Indexed OCR Text

Pages 361-380

٢٠ - كتاب الحج
(٣٤) باب
(٨٠٣) حديث
قال الدسوقي: قوله: لفقد شرطه أي طواف القدوم أو نسيانه، وقوله:
ولو تعمد تركه أي ترك طواف القدوم، ومثل ذلك من لا قدوم عليه، كمن
أحرم بالحج من مكة، سواء كان مكياً أو آفاقياً، فإنه يرمل ندباً في طواف
الإفاضة، انتهى.
وفي ((الغنية)): كل طواف بعده سعي، فمن سنّته الاضطباع أو الرمل،
وإلا فلا، فلو كان سعى قبل الزيارة، ولم يرمل لا يرمل فيه، ولو كان رمل
قبله، ولم يسع رمل فيه، انتھی.
والثانية: هل يختص الرمل بالأفقي أو يرمل المكي أيضاً؟ واختلفت نقلة
المذاهب في ذلك، وفي ((المحلى)): اتفقوا على أنه لا رمل على من أحرم
بالحج من مكة من غير أهلها، واختلفوا في أهل مكة، فكان ابن عمر لا يراه
عليهم، وبه قال أحمد، واستحبه مالك والشافعي للمكي، انتهى.
ولا يذهب عليك، أن حكاية الاتفاق ليس على محله، قال الموفق(١):
ليس على أهل مكّة رملٌ، وهو قول ابن عباس وابن عمر - رضي الله عنهما -،
وكان ابن عمر إذا أحرم من مكة لم يرمل، ولأن الرمل إنما شرع في الأصل
لإظهار الجَلَد والقوة لأهل البلد، وهذا المعنى معدوم في أهل البلد، والحكم
فيمن أحرم من مكة حكم أهل مكة، لما ذكرنا عن ابن عمر، ولأنه أحرم من
مكة أشبه أهل البلد. والمتمتع إذا أحرم بالحج من مكة ثم عاد، وقلنا: يشرع
في حقه طواف القدوم لم يرمل فيه، قال أحمد: ليس على أهل مكة رمل عند
البيت، ولا بين الصفا والمروة، انتهى.
وفي ((شرح المنهاج)): يختص الرمل بطواف يعقبه سعي مطلوب أراده،
كطواف معتمر ولو مكياً، أحرم من الحرم، وفي ((مناسك النووي)): المكي
(١) ((المغني)) (٣٧٦/٣).
٣٦١

٢٠ - كتاب الحج
(٣٤) باب
(٨٠٣) حديث
المنشئ حجه من مكة على القولين، الأصح: أنه يرمل لاستعقابه السعي،
والثاني: لا لعدم القدوم، انتهى.
وتقدم مسلك المالكية قريباً أنه مندوب في طواف القدوم، ومن لم يطف
للقدوم يرمل في الإفاضة، كمن أحرم بالحج من مكة، سواء كان مكياً أو
آفاقياً، وأوضح منه ما سيأتي في كلام الباجي، وقال الأبي: يخاطب به المكي
كغيره إلا شيئاً، روي عن ابن عمر - رضي الله عنهما -: أنه لا يخاطب به
المكى، انتهى.
ومذهب الحنفية في ذلك، أنه يسنّ في كل طواف يعقبه السعي، ولا فرق
في ذلك بين المكي والآفاقي، ولذا قال في تمتع ((الهداية)) (١) بعد بيان العمرة:
فإذا كان يوم التروية أحرم بالحج، وفعل ما يفعله الحاجّ المفرد؛ لأنه مؤدّ
للحج، إلا أنه يرمل في طواف الزيارة ويسعى بعده؛ لأن هذا أول طواف له في
الحج، انتهى. فعُلِمَ من هذا كله أن ما في ((المحلى)) من الاتفاق وهم، وإذا
عرفت هاتين الخلافيتين فاعلم أنهم اختلفوا في محمل أثر ابن عمر - رضي الله
عنهما - المذكور، فحملته الحنابلة على نفي الرمل مطلقاً للمكي، كما تقدم في
كلام الموفق، وهو الظاهر، وهو مؤدى كلام ابن المواز.
وحمله الباجي(٢) على نفي الرمل في طواف التطوّع، فقال: قوله: ((كان
لا يرمل إذا طاف حول البيت إذا أحرم من مكّة))، يحتمل أن يريد طواف
التطوع الذي كان يطوفه قبل الخروج إلى عرفة، وأما طواف الإفاضة، فإنه
يتعقب قدومه من الحل، فسنّته الرمل، وهو الذي اختاره مالك، ورواه عنه في
((المدنية)) ابن كنانة وابن نافع، مكياً كان إذا أحرم من مكة أو غير مكي، وتأوّل
(١) (١٥٣/١) ط. بيروت.
(٢) ((المنتقى)) (٢٨٦/٢).
٣٦٢
m

٢٠ - كتاب الحج
(٣٥) باب
(٣٥) باب الاستلام في الطواف
ابن المواز أن ابن عمر - رضي الله عنهما - كان لا يرمل لطواف الإفاضة إذا
أحرم بالحج من مكّة، قال: والرمل أحبّ إلينا، فإن كان الأمر على ما تأوّله،
فهو خلاف مذهب مالك، انتهى.
وهذا كلّه على سياق النسخ التي بأيدينا من رواية يحيى، ولفظ محمد في
((موطئه)): ولا يسعى إلا إذا طاف حول البيت، فلفظ الاستثناء لو صحّ، فلا
إشكال .
(٣٥) الاستلام في الطواف
الاستلام: هو المسح باليد، افتعال من السلام الذي هو التحية، وقيل:
من السلام بالكسر وهو الحجارة، وقال ابن سيده: استلم الحجر واستلئمه
بالهمز أي قبله أو اعتنقه، وليس أصله الهمز، ويقال: استلمت الحجر إذا
لمسته، كما يقال: اكتحلت من الكحل، وفي ((الجامع)): قيل: هو استفعل من
اللأمة وهي الدرع والسلاح، وإنما يلبس اللأمة ليمتنع بها من الأعداء، فكان
هذا إذا لمس الحجر فقد تحصّن من العذاب، كذا في ((العيني))(١)، وفي
((المغني)(٢): مأخوذ من السلام، وهي الحجارة، فإذا مسح الحجر، قيل:
استلم أي مسّ السلام، قاله ابن قتيبة، انتهى.
وفي ((المحلى)): قيل: افتعال من المسالمة، كأنه يفعل ما يفعله المسالم،
وقيل: الاستلام أن يحيي نفسه عند الحجر بالسلام، فإن الحجر لا يحييه، كما
يقال: اختدم، إذا لم يكن له خادم، وقال ابن العراقي: هو مهموز الأصل
مأخوذة من الملائمة، وهي الموافقة، أو من اللأمة وهي الصلاح، وكثّر هذه
الوجوه الزركشي الحنبلي، انتهى.
(١) ((عمدة القاري)) (١٧٨/٧).
(٢) ((المغني)) (٢١٢/٥).
٣٦٣

