Indexed OCR Text

Pages 41-60

٢٠ - كتاب الحج
(٢٢) باب
(٧٦٢) حديث
٧٦٢/ ٧٠ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عن نافع عَنْ نُبَيْهِ بْنِ وَهْبِ،
أَخِي بَنِي عَبْدِ الدَّارِ؛
نكاحه وَلّ: فالأقوال ثلاثة: أحدها: أنه تزوجها بعد حلّه من العمرة، وهو قول
ميمونة نفسها، وقول السفير بينها وبين رسول الله وثير، وهو أبو رافع، وقول
جمهور أهل النقل، والثاني: أنه تزوجها وهو محرم، وهو قول ابن عباس وأهل
الكوفة وجماعة. والثالث: أنه تزوجها قبل أن يحرم، انتهى.
وقد قال قبل ذلك(١) في قصة عمرة القضاء: فأقام رسول الله وَل بمكة
ثلاثاً، فلما أصبح من اليوم الرابع أتاه سهيل بن عمرو وحُويطب بن عبد العزَّى،
ورسول الله ◌َّلة في مجلس الأنصار يتحدث مع سعد بن عبادة، فصاح
حُويطب: نُناشدك الله والعَقْدَ لما خرجتَ من أرضنا فقد مضت الثلاثُ، فقال
سعد بن عبادة: كذبتَ لا أَمَّ لك، ليست بأرضك ولا أرض آبائك، والله لا
نخرُجُ، ثم نادى رسول الله وَسلّ حويطباً أو سهيلاً، فقال: ((إني قد نكحت منكم
امرأةً فما يضركم أن أمكث حتى أدخل بها، ونَضَعَ الطعام، فنأكل، وتأكلون
معنا)) فقالوا: نناشدك الله والعَقْدَ إلّا خرجتَ عنا، فأمر رسول الله وَّ أبا رافع،
فَأَذَّن بالرحيل، وركب رسول الله وَّ حتى نزل بطنَ سَرِفَ، فأقام بها، وخلّف
أبا رافع ليحملَ ميمونةَ إليه حين يُمسي، فأقام حتى قدمت ميمونةُ ومَنْ معها،
وقد لقوا أذى وعناء من سفهاء المشركين وصبيانهم، فبنى بها بِسَرف ثم أدلجَ
وسار حتى قَدِمَ المدينة، وقدَّرَ اللَّهُ أن يكون قبر ميمونة بسرف حيث بنى
بها(٢)، انتهى.
٧٠/٧٦٢ - (مالك، عن نافع) مولى ابن عمر (عن نبيه) بضم النون
وتقديمه على الموحدة مصغراً (ابن وهب) بن عثمان العبدري (أخي بني عبد
الدار) بن قصي أي واحد منهم المدني من صغار التابعين، ومات قبل نافع
(١) (٣٢٨/٣).
(٢) انظر: ((طبقات ابن سعد)) (١٢٠/٢ - ١٢٣)، و((شرح المواهب)) (٢٥٣/٢، ٢٦٣).
٤١

٢٠ - كتاب الحج
(٢٢) باب
.(٧٦٢) حديث
أَنَّ عُمَرَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ أَرْسَلَ إِلَى أَبَانَ بْنِ عُثْمَانَ، وَأَبَانُ يَوْمَئِذٍ أَمِيرُ
الْحَاجِّ، وَهُمَا مُحْرِمَانِ: إِنِّي قَدْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْكِحَ طَلْحَةَ بْنَ عُمَرَ،
بِنْتَ شَيْبَةَ بْنِ حُبِيْرِ،
الراوي عنه سنة ١٢٦ هـ (أن عمر بن عبيد الله) بضم العينين ابن معمر بن
عثمان بن عمرو بن كعب القرشي التيمي الجواد، وجده معمر صحابي، وهو
ابن عم أبي قحافة والد الصديق الأكبر رضي الله عنه.
(أرسل) نبيهاً الراوي المذكور، كما في رواية لمسلم سيأتي لفظها (إلى
أبان) بفتح الهمزة وتخفيف الموحدة (ابن عثمان) بن عفان الأموي المدني،
ثقة، مات سنة ١٠٥ هـ، قال النووي في ((تهذيبه))(١): إن في صرف أبان خلافاً
مشهوراً، والصحيح الذي عليه الأكثرون صرفه، فمن صرفه قال: وزنه فعال
كغزال، ومن منع صرفه قال: الهمزة زائدة والألف بدل من ياءٍ ووزنه أفعل،
انتھی .
(وأبان يومئذ أمير الحاج) من جهة عبد الملك بن مروان (وهما محرمان)
أي عمر بن عبيد الله وأبان بن عثمان، كذا في ((البذل))(٢).
(إني قد أردت أن أنكح) بضم فسكون أي: أزوج ابني (طلحة بن عمر)
القرشي، وقال بعضهم: الأنصاري، والصحيح الأول، لما في مسلم (٣) من
رواية أيوب عن نافع عن نبيه: ((بعثني عمر بن عبيد الله، وكان يخطب بنت شيبة :
على ابنه))، الحديث (ابنة شيبة) اسمها أمة الحميد، كما ذكره الزبير بن بكار
وغيره، قاله الزرقاني تبعاً للنووي (ابن جبير) بن عثمان بن أبي طلحة العبدري،
قال ابن عبد البر: لم يقل أحد في هذا الحديث ابنة شيبة بن جبير إلا مالك
(١) ((تهذيب الأسماء واللغات)) (٩٧/١).
(٢) انظر: ((بذل المجهود)) (٨١١/٩).
(٣) أخرجه مسلم في باب ((تحريم نكاح المحرم)) (١٤٠٩) من كتاب النكاح.
٤٢

