواف الوداع. وقال مالك: من أخَّرَ طوافَ الوداع وخرج، ولم يطف إن كان قريباً رجع، فطاف، وإن لم يرجع، فلا شيء عليه، وقال عطاء والثوري وأبو حنيفة والشافعي في أظهر قوليه وأحمد وإسحاق وأبو ثور: إن كان قريباً رجع فطاف، وإن تباعد مضى وأهراق دماً، واختلفوا في حدّ القرب، فروي أن عمر - رضي الله عنه - رَدَّ رجلاً من مرِّ الظهران لم يكن وذَّعَ، وبينه وبين مكة ثمانية عشر ميلاً، ورآه مالك ولم يحدّ له حداً، بل أدار الحكم على المشقة، كما سيأتي، وعند أبي حنيفة: يرجع ما لم يبلغ المواقيت، وعند الشافعي وأحمد: يرجع من مسافة لا تقصر فيها الصلاة، وعند الثوري: يرجع ما لم يخرج من الحرم . واختلفوا فيمن وَدَّعَ، ثم بدا له في شراء حوائجه، فقال عطاء: يعيد حتى (١) (١/ ٥٢١). (٢) انظر: ((شرح صحيح مسلم)) للنووي (٧٨/٩). ٤٠٤ ٢٠ - كتاب الحج (٣٩) باب يكون آخر عهده الطواف بالبيت، وبنحوه قال الثوري والشافعي وأحمد وأبو ثور، وقال مالك: لا بأس أن يشتري بعض حوائجه وطعامه في السوق، ولا شيء عليه، وإن أقام يوماً أو نحوه أعاد، وقال أبو حنيفة: لو ودّع وأقام شهراً أو أكثر أجزأه ولا إعادة عليه، كذا في ((العيني))(١) بزيادة. قال النووي في (المناسك)): ينبغي أن يقع بعد الفراغ من جميع أشغاله ويعقبه الخروج من غير مكث، فإن مكث بعده لغير عذر أو لشغل غير أسباب الخروج، كشراء متاع، أو قضاء دين، أو زيارة صديق، أو نحو ذلك، فعليه الإعادة، وإن اشتغل بأسباب الخروج كشراء الزاد بلا مكث وشدِّ الرحل ونحوهما، لم يعد الطواف، انتهى. قال الدردير(٢): نُدِبَ لمن خرج من مكة ولو مكياً، أو قدم إليها بتجارة، طواف الوداع إن خرج، أي أراد الخروج لكالجحفة ونحوها من بقية المواقيت، أراد العَوْدَ أم لا، إلا المتردد لمكة لحطب ونحوه، فلا وداعَ عليه لا لقريب. كالتنعيم والجعرّانة مما دون المواقيت، وتأدّى الوداع بالإفاضة وبطواف العمرة، ويحصل له ثوابه إن نواه بهما، وبطل كونه وداعاً، وإلا فهو في نفسه صحيح، بإقامة بعض يوم بمكة، فيطلب بإعادته لا بشغل خفّ ولو بيعاً، فلا يبطل. قلت: هذا هو المشهور عن المالكية، وحكى الباجي (٣) عن أشهب: أن من طاف للوداع، ثم أقام أياماً، فليس عليه أن يودع، إن شاء ودّع وإلّ لا . قال الدسوقي(٤): طواف الوداع حاصل المسألة أن الخارج من مكة إن قصد (١) ((عمدة القاري)) (٣٨٣/٧). (٢) ((حاشية الدسوقي)) (٥٣/٢). (٣) ((المنتقى)) (٢٩٣/٢). (٤) ((حاشية الدسوقي)) (٢/ ٥٣). ٤٠٥ ٢٠ - كتاب الحج (٣٩) باب التردّد لها، فلا وداع مطلقاً، وصل للميقات أم لا، وإن قصد مسكنه أو الإقامة طويلاً فعليه الوداع مطلقاً، وإن خرج لاقتضاء دين أو زيارة أهل، نظر فإن خرج لنحو أحد المواقيت وَدَّعَ، وإن خرج لدونها فلا وداع، هذا محصل كلام ح. قوله: وتأدّى الحاصل: أن طواف الوداع ليس مقصوداً لذاته بل ليكون آخر عهده من البيت الطواف، فلذلك يتأدّى بطواف الإفاضة أو طواف العمرة، ولا يكون سعيه له طولاً حيث لم يقم عندها إقامة تقطع حكمَ التوديع، والمراد بتأديه بهما أنه لا يستحب لمن طاف للإفاضة أو للعمرة، ثم خرج من فوره أن يطوف للوداع، بل يسقط عنه الطلب بما ذكر، ويحصل له فضل الوداع إن نواه بما ذكر قياساً على تحية المسجد، والمراد ببعض اليوم ما زاد على الساعة الفلكية، انتهى. وفي ((الغنية)): هو واجب على كل حاج آفاقي مفرد أو قارن أو متمتّع بشرط كونه مدركاً مكلفاً، لا على معتمر وأهل مكة، ومن أقام بها قبل حلّ النفر الأول ولا أهل المواقيت، إلاّ أنه يندب لأهل مكة ومن في حكمهم، ويشترط أن يكون بعد طواف الزيارة كله أو أكثره، وله وقتان: وقت الجواز، ووقت الاستحباب، فوقت الجواز أوله بعد إتيان أكثر طواف الزيارة، ولو في يوم النحر، ولا آخر لوقته، فلو أتى به ولو بعد سنة، يكون