Indexed OCR Text
Pages 241-260
٢٠ - كتاب الحج (٣١) باب والسادس: اختلافهم في العاجز عن الهدي، قال الموفق(١): المحصر إذا عجز عن الهدي انتقل إلى صوم عشرة أيام ثم حلّ، وبهذا قال الشافعي في أحد قوليه، وقال مالك وأبو حنيفة: ليس له بدل؛ لأنه لم يذكر في القرآن، ولنا، أنه دم واجب للإحرام، فكان له بدل كدم التمتع، وترك النص عليه لا يمنع قياسه على غيره في ذلك، ويتعين الانتقال إلى صيام عشرة أيام، كبدل هدي التمتع، وليس له أن يتحلل إلا بعد الصيام، كما لا يتحلل واجد الهدي إلا بنحره، انتهى. وفي ((الروض المربع))(٢): فإن فقد الهدي صام عشرة أيام بنية التحلل ثم حل، ولا إطعام في الإحصار، انتهى. قلت: وما حكى الموفق من موافقة الشافعي رحمه الله ليس بصحيح، فإن الانتقال عنده من الهدي إلى الطعام ثم إلى الصيام، قال النووي في ((مناسكه)): ولا يعدل عن الشاة - أي الهدي مطلقاً - إلى بدلها إن وجدها، فإن لم يجد فالأصح أنه يأتي ببدلها، وهو إخراج طعام بقيمتها، فإن عجز صام عن كل مد يوماً، انتهى. وفي ((شرح الإقناع)) (٣): ويهدي المحصر إذا أراد التحلل شاة، أو ما يقوم مقامها من بدنة أو بقرة أو سُبُع إحداهما، فإن فقد الدم حساً كأن لم يجد ثمنه، أو شرعاً كأن احتاج إلى ثمنه أو وجده غالباً، فالأظهر أن له بدلاً قياساً على دم التمتع وغيره، والبدل طعام بقيمة الشاة، فإن عجز عن الطعام صام حيث شاء عن كل مد يوماً، قياساً على الدم الواجب بترك المأمور به، انتهى. (١) ((المغني)) (٢٠٠/٥). (٢) (٥٢٧/١). (٣) ((شرح الإقناع)) (٤٦٧/٢، ٤٦٨). ٢٤١ ٢٠ - كتاب الحج (٣١) باب قال البجيرمي: قوله: فالأظهر، مقابله أنه لا بدل له، بل يستقر في ذمته إلى أن يقدر، انتهى. وفي ((البناية)): المذهب عندنا أن الهدي ليس له بدل، والأصح عند الشافعي أن له بدلاً، وفيه ثلاثة أقوال: الأول؛ إطعام فدية الأذى، وفي الصيام ثلاثة أقوال: أحدها: صوم التمتع، والثاني: صوم الحلق، والثالث: صوم التعديل، ذكره محب الدين الطبري في ((مناسكه))، انتهى. وقال ابن حزم في ((المحلى)): لا يعوض من هذا الهدي صوم ولا غيره، فمن لم يجد الهدي، فهو عليه دين حتى يجده، انتهى. وهذا الخلاف لا يجري على مذهب مالك، لما قد عرفت أن الهدي ليس بواجب عنده فضلاً عن بدله. وأما عند الحنفية ففي ((شرح اللباب))(١): إن عجز المحصر عن الهدي؛ بأن لم يجد عينه، أو لا يجد ثمنه، أو من يبعث بيده بقي محرماً حتى يجده، فيتحلل به، أو يذهب إلى مكة، فيحل بأفعال العمرة كالفائت. أما إن استمر لا يقدر على وصول مكة، ولا على الهدي بقي محرماً أبداً، لا يحل بالصوم ولا بالصدقة، وليسا ببدل عن هدي المحصر عند أبي حنيفة ومحمد، وهذا هو المذهب المعروف، وهو ظاهر قول أبي يوسف، وروي عنه أنه إن لم يجد هدياً، قُوَّمَ الهديُ طعاماً، فيتصدق على كل مسكين نصف صاع، وإن لم يكن عنده طعام، صام لكل نصف صاع يوماً، فيتحلل به، انتهى . قال الجصاص(٢): اختلف أهل العلم في المحصر لا يجد هدياً، فقال أصحابنا: لا يحل حتى يجد هدياً، فيذبح عنه، وقال عطاء: يصوم عشرة أيام، (١) (ص٢٣٩). (٢) ((أحكام القرآن)) (١/ ٢٨٠). ٢٤٢ -- ٢٠ - كتاب الحج (٣١) باب ويحل كالمتمتع إذا لم يجد هدياً، وللشافعي فيه قولان: أحدهما: أنه لا يحل أبداً إلا بهدي، والآخر: إذا لم يقدر على شيء حلّ وأَهَرَاقَ دماً إذا قدر عليه، وقيل: إذا لم يقدر أجزأ، وعليه الطعام أو صيام إذا لم يجد. قال أبو بكر: واحتج محمد لذلك، بأن هدي المتعة منصوص عليه، وكذلك حكم التمتع منصوص عليه، والمنصوصات لا يقاس بعضها على بعض، ووجه آخر أنه غير جائز إثبات الكفارات بالقياس، فلما كان الدم مذكوراً للمحصر، لم يجز لنا إثبات شيء غيره قياساً؛ لأن ذلك دم جناية على وجه الكفارة، وأيضاً فإن فيه ترك المنصوص عليه بعينه؛ لأنه تعالى قال: ﴿وَلَا تَخَلِقُواْ رُءُوسَكُمْ حَى بَلْغَ الْمَدْىُ ◌َحِلَّمْ﴾(١) فمن أباح له الحلق قبل بلوغ الهدي محله، فقد خالف النص، ولا يجوز ترك النص بالقياس، انتهى. والسابع: فيمن أحصر عن البيت بعدما وقف بعرفة، قال الموفق(٢): إن أحصر عن البيت بعد الوقوف بعرفة، فله التحلل؛ لأن الحصر يفيده التحلل من جميعه، فأفاد التحلل من بعضه، وإن كان ما حصر عنه ليس من أركان الحج كالرمي وطواف الوداع والمبيت بمزدلفة أو بمنى