٢٠ - كتاب الحج
(٢٢) باب
(٧٦٢) حديث
وَأَرَدْتُ أَنْ تَحْضُرَ، فَأَنْكَرَ ذُلِكَ عَلَيْهِ أَبَانُ،
عن نافع، ورواه أيوب وغيره عن نافع فقال فيه: ابنة شيبة بن عثمان، انتهى.
قلت: وحديث أيوب أخرجه مسلم بلفظ بنت شيبة بن عثمان، قال
النووي(١): هكذا قال حماد عن أيوب في رواية: بنت شيبة بن عثمان، وكذا
قال محمد بن راشد، وزعم أبو داود في ((سننه)) أنه الصواب، وأن مالكاً وهم
فيه، وقال الجمهور: بل قول مالك هو الصواب، فإنها بنت شيبة بن جبير بن
عثمان الحجبيّ، كذا حكاه الدارقطني عن رواية الأكثرين، قال القاضي: ولعل
من قال: شيبة بن عثمان نسبه إلى جده، فلا يكون خطأ، بل الروايتان
صحيحتان إحداهما حقيقة والأخرى مجاز، انتهى.
(فأردت أن تحضر ذلك) قال الباجي(٢): إرسال عمر بن عبيد الله إلى أبان
أن يحضر نكاح ابنه بمعنى إشهار النكاح، وإحضار أهل الفضل والدين فيه،
ويحتمل أيضاً أن يحضره لعلمه بما يصح العقد مما يفسده، انتهى. والأوجه
عندي أنه من باب إكرام الأمراء والافتخار بحضورهم (فأنكر ذلك) أي: نكاح
المحرم (عليه أبان) فقال: ((ألا أراه أعرابياً)) كما في رواية لمسلم، وفي أخرى
له: ((ألا أراك عراقياً جافياً)). قال القاضي عياض: قوله: أعرابياً أي: جاهلاً
بالسنة، والأعرابي، هو ساكن البادية، قال: وعراقياً هنا خطأ إلا أن يكون قد
عرف من مذهب أهل الكوفة حينئذ جواز نكاح المحرم، فيصح عراقياً أي آخذاً
بمذهبهم في هذا جاهلاً بالسنة، قاله النووي.
ومعنى قوله: جاهلاً بالسنة أي: على ظنه أن السنة عدم جواز نكاح
المحرم مستنبطاً بما سمعه من أبيه كما سيأتي، وكان النهي فيه للتنزيه لكنه
حمله على التحريم، كما حمله عليه الأئمة الثلاثة رضي الله عنهم وأرضاهم.
(١) ((شرح صحيح مسلم للنووي)) (١٩٦/٩/٥).
(٢) ((المنتقى)) (٢٣٨/٢).
٤٣

٢٠ - كتاب الحج
(٢٢) باب
(٧٦٢) حدیث
:
وَقَالَ: سَمِعْتُ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَ: ((لا
يَنْكِحِ الْمُحْرِمُ، وَلا يُنْكِحُ، ولا يَخْطُبُ)).
أخرجه مسلم في: ١٦ - كتاب النكاح، ٤ - باب تحريم نكاح المحرم وكراهة
خطبته، حديث ٤١.
(وقال: سمعت عثمان بن عفان) يعني أباه، وفي تصريحه بسمعت كما
وقع في ((الموطأ)) و((مسلم)) وغيرهما رد على من قال: لم يسمع أباه فالمثبت
مقدم، وفي ((تهذيب الحافظ)) (١): قال الأثرم: قلت لأحمد: أبان بن عثمان
سمع من أبيه؟ قال: لا، انتهى. (يقول: سمعت رسول الله وَل يقول: لا ينكح)
بفتح أوله وكسر الكاف وتحريك الحاء بالكسر على النهي، وبالضم على
النفي، قال صاحب ((المحلى)): مرفوع على الخبرية، ويحتمل أن يكون مجزوماً
بالكسر، انتهى، وسيأتي عن الخطابي: أن الأصح النهي أي: لا يعقد لنفسه
(المحرم) بحج أو عمرة أو بهما (ولا ينكح) بضم أوله وكسر الكاف مجزوماً أو
بضم الحاء أي لا يعقد لغيره بولاية ولا وكالة.
(ولا يخطب) بضم الطاء من الخطبة بكسر الخاء أي: لا يطلب امرأة
للنكاح، قال الزيلعي والحافظ في ((الدراية)): زاد ابن حبان في ((صحيحه)): لا
يخطب عليه، قال القاري: روي الكلمات الثلاث بالنفي والنهي، وذكر
الخطابي أنها على صيغة النهي أصح على أن النفي بمعنى النهي أيضاً بل أبلغ،
والأولان للتحريم، والثالث للتنزيه عند الشافعي، والكل للتنزيه عند أبي حنيفة،
كذا في ((البذل))(٢).
قال الزرقاني: فيمنع من الخطبة أيضاً كما هو ظاهر الحديث، وبه قال
الجمهور كما في ((المفهم))، وحمل الشافعية النهي في الخطبة على التنزيه،
(١) (تهذيب التهذيب)) (١ / ٩٧).
(٢) ((بذل المجهود)) (٩/ ٧٣).
٤٤