أداءً لا قضاءً، ووقت الاستحباب أن يوقعه عند إرادة السفر، ولو أقام بعده ولو أياماً أو أكثر، فلا بأس به، والأفضل أن يعيد. وعن أبي حنيفة: إذا طاف للصدر، ثم أقام إلى العشاء، فأحب إليّ أن يطوف طوافاً آخر، لئلا يكون بين طوافه وسفره حائل. والحاصل: أن المستحب أن يقع عند إرادة السفر بعد الفراغ من جميع أشغاله، ويعقبه الخروج من غير مكث، وهذا واجب عند الشافعي - رحمه الله - ٤٠٦ ---- ٢٠ - كتاب الحج (٣٩) باب (٨١٢) حديث ١٢٠/٨١٢ - حدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ؛ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، قَالَ: لَا يَصْدُرَنَّ أَحَدٌ مِنَ الْحَاجِّ، حَتَّى يَطُوفَ بِالْبَيْتِ. فَإِنَّ آَخِرَ النُّسُكِ الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ. فمن خرج من مكة، ولم يطف يجب عليه العود بلا إحرام ما لم يجاوز الميقات، فإن جاوزه لم يجب الرجوع، بل إما يمضي، وعليه دم، وإما أن يرجع بإحرام حج أو عمرة، فإذا رجع ابتدأ بطواف العمرة، ثم يطوف للصدر، ولا شيء عليه للتأخير، ويكون مسيئاً، والأولى أن لا يرجع بعد المجاوزة، ويبعث دماً؛ لأنه أنفع للفقراء، انتهى مختصراً. ١٢٠/٨١٢ - (مالك، عن نافع، عن عبد الله بن عمر، أن عمر بن الخطاب) - رضي الله عنهما - (قال: لا يصدرنّ) بضم الدال والنون الثقيلة، أي: لا ينصرفن (أحد من الحاج) تخصيصه - رضي الله عنه - بالحاج حجة للحنفية في أنه يجب على الحاج، دون الخارج عن مكة ولو مكياً، خلافاً المالكية في المشهور عنهم، كما تقدم عن فروعهما . والمسألة خلافية عند الشافعية، قال النووي في ((المناسك)): اختلف أصحابنا في أن طواف الوداع من جملة مناسك الحج، أم عبادة مستقلة؟ فقال إمام الحرمين: هو من مناسك الحج، وليس على غير الحاج طواف الوداع، إذا خرج من مكة، وقال البغوي وأبو سعيد المتولي وغيرهما: ليس هو من مناسك الحج، بل يؤمر به من أراد مفارقة مكة إلى مسافة تُقصر فيها الصلاة، سواء كان مكياً أو غير مكي، قال الرافعي: هذا الثاني هو الأصح، انتهى. قال ابن حجر: لكن قَوَّى السبكي قول الغزالي كإمامه أنه منها، فيختصّ بمريد الخروج من ذوي النسك، وكذا الأسنوي والأذرعي والزركشي وغيرهم، انتهى. (حتى يطوف بالبيتِ) طواف الوداع (فإن آخر النسك الطواف بالبيت)، وفي تسميته - رضي الله عنه - إياه نسكاً أيضاً حجةٌ للحنفية أن المراد بالصدر الرجوع عن النسك، كما تقدم. ولذا جعله عمر - رضي الله عنه - آخر النسك، ٤٠٧ ٢٠ - كتاب الحج (٣٩) باب (٨١٢) حديث قَالَ مَالِكٌ فِي قَوْلِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ: فَإِنَّ آخِرَ النُّسُكِ الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ: إِنَّ ذُلِكَ، فِيمَا نُرَى، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، لِقَوْلِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿وَمَن يُعَظِّمْ شَعَكِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَىَ الْقُلُوبِ﴾، وإليه أوَّلَه أشهب من المالكية، كما حكاه الباجي(١)، ولذا قال: من طاف هذا الطواف، ثم أقام أياماً فليس عليه أن يُودع إن شاء فعل وإلا لا، وقد اقتدى عمر - رضي الله عنه - في هذا الحكم بالنبيّ وَّ، حيث قال: ((لا ينفر أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت))، أخرجه مسلم، ورواه الشافعي، وزاد: فإن آخر النسك الطواف بالبيت، كذا في ((التعليق الممجد))(٢). (قال مالك، في) مأخذ (قول عمر بن الخطاب) إذ قال: (فإن آخر النسك الطواف بالبيت إن) قوله: (ذلك فيما نُرى) بضم النون أي نظن أنه مأخوذ من قوله تعالى الآتي (والله أعلم) بحقيقة مستدلّه جملة معترضة، والذي نظن أنه قال: (لقول الله تبارك) بلام الجارة القول