Indexed OCR Text
Pages 81-100
٢٠ - كتاب الحج
(٢٤) باب
(٧٧٤) حدیث
وَجَدُوا لَحْمَ صَيْدٍ، فَأَقْتَاهُمْ كَعْبٌ بِأَكْلِهِ قَالَ: فَلَمَّا قَدِمُوا عَلَى عُمَرَ بْنِ
الْخَطَّابِ بَالْمَدِينَةِ، ذَكَرُوا ذُلِكَ لَهُ. فَقَالَ: مَنْ أَفْتَاكُمْ بِهِذَا؟ قَالُوا :
كَعْبٌ. قَالَ: فَإِنِّي قَدْ أَمَّرْتُهُ عَلَيْكُمْ حَتَّى تَرْجِعُوا .
وفي ((التعليق الممجد)) (١): وكانوا قد أحرموا من بيت المقدس، كما ورد
في رواية، انتهى. (وجدوا لحم صيد) صاده حلال (فأفتاهم كعب بأكله، قال)
عطاء: (فلما قدموا المدينة على عمر بن الخطاب) - رضي الله عنه - وهذا أيضاً
يدل على أن إحرامهم كان قبل الميقات، لأن ميقاتهم بين الحرمين.
قال الباجي(٢): ظاهره يقتضي أنهم أقبلوا من الشام وهم محرمون،
ويحتمل أيضاً أن يكونوا أقبلوا من الشام، وأحرموا بعد انفصالهم منه، غير أن
ظاهر الحال يقتضي أنهم أحرموا قبل الميقات أو قدموا على عمر بالمدينة بعد
أن أحرموا، وميقاتهم بين المدينة ومكة، إلا أن يكونوا قدموا على عمر بغير
المدينة، وظاهر الحال خلاف هذا، انتهى. قلت: تضافرت جميع النسخ
المصرية والهندية على قدومهم على عمر بالمدينة المنورة (ذكروا ذلك له) أي ما
أفتوا به من إباحته، لأنه - رضي الله عنه - كان يهتبل بأمر الناس وأمر دينهم،
ويسأل عما جرى لهم من ذلك في طريقهم وتصرفهم.
ولما كان يعرف ذلك من حاله يبدأ بالإخبار عنه (فقال: من أفتاكم بهذا؟
قالوا: كعب، قال: فإني قد أَمَّرْتُه) بتشديد الميم من التأمير (عليكم حتى
ترجعوا) من نسككم إلى بلدكم، فإنه - رضي الله عنه - لما أُخْبِر بما جرى من
أكل اللحم بفتوى بعضهم، سألهم من المفتي لهم بذلك، ليعرف له فضله
ومكانه من العلم، فلما أخبروا بأنه كعب، قال: قد أمرته عليكم تنويهاً به
لإصابته في الفتوى وتقديماً له، وهذا التأمير يقتضي صلاته بهم، وحكمه
(١) (٢٣٢/٢).
(٢) ((المنتقى)) (٢٤٤/٢).
٨١
٢٠ - كتاب الحج
(٢٤) باب
(٧٧٤) حديث
ثُمَّ لَمَّا كَانُوا بِبَعْض طَرِيقٍ مَكَّةَ، مَرَّتْ بِهِمْ رِجْلٌ مِنْ جَرَادٍ. فَأَقْتَاهُمْ
كَعْبٌ أَنْ يَأْخُذُوهُ. فَيَأْكُلُوهُ.
عليهم، ورجوعهم إلى رأيه، وتصرفهم بأمره، قاله الباجي(١)، (ثم لما كانوا
ببعض طريق مكة) بعدما خرجوا من المدينة، على ما عليه ظاهر كلام عامة
الشراح، والأوجه عندي بعدما خرجوا من مكة بعد الفراغ من الحج، كما
سيأتي تقريره (مرت بهم رِجْل) بكسر الراء وسكون الجيم قطيع (من جراد)
بالفتح يقال له في الفارسية: ((ملخ))، وسيأتي بيانه في فدية من أصاب شيئاً من
الجراد (فأفتاهم كعب أن يأخذوه ويأكلوه) وقد حكى غير واحد من أئمة
الحديث والفقه الإجماع على جواز أكله.
لكن فصل ابن العربي في ((شرح الترمذي)» بين جراد الحجاز وجراد.
الأندلس، فقال في جراد الأندلس: لا يؤكل، لأنه ضرر محض، وهذا إن ثبت
أنه يضر أكله بأن يكون فيه سمية تخصه دون غيره من جراد البلاد تعين
استثناؤه، كذا في ((الفتح)) (٢).
قال الدميري: (٣) أجمع المسلمون على إباحة أكله، وقد قال عبد الله بن
أبي أوفى: ((غزونا مع رسول الله ( 18- سبع غزوات نأكل الجراد)) رواه أبو داود
والبخاري، وزاد أبو نعيم: ((ويأكله رسول الله ربَّ معنا))، وروى ابن ماجه عن
أنس: ((كن أزواج النبي {وَل﴿ يتهادين الجراد في الأطباق)). وفي ((الموطأ)): أن
عمر - رضي الله عنه - سئل عن الجراد؟ فقال: [وددتُ] ((أن عندي قُفَّةً آكل
منها))، انتهى .
قال النووي(٤): أجمع المسلمون على إباحة أكل الجراد، ثم قال
(١) ((المنتقى)) (٢٤٤/٢).
(٢) ((فتح الباري)) (٩/ ٦٢٢).
(٣) ((كتاب الحيوان)) (١/ ٢٧٢).
(٤) ((شرح النووي على صحيح مسلم)) (١٠٣/١٣/٧).
٨٢
٢٠ - كتاب الحج
(٢٤) باب
(٧٧٤) حديث
فَلَمَّا فَذِمُواْ عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ
الشافعي وأبو حنيفة والجماهير: يحل سواء مات بذكاة أو باصطياد مسلم أو
مجوسي أو مات حتف أنفه، وقال مالك في المشهور عنه وأحمد في رواية:
يحل إذا مات بسبب بأن يقطع بعضه أو يلقى في النار حياً، فإن مات حتف
أنفه لا يحل، كذا في ((البذل))(١).