٢٠ - كتاب الحج
(٣٥) باب
(٨٠٤) حدیث
٨٠٤/ ١١٢ - حدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ؛ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ
رَسُولَ اللَّهِ وَجَّ، كَانَ إِذَا قَضَى طَوَافَهُ بِالْبَيْتِ، وَرَكَعَ الرَّكْعَتَيْنِ، وَأَرَادَ
أَنْ يَخْرُجَ إِلَى الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، اسْتَلَمَ الرُّكْنَ الأَسْوَدَ قَبْلَ أَنْ يَخْرُجُ.
١١٢/٨٠٤ - (مالك، أنه بلغه) قال ابن عبد البر في ((التقصّي))(١): هكذا
الحديث عند رواة ((الموطأ)» عن مالك، ورواه الوليد بن مسلم عن مالك عن
جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر، وهو محفوظ من حديث جابر من طرق
صحاح من رواية مالك وغيره، انتهى.
قلت: ورواه مسلم وأبو داود(٢) وغيرهما في الحديث الطويل عن جابر -
رضي الله عنه - في صفة الحجة النبوية (أن رسول الله وَ ليم كان إذا قضى) أي
أدّى كقوله عزّ اسمه: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَاسِكَكُمْ﴾ وليس بمعنى القضاء المصطلح
للفقهاء مقابل الأداء (طوافه بالبيت) أي الطواف الذي يعقبه السعي (وركع
ركعتين) تحية الطواف (وأراد أن يخرج إلى الصفا والمروة) ليسعى بينهما (استلم
الركن الأسود) وقبله (قبل أن يخرج) من المسجد إلى الصفا.
قال الباجي(٣): يريد الطواف الذي يتعقبه السعي، فإنه إذا أكمله، وأكمل
الركعتين بعده، وصل بذلك الخروج إلى الصفا، فكان إذا أراد فراق البيت عاد
إلى الركن فاستلمه، وذلك أنه يستحب أن يصلّي هاتين الركعتين خلف المقام،
ومن فعل ذلك، فأراد أن يخرج إلى الصفا، فإن طريقه على الحجر الأسود،
فكان ◌َّ يستلمه في خروجه ذلك إلى الصفا، ويحتمل أن يكون شرع ذلك من
أجل أن الركعتين من توابع الطواف، فاستحبّ أن ينفصل عنهما باستلام الحجر
كالطواف، انتهى.
(١) (ص ٢٥٦).
(٢) رواه مسلم (١٤٧) وأبو داود (١٩٠٥).
(٣) ((المنتقى)) (٢٨٦/٢).
٣٦٤

٢٠ - كتاب الحج
(٣٥) باب
(٨٠٥) حديث
١١٣/٨٠٥ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ هِشَام بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ
أَبِيهِ؛ أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ لَه﴿ لِعَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ عَوْفٍ: ((كَيْفَ
صَنَعْتَ يَا أَبَا مُحَمَّدٍ فِي اسْتِلَامِ الرُّكْنِ؟))
وقال الموفق (١): إذا فرغ من الركوع، وأراد الخروج إلى الصفا استحبّ
أن يعود، فيستلم الحجر، نصّ عليه أحمد؛ لأن النبيّ وَّ فعل ذلك، ذكره
جابر في صفة حجّ النبيّ ◌َّ، وكان ابن عمر - رضي الله عنهما - يفعله، وبه
قال النخعي ومالك والثوري والشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي، ولا نعلم فيه
خلافاً، انتهى.
وفي ((الهداية))(٢): ثم يعود إلى الحجر، فيستلمه؛ لما روي أن النبيّ وَل
لما صلّى ركعتين عاد إلى الحجر، والأصل أن كل طواف بعده سعي يعود إلى
الحجر؛ لأن الطواف لما كان يفتتح بالاستلام، فكذا السعي يفتتح به بخلاف
ما إذا لم يكن بعده سعي، انتهى.
١١٣/٨٠٥ - (مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه أنّه قال) مرسل،
وأخرجه ابن عبد البر (٣) موصولاً من طريق أبي نعيم الفضل بن دكين نا الثوري
عن هشام عن أبيه عن عبد الرحمن بن عوف (قال رسول الله وَّ لعبد الرحمن بن
عوف) أحد العشرة المبشّرة (كيف صنعت) اختبار منه وَلّ لأصحابه وأهل العلم
منهم، ليعلم بذلك مقدار علمهم، وحملهم أفعاله وأقواله ◌َّ على وجهها (يا أبا
محمد) كنية عبد الرحمن (في استلام الركن) زاد في النسخ الهندية بعد ذلك:
الأسود، وليس هذا في النسخ المصرية، نعم ذكره في ((التقصي))(٤).
(١) ((المغني)) (٢٣٤/٥).
(٢) (١٣٨/١) ط. بيروت.
(٣) انظر: ((التمهيد)) (٢٦٢/٢٢) و((الاستذكار)) (١٤٨/١٢).
(٤) (ص ١٩٧).
٣٦٥