في النسخ المصرية خبر لإن، وفي النسخ الهندية بدله يقول الله تبارك (وتعالى: ﴿وَمَن يُعَظِّمْ) من التعظيم (شَعَتِرَ اللَّهِ ﴾) جمع شعيرة أو شعارة بالكسر بوزن قلادة، أعلام الحج وأفعاله، كذا في ((الجمل)) (فَإِنَّهَا) أي تعظيمها كذا في ((الجلالين)) (﴿مِن تَقْوَىَ الْقُلُوبِ﴾) من ابتدائية، أي فإن تعظيمها مبتدأ وناشٍ من تقوى قلوبهم، كذا في ((الجمل)) عن الخطيب . قال الباجي(٣): اختلف الناس في تأويل هذه الآية، فذهب مجاهد إلى أن الشعائر هي البُدُنُ، وأنكر القاضي أبو إسحاق هذا القول؛ لأنه تعالى قال: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَهَا لَكُ مِّن شَعَِرِ اللَّهِ﴾، فأخبر تعالى أن البدن من الشعائر، (١) ((المنتقى)) (٢٩٣/٢). (٢) (٤٣٧/٢). (٣) ((المنتقى)) (٢٩٣/٢). ٤٠٨ ٢٠ - كتاب الحج (٣٩) باب (٨١٣) حديث وَقَالَ: ﴿ِثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَيْقِ﴾، فَمَحِلُّ الشَّعَائِرِ كُلِّهَا، وَأَنْقِضَاؤُهَا، إِلَى الْبَيْتِ الْعَنِيقِ. ١٢١/٨١٣ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ يَحَيَى بْنِ سَعِيدٍ؛ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَدَّ رَجُلاً مِنْ مَرِّ . وهو يريد أن يجعلها جميع الشعائر، قال: ومما يبيّن ذلك أنه تعالى قال: ﴿فِيهَا مَنَفِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمَّى﴾، وذلك يقتضي أن يكون أجلاً مؤقتاً كالوقوف بعرفة، والمبيت بالمزدلفة، ورمي الجمار، وقد روي عن زيد بن أسلم أنه قال: الشعائر ست: الصفا، والمروة، والجمار، والمشعر الحرام، وعرفة، والركن. والحرمات خمس: الكعبة الحرام، والبلد الحرام، والمسجد الحرام، والشهر الحرام، والمحرم حتى يحِلَّ. (وقال: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَنِيقِ﴾ فمحل الشعائر كلها و) محل (انقضاؤها) جميعها (إلى البيت العتيق) قال السيوطي في ((الدر))(١): أخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن محمد بن موسى في قوله ذلك: ﴿وَمَن يُعَظِّمْ شَعَتَبِرَ اللَّهِ﴾ قال: الوقوف بعرفة من شعائر الله، ويجمع من شعائر الله، والبدن من شعائر الله، ورمي الجمار من شعائر الله، والحلق من شعائر الله، فمن يعظمها، فإنها من تقوى القلوب، لكم فيها منافع إلى أجل مسمّى، قال: لكم في كل مشعر منها منافع إلى أن تخرجوا منه إلى غيره، ثم محلها إلى البيت العتيق، قال: محل هذه الشعائر كلها الطواف بالبيت العتيق، انتهى. فالمراد بهذا الطواف هو طواف الصدر؛ لأنه هو منتهى الشعائر كلها، ولذا جعله عمر - رضي الله عنهما - آخر النسك. ١٢١/٨١٣ - (مالك، عن يحيى بن سعيد) الأنصاري (أن عمر بن الخطاب) - رضي الله عنهما ــ (رَدَّ رجلاً من مرّ) بفتح الميم وتشديد الراء (١) ((الدر المنثور)) (٤٤/٦). ٤٠٩ ٢٠ - كتاب الحج (٣٩) باب (٨١٣) حديث الظَّهْرَانِ، لَمْ يَكُنْ وَدَّعَ الْبَيْتَ حَتَّى وَدَّعَ. المهملة (الظهران) بالتعريف في النسخ المصرية والتنكير في الهندية، وبالأول ذكره أهل اللغة بلفظ تثنية الظهر، اسم وادٍ بقرب مكة، وعنده قريةٌ يقال لها: مرّ، تضاف إلى هذا الوادي، فيقال: مرُّ الظهران، كذا في (المعجم))، قال أبو عمر: يقولون بين مرّ الظهران وبين مكة ثمانية عشر ميلاً (لم يكن) هذا الرجل (ودّع البيت) فردّه عمر - رضي الله عنه - (حتى وَدَّع البيتَ) يُشْكِلُ هذا الأثر على المالكية لما سيأتي عن مالك قريباً أنه يرجع إن كان قريباً. قال الدردير(١): ورجع له - أي لطواف الوداع - إن بطل، أو لم يكن فعله، إن لم يخف فوات أصحابه، انتهى. ولذا قال ابن عبد البر (٢): يقولون: بين مر الظهران وبين مكة ثمانية عشر ميلاً، وهذا بعيد، عن مالك وأصحابه لا يرون ردّه لطواف الوداع من مثله، وأوّله