وقال الدميري: قالت الأئمة الأربعة: يحل أكله سواء مات حتف أنفه أو
بذكاة أو باصطياد مجوسي أو مسلم، قطع منه شيء، أم لا، وعن أحمد: أنه
إذا قطعه البرد لم يؤكل، وملخص مذهب مالك: أنه إن قطع رأسه حلَّ وإلا
فلا، والدليل على عموم حِلّه قوله عليه الصلاة والسلام: ((أحلت لنا الميتتان
السمك والجراد))، رواه الشافعي وأحمد والدارقطني والبيهقي، من حديث
ابن عمر مرفوعاً، قال البيهقي: روي عن ابن عمر موقوفاً وهو الأصح.
وقال الحافظ(٢): قد أجمع العلماء على جواز أكله بغير تذكية، إلا أن
المشهور عند المالكية اشتراط تذكيته، واختلفوا في صفتها، فقيل: يقطع رأسه،
وقيل: إن وقع في قِدْرٍ أو نار حَلّ، وقال ابن وهب: أخذُه ذكاتُه، ووافق
مطرف منهم الجمهور في أنه لا يُفتقر إلى ذكاة، لحديث ابن عمر: ((أحلت لنا
الميتتان السمك والجراد)»، انتهى.
وقال الدردير: (٣) افتقر على المشهور نحو الجراد من كل ما ليس له نفس
سائلة للذكاة بنية وتسمية، وذكاته بأي فعل يموت به، كقطع الرقبة وقطع جناح
وإلقاء في ماء بارد، انتهى مختصراً.
(قال) عطاء: (فلما قدموا على عمر بن الخطاب) بعدما رجعوا من مكة
(١) ((بذل المجهود)) (١٣٨/٦).
(٢) ((فتح الباري)) (٩/ ٦٢١).
(٣) ((الشرح الكبير)) (١١٤/٢).
٨٣
٢٠ - كتاب الحج
(٢٤) باب
(٧٧٤) حدیث
ذَكَرُوا لَهُ ذُلِكَ. فَقَالَ: مَا حَمَلَكَ عَلَى أَنْ تُفْتِيَهُمْ بِهُذَا؟ قَالَ: هُوَ مِنْ
صَيْدِ الْبَحْرِ. قَالَ: وَمَا يُدْرِيكَ؟ قَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، وَالَّذِي
نَفْسِي بِيَدِهِ، إِنْ هِيَ إلا نَثْرَةُ حُوتٍ
بعد الفراغ عن العمرة على الظاهر أو الحج (ذكروا له ذلك) أي: إفتاء كعب
بجواز أكله (فقال) عمر - رضي الله عنه -: (ما حملك على أن أفتيتهم) بصيغة
الماضي في النسخ الهندية، ((وأن تفتيهم)) بالمضارع في النسخ المصرية (بهذا؟)
أي: تفتيهم بجواز أكله في حالة الإحرام أو بجواز أكله مطلقاً، وأراد عمر -
رضي الله عنه - أن ينقح الأمر: هل عنده نص في ذلك أو اجتهاد منه؟ (فقال)
كعب: (هو من صيد البحر) وقد قال عز اسمه: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُ
مَتَعًا لَّكُمْ﴾ الآية، هذا على الاحتمال الأول، وأما على الثاني، فقد قال
النبي بَّ في البحر: ((الحل ميتته)).
(فقال) عمر: (وما يدريك) أي: يعلمك أنه من صيد البحر؟ (فقال: يا
أمير المؤمنين والذي نفسي بيده إن) نافية (هي إلا نثرة حوت) بفتح النون،
وسكون الثاء المثلثة، كالعطسة للإنسان، كذا في ((الصحاح)) وغيره، وقال
الهروي: هي عطسته، وفي ((المجمع)): نثرت الدابة: إذا طرحت ما في أنفها
من الأذى.
قال العيني(١): اختلف في نثرة حوت، فقيل: عطسته، وقيل: هو من
تحريك النثرة وهو طرف الأنف، قال زين الدين: فعلى هذا يكون بالمثلثة،
وهو المشهور، وأنه من الرمي بعنف والجراد يطرحه من أنفه، أو دبره بعنف،
انتھی .
وتوقف ابن عبد البر في أنه من نثرة الحوت، بأن المشاهدة تدفعه،
وروى الباجي عن كعب، قال: خرج أوله من منخر حوت، فأفاد أن أول خلقه
(١) ((عمدة القاري)) (١٠٩/٢١/١١).
٨٤
٢٠ - كتاب الحج
(٢٤) باب
(٧٧٤) حديث
يَنْثِرُهُ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّتَيْنِ .
من ذلك، قاله الزرقاني(١). وسيأتي عن ((البذل)): أنكر كثير كونه من البحر.
(ينثره) بضم المثلثة وكسرها من بابي نصر وضرب أي يرميه (في كل عام
مرتين) قال صاحب ((المحلى)): وهذا الجواب وإن لم يقع صواباً عند عمر،
لكن لما كان مجتهداً فأفتى به أمضاه، ومما يشهد لقول كعب هذا من
المرفوع، ما ورد هذا المعنى مرفوعاً عند ابن ماجه، من حديث أنس: ((أن
الجراد نثرة الحوت من البحر)).
قال الحافظ (٢): اختلف في أصله، فقيل: إنه نثرة حوت، فلذلك كان
أكله بغير ذكاة، وهذا ورد في حديث ضعيف أخرجه ابن ماجه عن أنس رفعه:
((أنه نثرة حوت))، ومن حديث أبي هريرة: ((خرجنا مع رسول الله بَّر في حج
أو عمرة فاستقبلنا رِجْلٌ من جراد، فجعلنا نضرب بنعالنا وأسواطنا، فقال:
كلوه، فإنه من صيد البحر))، وأخرجه أبو داود والترمذي(٣)، وسنده ضعيف،
ولو صح لكان فيه حجة لمن قال: لا جزاء فيه إذا قتله المحرم، وجمهور
العلماء على خلافه، قال ابن المنذر: لم يقل لا جزاء فيه غير أبي سعيد
الخدري وعروة بن الزبير، واختلف عن كعب الأحبار، وإذا ثبت فيه الجزاء دل
على أنه بريٌّ، انتھی.
قلت: وقد قال الترمذي: لا نعرفه إلا من حديث أبي المهزم، عن أبي
هريرة، وأبو المهزم اسمه يزيد بن سفيان، قد تكلم فيه شعبة، انتهى. وقال
أبو داود: (٤) أبو المهزم ضعيف، والحديث وهم. وفي ((التقريب)): أبو المهزم
متروك، وبسط في ((التهذيب)) في جرحه.