٢٠ - كتاب الحج
(٣٥) باب
(٨٠٥) حديث
فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمُنِ: اسْتَلَمْتُ، وَتَرَكْتُ. فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ◌َ:
((أُصَبْتَ)).
قال الزرقاني(١): قوله: في استلام الركن، كذا ليحيى وأبي مصعب
وغيرهما لم يقولوا: الأسود، وكذا رواه ابن عيينة وغيره عن هشام، وزاد ابن
القاسم وابن وهب والقعنبي والأكثر: ((الأسود))، وفي رواية الثوري: ((في
استلامك الحجر))، فزعم ابن وضّاح أن يحيى سقط من كتابه الأسود، وأمره
بإلحاقها في كتاب يحيى، وهو مما تسوّر فيه على روايته، وهي صواب توبع
عليها، والأمران جائزان أي إثبات لفظ الأسود وحذفها، انتهى ما في الزرقاني
ملخصاً عن أبي عمر بن عبد البر.
وعُلم أن ما في النسخ الهندية من زيادة لفظ ((الأسود)) ليس بصحيح في
رواية عبيد الله عن يحيى.
(فقال عبد الرحمن: استلمت) مرة (وتركت) أخرى، يريد أنه فعل أمرين،
وهذا يقتضي أنه لم يعتقد في الاستلام، أنه شرط في صحة النسك، وإنما
اعتقده من الفضائل التي يؤجر من فعلها، ولا يأثم من تركها مع اعتقاده أنها
من القرب، وقد قال جميع الفقهاء: من ترك استلام الحجر لا شيء عليه،
واستلامه أفضل، قاله الباجي(٢) ..
وقال الزرقاني(٣): استلمت حين قدرت، وتركت حين عجزت، ففي
رواية سعيد بن منصور من طريق أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبيه: أنه كان
إذا أتى الركن، فوجدهم يزدحمون عليه، استقبله، وكَبَّرَ ودعا ثم طاف، فإذا
وجد خلوة استلمه .
(فقال له رسول الله وَ﴾: أصبت) ففي تصويبه دلالة على أنه لا ينبغي
(١) ((شرح الزرقاني)) (٣٠٤/٢).
(٢) ((المنتقى)) (٢٨٧/٢).
(٣) ((شرح الزرقاني)) (٣٠٤/٢).
٣٦٦

٢٠ - كتاب الحج
(٣٥) باب
(٨٠٦) حدیث
١١٤/٨٠٦ .- وحدّثني عَنْ مَالِكٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ؛ أَنَّ
أَبَاءُ كَانَ إِذَا طَاقَ بِالْبَيْتِ، يَسْتَلِمُ الأَرْكَانَ كُلُّهَا ،
المزاحمة، وقد روى الفاكهي من طرق عن ابن عباس كراهتها، وقال: لا
تؤذي ولا تؤذى، وروى الشافعي وأحمد وغيرهما عن عبد الرحمن بن الحارث
قال: قال ◌َلو لعمر: يا أبا حفص إنك رجل قوي، فلا تُزاحم على الركن،
فإنك تؤذي الضعيف، ولكن إن وجدت خلوة، فاستلمه، وإلا فكبّر وامضٍ،
مرسل جيّد الإسناد.
وفي ((البخاري))(١): سأل رجل ابن عمر - رضي الله عنهما - عن استلام
الحجر، فقال: رأيتُ رسول الله وَلَّ يستلمه ويقبّله، قلت: أرأيت إن زُحِمْتُ؟
أرأيت إن غُلِبْتُ؟ قال: اجعل أرأيت باليمن، رأيت رسول الله وَّه يستلمه
ويقبّله، فظاهره أن ابن عمر - رضي الله عنهما - لم يرَ الزحام عذراً في ترك
الاستلام، وقد روى سعيد بن منصور عن القاسم بن محمد قال: رأيت ابن
عمر - رضي الله عنهما - يزاحم على الركن حتى يدمى، ومن طريق أخرى أنه
قيل له في ذلك فقال: هويت الأفئدة إليه، فأريد أن يكون فؤادي معهم.
وفي ((الروض المربع))(٢): إن شَقّ استلامه وتقبيله لم يزاحم، واستلمه
بيده، انتهى. وفي ((الدر المختار))(٣): واستلمه بلا إيذاء؛ لأنه سنّة، وترك
الإيذاء واجب، قال ابن عابدين: فلا يترك الواجب للسنة، انتهى.
قلت: وكذا شرط في فروع الشافعية والمالكية لسنّية الاستلام عدم
المزاحمة، فلا خلاف فيه بين الأربعة.
١١٤/٨٠٦ - (مالك، عن هشام بن عروة؛ أن أباه) عروة بن الزبير (كان
إذا طاف بالبيت استلم الأركان كلها) وهذا يحتمل أن يكون مذهبه: أنه ليس من
(١) أخرجه البخاري رقم (١٦١١).
(٢) (٥٠١/١).
(٣) (٥٤٣/٢).
٣٦٧

٢٠ - كتاب الحج
(٣٥) باب
(٨٠٦) حديث
البيت شيئاً مهجوراً، كما رواه ابن أبي شيبة عن عباد بن عبد الله بن الزبير: أنه
رأى أباه يستلم الأركان كلّها، وقال: إنه ليس منه شيء مهجوراً، ويروى نحو
ذلك عن معاوية - رضي الله عنه -، حيث أنكر عليه ابن عباس.
ويحتمل أن يكون فعله بعدما أتمَّ ابن الزبير بناء الكعبة، كما حمله عليه
ابن القصّار وتبعه ابن التين، وعلى هذا، فلا خلاف بينه وبين الجمهور. وأما
على الأول، فكان فيه خلاف في السلف، كما تقدم فيما قيل لابن عمر -
رضي الله عنهما -: رأيتك تصنع أربعاً ... الحديث.
وأخرج البخاري في ((صحيحه))(١) عن أبي الشعثاء أنّه قال: ومن يتّقي
شيئاً من البيت وكان معاوية يستلم الأركان، فقال له ابن عباس: إنه لا يُستلم
هذان الركنان، فقال: ليس شيء من البيت مهجوراً.
قال الحافظ(٢): وصله أحمد والترمذي والحاكم عن أبي الطفيل قال:
كنت مع ابن عباس ومعاوية، فكان معاوية لا يمرّ بركن إلا استلمه، فقال ابن
عباس: إن رسول الله وَ﴾ لم يستلم إلا الحجر واليماني، فقال معاوية: ليس
شيء من البيت مهجوراً، زاد أحمد من طريق مجاهد، فقال ابن عباس: ﴿لَّقَدْ
كَانَ لَكُمْ فِ رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةُ حَسَنَةٌ﴾(٣)، فقال معاوية: صدقت، وقد أجاب
الإمام الشافعي - رضي الله عنه - بأنَّا لم ندع استلامهما هجراً للبيت، وكيف
يهجره وهو يطوف به، ولكنّا نتبع السنةَ فعلاً وتركاً، ولو كان ترك استلامهما
هجراً لهما، لكان ترك استلام ما بين الأركان هجراً له، ولا قائل به، انتهى.
وتقدم تحت حديث ابن عمر المذكور ما قال القاضي عياض: اتفق
(١) رقم الحديث (١٦٠٨).
(٢) ((فتح الباري)) (٤٧٣/٣).
(٣) سورة الأحزاب: الآية ٢١.
٣٦٨
--- - -