٢٠ - كتاب الحج
(٢٢) باب
(٧٦٣) حديث
٧٦٣/ ٧١ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ الْحُصَيْن؛ أَنَّ
أَبَا غَطَفَانَ
انتهى. قلت: ما حكي عن الجمهور بخلاف الشافعية لم أتحصله، بل كلهم
متفقون على أن النهي في الثالث للتنزيه، أما الشافعية فظاهر كما أقرَّ به
الخطابي، وبه جزم النووي كما صرح به في ((شرح مسلم)): أن النهي فيه للتنزيه .
وأما عند الحنابلة فقد تقدم في أول الباب من ابن قدامة أنه إن شهد أو
خطب لم يفسخ النكاح، وأما عند المالكية فقال الباجي قوله: ((لا يخطب))
يحتمل أن يريد به السفارة في النكاح والسعي فيه، ويحتمل أن يريد به إيراد
الخُطبة حال النكاح، فأما السعي فإنه ممنوع، فإن سعى فيه وتناول العقد لسواه
أو سعى فيه لنفسه وأكمل العقد بعد التحلل لم أر فيه نصاً، وعندي: أنه قد
أساء والنكاح لا يفسخ، وأما إذا خطب في عقد النكاح، وتناول العقد غيره
فهو على نحو ما ذكرنا، انتهى.
فهؤلاء كلهم صرحوا بعدم الفسخ في خطبة المحرم، وليت شعري ما
الذي فرق بين كلمات الرواية، فإنهم لا يفسخون النكاح بخطبة المحرم،
ويفسخونه بعقده مع ورود النهي عنهما بنسق واحد على أن الروايات في صحة
نكاح المحرم صحيحة ثابتة، ولا رواية في جواز الخطبة حال الإحرام، وأياً ما
كان فرواية الباب حجة للأئمة الثلاثة في حرمة العقد، ورجحوه بأنه قولي،
وبأن أبان راوي الحديث فهم أن المراد التحريم، ولذا أنكر على عمر بن
عبيد الله، وحمله أكثر الحنفية على التنزيه، وحمله صاحب (الهداية)) على
الوطء .
قال ابن الهمام: والمراد بالجملة الثانية التمكين من الوطء، والتذكير
باعتبار الشخص أي لا تُمِكِّنْ المحرمة من الوطء زوجها، انتهى، ورَدَّ على من
يضعف هذا التوجيه .
٧١/٧٦٣ - (مالك، عن داود بن الحصين) بضم الحاء وفتح الصاد
المهملتين مصغراً (أن أبا غطفان) بفتح الغين المعجمة والطاء المهملة والفاء،
٤٥