(١) ((شرح الزرقاني)) (٢٨٠/٢).
(٢) ((فتح الباري)) (٩/ ٦٢١).
(٣) أخرجه أبو داود (١٨٥٤) والترمذي (٨٥٠).
(٤) انظر: ((سنن أبي داود)) (١١٥/٢).
٨٥
٢٠ - كتاب الحج
(٢٤) باب
(٧٧٤) حديث
ثم اختلفوا في أصله على أقوال كثيرة، فقيل: إنه نثرة الحوت كما تقدم،
وقيل: متولد من روث السمك، حكاه العيني، وفي ((البذل))(١) عن ((فتح
الودود)): وقيل: الجراد يتولد من الحيتان، فيطرحها البحر إلى الساحل، وأنكر
كثير (٢) ذلك، وقال: هو مستقر في الأرض، ويقوت عما يخرج من الأرض من
نباتها، ويحتمل أن يكون معنى كونه من صيد البحر، أنه في حكمه يحل بلا
تذكية، انتهى. قلت: أو المراد ما تقدم عن الباجي أنه بيان لأول خلقه.
وقال الدميري في ((حياة الحيوان))(٣): الصحيح أنه بري؛ لأن المحرم
يجب عليه فيه الجزاء، وبه قال عمر وعثمان وابن عمر وابن عباس وعطاء.
قال العبدري: هو قول أهل العلم كافة، إلا أبا سعيد الخدري، وحكي عن
كعب وعروة فإنهم قالوا: إنه من صيد البحر لا جزاء فيه، انتهى.
وقال الباجي(٤): روي عن سعيد بن المسيب أن الله تعالى خلق الجراد،
مما بقي من طينة آدم، ورواه عبد الرزاق عن معمر، عن الزهري عن
ابن المسيب، قال: لم يخلق الله تعالى بعد آدم إلا الجراد بقي من طينه شيء،
فخلق منه الجراد، وهذا أيضاً لا يعرف إلا بخبر نبي، ولا نعلم في ذلك خبراً
يثبت، فلا يصح التعلق بشيء من ذلك، انتهى.
ثم ظاهر أثر الباب أن كعباً أفتى بعدم الجزاء في صيد المحرم الجراد،
وبذلك جزم عامة شراح ((الموطأ)) وغيرهم، ولذلك حكى غير واحد مذهب
كعب بعدم الجزاء.
(١) ((بذل المجهود)) (١٠٠/١٩).
(٢) قال ابن عبد البر: إن أول خلق الجراد كان من منخر حوت لا أنه اليوم مخلوق من نثرة
حوت، لأن المشاهدة تدفع ذلك. ((الاستذكار)) (٢٩٠/١).
(٣) ((حياة الحيوان)) (١/ ٢٧٢).
(٤) ((المنتقى)) (٢٤٥/٢).
٨٦
٢٠ - كتاب الحج
....
(٢٤) باب
(٧٧٤) حديث
٠٠٠٠
٠ ٠ ٠ ٠ ٠
قال الزرقاني (١): وقد جاء ما يدل على رجوع كعب عن هذا، فروى
الشافعي بسند صحيح أو حسن عن عبد الله بن أبي عمار: أقبلنا مع معاذ بن
جبل وكعب الأحبار في أناس محرمين من بيت المقدس بعمرة، حتى إذا كنا
ببعض الطريق، وكعب على نار يصطلي، فمرَّتْ به رِجْلٌ من جراد، فأخذ
جرادتين فقتلهما، وكان قد نسي إحرامه، ثم ذكره فألقاهما، فلما قدمنا المدينة
على عمر، قصّ عليه كعب قصة الجرادتين، فقال: ما جعلت على نفسك؟
قال: درهمين، قال: بخ، درهمان خير من مائة جرادة، انتهى.
وكذا قال الباجي: إن كعب الأحبار رجع عن هذا الفتيا. وأنت خبير بأن
الرجوع يتحقق بعد ثبوت تأخر ذلك عن أثر الباب، ولذا قال في «التعليق
الممجد))(٢) بعد ذكر رواية الشافعي المذكورة: هذا يثبت أن كعباً رجع عن
فتواه بعدم الجزاء، ويحتمل العكس، ولا يجزم بأحدهما إلا إذا ثبت تأخر
أحدهما، فيكون ذلك مرجوعاً إليه، ويمكن أن يكون ذلك الاختلاف للاختلاف
في الجراد البري والبحري، انتهى.
وحكى غير واحد من نقلة المذاهب اختلاف الرواية عن كعب في ذلك،
وما يظهر لي أن أثر الباب لا يدل على عدم الجزاء أصلاً، وما تقدم من لفظ:
((ثم لما كانوا ببعض طريق مكة)) ليس بنص في أنهم كانوا محرمين، إذ ذاك،
فإن طريق مكة، كما يصدق على الورود بمكة، كذلك يصدق على الصدور من
مكة، وكذلك قوله: ((من صيد البحر))، كما يمكن أن يكون تقريباً لعدم الجزاء
على المحرم، كذلك يمكن أن يكون تقريباً لجواز أكله بدون التذكية.
فالظاهر عندي أن إفتاء كعب هذا كان من باب جواز أكله بدون التذكية،
(١) ((شرح الزرقاني)) (٢٨٠/٢).
(٢) (٣٣٣/٢).
٨٧
٢٠ - كتاب الحج
(٢٤) باب
(٧٧٤) حدیث
وَسُئِلَ مَالِكٌ عَمَّا يُوجَدُ مِنْ لُحُومِ الصَّيْدِ عَلَى الطَّرِيقِ: هَلْ
يَبْتَاعُهُ الْمُحْرِمُ؟ فَقَالَ: أَمَّا مَا كَانَ مِنْ ذُلَكَ يُعْتَرَضُ بِهِ الْحَاجُ، وَمِنْ
أَجْلِهِمْ صِيدَ، فَإِنِّي أَكْرَهُهُ،
لا من باب عدم الجزاء على المحرم، كيف وقد ثبت عنه نصاً إيجاب الجزاء
على المحرم، كما تقدم في رواية الشافعي، وسيأتي عند الإمام مالك أيضاً في
((باب فدية من أصاب شيئاً من الجراد)) إيجاب كعب(١) درهماً على جرادة،
وهو أيضاً نص في ذلك، ولا بد من تأويل المحتمل إلى المتيقن، وهذا
خاطري أبو عذره، فإن كان صواباً فمن الله، وإن كان خطأ فمني ومن
الشيطان، كعب منه بريء.