٢٠ - كتاب الحج
(٣٦) باب
وَكَانَ لَا يَدَعُ الْيَمَانِيَّ، إِلَّا أَنْ يُغْلَبَ عَلَيْهِ.
(٣٦) باب تقبيل الركن الأسود في الاستلام
الفقهاء اليوم على أن الركنين الشاميين لا يستلمان، وإنما كان الخلاف فيه في
العصر الأول بين بعض الصحابة والتابعين، ثم ذهب الخلاف، انتهى.
قال القاري في ((شرح اللباب))(١): أما الركنان الآخران فلا استلام
فيهما، ولا إشارة بهما، بل هما بدعة مكروهة باتفاق الأربعة، انتهى.
(وكان لا يدع) بفتح الدال أي لا يترك الركن (اليماني إلا أن يغلب عليه)
يعني أن محافظته على استلامه كانت أشدّ، فكان لا يترك استلامه بدون العجز
والمشقة، ولعلّ ذلك إنّما كان لعلمه الاتفاق على استلامه، والاختلاف في
استلام الركنين الأخيرين، وأما الحجر الأسود، فلم يذكره؛ لما أن الاهتمام به
كان معلوماً ومعروفاً بين الناس.
(٣٦) تقبيل الركن الأسود في الاستلام
كذا في النسخ الهندية وبعض(٢) المصرية، وفي أكثرها تقبيل الركن
الأسود في الطواف، وقال الحافظ(٣): الاستلام افتعال من السلام بالفتح أي
التحية، قاله الأزهري. وقيل: من السِلام بالكسر أي الحجارة، وقال أيضاً:
الاستلام المسح باليد والتقبيل بالفم، انتهى. وقال أيضاً: في البيت أربعة
أركان، الأول له فضيلتان كون الحجر الأسود فيه، وكونه على قواعد إبراهيم،
وللثاني الثانية فقط، وليس للآخرين شيء منهما، فلذلك يقبل الأول، ويستلم
الثاني فقط، ولا يقبل الآخران ولا يستلمان، هذا على رأي الجمهور،
واستحب بعضهم تقبيل الركن اليماني أيضاً، انتهى.
(١) (ص٦٤).
(٢) كذا في ((الاستذكار)) (١٥٤/١٢).
(٣) ((فتح الباري)) (٤٦٢/٣).
٣٦٩

٢٠ - كتاب الحج
(٣٦) باب
قلت: تقدّم قريباً الإجماع على أن الشاميين لا يستلمان، وبقي الخلاف
في اليمانيين، ما وظيفتهما؟ أمّا الركن الأسود، فيستحب له الجمع بين التقبيل
والاستلام، والروايات في التقبيل متظافرة، وأخرج البخاري في ((صحيحه))
عن ابن عباس: ((طاف النبيّ بَّ في حجة الوداع على بعير، يستلم الركن
بمحجن)) .
قال الحافظ(١): زاد مسلم من حديث أبي الطفيل ((ويقبل المحجن))، وله
من حديث ابن عمر: ((إنه استلم الحجر بيده، ثم قبله))، ورفع ذلك، ولسعيد بن
منصور من طريق عطاء قال: ((رأيت أبا سعيد وأبا هريرة وابن عمر وجابراً إذا
استلموا الحجر قبلوا أيديهم)) قيل: وابن عباس؟ قال: وابن عباس، أحسبه قال
كثيراً، وبهذا قال الجمهور: إن السنة أن يستلم الركن ويقبل يده، فإن لم
يستطع أن يستلمه بيده استلمه بشيء في يده، وقبّل ذلك الشيء، فإن لم يستطع
أشار إليه واكتفى بذلك، وعن مالك في رواية: لا يقبل يده، وكذا القاسم،
وفي رواية عند المالكية: يضع يده على فمه من غير تقبيل، انتهى.
وقال الخرقي: ثم أتى الحجر الأسود إن كان، فاستلمه إن استطاع
وقبّله، وقال الموفق(٢): المستحب لمن دخل المسجد أن لا يعرج على شيء
قبل الطواف، ويبتدأ بالحجر الأسود، فيستلمه، وهو أن يمسحه بيده ويقبّله،
قال أسلم: رأيت عمر بن الخطاب قبّل الحجر، وقال: إني لأعلم أنك حجر،
لا تضرّ ولا تنفع، الحديث متفق عليه(٣). وروى ابن ماجه عن ابن عمر -
رضي الله عنهما - قال: استقبل رسول الله وَلّر الحجر، ثم وضع شفتيه عليه
يبكي طويلاً، ثم التفت، فإذا هو بعمر بن الخطاب يبكي، فقال: يا عمر لههنا
(١) ((فتح الباري)) (٤٧٣/٣).
(٢) ((المغني)) (٢١٢/٥).
(٣) أخرجه البخاري (١٦١٠) ومسلم (١٢٧٠).
٣٧٠