في لياليها، فليس له التحلل؛ لأن صحة الحج لا تقف على ذلك، ويكون عليه دم لتركه ذلك، وحجه صحيح، كما لو تركه من غير حصر، وإن أحصر عن طواف الإفاضة بعد رمي الجمرة، فليس له أن يتحلل أيضاً؛ لأن إحرامه إنما هو عن النساء، والشرع إنما ورد بالتحلل من الإحرام التام الذي يحرم جميع محظوراته، فلا يثبت بما ليس مثله، انتهى. وهكذا في ((الشرح الكبير)) لابن قدامة. وفي ((الروض المربع)) (٣): إن حصر عن طواف الإفاضة فقط، لم يتحلل (١) سورة البقرة: الآية ١٩٦. (٢) («المغني)) (١٩٩/٥). (٣) (٥٢٨/١). ٢٤٣ ٢٠ - كتاب الحج (٣١) باب حتى يطوف، وإن حصر عن واجب لم يتحلل، وعليه دم، انتهى. وقال النووي في ((مناسكه)): لا فرق في جواز التحلل بالإحصار بين أن يتفق ذلك قبل الوقوف أو بعده، ولا بين الإحصار عن البيت فقط، أو عن الوقوف أو عنهما، فإذا تحلل بالإحصار الواقع بعد الوقوف، فلا قضاء عليه على المذهب الصحيح، كما قبل الوقوف، انتهى. قال ابن حجر في ((شرحه)): ويستثنى مما ذكر المحصر عن الوقوف فقط، فإنه يمتنع عليه تحلل المحصر، بل يجب عليه دخول مكة، والتحلل بعمل عمرة، ولا قضاء عليه، انتهى. وفي ((روضة المحتاجين)): وكذا أي لا يجوز لهم التحلل، لو منعوا عن غير الأركان، كالرمي والمبيت؛ لأنهم متمكنون من التحلل بالطواف والحلق، ويقع حجهم مجزياً عن حجة الإسلام، ويجبر الرمي والمبيت بالدم، وإن منعوا عن عرفة دون مكة، وجب عليهم أن يدخلوا ويتحللوا بعمل عمرة، وإن منعوا من مكة دون عرفة، وقفوا ثم تحللوا، ولا قضاء فيهما في الأظهر، انتهى. وقال الدردير(١): إن وقف بعرفة، وحُصِرَ عن البيت لمرضٍ أو عدو أو حُبِسَ، فحجه تَمَّ؛ لأن الحج عرفة، فالمراد أنه أدركه إذ الركن الذي يفوت الحج بفوات وقته قد فعل، ولم يبق عليه إلا الإفاضة التي يصح الإتيان بها في أي وقت من الزمان، فيبقى محرماً ولو أقام سنين، ولا يحل إلا بطواف الإفاضة، وعليه للرمي ومبيت منى، ونزول مزدلفة لحصره هدي واحد، كنسيان الجميع، بل ولو تعمد تركها فهدي واحد عند ابن القاسم، وفي ((هامشه)): قال أشهب: يتعدد الهدي بتعدد ذلك، انتهى. قلت: قوله: يبقى محرماً، ولا يحل إلا بالإفاضة يخالفه ما سيأتي في شرح قول مالك من كلام الباجي، فتأمل. (١) ((حاشية الدسوقي)) (٩٥/٢). ٢٤٤ ٢٠ - كتاب الحج (٣١) باب وفي ((الهداية)): من وقف بعرفة، ثم أحصر لا يكون محصراً؛ لوقوع الأمن عن الفوات، قال ابن الهمام(١): أي بتحقق الفعل، فلا يرد النقض بالعمرة، فإن الأمن من الفوات متحقق فيها مع تحقق الإحصار بها؛ لأن المراد ههنا أنه قد وقع الفعل، بحيث لا يتصور بعده فساد ولا فوات، وسقط به الفرض إذا انضم إليه الطواف في أي وقت اتفق من عمره، بخلاف معنى عدم الفوات في العمرة، فلم يصدق عليه معنى الإحصار عن الحج، فإن معناه المنع عن أفعاله، وهذا قد فعل ما له حكم الكل، فلم يلزم امتداد الإحرام الموجب للحرج؛ لأنه متمكن من الإحلال بالحلق يوم النحر عن كل محظور سوى النساء، انتهى. الثامن: فيمن يتمكن من البيت ويصدّ عن عرفة، فله أن يفسخ نية الحج، ويجعله عمرة، ولا هدي عليه؛ لأننا أبحنا له ذلك من غير حصر، فمع الحصر أولى، كذا في ((المغني))(٢). وهذا مبني على أن فسخ إحرام الحج إلى العمرة جائز عند أحمد خلافاً للجمهور، وأما في مسألة الحصر، فيتحلل بأعمال العمرة عند الشافعية أيضاً، كما تقدم في الفرع السابع في كلام ابن حجر، وكذلك عند المالكية والحنفية . قال الدردير(٣): وإن تمكن من البيت، وحُصر عن عرفة، أو فاته الوقوف بغير العدو، لم يحل إلا بفعل عمرة بلا تجديد إحرام، وخرج وجوباً للحل، ويلبي منه من غير إنشاء إحرام، إن أحرم بحجه أولاً بحرم، أو أردف الحج فيه ليجمع في إحرامه لتحلله بين الحل والحرم، انتهى. (١) ((فتح القدير)) (٥٨/٣). (٢) (١٩٩/٥). (٣) ((الشرح الكبير)) (٩٥/٢). ٢٤٥ ٢٠ - كتاب الحج (٣١) باب وفي ((شرح اللباب))(١): إن قدر المحرم بالحج على الطواف أو الوقوف، فليس بمحصر في ظاهر الرواية؛ لأنه إن منع عن الطواف فقط، وقف ويؤخر الطواف، ويبقى محرماً في حق النساء، وإن منع عن الوقوف فقط، يكون في معنى فائت الحج، فيتحلل بعد فوت الوقوف عن إحرامه بأفعال العمرة، ولا دم عليه ولا عمرة في القضاء، وقيل: في هذه المسألة خلاف بين الإمام وأبي يوسف إلى آخر ما بسطه، وسيأتي بيان الخلاف في الباب الآتي. والتاسع: هل يلزم على المحصر عند التحلل الحلق أو التقصير أيضاً أم لا؟ قال الموفق(٢): هل يلزمه الحلق أم التقصير مع ذبح الهدي أو الصيام؟ ظاهر كلام الخرقي؛ أنه لا يلزمه؛ لأنه لم يذكره، وهو إحدى الروايتين عن أحمد؛ لأن الله تعالى ذكر الهدي وحده، ولم يشترط سواه، والثانية: عليه الحلق أو التقصير؛ لأنه ◌َلّ حلق يوم الحديبية. وفعله في النسك دال على الوجوب، ولعل هذا يبني على أن الحِلَاق نسك، أو إطلاق محظور على ما يذكر في موضعه، ولا يتحلل إلا بالنية، فيحصل الحل بشيئين: النحر أو الصوم والنية، إن قلنا: الحِلَاق ليس بنُسك، وإن قلنا: هو نسك حصل بثلاثة أشياء الحلاق مع ما ذكرنا، انتهى. قلت: ولم يذكر الحلق في ((دليل الطالب)) ولا (زاد المستقنع))، وقال صاحب ((الروض)) في ((شرحه)): ظاهر كلامه كالخرقي وغيره عدم وجوب الحلق أو التقصير، وقدمه في ((المحرر)) و ((شرح ابن رزين))، وقال النووي في ((مناسكه)): اعلم أن التحلل يحصل بثلاثة أشياء؛ ذبح، ونية التحلل بذبحها، والحلق، إذا قلنا بالأصح: إنه نسك. انتهى. (١) (ص٢٣٢). (٢) («المغني)) (٢٠١/٥). --- ------- ٢٤٦ ... - ٢٠ - كتاب الحج (٣١) باب وفي ((شرح المنهاج)): إنما يحصل التحلل بالذبح ونية التحلل. وكذا الحلق إن جعلناه نسكاً وهو المشهور، انتهى. وفي ((مختصر الخليل)): له التحلل بنحر هديه وحلقه، قال الدردير: ولا بد من نية التحلل بل هي كافية، قال الدسوقي(١): قوله: ((بل هي كافية)) أي وحدها، ولا يشترط انضمام حلق أو هدي لها، خلافاً لظاهر المصنف من أن التحلل لا يحصل إلا بنحر هديه وحلق رأسه، وليس كذلك، بل الحلق والنحر سنة، وليسا شرطاً، فقصد الشارح بقوله: بل هي كافية، التورك على المصنف، انتهى. وفي ((غنية الناسك)): وبذبحه يحل بلا حلق وتقصير، إلا أنه لو حلق أو قصر، فحسن، كما فعل النبي ◌ُّ وأصحابه عام الحديبية ليعرف استحكام عزيمته على الانصراف، ويأمن المشركون منهم، فلا يشتغلون بمكيدة أخرى، هذا عندهما، وعليه المتون، وهو ظاهر الرواية عن أبي يوسف، فما في ((اللباب))(٢): أنه بمجرد الذبح لا يخرج من الإحرام حتى يتحلل بفعل أدنى ما يحظره الإحرام، ولو بغير حلق مخالفٌ، لما ذكروا مع أنه لا تظهر له ثمرة، فتأمل ((رد المحتار))(٣)، انتهى. قلت: ومال الطحاوي إلى وجوب الحلق، كما ذكره القاري في ((شرح اللباب))، وذكر أيضاً عن أبي يوسف ثلاث روايات. وقال الجصاص(٤): اختلفوا في المحصر هل عليه حلق أم لا؟ فقال أبو حنيفة ومحمد: لا حلق عليه، وقال أبو يوسف في إحدى الروايتين: يحلق، فإن لم يحلق، فلا شيء عليه، وروي عنه أنه لا بد من الحلق، ولم يختلفوا في المرأة تحرم تطوعاً بغير إذن زوجها، والعبد يحرم بغير إذن مولاه، أن للزوج (١) ((حاشية الدسوقي)) (٩٤/٢). (٢) انظر: ((شرح اللباب)) (ص٢٤١). (٣) (٦٥١/٢). (٤) ((أحكام القرآن)) (٢٧٥/١). ٢٤٧ ٢٠ - كتاب الحج (٣١) باب ------- والمولى أن يحللاهما بغير حلق ولا تقصير، وذلك بأن يفعل بهما أو في ما يحظره الإحرام، وهذا يدل على أن الحلق غير واجب على المحصر؛ لأن هذين بمنزلة المحصر. ويدل على ذلك أيضاً قول النبي وَّ لعائشة - رضي الله عنها - حين أمرها برفض العمرة قبل استيعاب أفعالها: ((انقضي رأسك، وامتشطي، ودعي العمرة))، فلم يأمرها بالحلق ولا بالتقصير حين لم تستوعب أفعال العمرة، فدل ذلك على أن من جاز له الإحلال من إحرامه قبل قضاء المناسك، فليس عليه الإحلال بالحلق، وانتهى. وفي ((البحر العميق)) بعدما حكى خلاف أبي يوسف: وقال الجصاص: إنما لا يجب الحلق عندهما إذا أحصر في الحل؛ لأن الحلق يختص بالحرم، وأما إذا أحصر في الحرم يجب الحلق عندهما، وعليه حمل حلقه الآن بالحديبية. وأيضاً بأنه محمول على الاستحباب؛ لأنهم كانوا يمتنعون عن التحلل طمعاً في دخول مكة، ويرون التحلل بالحلق، فقطع بالأمر به أطماعهم تسليماً لأمر الله تعالى. العاشر: اختلفوا هل للاشتراط عند الإحرام تأثير في التحلل عن الإحصار أم لا؟ فقالت الحنفية ومالك: لا تأثير له، وقال الشافعي وأحمد: له تأثير في الجملة . قال الدردير: لا يفيد المحرم لمرض أو غيره، كعدو أو حبس نية التحلل من الإحرام، قال الدسوقي (١): حاصله أن الإنسان إذا نوى عند الإحرام، أو شرط باللفظ، أنه متى حصل له مرض، أو حُصِر من عدو، أو فتنة، أو غير ذلك من كل ما يمنعه كان متحللاً من غير تجديد نية التحلل في الحصر عن (١) ((حاشية الدسوقي)) (٩٧/٢). ٢٤٨ --- ٢٠ - كتاب الحج (٣١) باب الأمرين معاً، أي الوقوف والإفاضة، ومن غير فعل عمرة في الحصر عن الوقوف، فإن تلك النية وذلك الاشترط لا يفيده، ولو حصل له ذلك المانع بالفعل، فهو عند وجوده باق على إحرامه، حتى يحدث نية التحلل، أو يتحلل بعمرة على ما مَرَّ تفصيله. وإنما كان ذلك لا يفيده؛ لأنه شرط مخالف لسنة الإحرام، وهذا هو المذهب، خلافاً لمن قال: إن تلك النية أو الشرط يفيده، انتھی . وفي ((اللباب))(١): لا يفيد اشتراط الإحلال عند الإحرام شيئاً، قال القاري: أي لا من سقوط الدم، ولا من حصول التحلل بدونه، والمعنى أن المحصر لم يحل إلا بالذبح في الحرم، سواء اشترط عند إحرامه الإحلال بغير ذبح عند الإحصار أم لا، وهذا المسطور المهذب في كتب المذهب. وذكر في (الإيضاح)): قال أبو حنيفة: الشرط يفيد سقوط الدم، ولا يفيد التحلل، ونقل الكرماني والسروجي عن محمد أنه إن كان قد اشترط الإحلال عند الإحرام إذا خُصِرَ، جاز له التحلل بغير هدي، انتهى. قال الموفق(٢): يستحب لمن أحرم بنسك، أن يشترط عند الإحرام، فيقول: إن حبسني حابسٌ، فمحلي حيث حبستني، ويفيد هذا الشرط شيئين: أحدهما: أنه إذا عاقه عائقٌ من عدو، أو مرض، أو ذهاب نفقة، ونحوه، أن له التحلل. والثاني: أنه متى حل بذلك، فلا دم عليه ولا صوم. وممن روي عنه أنه رأى الاشتراط عند الإحرام، عمر، وعلي، وابن مسعود، وعمار. وذهب إليه علقمة، والأسود، وابن المسيب، وعكرمة، والشافعي إذ هو بالعراق. وأنكره ابن عمر، وطاووس، وسعيد بن جبير، والزهري، ومالك، وأبو حنيفة . (١) انظر: ((شرح اللباب)) للقاري (ص٢٤٠). (٢) («المغني)) (٩٢/٥). ٢٤٩ ٢٠ - كتاب الحج (٣١) باب وعن أبي حنيفة أن الاشتراط يفيد سقوط الدم، فأما التحلل، فثابت عنده بكل إحصار، واحتجُوا بأن ابن عمر كان ينكر الاشتراط، ويقول: حسبكم سنة نبيكم ◌َّ﴾. ولأنها عبادة تجب بأصل الشرع، فلم يفد الاشتراط فيها شيئاً، كالصوم والصلاة، ولنا، ما روت عائشة - رضي الله عنها - أن النبي ◌َّ دخل على ضباعة بنت الزبير، فقالت: يا رسول الله، إني أريد الحج ... ، الحديث، انتھی . وسيأتي في ((جامع الهدي)) من كلام الباجي(١): ما علمنا أحداً عمل به، وقد روي عن الزهري أنه قال: لم يقل أحد بالشرط، وسيأتي أثر الزهري هذا في ((الموطأ)) أيضاً في ((باب جامع الحج)) عن مالك أنه سأل ابن شهاب عن الاستثناء في الحج، فقال: أو يصنع ذلك أحد؟ وأنكر ذلك. وفي (شرح الإقناع))(٢): ولا يسقط عنه الدم إذا شرط عند الإحرام أنه يتحلل إذا أحصر، بخلاف ما إذا شرط في المرض أنه يتحلل بلا هدي، فإنه لا يلزمه؛ لأن حصر العدو لا يفتقر إلى شرط، فالشرط فيه لاغ، ولو أطلق في التحلل من المرض، بأن لم يشترط هدياً لم يلزمه شيء، بخلاف ما إذا شرط التحلل بالهدي، فإنه يلزمه. قال البجيرمي: حاصله أن المرض ونحوه لا يبيح التحلل بدون شرط، أما إذا شرط جاز التحلل به، ثم تارة يشترط التحلل بنفس المرض، كأن قال في إحرامه: فإن مرضت فأنا حلال، فإنه يصير حينئذ حلالاً بنفس المرض، وتارة يشترط التحلل أي جوازه بسبب حصول المرض، كأن قال: إذا مرضت تحللت، فلا بد في هذه من التحلل بالحلق مع النية، وأما الدم، فإن شرط (١) ((المنتقى)) (١٥/٣). (٢) (٤٦٨/٢). ٢٥٠ ٢٠ - كتاب الحج (٣١) باب التحلل به، فلا بد منه أيضاً، فإن سكت عنه أو نفاه، فلا يجب، انتهى. وعُلِمَ من هذا أن من حكى من نقلة المذاهب توافق الشافعي وأحمد مطلقاً، ليس بصواب، بل الاشتراط مؤثر في جواز التحلل وسقوط الدم مطلقاً عند أحمد، سواء كان الحصر بالعدو أو المرض، وهو مختار ابن حزم في ((المحلى))، وأما عند الشافعي فلا تأثير له في الحصر بالعدو، أما في الحصر بالمرض؛ فهو يؤثر في جواز التحلل، وفي الهدي أيضاً إن سكت عنه أو نفاه. ثم قال العيني(١): اختلفوا في مشروعية الاشتراط، فقيل: واجب لظاهر الأمر، وهو قول الظاهرية، وقيل: مستحب، وهو قول أحمد، وغلط من حكى الإنكار عنه، وقيل: جائز، وهو المشهور عند الشافعية، وقطع به الشيخ أبو حامد، وذهب مالك وأبو حنيفة إلى أنه لا يصح الاشتراط، وحملوا الحديث على أنه قضية عين، وأن ذلك مخصوص بضباعة، وحكى