وقال العيني(٢): للعلماء في ذلك ثلاثة أقوال؛ الأول: أنه من صيد
البحر، وهو قول كعب الأحبار، والثاني: من صيد البر يجب الجزاء بقتله،
وهو قول عمر وابن عباس وأبي حنيفة، ومالك والشافعي في قوله الصحيح
المشهور، والثالث: أنه من صيد البر والبحر، انتهى. فما حكى العيني من
مذهبه مبني على أثر الباب في الظاهر، ولذا اضطر بعض نقلة المذاهب إلى
القول بتعدد الرواية عنه، وبعضهم إلى القول بالرجوع عنه، ولا حاجة إلى ذلك
فيما قلته، وسيأتي بيان الجزاء في محله في ((باب الفدية)).
(قال يحيى: وسئل مالك عما يوجد من لحوم الصيد) يباع (على الطريق
هل يبتاعه) أي يشتريه (المحرم؟ فقال) مالك: (أما ما كان من ذلك يعترض)
ببناء المجهول أي يقصد (به الحاج) وفي ((المجمع)): اعترض فلانٌ الشيءَ
تَكَلَّفه، انتهى. (ومن أجلهم صيد) سواء كانوا معينين أو غير معينين، ويظهر
كونه لهم بالسؤال أو باعتراضهم الحجاج بذلك وبغير ذلك (فإني أكرهه) تحريماً
قاله الزرقاني.
(١) انظر: ((الاستذكار)) (٢٩١/١١).
(٢) انظر: ((عمدة القاري)) (٤٧٨/٧).
٨٨
٢٠ - كتاب الحج
(٢٤) باب
(٧٧٤) حديث
وَأَنْهَى عَنْهُ. فَأَمَّا أَنْ يَكُونَ عِنْدَ رَجُلِ لَمْ يُرِدْ بِهِ الْمُحْرِمِينَ، فَوَجَدَهُ
مُحْرِمٌ، فَابْتَاعَهُ، فَلا بَأْسَ بِهِ .
قَالَ مَالِكٌ، فِيمَنْ أَحْرَمَ وَعِنْدَهُ صَيْدٌ قَدْ صَادَهُ، أَوِ ابْتَاعَهُ:
فَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يُرْسِلَهُ. وَلَا بَأْسَ أَنْ يَجْعَلَهُ عِنْدَ أَهْلِهِ .
(وأنهى عنه) تأكيد للكراهة، وكأنه إشارة إلى أن المراد بالكراهة التحريم
(فأما أن يكون عند رجل لم يرد به المحرمين) بل صاده للمحلين (فوجده محرم
فابتاعه فلا بأس به) أي يجوز له شرائه؛ لأنه لم يصد لأجله، وقد عرفت أنه
يجوز عند الحنفية ما صيد للمحرم بشرط أن لا يوجد منه صنع في الاصطياد.
(قال يحيى: قال مالك، فيمن أحرم و) الحال أنه (عنده صيد قد صاده أو
ابتاعه) قبل الإحرام (فليس عليه أن يرسله) أي: لا يجب عليه أن يُنَفِّره، بل
يجوز له أن يبقيه في بيته، ولذا قال: (ولا بأس أن يجعله) أي يبقيه ويتركه (عند
أهله) .
قال الباجي(١): وهذا كما قال: إن من ملك صيداً قبل إحرامه، ثم
أحرم، فلا يخلو أن يكون أحرم وهو في يده، أو خَلَفَه في أهله، فإن كان
خَلَفَه ثم أحرم، فإنه لا يزول ملكه عنه، وليس عليه إرساله، وهذا معنى قول
مالك: ((ولا بأس أن يجعله في أهله)) وهو معنى قوله: ((وعنده صيد)) يريد أنه
في ملكه، إلا أنه ليس بحاضر معه في وقت إحرامه، وبه قال أبو حنيفة،
وللشافعي في ذلك قولان، أحدهما مثل قولنا، والآخر، أنه يزول عنه ملكه.
وأما من أحرم وبيده صيد يجب عليه إرساله، وهل يزول عنه ملكه بنفس
الإحرام؟ اختلف فيه أصحابنا، فقال القاضي أبو إسحاق: يزول عنه ملكه
بإحرامه، وقال القاضي أبو حسن والشيخ أبو بكر: لا يزول عنه ملكه، وإنما
يجب عليه إرساله، فإذا التحق بالوحش، ولحق بها زال ملكه عنه، انتهى.
(١) ((المنتقى)) (٢٤٦/٢).
٨٩
٢٠ - كتاب الحج
(٢٤) باب
(٧٧٤) حديث
وقال الزرقاني(١) بعد قول مالك: لا بأس أن يجعله عند أهله: أي يبقيه
عندهم، وليس المراد أنه يبعث به بعد إحرامه، وهو معه إلى أهله، وقال
ابن وهب: سألت مالكاً عن الحلال يصيد الصيد أو يشتريه، ثم يحرم وهو معه
في قفص، فقال: يرسله بعد أن يحرم ولا يمسكه بعد إحرامه، فتحصيل قول
مالك، إن كان عنده الصيد حين إحرامه، أرسله من يده، وإن كان في أهله فلا
شيء عليه، وقاله أبو حنيفة وأصحابه وأحمد والشافعي في أحد قوليه، والآخر
لیس علیه إرساله كان في يده أو أهله، انتهى.
وقال الدردير(٢): وحرُمَ تَعرضٌ لحيوانٍ بريٍّ، ويرسله وجوباً إذا كان
مملوكاً له قبل الإحرام، وكان بيده، أو بيد رفقته الذين معه في قفص، أو
غيره، وإذا أرسله زال ملكه عنه حالاً ومآلاً، فلو أخذه أحدٌ قبل لحوقه
بالوحش، فقد ملكه لا أن كان الصيد حال إحرامه في بيته، فلا يرسله وملكه
باقٍ، انتهى.