٢٠ - كتاب الحج
(٣٦) باب
تسكب العبرات، وقول الخرقي: إن كان، يعني أن الحجر في موضعه لم
يذهب به، كما ذهب به القرامطة مرة حين ظهروا على مكة، فإذا كان ذلك -
والعياذ بالله - فإنه يقف مقابلاً لمكانه، ويستلم الركن، وإن كان الحجر موجوداً
في موضعه استلمه وقبّله.
ثم قال(١): وإن لم يتمكّن من تقبيل الحجر استلمه وقبّل يده، وممن رأى
تقبيل اليد عند استلامه، ابن عمر، وجابر، وأبو هريرة، وأبو سعيد، وابن
عباس، وسعيد بن جبير، وعطاء، وعروة، وأيوب، والثوري، والشافعي،
وإسحاق. وقال مالك: يضع يده على فيه من غير تقبيل، وروي أيضاً عن
القاسم بن محمد، ولنا، أن النبيّ وَلّر قبل يده أخرجه مسلم، وفعله أصحاب
النبيّ وَّه وتبعهم أهل العلم على ذلك، فلا يعتدّ بمن خالفهم. وإن كان في
يده شيء يمكن أن يستلم الحجر به، استلمه وقبّله؛ لحديث ابن عباس المذكور
عند مسلم، فإن لم يمكنه استلامه أشار إليه وكبّر؛ لما روى البخاري بإسناده
عن ابن عباس قال: ((طاف النبيّ ◌َلَّ على بعير، كلما أتى الركن أشار إليه
وكبّر))، انتهى مختصراً.
وفي ((الروض المربع)) (٢): يحاذي الحجر الأسود بكل بدنه، فيكون مبدأ
طوافه، ويستلمه أي يمسح الحجر بيده اليمنى، ويقبّله ويسجد عليه، فإن شقّ
استلامه وتقبيله لم يزاحم، واستلمه بيده وقبّل يده، فإن شق استلمه بشيء
وقبّله، فإن شق اللمس، أشار إليه بيده أو بشيء، ولا يقبّله، ويسنّ أن يستلم
الحجر والركن اليماني كل مرة عند محاذاتهما .
وقال النووي في ((مناسكه)): يستحبّ أن يستقبل الحجر الأسود بوجهه،
(١) ((المغني)) (٢٢٧/٥).
(٢) (٥٠١/١).
٣٧١

٢٠ - كتاب الحج
(٣٦) باب
ويدنو منه بشرط أن لا يؤذي أحداً بالمزاحمة، فيستلمه، ثم يقبّله من غير
صوت، يظهر في القبلة، ويسجد عليه، ويكرّر التقبيل والسجود عليه ثلاثاً، ثم
يبتدأ الطواف.
قال ابن حجر في ((شرحه)): قوله ((فيستلمه))، أي بيمينه، فإن عجز
فبيساره، أي يمسحه بها، والأكمل أن يبدأ بالاستلام ثلاثاً، ثم التقبيل ثلاثاً،
ثم السجود كذلك، فإن عجز عن التقبيل لزحمة أو غيرها، اقتصر على الاستلام
باليد، فإن عجز فبنحو خشبة فيها، فإن عجز أشار بيده، فإن عجز أشار بما
فيها، ويقبل ما استلم به، أو أشار به من يدٍ أو غيرها، هذا حاصل كلام
((المجموع)) وغيره، وإن خالف ابن جماعة في بعضها، انتهى.
وقال الدردير: وثانيها، أي سنن الطواف تقبيل حجر أسود بفم أول
الطواف، وكذا يسنّ استلام الركن اليماني بيده، ويضعها على فيه من غير تقبيل
أوّله أيضاً، وتقبيل الحجر واستلام اليماني في باقي الأشواط مستحبّ، وفي
الصوت بالتقبيل قولان: بالكراهية والإباحة، وكره مالك السجود وتمريغ الوجه
عليه، وللزحمة لمس بيد إن قدر، ثم عودٍ إن لم يقدر باليد، فلا يكفي العود
مع إمكان اليد، ولا اليد مع إمكان التقبيل، ووضع اليد أو العود على فيه من
غير تقبيل، ثم إن تعذّر العود كبّر فقط من غير إشارة بيده، ولا فرق في هذه
المراتب بين الشوط الأول وغيره، انتهى.
قال الدسوقي(١): قوله: ((تقبيل حجر بفم)) ظاهر إطلاق المصنف أنه سنّة
في كل طواف، سواء كان واجباً أونفلاً، وهو الذي نسبه ابن عرفة للتلقين،
ولنقل اللخمي عن المذهب، وأطلق ابن شاش وابن الحاجب كالمصنف،
وذلك كله خلاف قول ((المدونة)): وليس عليه استلام أي تقبيل الحجر الأسود
(١) ((حاشية الدسوقي مع الشرح الكبير)) (٤٠/٢، ٤١).
٣٧٢

٢٠ - كتاب الحج
(٣٦) باب
في ابتداء طوافه إلا في الطواف الواجب، وقوله: ((بالكراهية والإباحة)) الذي
في ح عن زروق، أن القول بالإباحة رجّحه غير واحد، انتهى.
وفي ((المدونة)): قلت لابن القاسم: أرأيت إن وضع الخدّين والجبهة على
الحجر الأسود؟ قال: أنكره مالك، وقال: هذا بدعة، انتهى.
وفي ((الدر المختار))(١): فاستقبل الحجر، واستلمه بكفّيه وقبّله بلا
صوت، وهل يسجد عليه؟ قيل: نعم بلا إيذاء، فإن لم يقدر يضعهما، ثم
يقبّلهما، أو أحدهما، وإلا يمكن ذلك يمس بالحجر شيئاً في يده ولو عصاً، ثم
قبّله، وإن عجز عن الاستلام والإمساس استقبله مشيراً إليه بباطن كفيه كأنه
واضعهما عليه، وكَبَّرَ وهلَّل وحمد الله تعالى وصلَّى على النبيّ، ثم يقبّل كفّيه،
وكلما مرّ بالحجر فعل ما ذكر.
قال ابن عابدين: قوله: ((وهل يسجد))؟ قيل: نعم جزم به في ((اللباب))،
وقال: إنه مستحب، ويكرّره مع التقبيل ثلاثاً. قال شارحه: وهو موافق لما نقله
الشيخ رشيد الدين في ((شرح الكنز))، وكذا نقل السجود عن أصحابنا العزّ بن
جماعة، لكن قال قوام الدين الكاكي: الأَوْلى أن لا يسجد لعدم الرواية في
(المشاهير))، ثم بسط الاختلاف، ورجح السجود، وفي ((المحلى)): روى
الحاكم وصحّحه عن ابن عباس: أنه كان يقبله ويسجد عليه بجبهته، وقال:
رأيت عمر - رضي الله عنه - يقبّله ثم يسجد عليه، ثم قال: رأيته وَّ يفعل
ذلك، ففعلته، انتهى.
وعُلم مما سبق أنهم اختلفوا لهُهنا في عدة مسائل، الأولى: أن الجمهور
لم يفرقوا في الاستلام بين الطواف الواجب والتطوّع، وبه قال جماعة من
المالكية خلافاً لما في ((المدونة)) من تخصيصهم بالواجب، والثانية: في التقبيل
(١) (٥٤٣/٢).
٣٧٣