٢٠ - كتاب الحج
(٢٢) باب
(٧٦٤ - ٧٦٥) حديث
ابْنَ طَرِيفِ الْمُرِّيَّ، أَخْبَرَهُ أَنَّ أَبَاهُ طَرِيفاً تَزَوَّجَ امْرَأَةً وَهُوَ مُحْرِمٌ، فَرَدَّ
عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ نِكَاحَهُ.
٧٦٤/ ٧٢ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ نَافِع؛ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ
عُمَرَ كَانَ يَقُولُ: لا يَنْكِحِ الْمُحْرِمُ وَلا يَخْطبُ عَلَّى نَفْسِهِ، وَلا عَلَى
غَيْرِهِ.
٧٦٥/ ٧٣ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ؛ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ سَعِيدَ بْنَ
الْمُسَيَّبِ، وَسَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ،
قال في ((التقريب)): بفتحات (ابن طريف) المدني، ويقال: ابن مالك (المري) بضم
الميم وكسر الراء المشددة نسبة إلى قبيلة مر، كذا في ((التعليق الممجد))(١)،
حجازي، قيل: اسمه سعد، وبه جزم صاحب ((الخلاصة))، وزاد في ((رجال جامع
الأصول)): قيل: اسمه يزيد تابعي ثقة (أخبره أن أباه طريفاً) بفتح الطاء المهملة ذكر
الحافظ في مشايخ أبي غطفان أباه طريف بن مالك، وفي ((التعليق الممجد)):
طريف ككريم من التابعين (تزوج امرأة وهو محرم بمكة) زاده في بعض النسخ
الهندية (فردَّ عمرُ بن الخطاب) - رضي الله عنه - (نكاحه) قال الباجي(٢): ورده
لنكاحه يحتمل أن يكون بفسخ، ويحتمل أن يكون لطلاق، والفسخ باسم الرد
أليق، وفيه ترجيح لما ذهبنا إليه، وقلنا به من أن المحرم لا ينكح، انتهى.
٧٦٤/ ٧٢ - (مالك، عن نافع أن عبد الله بن عمر) - رضي الله عنه - (كان
يقول: لا ينكح) بفتح أوله (المحرم ولا يخطب على نفسه ولا على غيره) لعموم.
قوله {وَل: ((ولا يخطب)) فيعم نفسه وغيره(٣).
٧٣/٧٦٥ - (مالك، أنه بلغه أن سعيد بن المسيب وسالم بن عبد الله
(١) (٣٢١/٢).
(٢) ((المنتقى)) (٢٣٩/٢).
(٣) ((المحلى)) (١٩٨/٧).
٤٦

٢٠ - كتاب الحج
(٢٢) باب
(٧٦٥) حديث
وَسُلَيْمَانَ بْنَ يَسَارٍ، سُئِلُوا عَنْ نِكَاحِ الْمُحْرِمِ؟ فَقَالُوا: لا يَنْكِحِ
الْمُحْرِمُ، وَلا يُنْكِحْ .
وسليمان بن يسار) والثلاثة من الفقهاء المشهورين (سئلوا) ببناء المجهول (عن
نكاح المحرم؟ فقالوا: لا ينكح) بفتح أوله (المحرم ولا ينكح) بضم أوله، وقد
أكثر الإمام مالك - رضي الله عنه - الآثار، في ذلك بعد الحديث المرفوع في
المنع لقوة الخلاف في ذلك، وصحة رواية ابن عباس: أنه ◌ُّ تزوج وهو
محرم تنبيهاً على أن العمل والفتوى اتصل بالمنع، فلا يصح دعوى النسخ
أيضاً، لكن الآثار أيضاً مختلفة، فللمخالف أن يحمل آثارَ المنع على خلاف
الأولى .
واستدل للإمام أبي حنيفة - رضي الله عنه - ولمن وافقه في ذلك بما روي
من أنه ◌َّ تزوج ميمونة محرماً، وهو مشهور من حديث ابن عباس، قال
الحافظ: وقد صحَّ من حديث أبي هريرة وعائشة، أما حديث ابن عباس
فأخرجه الستة، قال الشيخ في ((البذل))(١): بل أجمع المحدثون على تخريجه
وتصحيحه، قلت: ولم يخرج البخاري حديث التزوج حلالاً، فإنه ترجم بنكاح
المحرم في الموضعين من ((صحيحه)) ولم يخرج فيهما إلا حديث ابن عباس،
قال الحافظ في ((الفتح)»(٢): أورد فيه حديث ابن عباس في تزويج ميمونة،
وظاهر صنيعه أنه لم يثبت عنده النهي عن ذلك، ولا أن ذلك من الخصائص،
وقد ترجم به في كتاب النكاح، ولم يزد على إيراد هذا الحديث، انتهى.
وقال أيضاً في موضع آخر(٣): كأنه يجنح إلى الجواز لأنه لم يذكر في
الباب شيئاً غير حديث ابن عباس، ولم يخرج حديث المنع كأنه لم يصح عنده
على شرطه، انتهى .
(١) (بذل المجهود)) (٧٨/٩).
(٢) ((فتح الباري)) (٤/ ٥٢).
(٣) ((فتح الباري)) (١٦٥/٩).
٤٧