وقال ابن قدامة(٣): إذا أحرم الرجل، وفي ملكه صيد، لم يزل ملكه عنه،
ولا يده الحكمية، مثل أن يكون في بلده، أو في يد نائب له في غير مكانه،
ولا شيء عليه إن مات، وله التصرف فيه بالبيع والهبة وغيرهما، ويلزمه إزالة
يده المشاهدة عنه، ومعناه: إذا كان في قبضته أو رحله، أو خيمته، أو قفص
معه، أو مربوطاً بحبل معه لزمه إرساله، وبهذا قال مالك وأصحاب الرأي،
وقال الثوري: هو ضامن لما في بيته أيضاً، وحكي نحو ذلك عن الشافعي،
وقال أبو ثور: ليس عليه إرسال ما في يده، وهو أحد قولي الشافعي؛ لأنه لا
يلزم من منع ابتداء الصيد المنع من استدامته؛ بدليل الصيد في الحرم.
(١) ((شرح الزرقاني)) (٢٨١/٢).
(٢) ((الشرح الكبير)) (٢/ ٧٢).
(٣) («المغني)) (٤٢٢/٥).
٩٠
٢٠ - كتاب الحج
(٢٤) باب
(٧٧٤) حديث
ولنا؛ على أنه لا يلزمه إزالة يده الحكمية، أنه لم يفعل في الصيد فعلاً،
فلم يلزمه شيء، وعكس هذا إذا كان في يده المشاهدة، فإنه فعل الإمساك في
الصيد، فكان ممنوعاً، كحالة الابتداء، فإن استدامة الإمساك إمساك، وإذا ثبت
هذا فإنه متى أرسله لم يزل ملكه عنه، ومن أخذه رده إذا حل، لأن ملكه كان
عليه، وإزالة الأثر لا يزيل الملك، انتهى.
قلت: وما حكي من أحد قولي الشافعي موافقاً لأبي ثور، لو صح لكان
ضعيفاً، فإن عامة نقلة المذاهب حكوا الإجماع على وجوب إرسال ما في يده
إذا أحرم، ولا يبعد أن اشتبه هذا بمسألة أخرى، وهي وجوب إرسال ما في يد
الحلال إذا دخل الحرم، ففيها خلاف الشافعي، وأما في مسألة الباب فعامتهم
حكوا عن الشافعي - رحمه الله - وجوب إرسال ما في ملكه، فضلاً عما في
يده، وقال النووي في ((إيضاح المناسك)): ولو كان يملك صيداً فأحرم زال
ملكه عنه على الأصح ولزمه إرساله، انتهى. وفي ((شرح المنهاج)): إذا أحرم
وبملكه صيد، زال ملكه عنه، ولزمه إرساله، ولو بعد التحلل، إذ لا يعود به
الملك، انتهى.
وفي ((الهداية))(١): من أحرم وفي بيته أو في قفص معه صيد، فليس عليه
أن يرسله، وقال الشافعي - رحمه الله -: يجب عليه أن يرسله؛ لأنه متعرض
للصيد، بإمساكه في ملكه، فصار كما إذا كان في يده، ولنا؛ أن الصحابة كانوا
يحرمون وفي بيوتهم صيود ودواجن، ولم ينقل عنهم إرسالها، وبذلك جرت
العادة الفاشية، وهي من إحدى الحجج إلى آخر ما بسطه.
وقال القاري في ((شرح اللباب)): لو أخذ صيداً في الحل وهو محرم لم
يملكه، ووجب عليه إرساله سواء كان في يده أو قفصه معه أو في بيته، ولو
(١) (١٧٠/١) ط. بيروت.
٩١
٢٠ - كتاب الحج
(٢٤) باب
(٧٧٤) حديث
قَالَ مَالِكٌ فِي صَيْدِ الْحِيتَانِ فِي الْبَحْرِ وَالأَنْهَارِ وَالْبِرَكِ
...
أخذه في الحل وهو حلال، ثم أحرم، ملكه ملكاً مستمراً، حيث لم يخرج
بالإحرام عن ملكه، ثم إن كان في يده لزمه إرساله على وجه لا يضيع ملكه،
أي إن شاء بقائه في ملكه بأن يرسله في بيته، وإن كان الصيد في بيته، وكذا
إذا كان في قفصه حال إحرامه لا في يده، لا يجب إرساله على الصحيح،
وقيل: لو كان القفص في يده یجب إرساله، انتهى.
وقد بسطت في أقاويل هذه المسألة؛ لأن فروعها مختلفة جداً من زوال
الملك، عما في بيته وفي يده، ووجوب إرسالهما، ووقت زوال الملك وغير
ذلك، مما تعرف من النظر على هذه الأقوال، ولا يصح ما نقل من اتفاق أحد
من الأئمة الأربعة بآخر، فتأمل.
(قال مالك في صيد الحيتان) جمع حوت (في البحر) سواء كان مالحاً أو
عذباً، قال ابن عبد البر: البحر كل ماء مجتمع من ملح أو عذب، قال تعالى:
﴿وَمَا يَسْتَوِى الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَآَيْعٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْعُ أُجَاجٌ﴾(١) (والأنهار)
جمع نهر، وفتح الهاء أجود من سكونها، وبه ورد القرآن، قال المجد: هو
مجرى الماء، ومثله في ((مراقي الفلاح)) بجيحون وسيحون وغيرهما (والبرك)
كعنب، جمع بركة بكسر الباء وسكون الراء، هذا هو المشهور، وقال صاحب
((مطالع الأنوار)): يقال هكذا، ويقال: بفتح الباء وكسر الراء، وأصله من
البروك وهو الثبوت، كذا في ((تهذيب النووي)).
قال الموفق في ((المغني))(٢): لا فرق بين حيوان البحر الملح وبين ما في
الأنهار والعيون، فإن اسم البحر يتناول الكل، قال تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِى الْبَحْرَانِ
هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَآئِعٌ شَرَابُ﴾ الآية، ولأن الله تعالى قابله بصيد البر، فدل على
(١) سورة فاطر: الآية ١٢.
(٢) ((المغني)) (٤٠٠/٥).
٩٢
٢٠ - كتاب الحج
(٢٥) باب
وَمَا أَشْبَهَ ذُلِكَ: إِنَّهُ حَلالٌ، لِلْمُحْرِمِ أَنْ يَصْطَادَهُ.
(٢٥) باب ما لا يَحِلُّ للمحرم أكله من الصيد
أن ما ليس من صيد البر، فهو من صيد البحر، انتهى. وفي ((شرح اللباب))
صرحوا بأن ما في بئر، أو في مستنقع، أو في عين، فهو بحر، انتهى.