الزرقاني بأن ردّه كان لاستحباب ذلك، إن لم يخف فوت أصحابه، أو لأن عمر - رضي الله عنه - یری وجوبه، انتهى. قال الباجي(٣): ردّ عمر - رضي الله عنه - يقتضي أن ذلك الرجل لم يكن عليه فيه كبير مشقة، ولا خاف فوات رفقة، وقد روي عن مالك فيمن نسي الوداع وبلغ الظهران: أنه لا شيء عليه، قال ابن القاسم: لم يحد فيه حداً، وأرى إن لم يخف فوات أصحابه ولا منعه كريُّه فليرجع، وإلا مضى ولا شيء عليه، فقول مالك محمول على من لم تلحقه مشقة بالرجوع من مرّ الظهران، ولذلك لم يحدّ فيه حداً، وإنما هو بمقدار الإمكان من غير مشقة، ولعل الذي ردّه عمر - رضي الله عنه - قد رأى به من القوّة على ذلك، وتمكّنه له ما علم أنه لا تلحقه به مشقة، فندبه إلى ذلك، وأعلمه بما له فيه من الفضل، فرجع بقوله، فكان ذلك ردّاً له، انتهى. (١) ((الشرح الكبير)) (٥٣/٢). (٢) ((الاستذكار)) (١٨٤/١٢٢). (٣) ((المنتقى)) (٢٩٤/٢). ٤١٠ ٢٠ - كتاب الحج (٣٩) باب (٨١٤) حديث ٨١٤/ ١٢٢ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ هِشَام بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيه؛ أَنَّهُ قَالَ: مَنْ أَفَاضَ فَقْدَ قَضَى اللَّهُ حَجَّهُ. فَإِنَّهُ، إِنْ لَمْ يَكُنْ حَبَسَهُ شَيْءٌ، فَهُوَ حَقِيقٌ أَنْ يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِ الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ، وَإِنْ حَبَسَهُ شَيْءٌ، أَوْ عَرَضَ لَهُ، فَقَدْ قَضَى اللَّهُ حَجَّهُ. قَالَ مَالِكٌ: وَلَوْ أَنَّ رَجُلاً جَهِلَ أَنْ يَكُونَ آَخِرُ عَهْدِهِ الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ، حَتَّى صَدَرَ، لَمْ أَرَ عَلَيْهِ شَيْئاً، إِلَّا أَنْ يَكُونَ قَرِيباً، وأنت خبير بأنه لا فاقة إلى التوجيه عند الحنفية لما تقدم من قولهم: من خرج من مكّة ولم يطف، يجب عليه العود ما لم يجاوز الميقات، ومرُّ الظهران فيما دون الميقات. ١٢٢/٨١٤ - (مالك، عن هشام بن عروة عن أبيه؛ أنه قال: من أفاض) أي فرغ عن طواف الإفاضة (فقد قضى الله حجّه) أي قد كملت فرائضه، وحلّ له جميع ما يحل للحلال (فإنه إن لم يكن حبسه شيء) أي لم يمنعه مانع عن الطواف بعد ذلك (فهو حقيق) أي جدير، ويستعمل استعمال الواجب واللازم والجائز، قاله الراغب، فحمله المالكية على الندب، والحنفية على الوجوب (أن يكون آخر عهده الطواف بالبيت) طواف الوداع (وإن حبسه) أي منعه (شيء أو عرض له) عذر يمنع طواف الوداع (فقد قضى الله حجّه) أي أكمل الله حجّه، ولم يبق عليه ما يمنع عن الرجوع إلى بيته، أما عند المالكية، فظاهر؛ لأنه سنّة عندهم. وأمّا عند الحنفية، فإنه وإن كان واجباً، لكن الواجبات تسقط بالعذر، مع الدم أو بدونه. (قال مالك: ولو أن رجلاً جهل) أي لم يعلم (أن يكون آخر عهده) أي الحاجّ عند الخروج من مكة (الطواف بالبيت) للوداع (حتى صدر)، أي رجع عن مكة (لم أرَ عليه شيئاً) لأنه ترك سنّة، ولا شيء بتركها، وعليه دم عند الحنفية (إلا أن يكون) علم ذلك، وكان إذ ذاك (قريباً) من مكة، وقد عرفت قريباً أنه لم يحد القرب بحدٍّ، بل المدار عندهم في ذلك على عدم المشقّة، ٤١١ ٢٠ - كتاب الحج (٤٠) باب (٨١٥) حديث فَيَرْجِعَ فَيَطُوفَ بِالْبَيْتِ، ثُمَّ يَنْصَرِفَ إِذَا كَانَ قَدْ أَفَاضَ. (٤٠) باب جامع الطواف ١٢٣/٨١٥ - حدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنْ أَبِي الأَسْوَدِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ نَوْفَلٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ زَيْنَبَ ◌ِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ورأى الإمام مرَّ الظهران بعيداً، والمدار في ذلك عند الحنفية(١) على المواقيت، ويجب العود ما لم يجاوزها . (فيرجع فيطوف بالبيت) طواف الوداع (ثم ينصرف) إلى منصرفه (إذا كان قد أفاض) قال الباجي(٢): يحتمل معنيين، أحدهما: أن يريد أن هذا حكم من أفاض، وأمّا من لم يفض، فإنه يرجع على كل حال، قرب أو بعد، والثاني: يريد إذا كان قد أفاض يوم النحر، وأمّا من أفاض بعد النحر، واتّصل خروجه بإفاضته، فليس عليه طواف؛ لأن طواف الإفاضة يجزئ عنه، انتهى. قلت: والتوجيه الثاني مختصّ بمسلك المالكية. (٤٠) جامع الطواف أي الروايات المتفرقة في الأحكام المختلفة للطواف. ١٢٣/٨١٥ - (مالك، عن أبي الأسود محمد بن عبد الرحمن بن نوفل) الأسدي يتيم عروة (عن عروة بن الزبير عن زينب بنت) وفي نسخة ابنة (أبي سلمة) عبد الله بن الأسد المخزومي، ربيبة النبيّ وَّر، ولدت بأرض الحبشة، كما في ((المحلى))، (عن) أمها (أم سلمة) هند بنت أبي أمية (زوج النبيّ بَليّ) (١) قال أبو حنيفة وأصحابه: يرجع إلى طواف الوداع ما لم يبلغ المواقيت، فإن بلغها ولم يرجع فعليه دم. ((الاستذكار)) (١٨٤/١٢). (٢) ((المنتقى)) (٢٩٥/٢). ٤١٢ ٢٠ - كتاب الحج (٤٠) باب (٨١٥) حديث هكذا أخرجه البخاري في مواضع من ((صحيحه))، وأخرج في ((باب من صلّى ركعتي الطواف خارج الحرم)) بسندين بالتحويل، فذكر أوّل سند مالك المذكور. ثم قال ح: وحدّثني محمد بن حرب نا أبو مروان يحيى بن أبي زكريا الغساني عن هشام عن عروة عن أم سلمة، قال الحافظ(١): قوله: عن عروة عن أم سلمة كذا للأكثر، ووقع للأصيلي عن عروة عن زينب عن أم سلمة، وقوله: عن زينب زيادة في هذا الطريق، فلقد أخرجه أبو علي بن السكن عن علي بن عبد الله بن مبشر عن محمد بن حرب شيخ البخاري ليس فيه زينب. وقال الدارقطني في ((كتاب التتبع)) في طريق يحيى بن أبي زكريا هذه: هذا منقطع، فقد رواه حفص بن غياث عن هشام بن عروة عن أبيه عن زينب عن أمها، ولم يسمعه عروة عن أم سلمة، انتهى. قلت: وإليه مال النسائي إذ قال بعد ذكر حديث هشام: عروة لم يسمعه من أم سلمة، قال الحافظ(٢): ويحتمل أن يكون ذلك حديثاً آخر، فإن حديثها هذا في طواف الوداع، وأمّا هذه الرواية فذكرها الأثرم، قال: قال لي أبو عبد الله، يعني أحمد بن حنبل: نا أبو معاوية عن هشام عن أبيه عن زينب عن أمها: أن رسول الله وسجل أمرها أن توافيه يوم النحر بمكة، قال أبو عبد الله: هذا خطأ، فقد قال وكيع عن هشام عن أبيه: ((أن النبيّ ◌َلل أمرها أن توافيه صلاة الصبح يوم النحر بمكة))، قال: وهذا أيضاً عجيب ما يفعل النبيّ بَله يوم النحر بمكة، وقد سألت يحيى بن سعيد القطان عن هذا، فحدّثني به عن هشام بلفظ: أمرها أن توافي، ليس فيه هاء، قال أحمد: وبين هذين فرق، فإذا عرف ذلك تبيّن التغاير بين القصتين، فإن إحداهما صلاة الصبح يوم النحر، والأخرى صلاة الصبح يوم الرحيل من مكة. (١) (فتح الباري)) (٤٨٧/٣). (٢) ((فتح الباري)) (٤٨٧/٣). ٤١٣ ٢٠ - كتاب الحج (٤٠) باب (٨١٥) حديث أَنَّهَا قَالَتْ: شَكَوْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ مَ ◌ّهِ أَنِّي أَشْتَكِي، فَقَالَ: ((طُوفِي مِنْ وَرَاءِ النَّاسِ وقد أخرج الإسماعيلي حديث الباب من طريق حسان بن أبي إبراهيم وعلي بن هاشم ومحاضر بن المورع وعبدة بن سليمان، وهو عند النسائي أيضاً من طريق عبدة كلهم عن هشام عن أبيه عن أم سلمة، وهذا هو المحفوظ، وسماع عروة عن أم سلمة ممكن، فإنه أدرك من حياتها نيّفاً وثلاثين سنة. وهو معها فى بلد واحد، انتهى. ---- وقريب منه ما في ((العيني)) (١)، وحاصله: أن المحفوظ في حديث هشام بدون زينب، ورواية أبي الأسود بإثباتها، ويمكن الجمع بأنه سمعه أولاً بواسطة زينب عن أم سلمة، ثم عن أم سلمة بدون الواسطة، فحَدَّث به على الوجهين، ولا يكون منقطعاً . (أنها قالت: شكوت إلى رسول الله وَّم) أوان الرحيل إلى المدينة (أني صلىالله