٢٠ - كتاب الحج
(٣٦) باب
(٨٠٧) حديث
٨٠٧/ ١١٥ - حدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ،
عَنْ أَبِيهِ؛ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ: وَهُوَ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ، لِلرُّكْنِ
الأَسْوَدِ؛ إِنَّمَا أَنْتَ حَجَرٌ،
بالصوت، أباحه غير واحد من المالكية خلافاً للجمهور، الثالثة: السجدة عليه
مكروه عند مالك، ومختلف عند الحنفية، والمرجح ندب السجود، وبه قال
الشافعي وأحمد. والرابع: تقبيل اليد أو غيره مما استلم به الحجر مندوب عند
الثلاثة خلافاً لمالك، بل يضع عنده اليد على الفم من غير تقبيل، والخامسة:
إن تعذر الاستلام، يكبّر عند مالك بدون الإشارة إليه بشيء، ويشير إليه أيضاً
بدون تقبيل ما أشار به عند أحمد، ويقبّل أيضاً عند الشافعي والحنفية.
١١٥/٨٠٧ - (مالك، عن هشام بن عروة عن أبيه: أن عمر بن الخطاب)
قال ابن عبد البر(١): هذا الحديث مرسل في ((الموطأ)) بلا خلاف، وهو يستند
من وجوه صحاح، منها طريق الزهري عن سالم عن أبيه، وجزم البزار أنه رواه
عن عمر - رضي الله عنه - مسنداً أربعةَ عَشَرَ رجلاً، وأخرجه البخاري ومسلم
بعدة طرق عن عمر - رضي الله عنه - (قال: وهو) أي عمر (يطوف بالبيت)
فقال مخاطباً (للركن الأسود) ليسمع الناس (إنما أنت حجر) زاد في النسخ
الهندية بعد ذلك: ((لا تضرّ ولا تنفع)) وليس هذا في النسخ المصرية.
وفي ((الصحيحين)): ((أما والله إني أعلم أنك لحجر لا تضرّ ولا تنفع))،
الحديث. يريد أن ينفي عنه ظنّ من يظن أن تعظيم النبيّ وَّ وأمته إنما كان
على حسب تعظيم الجاهلية الأوثان لاعتقادهم، أنها آلهة، وأنها تضر وتنفع،
فأراد عمر - رضي الله عنه - أن يعلم الناس أن تعظيمه للحجر إنما كان لتعظيم
النبيّ وَلّ طاعة لله وإفراداً له بالعبادة، على حسب ما أمرنا بتعظيم البيت،
وعلى حسب ما أمر الملائكة أن يسجدوا لآدم عبادةً لله، لا على أن آدم معبود
بذلك، وأنه يضرّ وينفع.
(١) انظر ((الاستذكار)) (١٥٥/١٢)، و((التمهيد)) (٢٥٦/٢٢، ٢٥٧).
٣٧٤

٢٠ - كتاب الحج
(٣٦) باب
(٨٠٧) حدیث
وَلَوْلَا أَنَّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﴾ قَبَّلَكَ، مَا قَبَلْتُكَ، ثُمَّ قَبَّلَهُ.
أخرجه البخاريّ موصولاً في: ٢٥ - كتاب الحج، ٥٠ - باب ما ذكر في
الحجر الأسود.
ومسلم في: ١٥ - كتاب الحج، ٤١ - باب استحباب تقبيل الحجر الأسود في
الطواف، حديث ٢٤٨.
(ولولا أني رأيت رسول الله قال: قبلك ما قبلتك، ثم قبله) عمر - رضي الله
عنه -، أفاد أن تقبيله وتعظيمه ليس لذاته، ولا لمعنى فيه، وإنما هو لما أن
النبيّ وَّل شرع ذلك طاعة الله تعالى، ومعلوم أن متابعته وَ لّ فيما لا يختصّ به
مأمورة، وإن لم يعقل معناها، وأشاع عمر - رضي الله عنه - هذا في الموسم،
ليشتهر في البلدان، - ويحفظه أهل الموسم - المختلفة لئلا يغترّ بعض قريبي
العهد بالإسلام الذين ألفوا عبادة الأحجار.
قال الحافظ (١): وروى الحاكم من حديث أبي سعيد: أن عمر - رضي الله
عنه - لما قال هذا، قال له عليّ - رضيّ الله عنه -: إنه يضرّ وينفع، وذكر أن الله
تعالى لما أخذ المواثيق على ولد آدم، كتب ذلك في رقّ، وألقمه الحجر،
قال: وقد سمعت رسول الله والله يقول: يؤتى يوم القيامة بالحجر الأسود، وله
لسان ذلق يشهد لمن استلمه بالتوحيد، وفي إسناده أبو هارون العبدي، وهو
ضعيف جداً.
وفي ((المحلى)): زاد ابن أبي شيبة، والحاكم في هذا الحديث أنه قال
عليّ لعمر: بلى يا أمير المؤمنين! يضرّ وينفع، ولو علمتَ تأويل ذلك من
كتاب الله لقلتَ كما أقول: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ﴾، فذكر الحديث بأطول مما ذكره
الحافظ، وفي آخره، فقال له عمر: ما ألقاني الله بأرض لستُ بها يا أبا
الحسن، قال: ليس هذا على شرطهما، فإنهما لم يحتجّا بأبي هارون. وقال
الذهبي في ((مختصره)) في العبدي: إنه ساقط، انتهى.
(١) ((فتح الباري)) (٤٦٢/٣).
٣٧٥