٢٠ - كتاب الحج
(٢٢) باب
(٧٦٥) حدیث
ورجح حديث ابن عباس بوجوه: منها: كونه بمرتبة من العلم والفقه لا
يُدَانِيه غيره ممن روى حديث التزوج حلالاً، ومنها: اتفاقهم على تصحيحه،
وروايات التزوج حلالاً لا تخلو عن شيء من الكلام، ومنها: أنه محكم في
معناه لا يحتمل تأويلاً قريباً بخلاف روايات التزوج حلالاً، فإنها تحمل على
الخطبة وغيرها، كما تقدم في أول حديث الباب، ومنها: أنه مثبت لأمر زائد
وهو الإحرام، وهذا مختص بمن قال: إن النكاح وقع قبل الإحرام، كذا في
((البذل)).
وعلى هذا فلا يرد أن أهل الأصول من الحنفية صرحوا بأن رواية
ابن عباس نافية، ورواية يزيد مثبتة، لأن ذلك بالنسبة إلى الحل اللاحق، وأما
باعتبار الحل السابق على الإحرام كما وقع في بعض الروايات: أنه وُّل بعث
أبا رافع مولاه ورجلاً من الأنصار فزوجاه ميمونة، ورسول الله ولو بالمدينة قبل
أن يحرم، فابن عباس مثبت ويزيد نافٍ، كذا قاله ابن الهمام.
ومنها: أنه مؤيد بالقياس فإنه عقد من العقود، فمن اشترى جارية للوطء
يجوز بالاتفاق فالنكاح كذلك، والنهي وارد على الخطبة أيضاً، والمصير عند
تعارض الروايات إلى القياس.
ومنها: أن أمر النكاح كان إلى العباس كما تقدم في أول حديث الباب
من رواية أحمد والنسائي ابنه أعرف بالقصة، وأما حديث أبي هريرة قد أخرجه
الطحاوي والدارقطني، وصححه الحافظ كما تقدم في كلامه، وحديث عائشة
أخرجه الطحاوي أيضاً والبزار في ((مسنده))، وقال الطحاوي: روى عنها من لا
يطعن أحد فيه: أبو عوانة عن مغيرة عن أبي الضحى عن مسروق، فكل هؤلاء
أئمة يحتج بروايتهم.
وفي ((تنسيق النظام))(١): أخرجه ابن حبان والبيهقي أيضاً، وتقدم صحته
(١) (ص ١١٥).
٤٨

٢٠ - كتاب الحج
(٢٢) باب
(٧٦٥) حدیث
قَالَ مَالِكٌ، فِي الرَّجُلِ الْمُحْرِمِ: إِنَّهُ يُرَاجِعُ امْرَأَتَهُ إِنْ شَاءَ، إِذَا
كَانَتْ فِي عِدَّةٍ مِنْهُ.
أيضاً في كلام الحافظ، وأخرج الطحاوي الآثار في ذلك عن ابن مسعود
وابن عباس وأنس بن مالك أنهم لم يروا بذلك بأساً .
(قال يحيى: قال مالك في الرجل المحرم: إنه يراجع امرأته إن شاء، إذا
كانت في عدة منه) لأن الرجعة ليست بنكاح، فلم تدخل في الحديث، فأما إن
خرجت من عدتها فلا يُعِيدُها، لأنه نكاح فدخل فيه، قال ابن عبد البر: لا
خلاف في ذلك بين أئمة الفتوى بالأمصار، لأن المراجعة لا تحتاج إلى ولي
ولا صداق، قاله الزرقاني(١).
قال الباجي(٢): يعني إذا طلق امرأته طلقة رجعية في حال إحرامه أو قبل
ذلك، فإن له أن يراجعها ما كانت له الرجعة ببقاء عدتها، خلافاً لما يروى عن
ابن حنبل من منعه الرجعة، انتهى.
قلت: لكن في ((الروض المربع)) من فروع الحنابلة: وتصح الرجعة أي:
لو راجع المحرم امرأته صحت بلا كراهة، لأنه إمساك، وكذا شراء أمة للوطء،
انتهى، وهذا هو المشهور من مذهب الحنابلة.
قال ابن قدامة (٣): فأما الرجعة فالمشهور إباحتها، وهو قول أكثر أهل
العلم، وفيه رواية ثانية: أنها لا تباح لأنها استباحة فرج مقصود بعقد، فلا تباح
كالنكاح، ووجه الرواية الصحيحة أن الرجعية زوجة، والرجعة إمساك فأبيح
ذلك، انتهى. وتقدم في أول الباب من ((حاشية شرح الإقناع))(٤): أنه الصحيح
(١) (٢٧٥/٢).
(٢) ((المنتقى)) (٢٣٩/٢).
(٣) ((المغني)) (١٧٤/٥).
(٤) (ص ٥١٥).
٤٩