أشتكي) أي أتوجَّعُ، وهو مفعول شكوت، تريد أنها شَكَتْ إلى رسول الله وسيلة أنها لا تطيق الطواف ماشية، لضعفها من تلك الشكوى التي كانت بها، قاله الباجي، وفسَّره الحافظان ابن حجر والعيني في غير موضع من شرحهما شكوى أم سلمة بمجرد الضعف، وفي رواية النسائي عن أم سلمة أنها قدمت مكة وهي مريضة، فذكرت ذلك لرسول الله وَ﴾، الحديث. (فقال) النبيّ وَّل: (طوفي من وراء الناس) لأنه أستر لها، ولأن سنة النساء التباعد عن الرجال في الطواف؛ ولأن بقربها لكونها راكبة يخاف تأذي الناس بدابتها، وقطع صفوفهم. وقال الباجي(٢): طواف النساء وراء الرجال لهذا الحديث، ولم يكن لأجل البعير، فقد طاف رسول الله وَّل على بعيره (١) ((عمدة القاري)) (٢٠٧/٧). . (٢) ((المنتقى)) (٢٩٥/٢). ٤١٤ -- - ٢٠ - كتاب الحج (٤٠) باب (٨١٥) حديث وَأَنْتِ رَاكِبَةٌ))، يستلم الركن بمحجن، وهذا يدلّ على اتّصاله بالبيت، لكن من طاف غيره من الرجال على بعير، فيستحب له إن خاف أن يؤذي أحداً أن يبعد قليلاً، وإن لم يكن حول البيت زحام، وأمِنَ أن يؤذي أحداً فليقرب، كما فعل النبيّ وَّ، وأمّا المرأة فإن من سنتها أن تطوف وراء الرجال، انتهى. (وأنت راكبة) أي بعيرك، كما في رواية هشام عند البخاري بلفظ عن عروة عن أم سلمة: أن رسول الله وَّل قال وهو بمكة، وأراد الخروج ولم تكن أم سلمة طافت بالبيت، وأرادت الخروج، فقال لها رسول الله وَ له: إذا أقيمت صلاة الصبح فطوفي على بعيرك، والناس يصلون، ففعلت ذلك، فلم تصل حتى خرجت، انتهى. وعلم منه أيضاً أن القصة لطواف الوداع، وقال الباجي: يحتمل أن يكون طواف أم سلمة طواف الواجب، وهو الأظهر، ويحتمل أن يكون طواف الوداع، انتهى. قلت: وهو الصواب لما في النسائي عنها قالت: يا رسول الله! والله ما طفت طواف الخروج، فقال النبيّ وَ لو: ((إذا أقيمت الصلاة فطوفي))، الحديث، وعلى الأول حمله ابن حزم إذ قال: طافت أم سلمة ذلك اليوم على بعيرها، وهي شاكية، وتعقبه ابن القيم في ((الهدي)) (١) وقال: هو طواف الوداع بلا ریب، انتھی. قال الموفق(٢): لا نعلم بين أهل العلم خلافاً في صحة طواف الراكب إذا كان له عذر، فإن ابن عباس روى: ((أنه ◌َ# طاف في حجة الوداع على بعير يستلم الركن بمحجن))، وعن أم سلمة قالت: شكوت ... الحديث، متفق (١) ((زاد المعاد)) (٢٦٢/٢). (٢) ((المغني)) (٢٤٩/٥). ٤١٥ ٢٠ - كتاب الحج (٤٠) باب (٨١٥) حديث عليهما، وقال جابر: ((طاف النبيّ ◌َّر على راحلته، ليراه الناس، وليشرف عليهم ليسألوه، فإن الناس غَشَوْه))، والمحمول كالراكب. وأما الطواف راكباً أو محمولاً لغير عذر، فمفهوم كلام الخرقي أنه لا يجزئه، وهو إحدى الروايات عن أحمد؛ لأن النبيّ وَّر قال: ((الطواف بالبيت صلاة))، والثانية: يجزئه، ويجبره بدم، وهو قول مالك، وبه قال أبو حنيفة، إلّ أنه قال: يعيد ما دام بمكة، فإن رجع جبره بدم؛ لأنه ترك صفة واجبة في ركن الحج، والثالثة: يجزئه، ولا شيء عليه، اختارها أبو بكر، وهي مذهب الشافعي وابن المنذر؛ لأن النبيّ وَل ◌ّ طاف راكباً. قال ابن المنذر: لا قول لأحد مع فعله ◌َّّ، ولأن الله تعالى أمر بالطواف مطلقاً، فكيف ما أتى به أجزأه، ولا يجوز تقييد المطلق بغير دليل، ولا خلاف في أن الطواف راجلاً أفضل؛ لأن أصحاب النبيّ وَّ طافوا مشياً، والنبيّ ◌َّ﴿ في غير حجة الوداع طاف مشياً، وفي قول أم سلمة: ((شكوت إلى النبيّ ◌َّه أني أشتكي))، فقال: ((طوفي من وراء الناس وأنتِ راكبة))، دليل على أن الطواف إنما يكون مشياً، وإنما طاف النبيّ وَّ راكباً لعذر، فإن ابن عباس روى: ((أن رسول الله وَل كثر عليه الناس يقولون: هذا محمد، هذا محمد حتى خرج العواتق من البيوت، وكان رسول الله وَ ل﴿ لا يضرب الناس بين يديه، فلما کثروا علیه رکب))، رواه مسلم. وكذلك