(وما أشبه ذلك) يحتمل أن يكون إشارة إلى المياه المذكورة، أي:
كالغدير والحياض والعيون، والأوجه عندي أنه إشارة إلى الحيتان، والمعنى
صيد الحيتان وما أشبهه من صيود البحر (إنه حلال للمحرم أن يصطاده) بنص
القرآن، قال تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُ مَتَعًا لَّكُمْ﴾(١) الآية، قال
ابن قدامة: أجمع أهل العلم على أن صيد البحر مباح للمحرم اصطياده،
وأكله، وبيعه، وشراؤه، انتهى.
وهكذا حكى الإجماع على ذلك غير واحد من أهل العلم، قال القفال
في الفرق بين البري والبحري: إن البري إنما يصاد غالباً للتنزه والتفرج،
والإحرام ينافي ذلك، بخلاف البحري، فإنه يصاد غالباً للاضطرار، أو
المسكنة، فحَلَّ مطلقاً، قاله البجيرمي(٢)، وفي ((شرح المنهاج)): لأنه لا عِزَّ في
صيده، فقد قال تعالى: ﴿لِمَسَكِينَ يَعْمَلُونَ فِ الْبَحْرِ﴾(٣)، انتهى.
(٢٥) ما لا يجوز للمحرم أكله من الصيد
(ما لا يجوز) وفي النسخ المصرية: ما لا يحل (للمحرم أكله من الصيد)
أشار المصنف بتفريق الترجمة إلى الجمع بين الروايات المختلفة في الباب،
فبعضها يدل على الجواز مطلقاً، وبعضها على المنع مطلقاً، وجمع بينهما
(١) سورة المائدة: الآية ٥٩.
(٢) ((بيجيرمي على الخطيب)) (٤٥٦/٢).
(٣) سورة الكهف: الآية ٧٩. أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر، إلخ.
٩٣
٢٠ - كتاب الحج
(٢٥) باب
(٧٧٥) حدیث
٧٧٥/ ٨٣ - حَدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ
عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عبد الله بن عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ،
عَنِ الصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ اللَّيْنِيِّ؛
الجمهور بحمل روايات المنع على ما يوجد فيه صنع من المحرم، أو صيد
لأجله عند القائلين به، وروايات الإباحة على غير ذلك، وإلى ذلك أشار
المصنف بالترجمتين، وتقدم المذاهب في أول الترجمة السابقة.
٨٣/٧٧٥ - (مالك، عن ابن شهاب) الزهري (عن عبيد الله) بضم العين
(ابن عبد الله) بفتحها (ابن عتبة) بضمها (ابن مسعود عن عبد الله بن عباس عن
الصعب) بفتح الصاد وسكون العين المهملتين، بعدها موحدة (ابن جثامة) بفتح
الجيم، وتشديد المثلثة، فألف، فميم، ابن قيس بن ربيعة (الليثي) حليف قريش
أمه فاختة أخت سفيان بن حرب، آخى النبي ◌َّ بينه وبين عوف بن مالك،
قال في ((التقريب)): مات في خلافة الصديق على ما قيل، والأصح أنه عاش
إلى خلافة عثمان، انتهى.
ثم الحديث هكذا أخرجه البخاري في ((صحيحه)) في الحج، قال
الحافظ(١): لم يختلف على مالك في سياقه معنعناً، وأنه من مسند الصعب،
إلا ما وقع في ((موطأ ابن وهب))، فإنه قال في روايته: عن ابن عباس: أن
الصعب بن جثامة أهدى، فجعله من مسند ابن عباس، نبّه على ذلك الدارقطني
في ((الموطآت))، وكذا أخرجه مسلم من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس
قال: أهدى له الصعب، والمحفوظ في حديث مالك الأول، وفي الهبة عند
البخاري، من طريق شعيب عن الزهري، قال: أخبرني عبيد الله، أن ابن عباس
أخبره، أنه سمع الصعب يخبر أنه أهدى، انتهى.
زاد العيني(٢) بعدما حكى حديث مسلم من طريق سعيد بن جبير: وكذا
(١) ((فتح الباري)) (٣١/٤).
(٢) ((عمدة القاري)) (٤٩٣/٧).
٩٤
٢٠ - كتاب الحج
(٢٥) باب
(٧٧٥) حديث
أَنَّهُ أَهْدَى لِرَسُولِ اللَّهِ وَالَلِ
حِمَاراً وَحْشِراً،
رواه مجاهد عند ابن أبي شيبة، وعند مسلم أيضاً من حديث طاووس قال: قدم
زيد بن أرقم فقال له ابن عباس يستذكره: كيف أخبرتني عن لحم صيد أهدي
إلى رسول الله وَل﴾، وهو حرام؟ قال: ((أهدي له عضد من لحم صيد، فرده،
وقال: إنا لا نأكله، إنا حرم)) فجعله من مسند طاووس عن زيد، والمحفوظ
الأول، انتهى. والمراد بالأول كونه من مسند الصعب.
(أنه أهدى لرسول الله ( 98)، الأصل في أهدى التعدي بإلى، وقد تعدى
باللام. ويكون بمعناه، وقيل: يحتمل أن تكون اللام بمعنى أجل، وهو ضعيف،
قاله العيني (حماراً وحشياً) وقال الزرقاني(١): لا خلاف عن مالك في هذا،
وتابعه معمر، وابن جريج، وعبد الرحمن بن الحارث، وصالح بن كيسان،
والليث، وابن أبي ذئب، وشعيب بن أبي حمزة، ويونس، ومحمد بن عمرو بن
علقمة كلهم قالوا: ((حماراً وحشياً))، كما قال مالك، وخالفهم سفيان بن عيينة
عن الزهري، فقال: ((أهديت له من لحم حمار وحش))، رواه مسلم.
وله عن الحكم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس: ((رجل حمار وحش))،
وله عن شعبة عن الحكم: ((عجز حمار وحش يقطر دماً))، وفي أخرى له: ((شق
حمار وحش))، فهذه الروايات صريحة في أنه عقير، وأنه إنما أهدى بعضه لا
كلّه، ولا معارضة بين رجل وعجز وشق؛ لأنه يحمل على أنه أهدى رجلاً معه
الفخذ وبعض جانب الذبيحة، انتهى.