٢٠ - كتاب الحج
(٢٣) باب
(٢٣) باب حجامة المحرم
.---
عند الشافعية، وأما شراء الأمة ففي ((المغني)): هو مباح لا نعلم فيه خلافاً،
انتھی .
(٢٣) حجامة المحرم
وبنحو ذلك بوب البخاري في ((صحيحه))، قال العيني (١): هذا باب في
حكم الحجامة للمحرم، هل يمنع منها أو يباح له مطلقاً أو للضرورة؟ والمراد
في ذلك كله المحجوم لا الحاجم، انتهى. والحجامة بالكسر الاحتجام، وفي
((المحكم)): الحجم: المصُّ، والحَجّامُ: المَصَّاص، قال العيني: وبجوازه
مطلقاً قال عطاء ومسروق وإبراهيم وطاووس والثوري وأبو حنيفة والشافعي
وأحمد وإسحاق وقالوا: ما لم يقطع الشعر، وقال قوم: لا يحتجم المحرم إلا
من ضرورة، روي ذلك عن ابن عمر - رضي الله عنه - وبه قال مالك، انتهى.
وقال ابن قدامة (٢): أما الحجامة إذا لم يقطع شعراً، فمباحة من غير فدية
ني قول الجمهور؛ لأنه تداوٍ بإخراج دم فأشبه الفصدَ وربطَ الجرح، وقال
مالك: لا يحتجم إلا من ضرورة، وكان الحسن البصري يرى في الحجامة
دماً، انتهى. وسيأتي شيء من مسلك المالكية في آخر الباب، وهذا كله في
الاحتجام، أما قطع الشعر للحجامة فسيأتي بيانه في فدية من حلق قبل أن
ینحر .
وفي ((المحلى)): أجاز الاحتجام أبو حنيفة والشافعي والجمهور بلا
ضرورة أيضاً، لو لم يقطع شعراً، ولو قطع شعراً فهو حرام يجب فيه الفدية،
وحجامته وَّ في وسط الرأس كان لعذر؛ فإنه لا ينفكُ عن قطع شعر، انتهى.
(١) ((عمدة القاري)) (٥١٧/٧).
(٢) ((المغني)) (١٢٦/٥).
٥٠

٢٠ - كتاب الحج
(٢٣) باب
(٧٦٦) حديث
٧٦٦/ ٧٤ - حَدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ،
عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ لَ احْتَجَمَ وَهُوَ مُحْرِمٌ، فَوْقَ
رَأْسِهِ،
٧٤/٧٦٦ - (مالك، عن يحيى بن سعيد) الأنصاري (عن سليمان بن
يسار) مرسل في ((الموطأ))، وروي موصولاً عند البخاري ومسلم والنسائي
وابن ماجه من حديث عبد الله بن بحينة: احتجم رسول الله وَّر وهو محرم
بلَحْيَيْ جمل في وسط رأسه، وفي الباب عن جماعة من الصحابة، بسطت
رواياتهم في ((التعليق الممجد))(١).
(أن رسول الله (ليل احتجم) في حجة الوداع، كما جزم به الحازمي
وغيره، قاله الحافظ (وهو محرم) جملة حالية (فوق رأسه) وتقدم قريباً من
حديث ابن بحينة في وسط رأسه بيان لموضع الحجامة؛ لأنها تختلف باختلاف
المواضع، وهي في الرأس أشد لما يحتاج إليه من حلق شعر موضعها، وربما
قتل شيئاً من الدواب إلا أن ذلك كله مباح مع الحاجة إليه .
وقد أخرج البخاري في ((صحيحه)) (٢) عن ابن عباس قال: احتجم
النبي ◌َّ﴾ في رأسه وهو محرم من وجع كان به بماء يقال له: لَحْيَيْ جملٍ،
وفي طريق أخرى له عن ابن عباس تعليقاً: أن رسول الله وَّر احتجم وهو
محرم في رأسه من شقيقة كانت به، قال الحافظ(٣): قد اتفقت هذه الطرق عن
ابن عباس أنه احتجم وَ لّ وهو محرم في رأسه، ووافقها حديث ابن بحينة،
وخالف ذلك حديث أنس، فأخرج أبو داود والترمذي في (الشمائل)) والنسائي،
وصححه ابن خزيمة وابن حبان من طريق معمر عن قتادة عنه قال: احتجم
(١) (٢٩٢/٢).
(٢) ((صحيح البخاري)) (٥٧٠٠).
(٣) ((فتح الباري)) (٤/ ٥٠).
٥١

٢٠ - كتاب الحج
(٢٣) باب
(٧٦٦) حديث
وَهُوَ يَوْمَئِذٍ بِلَحْيَىْ جَمَلٍ، مَكَانٌ بِطَرِيقِ مَكَّةَ.
وصله البخاريّ في: ٢٨ - كتاب جزاء الصيد، ١١ - باب الحجامة للمحرم.
ومسلم في: ١٥ - كتاب الحج، ١١ - باب جواز الحجامة للمحرم،
حديث ٨٨.
النبي مَ﴾، وهو محرم على ظهر القدم من وجع كان به، ورجاله رجال
الصحيح إلا أن أبا داود حكى عن أحمد: أن سعيد بن أبي عروبة رواه عن
قتادة فأرسله، وسعيد أحفظ من معمر، وليست هذه بعلة قادحة، والجمع بين
حديثي ابن عباس وأنس واضح بالحمل على التعدد، أشار إلى ذلك الطبري،
انتھی .
قلت: بل هو المتعين لاختلاف موضعي الاحتجام، ففي ((الشمائل)) من
حديث أنس: أن رسول الله وَّر احتجم وهو محرم بمَلَلٍ على ظهر القدم.
قال القاري: هو بفتح الميم واللام الأولى موضع بين مكة والمدينة على
سبعة عشر ميلاً من المدينة، وجزم الحازمي وغيره أن الحجامة التي وقعت في
وسط الرأس كانت في حجة الوداع، فيمكن أن تكون التي في ظهر القدم
وقعت فيها أيضاً، ويمكن أن يكون في إحدى عمراته، انتهى.
لفظ النسائي(١) من حديث أنس: أن رسول الله وَّ احتجم وهو محرم
على ظهر القدم من وثء(٢) كان به، قلت: وقد احتجم النبي وَّر على وركه
من وثء كان به، كما أخرجه أبو داود، وكان إذ ذاك أيضاً محرماً، كما
أخرجه النسائي وأحمد من طرق عن جابر (وهو) # (يومئذ بلَحْيَيْ) بفتح اللام
وسكون المهملة وتحتيتين أولاهما مفتوحة بلفظ التثنية (جمل) بفتح الجيم
والميم (موضع بطريق مكة).
(١) ((سنن النسائي)) (٢٨٤٨).
(٢) قوله: ((من وثء)) بفتح واو وسكون مثلثة آخره همزة، والعامة تقول بالياء، وهو غلط،
وجع يصيب اللحم ولا يبلغ العظم، أو وجع يصيب العظم من غير كسر.
٥٢