في حديث جابر: ((فإن الناس غشوه))، وروي عن ابن عباس: ((أن رسول الله ﴿ ﴿ طاف راكباً لشكاة به))، وبهذا يعتذر من منع الطواف راكباً عن طواف النبيّ وَلَّ، والحديث الأول أثبت، فعلى هذا يكون كثرة الناس وشدة الزحام عذراً، ويحتمل أن يكون النبيّ وَلّ قصد تعليم مناسكهم، فلم يتمكن منه إلا بالركوب، انتهى. وقال القسطلاني: لا كراهة في الطواف راكباً من غير عذر على المشهور عند الشافعين، انتهى. ٤١٦ ٢٠ - كتاب الحج (٤٠) باب (٨١٥) حديث قَالَتْ: فَطَفْتُ رَاكِبَةً بَعِيرِي، قال الباجي(١): أما جواز الطواف للراكب والمحمول للعذر، فلا خلاف فيه نعلمه، وأما لغير عذر، فقال القاضي أبو محمد في ((أشرافه)): لا يكره له ذلك، وقال محمد عن مالك: لا يجزئه، وإنما يريد بذلك نحواً مما ذهب إليه أبو محمد؛ لأنه روى عن مالك أنه قال: يعيد طوافه، فإن لم يفعل، فليبعث بهدي، وبه قال أبو حنيفة. وقال الشافعي: لا دم عليه، انتهى. قال الدسوقي(٢) تبعاً للدردير: إن المشي في كلٍّ من الطواف والسعي واجب على القادر عليه، فلا دم على عاجز طاف أو سعى راكباً أو محمولاً، وأمّا القادر إذا طاف أو سعى محمولاً أو راكباً، فإنه يؤمر بإعادته ماشياً ما دام بمكة، ولا يجبر بالدم حينئذٍ، كما يؤمر العاجز بإعادته، إن قدر ما دام بمكة، وإن رجع لبلده، فلا يُؤمر بالعودة لإعادته، ويلزمه دم، فإن رجع وأعاده ماشياً سقط الدم عنه، انتهى. وفي ((شرح اللباب))(٣): الرابع من الواجبات المشي فيه للقادر، فلو طاف راكباً أو محمولاً أو زحفاً بلا عذر، فعليه الإعادة ما دام بمكة أو الدم، وإن كان تركه بعذر فلا شيء عليه، انتهى. (قالت: فطفت) أي (راكبة) كما في نسخة ((التنوير)) أي على (بعيري)، واستدلّ بالحديث المالكية على مختارهم من طهارة بول ما يؤكل لحمه، وهو المشهور عن أحمد، وغير المشهور عنه، وبه قالت الحنفية والشافعية: إنه نجس، وتقدم البسط في المسألة في الجزء الثاني. قال ابن بطال في هذا الحديث: جواز دخول الدواب التي يؤكل لحمها (١) ((المنتقى)) (٢٩٥/٢). (٢) ((حاشية الدسوقي)) (٤٠/٢). (٣) (ص٧٤). ٤١٧ ٢٠ - كتاب الحج (٤٠) باب (٨١٥) حدیث المسجد إذا احتيج إلى ذلك؛ لأن بولها لا ينجسه، بخلاف غيرها من الدواب، وتُعُقِّب بأنه ليس في الحديث دلالة على عدم الجواز مع الحاجة، أي في غيرها، ولا على عدم الجواز مع عدم الحاجة فيها . قال الحافظ (١): بل ذلك دائر على التلويث وعدمه، فحيث يخشى التلويث يمنع الدخول، وقد قيل: إن ناقته ﴿ منوقة أي مدرّبة معلمة، فيؤمن منها ما يحذر من التلويث، فيحتمل أن يكون بعير أم سلمة أيضاً كذلك، انتھی . وتعقبه الزرقاني(٢): بأن الحديث ظاهر في الدلالة على طهارة بول البعير وبعره، ويقاس عليه بقية مأكول اللحم، والقول بأن الناقة منوقة لم يثبت، إنما أبداه الحافظ احتمالاً، وترجى أن بعير أم سلمة كذلك ممنوع، انتهى. لكنه - رحمه الله - لم يذكر سند المنع، والحافظ لم يذكر تنوق الناقة احتمالاً، ولا مانع أيضاً أن يكون أم سلمة راكبة ناقته وَ له . وأنت خبير بأن جواز الدخول لا يستلزم طهارة الفضلات، كيف وإدخال الصبيان المساجد ثابت في زمانه و 18، ولم يقل أحد بطهارة فضلاته. قال النووي: مذهبنا ومذهب أبي حنيفة وآخرين نجاسته، وهذا الحديث لا دلالة فيه؛ لأنه ليس من ضرورته أن يبول أو يروث في حالة الطواف، وإنما هو محتمل، وعلى تقدير حصوله ينظف المسجد منه، كما أنه ◌َّ أقرّ إدخال الصبيان الأطفال المسجد مع أنه لا يؤمن بولهم، بل قد وجد ذلك، ولأنه لو كان ذلك محققاً لنزه المسجد منه سواء كان نجساً أو طاهراً؛ لأنه مستقذر، انتھی . (١) ((فتح الباري)) (٥٥٧/١). (٢) ((شرح الزرقاني)) (٣١٢/٢). ٤١٨ ---- ٢٠ - كتاب الحج (٤٠) باب (٨١٥) حديث وَرَسُولُ اللَّهِ وَ له حِينَئِذٍ يُصَلِّي إِلَى جَانِبِ الْبَيْتِ، حينئذ يصلي) بالناس (إلى جانب البيت) أي الكعبة، (ورسول الله وبوّب عليه البخاري في ((صحيحه): ((الجهر بقراءة صلاة الصبح))، قال الحافظ(١): ليس فيه بيان أن الصلاة حينئذٍ كانت الصبح، ولكن تبيّن ذلك من رواية أخرى عند البخاري من طريق يحيى بن أبي زكريا الغساني عن هشام عن أبيه بلفظ: ((إذا أقيمت الصلاة للصبح فطوفي))، وهكذا أخرجه الإسماعيلي من رواية حسان بن إبراهيم عن هشام. وأمّا ما أخرجه ابن خزيمة من طريق ابن وهب عن مالك وابن لهيعة جميعاً عن أبي الأسود في هذا الحديث، قال فيه: قالت: ((وهو يقرأ في العشاء الآخرة))، فشاذِّ. وأظن سياقه لفظ ابن لهيعة؛ لأن ابن وهب رواه في ((الموطأ)) عن مالك، فلم يعين الصلاة كما رواه أصحاب مالك كلّهم، أخرجه الدارقطني في ((الموطآت)) له، من طرق كثيرة عن مالك، منها: رواية ابن وهب المذكورة، وإذا تقرّر ذلك فابن لهيعة لا يحتجّ به إذا انفرد، فكيف إذا خالف، وعرف بهذا اندفاع الاعتراض الذي حكاه ابن التين عن بعض المالكية، حيث أنكر أن تكون الصلاة المذكورة صلاة الصبح، فقال: ليس في الحديث بيانها، والأَوْلى أن تُحمل على النافلة؛ لأن الطواف يمتنع إذا كان الإمام في صلاة الفريضة، انتهى. قال الحافظ: وهو ردّ للحديث الصحيح بغير حجّة، بل يستفاد من هذا الحديث جواز ما منعه، بل يستفاد من الحديث التفصيل، فنقول: إن كان الطائف بحيث يمر بين يدي المصلّين، فيمتنع، كما قال، وإلا فيجوز، وحال أم سلمة الثاني؛ لأنها طافت من وراء الصفوف، ويستنبط منه أن الجماعة في الفريضة ليست فرضاً على الأعيان، إلا أن يقال: إن أم سلمة كانت شاكية، فهي معذورة، أو الوجوب يختص بالرجال، انتهى. وتقدم حكم الطواف عند المكتوبة قريباً . (١) ((فتح الباري)) (٢٥٤/٢). ٤١٩ ٢٠ - كتاب الحج (٤٠) باب (٨١٦) حديث وَهُوَ يَقْرَأُ بِالْطُورِ وَكِتَابِ مَسْطُورٍ . أخرجه البخاري في: ٨ - كتاب الصلاة، ٧٨ - باب إدخال البعير في المسجد للعلّة. ١٢٤/٨١٦ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ الْمَكِّيِّ؛ أَنَّ أَبَا مَاعِزِ الأَسْلَمِيَّ، عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سُفْيَانَ، أَخْبَرَهُ: أَنَّهُ كَانَ جَالِساً مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، فَجَاءَتْهُ أَمْرَأَةٌ تَسْتَفْتِهِ، فَقَالَتْ: إِنِّي أَقْبَلْتُ أُرِيدُ أَنْ أَطُوفَ بِالْبَيْتِ، حَتَّى إِذَا كُنْتُ بِبَابِ الْمَسْجِدِ، هَرَقْتُ الدِّمَاءَ، (وهو يقرأ بالطور) أي بسورة الطور، وحذفت واو القسم؛ لأنه صار علماً عليها (وكتاب مسطور) وهكذا أخرجه البخاري، وأخرج أيضاً: وهو يقرأ ﴿وَالُطُورِ جَ وَكِنَبٍ تَسْطُورٍ ﴾﴾، زاد هشام في روايته: فلم تصل حتى خرجت أي من المسجد أو الحرم، فدلّ على جواز ركعتي الفجر خارج المسجد أو الحرم، وتقدم الكلام على المسألة قريباً . ١٢٤/٨١٦ - (مالك، عن أبي الزبير المكي) محمد بن مسلم بن تدرس (أن أبا ماعز الأسلمي، عبد الله بن سفيان) ذكره الدولابي في ((الكنى)) بهذا الحديث، ولم يذكر فيه شيئاً، ولم يذكره من صنف في الرجال أو الصحابة، وفي ((التعليق الممجد)) (١): هو من أعيان التابعين. (أخبره أنه كان جالساً مع عبد الله بن عمر) - رضي الله عنهما - (فجاءته امرأة تستفتيه) أي تطلب الفتيا في أمرها (فقالت: إني أقبلت) أي توجهت (أريد أن أطوف بالبيت، حتى إذا كنت عند باب المسجد) في النسخ المصرية ((بباب المسجد)) (هرقت) بفتحتين وبضمّ أوله وكسر ثانيه، وصوب الأول، والهاء بدل من الهمزة يقال: أراق يريق وهراق يهريق، ويجمع بين البدل والمبدل منه، فيقال: أهراق يهريق، ومنه لفظ محمد في ((موطئه)): أهرقت (الدماء) بالنصب جمع دم، وأشارت بالجمع إلى الكثرة. (١) (٣٦٧/٢). ٤٢٠