وقال الحافظ (٢): لم تختلف الرواة عن مالك في ذلك، وتابعه عامة
الرواة عن الزهري، وخالفهم ابن عيينة عن الزهري، فقال: ((لحم حمار
وحش))، أخرجه مسلم لكن بَيّن الحميدي صاحب سفيان؛ أنه كان يقول في
(١) ((شرح الزرقاني)) (٢٨١/٢).
(٢) ((فتح الباري)) (٣٢/٤).
٩٥
٢٠ - كتاب الحج
(٢٥) باب
(٧٧٥) حديث
هذا الحديث: ((حمار وحش))، ثم صار يقول: ((لحم حمار وحش))، فدل على
اضطرابه فيه، وقد توبع على قوله: ((لحم حمار وحش)) من أوجه فيها مقال.
ثم ذكر الحافظ الروايات المذكورة الدالة على اللحم، وتكلم على
أكثرها، وقال أيضاً: يدل على وهم من قال فيه عن الزهري، ذلك أن ابن جريج
قال: قلت للزهري: الحمار عقير؟، قال: لا أدري، أخرجه ابن خزيمة
وابن عوانة في ((صحيحهما))، وقد جاء عن ابن عباس من وجه أخر: أن الذي
أهداه الصعب لحمَ حمارٍ، فذكر ما تقدم، وفي ((شرح المواهب)): هو باتفاق
الرواة عن مالك، وتابعه عليه تسعة من حفاظ أصحاب الزهري.
ثم اختلف أهل الفن في هذه الروايات بين الجمع والترجيح، وحكى
العيني عن الطحاوي: أن الحديث مضطرب، وقال الزرقاني: فمنهم من رجح
رواية مالك وموافقيه، قال الشافعي في ((الأم)): حديث مالك ((أن الصعب
أهدى حماراً)) أثبت من حديث من روى، أنه أهدى لحم حمار، وقال
الترمذي(١): روى بعض أصحاب الزهري في حديث الصعب: (لحم حمار
وحش))، وهو غير محفوظ، وقال البيهقي: كان ابن عيينة يضطرب فيه، فرواية
العدد الذین لم یشکوا فیه أولى، انتهى.
وتقدم ما قال الحافظ: أن من قال ذلك في حديث الزهري وهم أي من
ذكر اللحم في حديث الزهري، وإليه مال ابن العربي في ((العارضة))(٢)، إذ
قال: وإنما رد الصيد على الصعب؛ لأنه كان حياً، وهو مختار الشيخ في
((الكوكب))(٣)، وإليه يظهر ميل البخاري إذ بوّب عليه في ((صحيحه)) ((باب إذا
(١) ((سنن الترمذي)) (٢٠٦/٣).
(٢) ((عارضة الأحوذي)) (٧٩/٤).
(٣) ((الكوكب الدري)) (١٠٧/٢).
٩٦
٢٠ - كتاب الحج
(٢٥) باب
(٧٧٥) حديث
أهدى للمحرم حماراً وحشياً حياً لم يقبل))، ثم ذكر فيه الحديث برواية مالك،
وإليه مال الباجي(١) إذ قال: قوله: ((حماراً وحشياً))، هكذا رواه الزهري عن
عبيد الله، وهو أثبت الناس فيه وأحفظهم عنه، وفي ((المبسوط)) من رواية
ابن نافع عن مالك: بلغني إنما رده عليه من أجل أن الحمار كان حياً، انتهى
ما في الباجي مختصراً.
وبه جزم ابن العربي إذ قال: وإنما رد على الصعب حماراً لأنه كان حياً،
ومنهم من رجح رواية اللحم.
قال ابن القيم في ((الهدي))(٢): أما الاختلاف في كون الذي أهداه حياً أو
لحماً، فرواية من روى لحماً أولى لثلاثة أوجه: أحدها: أن راويها قد حفظها
وضبط الواقعة حتى ضبطها أنه يقطر دماً، وهذا يدل على حفظه للقصة حتى
لهذا الأمر الذي لا يؤبه له. الثاني: أن هذا صريح في كونه بعض الحمار،
وأنه لحم منه، فلا يناقض قوله: أهدى له حماراً، بل يمكن حمله على رواية
من روى لحماً تسميةً للحم باسم الحيوان، وهذا مما لا تأباه اللغة. الثالث:
أن سائر الروايات متفقة على أنه بعض من أبعاضه.
وإنما اختلفوا في ذلك البعض، هل هو عجزه، أو شقه، أو رجله، أو
لحم منه، ولا تناقض بين هذه الروايات، إذ يمكن أن يكون الشق الذي فيه
العجز، وفيه الرجل، فصح التعبير عنه بهذا، وهذا وقد رجع ابن عيينة عن
قوله: ((حماراً)) وثبت على قوله: ((لحم حمار)) حتى مات، وهذا يدل على أنه
تبين له أنه أهدى له لحماً لا حيواناً، انتهى.
وتُعُقِّب هذا بما تقدم عن الحافظ وغيره، أنه لا خلاف فيه عن مالك،
(١) ((المنتقى)) (٢/).
(٢) ((زاد المعاد)) (١٥٤/٢).
٩٧
٢٠ - كتاب الحج
(٢٥) باب
(٧٧٥) حدیث
أنه أهدى حماراً، وتابعه عامة الرواة عن الزهري، وأن من قال عن الزهري:
((لحماً)) وهمٌّ، وتعقب أيضاً بما في ((الكوكب)) (١) على رواية الترمذي: ((أهدى
له حماراً وحشياً فرده عليه)»، لا بما فهم الشافعية من كونه صيد لأجل
النبي ◌َّ#، بل لما أنه كان حياً، كما صرح في هذه الروايات، ووجه ذلك أنه
لم يكن له علم لورود النبي وَللّ ههنا من قبل، وإنما صاد لنفسه، ثم لما علم
بقدومه الشريف أحضره، وقد ورد في بعضها ((أنه كان يقطر منه الدم))، ولا
يكون سيلان الدم في اللحم والعضو، وإنما يسيل الدم من الحي.
وأما ما ورد في بعضها: ((أنه أهدى إليه لحماً أو رجلاً))، فمجاز متعارف
بينهم يقولون: عندي شاة لحم، أو شاة لبن، كما يقولون: رأس بقر، أو رأس
فيل، والمراد نفسه مع ما في رواية اللحم من ضعف، انتهى.