٢٠ - كتاب الحج
(٢٣) باب
(٧٦٧) حدیث
٧٦٧/ ٧٥ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ نَافِعِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْن
عُمَرَ ؛ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: لا يَحْتَجِمُ الْمُحْرِمُ إِلَّا مِمَّا لا بُدَّ لَهُ مِنْهُ.
ولفظ محمد في (موطئه)) (١): عن سليمان بن يسار: أن رسول الله وَالدول
احتجم فوق رأسه، وهو يومئذ محرم بمكان من طريق مكة يقال له: لحي
جمل، قال ميرك: قوله: لحي جمل وقع في بعض الروايات بالتثنية وفي بعضها
بالإفراد، واللام المفتوحة، ويجوز كسرها والمهملة ساكنة. موضع بطريق مكة،
ذكره البغوي في ((معجمه)) في اسم العقيق، وقال: هي بئر جمل التي ورد في
حديث أبي جهم في التيمم.
وقال ابن وضَّاح وغيره: هي بقعة معروفة عقب الجحفة على سبعة أميال
من السقيا، وزعم بعضهم أن المراد بلحي الجمل الآلة التي احتجم بها، أي:
احتجم بعظم جمل، وهو وهم، والمعتمد الأول لما في حديث ابن عباس بماء
يقال له: لحي جمل، قاله القاري في ((شرح الشمائل))، وقريب منه ما في
((الفتح)) (٢) للحافظ.
٧٥/٧٦٧ - (مالك، عن نافع، عن عبد الله بن عمر؛ أنه كان يقول: لا
يحتجم المحرم إلا أن يضطر إليه مما) أي من أمر (لا بد له منه) هكذا في
النسخ الهندية، فقوله: ((مما لا بد له منه)) تأكيد وتوضيح للاضطرار، وفي
النسخ المصرية: ((لا يحتجم المحرم مما لا بد له منه))، ولفظ محمد في
((موطئه))(٣): ((لا يحتجم المحرم إلا أن يضطر إليه))، انتهى. والمعنى على
الجميع واحد، يعني لا يحتجم إلا لضرورة شديدة دعت إليه، ولما كان ذلك
هو مسلك الإمام مالك كما تقدم في أول الباب، ونبّه عليه بقوله:
(١) انظر: ((التعليق الممجد)) (٢٩٢/٢).
(٢) انظر: ((فتح الباري)) (٥١/٤١).
(٣) (ص ١٤٣).
٥٣

٢٠ - كتاب الحج
(٢٣) باب
(٧٦٧) حديث
قَالَ مَالِكٌ: لا يَحْتَجِمُ الْمُحْرِمُ إِلَّا مِنْ ضَرُورَةٍ.
(قال مالك: لا يحتجم المحرم إلا من ضرورة) فذكر أثر ابن عمر -
رضي الله عنه - بعد الحديث المرفوع، فإنه كان ساكتاً عن الضرورة، ولما
وردت الروايات المرفوعة العديدة في احتجامه و 18 محرماً بدون تقييد
بالضرورة، مال الجمهور إلى الجواز مطلقاً، وكذا قال محمد في ((موطئه))(١)
بعد حديث سليمان بن يسار المرفوع المتقدم، قال محمد: وبهذا نأخذ، لا
بأس بأن يحتجم الرجل وهو محرم اضطر إليه أو لم يضطر إلا أنه لا يحلق
شعراً، وهو قول أبي حنيفة - رحمه الله -، انتهى.
وقال الزرقاني(٢) بعد قول مالك: لا يحتجم المحرم إلا من ضرورة:
أي: يكره لأنها قد تؤدي لضعفه، كما كره صوم يوم عرفة للحاج مع أن
الصوم أخف من الحجامة، فبطل استدلال المجيز بأنه لم يقم دليل على
تحريم إخراج الدم في الإحرام لأنا لم نقل بالحرمة بالكراهة لعلة أخرى
علمت، انتهى.
وعلم منه أن المنع عند المالكية لعارض الضعف لا لمعنى في نفس
الحجامة، لكن قال الدردير(٣): وكره حجامة بلا عذر خيفة قتل الدواب، فإن
تحقق نفي الدواب فلا كراهة، ومحل الكراهة إذا لم يزل بسببها شعر وإلا حرم
فلا عذر(٤)، وافتدى مطلقاً لعذر أم لا، وحكى الدسوقي اختلاف أصحابهم في
إطلاق الكراهة وتقييدها باحتمال قتل الدواب، ولم يذكر من كرهه للضعف،
فتأمل .
(١) (ص ١٤٣).
(٢) ((شرح الزرقاني)) (٢٧٥/٢).
(٣) ((الشرح الكبير)) (٦٠/٢).
(٤) كذا في الأصل والظاهر ((بلا عذر))، اهـ، ((ش)).
٥٤