٢٠ - كتاب الحج
(٣٦) باب
(٨٠٧) حديث
قَالَ مَالِكٌ: سَمِعْتُ بَعْضَ أَهْلِ الْعِلْمِ يَسْتَحِبُّ إِذَا رَفَعَ الَّذِي
يَطُوفُ بِالْبَيْتِ يَدَهُ عَنْ الرُّكْنِ الْيَمَانِيِّ، أَنْ يَضَعَهَا عَلَى فِيهِ.
وقال: قال المهلب: حديث عمر - رضي الله عنه - هذا يرد على من
قال: إن الحجر يمين الله في الأرض يصافح بها عباده، ومعاذ الله أن يكون لله
جارحة، وإنما شرع تقبيله اختباراً ليعلم بالمشاهدة طاعة من يطيع، وذلك شبيه
بقصّة إبليس، حيث أمر بالسجود لآدم؛ وقال الخطابي: معنى يمين الله أن من
صافحه كان له عند الله عهد، وجرت العادة بأن العهد يعقده الملك بالمصافحة
لمن يريد موالاته والاختصاص به، فخاطبهم بما يعهدونه. وقال المحب
الطبري: معناه أن كل ملك إذا قدم عليه الوافد قبّل يمينه، فلما كان الحاجّ أول
ما يقدم يسنّ له تقبيله نزل منزلة يمين الملك، ولله المثل الأعلى.
(قال مالك: سمعت بعض أهل العلم يستحب إذا رفع الذي يطوف بالبيت
يده عن الركن اليماني) أي بعد مسحه إياه للاستلام بيده (أن يضعها على فيه)
هكذا قال يحيى وابن وهب وابن القاسم وابن بكير وأبو مصعب وجماعة:
الركن اليماني، زاد ابن وهب: ((من غير تقبيل))، فعجب من ابن وضّاح، وقد
روى ((موطأ)) ابن القاسم وابن وهب، وهي بأيدي أهل بلادنا في الشهرة كرواية
يحيى، وفيهما جميعاً ((اليماني))، كيف أنكره على يحيى، وأمره بطرحه، ولكن
الغلط لا يسلم منه أحد، وكأنه رأى رواية القعنبي، ومن تابعه على قوله:
الركن الأسود، فأنكر اليماني على أن ابن وضاح لم يروِ ((موطأ القعنبي))، فهذا
مما تسوّر فيه على رواية يحيى، وهي صواب، قاله أبو عمر، هكذا في
(١)
الزرقاني(١).
وحاصله: أن رواة ((الموطأ)) مختلفة في ذكر هذا القول، فذكره يحيى
وجماعة بلفظ ((الركن اليماني))، وذكره القعنبي ومن وافقه بلفظ ((الركن
(١) (٣٠٦/٢).
٣٧٦

٢٠ - كتاب الحج
(٣٦) باب
(٨٠٧) حدیث
الأسود))، وأنكر ابن الوضاح على يحيى لفظ ((اليماني))، وأمر بطرحه، وتعقّبه
ابن عبد البرّ، وصَوَّب رواية يحيى، وعُلِم منه أيضاً أن ما في النسخ الهندية من
قوله: ((من غير تقبيل))، وليس هذا في النسخ المصرية مختصّ برواية ابن وهب
دون غيره .
وأما مسالك الأئمّة في ذلك، فقد قال صاحب ((المحلى))، بعد قول مالك
المذكور: وبه أخذ مالك وأحمد أنه يستلمه، ولا يقبل اليد بعد استلامه، وقال
الشافعي: يقبّل اليد بعده، وقال أبو حنيفة: لا يستلمه، ذكره النووي.
والمعروف في الهداية وغيره: أن استلام الركن اليماني حسن في ظاهر الرواية،
وعن محمد: أنه سنّة، انتهى.
وقال الباجي(١): وقد روى سالم عن أبيه أنّه قال: لم أرَ رسول الله وَل
يمسح من البيت إلا الركنين اليمانيين، وظاهر المسح باليد: الوضع على
الممسوح، وكان مالك ومن روى عنه: يستحب أن يضعها على فيه؛ لأن معنى
الاستلام عائد إلى الفم، فلما روى المسح في الركنين، ولم يرو التقبيل إلا في
الحجر الأسود، استحبّ في اليماني أن يضع يده على فيه بعد المسح، وروي
في كتاب ابن المواز عن مالك: أنه كان يرى تقبيل اليد بعد مسح الركن
اليماني، وقال محمد: ليس بشيء، وقال: لم ير مالك تقبيل اليد فيه ولا في
الأسود، ولعلّه قال أولاً التقبيل، ثم رجع عنه، أو رجع إليه محمد، انتهى.
وتقدم في كلام الدردير(٢): يسنّ استلام الركن اليماني بيده، ويضعها
على فيه من غير تقبيل أول الطواف، وفي باقي الأشواط مستحب.
وفي ((المغني)): إذا وصل إلى الركن اليماني استلمه، وقال الخرقي:
(١) ((المنتقى)) (٢٨٨/٢).
(٢) انظر («المغني)) (٢٢٦/٥).
٣٧٧