ومنهم من جمع بينهما بحمل رواية ((حماراً)) على التجوز من إطلاق الكل
على الجزء، كما بسطه الزرقاني، وتقدم في كلام ابن القيم، ومنهم من جمع
بأن الصعب أحضر الحمار مذبوحاً، ثم قطع منه عضواً بحضرة النبي ◌َّ،
فقدمه له، فمن قال: ((أهدى حماراً)) أراد مذبوحاً لا حيّاً، ومن قال: (لحم
حمار)) أراد ما قدمه للنبي وَليل، حكاه الحافظ وغيره عن القرطبي احتمالاً،
ومنهم من جمع بأنه أحضره له حياً، فلما رده عليه ذكّاه وأتاه بعضو منه، حكاه
الحافظ وغيره عن القرطبي احتمالاً .
قال الزرقاني (٢) تبعاً لغيره: هذا الجمع قريب، وفيه إبقاء اللفظ على
المتبادر منه الذي ترجم عليه البخاري، ((إذا أهدى للمحرم حماراً وحشياً حياً
لم يقبل))، ومنهم من جمع بالتعدد.
(١) ((الكوكب الدري)) (١٠٧/٢).
(٢) ((شرح الزرقاني)) (٢٨٢/٢).
٩٨
٢٠ - كتاب الحج
(٢٥) باب
(٧٧٥) حديث
وَهُوَ بِالأَبْوَاءِ، أَوْ بِوَدَّانَ، فَرَدَّهُ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ
وقال ابن بطال: اختلاف الروايات يدل على أنها لم تكن قضية واحدة،
وإنما كانت قضايا، فمرة أهدى إليه الحمار كله، ومرة عجزه، ومرة رجله؛ لأن
مثل هذا لا يذهب على الرواة ضبطه حتى يقع فيه التضاد في النقل والقصة
واحدة، كذا في ((العيني))(١).
(وهو بالأبواء) بفتح الهمزة، وسكون الموحدة، والمد، جبل بينه وبين
الجحفة، مما يلي المدينة، ثلاثة وعشرون ميلاً، وقد تقدم في غسل المحرم (أو
بودان) بفتح الواو، وتشديد الدال المهملة، فألف، فنون، موضع قرب
الجحفة .
قال الحافظ: هو أقرب إلى الجحفة من الأبواء، فإن من الأبواء إلى
الجحفة للآتي من المدينة ثلاثة وعشرون ميلاً، ومن الودان إلى الجحفة ثمانية
أميال. وبالشك جزم أكثر الرواة، وجزم ابن إسحاق وصالح بن كيسان عن
الزهري بودان، وجزم معمر وعبد الرحمن بن إسحاق ومحمد بن عمرو
بالأبواء، والذي يظهر لي أن الشك فيه من ابن عباس؛ لأن الطبراني أخرج
الحديث من طريق عطاء عنه بالشك أيضاً، انتهى ما في الفتح، وسيأتي برواية
البيهقي وغيره: أن ذلك كان في الجحفة.
وفي ((العيني)): روى القاضي إسماعيل عن سليمان بن حرب عن حماد بن
زيد عن صالح بن كيسان عن عبيد الله عن ابن عباس عن الصعب: ((أن
رسول الله ﴿ أقبل حتى إذا كان بقديد أهدى إليه بعض حمار فرده))، الحديث.
ورواه الطحاوي برواية سعيد بن جبير عن ابن عباس: ((أن الصعب بن جثامة
أهدى للنبي وقّ عجزَ حمارٍ، وهو بقديد يقطر دماً، فرده))، انتهى.
(فرده) أي الحمار (عليه) أي على صعب (رسول الله وَالو) قال الحافظ:
(١) ((عمدة القاري)) (٤٩٤/٧).
٩٩
٢٠ - كتاب الحج
(٢٥) باب
(٧٧٥) حدیث
فَلَمَّا رَأَى رَسُولُ اللَّهِ ﴿ مَا فِي وَجْهِي قَالَ: ((إِنَّا لَمْ نَرُدَّهُ
اتفقت الروايات كلها على أنه رده إليه، إلا ما رواه ابن وهب، والبيهقي من
طريقه بإسناد حسن، من طريق عمرو بن أمية: ((أن الصعب أهدى للنبي
عجز حمار وحش وهو بالجحفة، فأكل منه وأكل القوم))، قال البيهقي: إن كان
هذا محفوظاً، فلعله ردّ الحي وقبل اللحم، قال الحافظ (١): وفي هذا الجمع
نظر؛ فإن كانت الطرق كلها محفوظة، فلعله رده حياً، لكونه صيد لأجله، ورد
اللحم تارةً لذلك، وقبله أخرى، حيث علم أنه لم يصد لأجله، انتهى.
زاد الزرقاني: ويحتمل أن يحمل القبول في حديث عمرو على حال
رجوعه وير من مكة، ويؤيده أنه جازم فيه بوقوع ذلك في الجحفة، وفي غيرها
من الروايات بالأبواء، أو بودان، انتهى.
(قال: فلما رأى رسول الله وَلي ما في وجهي) وفي رواية الليث عن
الزهري عند الترمذي: ((فلما رأى ما في وجهه من الكراهية»، وكذا لابن خزيمة
من طريق ابن جريج، كذا في ((الفتح)).
قال الباجي(٢): يريد من التغير والإشفاق لرد النبي ◌ّر هديته، مع أنه وَيّ
يقبل الهدية ويأكلها، فخاف الصعب أن يكون ذلك لمعنى يخصه (قال) تطييباً
لقلبه: (إنا) بكسر الهمزة لوقوعها في الابتداء (لم نرده) قال عياض: ضبطناه في
الروايات بفتح الدال المشددة، وأبى ذلك محققو أهل العربية، وقالوا: إنه
غلط، والصواب ضم الدال لأن المضاعف من المجزوم يراعى فيه الواو التي
توجبها ضمة الهاء بعدها، قال: وليس الفتح بغلط، بل ذكره ثعلب في
((الفصيح))، نعم تعقبوه عليه بأنه ضعيف، وأجازوا أيضاً الكسر، وهو أضعف،
كذا في ((المحلى)).
(١) ((فتح الباري)) (٣٢/٤).
(٢) ((المنتقى)) (٢٤٨/٢).
١٠٠