الخطابي ثم الروياني من الشافعية الخصوص بضباعة، وحكى إمام الحرمين: أن معناه محلّ حيث حبسني الموت، أي إذا أدركتني الوفاة انقطع إحرامي. وقال النووي: إنه ظاهر الفساد، ولم يبين وجهه، وضَعَّفَ بعض المالكية أحاديث الاشتراط، فحكى القاضي عياض عن الأصيلي قال: لا يثبت عندي في الاشتراط إسناد صحيح، قال: قال النسائي: لا أعلم أسنده عن الزهري غير معمر، وقال زين الدين: ما قاله الأصيلي غلط فاحش. فقد ثبت وصح من حديث ابن عباس وعائشة وغيرهما، انتهى. وقال الباجي(٢): تعلق من ذهب إلى جواز الاشتراط بما روي عن ضباعة بنت الزبير، وهو يحتمل أن تريد بقولها: ((ومحلي حيث يحبسني الموت))، ولا (١) ((عمدة القاري)) (٤٥٥/٧). (٢) ((المنتقى)) (٢٧٦/٢، ٢٧٧). ٢٥١ ٢٠ - كتاب الحج (٣١) باب (٧٩٠) حديث ٩٨/٧٩٠ - حدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، قَالَ: مَنْ حُبِسَ بِعَدُوِّ، خلاف أن الميت ليس عليه إتمام نسكه، ويحتمل أن تريد حيث تحبسني بعدو، ويحتمل أن تريد بقولها: محلي، أي مكان مقامي حيث تحبسني عن التوجه إلى البيت بمرض، فإذا زال المرض توجهت إليه وأكملت نسكي، ويدل على صحة هذا التأويل قولها: ((ومحلي من الأرض حيث تحبسني)) فهذا ظاهره المكان، فيكون المعنى الدعاء بالعون والاعتراف بالعجز مع بذل الجهد في بلوغ الغرض من إتمام العبادة، لما يخاف من عوائق المرض تريد: إني يا رَبِّ خارجة رجاء عونك على البلوغ إلى قضاء نُسكي، وهذا غير خارج عن صفة الباني على إحرامه إذا أحصر بمرض، انتهى. ٩٨/٧٩٠ - (قال مالك من أحصر) كذا في النسخ الهندية، وفي النسخ المصرية(١) ((من حبس))، وكلاهما ببناء المجهول (بعدو) قال الباجي(٢): وذلك مما يكون في الحج بأحد وجهين: أحدهما: أن يتيقن بقاءه واستيطانه لقوته وكثرته واليأس من إزالته، فإن ذلك يكون حبساً. ويحلّ حيث حُبِسَ، وإن كان بينه وبين وقت الحج مقدار ما يهم أنه لو زال العدو لأدرك الحج، والوجه الثاني: أن يكون العدو مما يرجى زواله، فهذا لا يكون محصوراً حتى يبقى بينه وبين الحج مقدار ما يعلم أنه إن زال العدو لا يدرك فيه الحج، فيحلّ حينئذ عند ابن القاسم وابن الماجشون، وقال أشهب: لا يحل من أحصر عن الحج بعدو حتى يوم النحر. وأما في العمرة؛ فقال ابن الماجشون: يقيم ويتربصُ ما رجا زوال العدو ما لم يضر الانتظار به، فإن لم يرج زوال العدو إلا في مدة يلحقه بمثلها الضرر حلَّ، وهو مثل الحج، وقول ابن الماجشون هذا في العدو الذي يرجى زواله، وأما العدو الذي لا يرجى زواله، كالمستوطن ونحوه، فإن كان ترجى ----- (١) كذا في ((الاستذكار)) (٧١/١٢). (٢) ((المنتقى)) (٢٧١/٢). ٢٥٢ ٢٠ - كتاب الحج (٣١) باب (٧٩٠) حديث فَحَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَيْتِ، فَإِنَّهُ يَحِلُّ مِنْ كُلِّ شَيءٍ. وَيَنْحَرُ هَدْيَهُ، وَيَحْلِقُ رَأْسَهُ إباحته للطريق، فإن التوقف في ذلك ومحاولته يجري عندي مجرى رجاء زواله، وإن لم يرج ولا إباحته الطريق، جاز الإحلال بنفس ظهوره وتغلبه ومنعه، انتھی. (فحال بينه وبين البيت) قال الباجي: الإحصار لا يكون إلا عما لا يتم النسك إلا به، وهو في العمرة، البيت والسعي بين الصفا والمروة، وفي الحج مع ذلك عرفة، فإن أحصر بعد الوقوف بعرفة عن مكة، فإنه يأتي بالمناسك كلها، وينتظر أياماً، فإن زال العدو وأمكنه الوصول إلى البيت طاف، وإلا حلَّ وانصرف؛ لأن عليه أن يأتي من نسكه بما يمكنه وما حصر عنه تحلل، وجاز له تركه، كما يجوز له ترك جميع النسك، انتهى. قلت: قوله: وإلا حل ... إلخ، يخالف ما تقدم في الفرع السابع من كلام الدردير: أنه يبقى محرماً ولو أقام سنين، ولا يذهب عليك أن كلام الإمام مالك هذا لا يتعلق بمن حصر عن البيت بعد الوقوف، بل ظاهر سياقه أنه يتعلق بمن حصر عن جميع النسك، كما يدل عليه حكمه الآتي، والاستشهاد الآتي في الأثر الذي بعده، وذكر السعي فيما لا يتم الركن إلا به مبنيٌّ على ما هو المشهور عن مالك: أن السعي ركن فيهما، وفي أخرى له، وبه قالت الحنفية: أنه واجب فيهما يجبر بالدم، ولذا قالت الحنفية كما في ((اللباب)) وغيره: إن الإحصار هو المنع عن الوقوف والطواف جميعهما في الحج، وفي العمرة عن الطواف فقط. (فإنه يحلُّ من كل شيء) من محظورات الإحرام (وينحر هديه) أي ينحر الهدي إن كان معه قد ساقه، وأما تحلله للحصر، فلا يوجب هدياً عند مالك، قاله الباجي خلافاً للأئمة الثلاثة، وقد تقدم مبسوطاً في الفرع الرابع. (ويحلق رأسه) أي سُنَّةً، فقد عرفت في الفرع التاسع أن حلق الرأس ليس ٢٥٣ ٢٠ - كتاب الحج (٣١) باب (٧٩٠) حديث حَيْثُ حُبِسَ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ قَضَاءٌ . وحدّثني عَنْ مَالِكِ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ بَلَّ حَلَّ هُوَ وَأَصْحَابُهُ بِالْحُدَيْبِيَةِ، فَنَحَرُوا الْهَدْيَ، وَحَلَقُوا رُؤُوسَهُمْ، وَحَلُّوا مِنْ كُلِّ شَيءٍ قَبْلَ أَنْ يَطُوفُوا بِالْبَيْتِ. وَقَبْلَ أَنْ يَصِلَ إِلَيْهِ الْهَدْيُ، بشرط التحلل عند مالك، بل هو سنة، وتقدم هناك المذهب (حيث حبس) ببناء المجهول أي في أي موضع وقع الحصر من الحل أو الحرم (وليس عليه) أي على المحصر (قضاء) لما أحصر عنه عند مالك والشافعي خلافاً للحنفية، إذ قالوا: بالقضاء، وهما روايتان لأحمد، كما تقدم في الفرع الثالث مختصراً، وفي عمرة القضاء مفصلاً . (مالك أنه بلغه) وقد وردت قصة حصره ◌ّ في عمرة الحديبية في كتب الصحاح بروايات كثيرة وألفاظ مختلفة مختصرة ومفصلة. قال الجصاص في ((أحكام القرآن))(١): قد تواترت الأخبار بأن النبي ◌ّ كان محرماً بالعمرة عام الحديبيةِ، وأنه أحل من عمرته بغير طواف، ثم قضاها في العام القابل في ذي القعدة . (أن رسول الله (وَ لّ حلّ هو وأصحابه بالحديبية) لما صَدَّهم المشركون، كما تقدم في ((باب العمرة في أشهر الحج)) (فنحروا الهدي وحلقوا رؤوسهم وحلوا من كل شيء) من ممنوع الإحرام. (قبل أن يطوفوا بالبيت) فإن المشركين منعوهم عن الوصول إلى البيت، وهذا لا خلاف فيه بين أهل العلم بالحديث والفقه والتاريخ، أنه و18ُّ لم يصل إلى البيت في هذا السفر، فليس معنى قوله: قبل أن يطوفوا، أنهم طافوا بعد ذلك، بل لم يطوفوا أصلاً . (وقبل أن يصل إليه) أي: إلى البيت (الهدي) وعلم منه أن الهدي ينحر (١) «أحكام القرآن)) (١/ ٢٧٢). ٢٥٤ -------- ٢٠ - كتاب الحج (٣١) باب (٧٩٠) حديث في موضع الحصر، ولا يجب وصوله إلى الحرم، والمسألة خلافية عند الأئمة، كما تقدمت في الفرع الخامس مفصَّلاً، ومن قال بوجوب وصوله إلى الحرم، كالحنفية استدل بقوله عَزَّ اسمه ﴿ وَلَا تَحِلِقُواْ رُءُوسَكُمٍ حَ بَعَ الْحَدَىُ ◌َحِلَّمْ﴾(١). قال الجصاص(٢): اختلف السلف في المحل ما هو؟ فقال عبدالله بن مسعود وابن عباس وعطاء وطاووس ومجاهد والحسن وابن سيرين: هو الحرم، وهو قول أصحابنا والثوري، وقال مالك والشافعي: مَحِلّهُ الموضع الذي أحصر فيه، فيذبحه ويحل، والدليل على صحة القول الأول، أن المَحِلَّ اسم لشيئين. يحتمل أن يراد به الوقت، ويحتمل أن يراد به المكان، ألا ترى أن محل الدين، هو وقته الذي تجب به المطالبة، وقال النبي ◌ّلّ لضباعة: ((اشترطي وقولي: محلي حيث حبستني))، فجعل المحل في هذا الموضع اسماً للمكان، فلما كان محتملاً لأمرين، ولم يكن هدي الإحصار في العمرة موقتاً عند الجميع، وهو لا محالة مراد بالآية، وجب أن يكون مراده المكان، فاقتضى ذلك أن لا يحل حتى يبلغ مكاناً غير مكان الإحصار؛ لأنه لو كان محل الإحصار محلاً للهدي الكان بالغاً محله بوقوع الإحصار، ولأدى ذلك إلى بطلان الغاية المذكورة في الآية، فدل ذلك على أن المراد بالمحل هو الحرم؛ لأن كل من لا يجعل موضع الإحصار محلاً للهدي، فإنما يجعل المحل الحرم. ومن جعل محل الهدي، موضع الإحصار، أبطل فائدة الآية، وأسقط معناها . ومن جهة أخرى قوله تعالى: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ ودلالته على صحة ما قلنا في المحل من وجهين: أحدهما: عمومه في سائر الهدايا، والآخر: ما فيه من بيان معنى المحل الذي أجمل ذكره في قوله: ﴿حَّ بَُّغَ الْهَدِىُ مَحِلَّمْ﴾ إلى آخر ما بسطه. (١) سورة البقرة: الآية ١٩٦. (٢) («أحكام القرآن)) (١/ ٢٧٢). ٢٥٥ ٢٠ - كتاب الحج (٣١) باب (٧٩٠) حديث وفي ((البحر العميق)) نقل صاحب ((الكشاف)) عن الزهري أنه وَلّ نحر هديه في الحرم، انتهى. واستدل الآخرون بحديث الباب، قال الموفق(١): لأن النبي ◌ّ وأصحابه نحروا هداياهم في الحديبية، وهي من الحل، قال البخاري: قال مالك وغيره: إنهم حلقوا، وحلّوا من كل شيء قبل الطواف، وقبل أن يصل الهدي