٢٠ - كتاب الحج
(٣٦) باب
(٨٠٧) حدیث
ويقبله، والصحيح عن أحمد: أنه لا يقبّله، وهو قول أكثر أهل العلم. وحكي
عن أبي حنيفة. أنه لا يستلمه. قال ابن عبد البر: جائز عند أهل العلم أن
يستلم الركن اليماني والركن الأسود، لا يختلفون في شيء من ذلك، وإنما
الذي فرّقوا به بينهما التقبيل، فرأوا تقبيل الأسود، ولم يروا تقبيل اليماني،
وأمّا استلامهما فأمر مجمع عليه. وقد روى مجاهد عن ابن عباس قال: ((رأيت
رسول الله نَّ إذا استلم الركن قبّله، ووضع خدّه الأيمن عليه))، قال: وهذا لا
يصح، وإنما يعرف التقبيل في الحجر الأسود وحده، وقد روى ابن عمر -
رضي الله عنهما -: ((أن رسول الله ◌َ ر كان لا يستلم إلا الحجر والركن
اليماني))، ولأن الركن اليماني مبنيّ على قواعد إبراهيم عليه السلام، فيسنّ
◌َيَّةِ فلا يسنّ،
استلامه، كالذي فيه الحجر، وأما تقبيله فلم يصح عن النبيّ
انتھی .
ولم يذكر الموفق الإشارة إلى الركن اليماني عند العجز، وذكره في
((الروض المربع)) (١)، فقال: ويستلم الحجر والركن اليماني في كل مرة، فإن
شقّ استلامهما أشار إليهما، انتهى.
وقال النووي في ((مناسكه)): ويستحب استلام الحجر وتقبيله، واستلام
اليماني وتقبيل اليد بعده عند محاذاتهما في كل طوفة، وهو في الأوتار آكد،
فإن منعته زحمة من التقبيل اقتصر على الاستلام، قال ابن حجر: أي وقَبَّل ما
استلم به، وهل الركن اليماني كذلك، فيستلمه باليد، ثم بما فيها أو يتخيّر؟
ظاهر كلامهم الأول، لكن ظاهر كلام ((التهذيب)» ترجيح الثاني، ويمكن حمله
على أصل السنة، وواضح أن تقبيل ما استلم به اليماني لا يتوقف على العجز
عن تقبيله؛ لأنه غير مشروع بخلاف تقبيل الحجر، انتهى.
(١) (١/ ٥٠٢).
٣٧٨

٢٠ - كتاب الحج
(٣٧) باب
(٣٧) باب ركعتا الطواف
وقال القاري في ((شرح اللباب)) (١): ويستحب استلام الركن اليماني في
شوط، والمراد بالاستلام لههنا لمسه بكفّيه أو يمينه، دون يساره، كما يفعله
بعض الجهلة والمتكبّرة من دون تقبيل والسجود عليه، ثم عند العجز عن اللمس
للزحمة ليس فيه النيابة عنه بالإشارة، وهذا الذي ذكرناه حسنٌ في ظاهر
الرواية، كما في رواية ((الكافي)) و((الهداية)) وغيرهما من كتب الرواية، وقال
الكرماني: هو الصحيح، وذكر الطرابلسي وغيره عن محمد: أن الركن اليماني
في الاستلام والتقبيل كالحجر الأسود، وقال في ((النخبة)): هو ضعيف جداً.
وفي ((البدائع)): لا خلاف في أن تقبيله ليس بسنّة، وفي ((السراجية)): ولا
يقبّله في أصح الأقاويل، وذكر الكرماني عن محمد: أنه يستلمه ويقبّل يديه ولا
يقبّله، والحاصل أن الأصح الاكتفاء بالاستلام، والجمهور على عدم التقبيل
والاتفاق على ترك السجود، فإذا عجز عن استلامه، فلا يشير إليه إلا على
رواية عن محمد، انتهى.
(٣٧) ركعتا الطواف
سنّة مؤكدة غير واجبة عند أحمد، وبه قال مالك، وللشافعي قولان،
أحدهما: أنهما واجبتان كذا في ((المغني))(٢)، وفيه أيضاً إذا صلّى المكتوبة بعد
طوافه أجزأته عن ركعتي الطواف، روي نحو ذلك عن ابن عباس وعطاء وجابر
والحسن وسعيد بن جبير وإسحاق. وعن أحمد أنه يصلّي ركعتي الطواف بعد
المكتوبة، قال أبو بكر عبد العزيز: هو أقيس، وبه قال الزهري ومالك
وأصحاب الرأي؛ لأنه سنّة، فلم تجز عنهما المكتوبة كركعتي الفجر، انتهى.
(١) (ص٦٤).
(٢) ((المغني)) (٢٣٣/٥).
٣٧٩

٢٠ - كتاب الحج
(٣٧) باب
وفي ((الروض المربع)) (١): ثم إذا أتمّ طوافه يصلّي ركعتين نَفلاً وتجزئ
مكتوبة عنهما، انتهى. وفي ((المحلى)): سنة مؤكدة على أصح القولين من
الشافعية، وهو مذهب الحنابلة ، وأوجبهما الحنفية والمالكية، لكن قال
الحنفية(٢): لا تجبران بدم، وهو القول الآخر للشافعي، ويجزئ عنهما
المكتوبة عند الشافعي وأحمد، ولا تجزئ عند المالكية، انتهى.
وقال النووي في ((مناسكه)): هما سنّة مؤكدة على الأصح، وفي قولٍ:
هما واجبتان، وسواء قلنا: واجبتان أو سنتان، فليسا ركناً في الطواف ولا
شرطاً لصحته، بل يصح بدونهما، ولا يجبر تأخيرهما ولا تركهما بدم وغيره،
لكن قال الشافعي: يستحب إذا أخّرهما أن يريق دماً، وإذا قلنا: إنهما سنّة،
فصلّى فريضة بعد الطواف أجزأ عنهما، كتحية المسجد، نصّ عليه الشافعي -
رحمه الله - في القديم، انتهى.
وبسط ابن حجر في ((شرحه)) اختلافهم في الإجزاء وعدمه، وقال
الدردير: وفي سنّية ركعتي الطواف الواجب وغيره ووجوبهما مطلقاً تردّد،
والمشهور: وجوبهما في الواجب والتردّد في غيره مستوٍ، انتهى. قال
الدسوقي(٣): قوله: تردد، الأول اختاره عبد الوهاب، والثاني اختاره الباجي،
وقال سند: إنه المذهب، وهناك قول آخر للأبهري: إنهما واجب بعد الطواف
الواجب، وسنّة بعد غير الواجب، واختاره ابن رشد، واقتصر عليه ابن بشير في
((التنبيه))، قال ح: وهو الظاهر، وأمّا ما حكاه الشارح من المشهور فهو اختيار
لعج، فقد علمت مما قلنا: إن المقالات أربعة، انتهى.
(١) (٥٠٤/١).
(٢) انظر: ((شرح اللباب)) (ص٧٦).
(٣) ((حاشية الدسوقي)) (٤٢/٢).
٣٨٠