إلى البيت. وروي أن النبي وَلّ نحر هديه عند الشجرة التي كانت تحتها بيعة الرضوان، وهي من الحل باتفاق أهل السيرة والنقل، انتھی . وفي ((البخاري)): أن الحديبية خارج من الحرم، قال الحافظ(٢): هو من كلام الشافعي في ((الأم))، وعنه أن بعضه في الحل وبعضه في الحرم، انتهى. قلت: ويستدل لهم أيضاً بقوله تعالى: ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّوكُمْ عَنِ اَلْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْىَ مَعْكُوفًا أَن يَبْلُغَ مِلَّمْ﴾(٣). قال الجصاص(٤): فإن قيل: ذلك في شأن الحديبية، وفيه دلالة على أن النبي وَّ وأصحابه نحروا هديهم في غير الحرم، لولا ذلك لكان بالغاً محله، قيل: هذا من أدل شيء على أن محله الحرم؛ لأنه لو كان موضع الإحصار هو الحل محلاً للهدي، لما قال ﴿وَالْمَدْىَ مَعْكُوفًا أَن يَبْلُغَ مَحِلَّمْ﴾ فلما أخبر عن منعهم الهدي عن بلوغ محله، دل ذلك على أن الحل ليس محلاً له، وهذا يصلح أن يكون ابتداء دليل في المسألة. فإن قيل: فإن لم يكن النبي ◌َّ وأصحابه ذبحوا الهدي في الحل، فما معنى قوله: والهدي معكوفاً أن يبلغ محله؟ قيل له: لما حصل أدنى منع، جاز (١) (المغني)) (١٩٧/٥). (٢) ((فتح الباري)) (١٢/٤). (٣) سورة الفتح: الآية ٢٥. (٤) ((أحكام القرآن)) (١/ ٢٧٣). ٢٥٦ ٢٠ - كتاب الحج (٣١) باب (٧٩٠) حدیث أن يقال: إنهم منعوا، وليس يقتضي ذلك أن يكون أبداً ممنوعاً، ألا ترى أن رجلاً لو منع رجلاً حقه، جاز أن يقال: منعه حقه، كما يقال: حبسه، ولا يقتضي ذلك أن يكون أبداً محبوساً، فلما كان المشركون منعوا الهدي بديا من الوصول إلى الحرم، جاز إطلاق الاسم عليهم، بأنهم منعوا الهدي عن بلوغ محله، وإن أطلقوا بعد ذلك، ألا ترى أنه قد وصف المشركين بصد المسلمين عن المسجد الحرام، وإن كانوا قد أطلقوا لهم بعد ذلك الوصول إليه في العام القابل، وقال تعالى: ﴿قَالُواْ يَكَأَبَانَا مُنِعَ مِنَّا أَلَكَيْلُ﴾(١) وإنما منعوه في وقت خاص، وأطلقوه في وقت آخر، فكذلك منعوا الهدي بدياً، ثم لما وقع الصلح بين النبي ◌َّيل وبينهم أطلقوه، حتى ذبحه في الحرم. وقيل: إن النبي ◌َ ◌ّ ساق البدن ليذبحها بعد الطواف بالبيت، فلما منعوه من ذلك، قال تعالى: ﴿وَالْهَدْىَ مَعْكُوفًا أَن يَبْلُغَ مَحِلَّمْ﴾(٢) لقصوره عن الوقت المقصود فيه ذبحه، ويحتمل أن يريد به المحل المستحب فيه الذبح، وهو عند المروة أو بمنى، فلما منع ذلك، أطلق فيه ما وصفت. وقد ذكر المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم أن الحديبية بعضها في الحل، وبعضها في الحرم، وأن مضرب النبي عليه السلام كان في الحل، ومصلاه كان في الحرم، فإذا أمكنه أن يصلي في الحرم، فلا محالة قد كان الذبح ممكناً فيه، وقد روي أن ناجية بن جندب الأسلمي قال للنبي وَّ: ابعث معي الهدي، حتى آخذ به في الشعاب والأودية، فأذبحها بمكة ففعل، وجائز أن يكون بعث معه بعضه، ونحر هو بعضه في الحرم، انتهى. قلت: أو نحر بعضه في الحل أيضاً، فإنه وسير ساق معه في غزوة الحديبية سبعين بدنة، كما في ((الخميس)). (١) سورة يوسف: الآية ٦٣. (٢) سورة الفتح: الآية ٢٥. ٢٥٧ ٢٠ - كتاب الحج (٣١) باب (٧٩٠) حدیث ثُمَّ لَمْ يُعْلَمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَّهِ أَمَرَ أَحَداً مِنْ أَصْحَابِهِ، وَلا مِمَّنْ كَانَ مَعَهُ، أَنْ يَقْضُوا شَيْئاً، وَلا يَعُودُوا لِشَيءٍ. قلت: وحديث المسور ومروان أخرجه البيهقي، وأخرج الطحاوي من حديث المسور: أن رسول الله ◌َ لو كان بالحديبية خباءه في الحل ومصلاه في الحرم، كذا في ((العيني)). وقال العيني (١): نقل عن الشافعي أن بعض الحديبية في الحل وبعضها في الحرم، فإذا كان كذلك، كيف يجوز أن يترك الموضع الذي من الحرم من الحديبية، وينحر في الحل؟ والحال أن بلوغ الكعبة صفة للهدي في قوله تعالى: ﴿هَدْيَا بَلِغَ الْكَمْبَةِ﴾. وقد قال ابن أبي شيبة: ثنا أبو أسامة عن أبي عميس عن عطاء قال: كان منزل النبي ◌ُّ﴾ يوم الحديبية في الحرم، فإذا كان منزله وَلّ في الحرم، كيف ينحر هديه في الحل، وهذا محال، انتهى. قلت: ومن نحر منهم في الحل، أمروا بإبدال الهدي، فقد قال الحافظ : وحجة من أوجبها ما وقع للصحابة، فإنهم نحروا الهدي حيث صُدُّوا، واعتمروا من قابل، وساقوا الهدي، وقد روى أبو داود من طريق أبي حاضر، قال: اعتمرت فأحصرت فنحرت الهدي، وتحللت، ثم رجعت العام المقبل، فقال لي ابن عباس: أبدل الهدي، فإن النبي ◌ّ أمر أصحابه بذلك، انتهى. قلت: وحديث أبي حاضر أخرجه الحاكم بطريقين مختصراً ومفصلاً، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه، وأقره عليه الذهبي. (ثم لم نعلم) بالنون في أوله في النسخ الهندية، فبصيغة المتكلم مبنياً للفاعل، وبالتحتانية في أوله في النسخ المصرية(٢) فبصيغة الغائب مبنياً للمجهول (أن رسول الله وَ لل أمر أحداً من أصحابه) الملازمين له (ولا ممن كان معه) في هذا السفر من الآفاقيين والخارجين إلى الحديبية (أن يقضوا شيئاً) من العمرة (ولا) أمرهم أن (يعودوا لشيء) من الهدي. (١) ((عمدة القاري)) (٤٥٨/٧). (٢) ((الاستذكار)) (٧٦/١٢). ٢٥٨ ٢٠ - كتاب الحج (٣١) باب (٧٩٠) حديث أراد الإمام مالك - رضي الله عنه - أن يستدل بذلك على أن القضاء غير واجب على المحصر، فإنهم حصروا في عمرة الحديبية، ولم ينقل عنهم أنهم قضوا العمرة، أو أمرهم النبي نقوم بذلك، وعدم النقل لمثل هذا الأمر الذي وقع في محفل عظيم وعدد كثير ومشهد مشهور أدلُّ دليلٍ على عدم القضاء، لا سيما وقد نقل إلينا ما جرى في هذه العمرة من المخاصمة والصلح والصد والكد وغيرها بروايات كثيرة، وهكذا قال غير واحد من أهل العلم الذين لم يروا القضاء على المحصر. قال الموفق (١): فإن الذين صدوا كانوا ألفا وأربعمائة، والذين اعتمروا مع النبي ◌ّ كانوا نفراً يسيراً، ولم ينقل إلينا أن النبي وَل أمر أحداً بالقضاء، انتهى. وبنحو ما قال مالك، حكاه الحافظ(٢) عن الشافعي، فقال: قال: ولا قضاء عليه من قبل أن الله تعالى لم يذكر القضاء، والذي أعقله في أخبار أهل المغازي شبيهٌ بما ذكرت؛ لأنا علمنا من متواطئ أحاديثهم أنه كان معه عام الحديبية رجال معروفون، ثم اعتمر عمرة القضية، فتخلف بعضهم في المدينة من غير ضرورة في نفس ولا مال، ولو لزمهم القضاء لأمرهم بأن لا يتخلفوا عنه، انتهى . قلت: ولمن ذهب إلى القضاء ما قال الحافظ بعد ذلك: وقد روى الواقدي في المغازي من طريق الزهري، ومن طريق أبي معشر وغيرهما قالوا: أمر رسول الله وسلم أصحابه أن يعتمروا، فلم يتخلف منهم إلا من قتل بخيبر، أو مات، وخرج معه جماعة معتمرين ممن لم يشهد الحديبية، وكانت عدتهم ألفين، انتهى. (١) ((المغني)) (١٩٦/٥). (٢) ((فتح الباري)) (٤/ ١٢). ٢٥٩ ٢٠ - كتاب الحج (٣١) باب (٧٩١) حدیث ٩٩/٧٩١ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ نَافِعِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ؛ أَنَّهُ قَالَ، وتقدم في عمرة القضاء ما قال الحاكم في ((الإكليل)): تواترت الأخبار أنه وَ﴿ لما هَلَّ ذو القعدة، أمر أصحابه أن يعتمروا قضاء عمرتهم، وأن لا يتخلف منهم أحد شهد الحديبية، فخرجوا إلا من استشهد، وخرج معه آخرون معتمرين، فكانت عدتهم ألفين سوى النساء والصبيان، انتهى. ٩٩/٧٩١ - (مالك، عن نافع، عن عبدالله بن عمر) هكذا أخرجه البخاري في المغازي، قال الحافظ: فيه دلالة على أنه لا واسطة بين نافع وابن عمر، انتهى. وأخرج البخاري في المحصر عن نافع أن عبدالله بن عمر، قال الحافظ(١): هذا يشعر بأنه عن نافع عن ابن عمر بغير واسطة، لكن رواية جويرية التي بعده تقتضي أن نافعاً حمل ذلك عن سالم وعبيد الله ابني عبدالله بن عمر عن أبيهما، حيث قال فيها: عن جويرية عن نافع أن عبيد الله بن عبد الله، وسالم بن عبد الله أخبراه أنهما كلّما عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما -، فذكر القصة. ثم بسط الحافظ الاختلاف في ذلك، ثم قال: والذي يترجح في نقدي أن ابني عبدالله أخبرا نافعاً بما كَلّما به أباهما. وأشارا به عليه من التأخير ذلك العام، وأما بقية القصة، فشاهدها نافع، وسمعها من ابن عمر لملازمته إياه، فالمقصود من الحديث موصول، وعلى تقدير أن يكون نافع لم يسمع شيئاً من ذلك من ابن عمر، فقد عرف الواسطة بينهما، وهي ولدا عبدالله بن عمر سالم وعبيد الله، وهما ثقتان لا مطعن فيهما، انتهى. (أنه قال) في جواب ابنيه عبيد الله وسالم، ولفظ البخاري برواية جويرية المذكورة: أنهما كَلَّما عبدالله بن عمر ليالي نزل الجيش بابن الزبير، فقالا: لا (١) ((فتح الباري)) (٥/٤). ٢٦٠