٢٠ - كتاب الحج
(٢٤) باب
(٢٤) باب ما يجوز للمحرم أكله من الصيد
(٢٤) ما يجوز للمحرم أكله من الصيد
لفظ ((من)) بيان لما أي: باب الصيد الذي يجوز أكله للمحرم، ولا تأثير
للإحرام ولا للحرم في تحريم شيء من الحيوان الأهلي كبهيمة الأنعام ونحوها
لأنه ليس بصيد، وإنما حرم الله تعالى الصيد، وقد كان النبي وَّ يذبح البُدْنَ
في إحرامه في الحرم، يتقرب إلى الله سبحانه بذلك، وقال: ((أفضل الحج العَجُ
والنَّجُّ))، يعني إسالة الدماء بالذبح والنحر.
قال ابن قدامة: ليس في هذا اختلاف، وقال البخاري في ((صحيحه)): لم
ير ابن عباس وأنس بالذبح بأساً، وهو في غير الصيد نحو الإبل أو الغنم والبقر
والدجاج والخيل، قال الحافظ: وهو متفق عليه فيما عدا الخيل فإنه مخصوص
بمن يبيح أكلها، وكذا قال العيني (١): إن هذا كله متفق عليه غير ذبح الخيل
فإن فيه خلافاً معروفاً، انتهى.
ويحل للمحرم صيد البحر لقوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ اٌلْبَحْرِ وَطَعَامُهُ﴾(٢)
الآية، وأجمع أهل العلم على أن صيد البحر مباح للمحرم اصطياده وأكله وبيعه
وشراؤه، كذا في ((المغني)) (٣)، وسيأتي في آخر هذا الباب، وأما صيد البر فقد
قال ابن قدامة: لا خلاف بين أهل العلم في تحريم قتل الصيد واصطياده على
المحرم، وقد نص الله تعالى عليه في كتابه فقال سبحانه: ﴿لَا تَقْتُلُواْ الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ
حُمٌ﴾﴾(٤)، وقال تعالى: ﴿وَحُرِمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمً﴾(٥).
(١) ((عمدة القاري)) (٤٨٠/٧).
(٢) سورة المائدة: الآية ٩٦.
(٣) انظر: ((المغني)) (١٧٨/٥).
(٤) سورة المائدة: الآية ٩٥.
(٥) سورة المائدة: الآية ٩٦.
٥٥

٢٠ - كتاب الحج
(٢٤) باب
وقال ابن رشد (١): المحظور الخامس الاصطياد، وذلك أيضاً مجمع عليه
لقوله تعالى: ﴿لَا نَقْتُلُواْ الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾، وأجمعوا على أنه لا يجوز له صيده
ولا أكل ما صاد هو منه، واختلفوا إذا صاده حلال هل يجوز للمحرم أكله؟
على ثلاثة أقوال: قول: إنه يجوز له أكله على الإطلاق، وقال قوم: هو محرم
عليه على كل حال، وقال مالك: ما لم يُصَد من أجل المحرم فهو حلال، وما
صيد من أجله فهو حرام على المحرم، وسبب اختلافهم تعارض الآثار في
ذلك، انتهى مختصراً.
وأعرضنا عن تفصيل المذاهب لما فيه شيء من الغلط في نسبة المذاهب
إلى قائليها، والصواب ما في ((العيني))(٢) عن القشيري: اختلف الناس في أكل
المحرم لحم الصيد على مذاهب، أحدها: أنه ممنوع مطلقاً صيد لأجله أو لا،
وهذا مذكور عن بعض السلف، ودليله حديث الصعب بن جثامة. الثاني:
ممنوع إن صاده أو صيد لأجله سواء كان بإذنه أو بغير إذنه وهو مذهب مالك
والشافعي. الثالث: إن كان باصطياده أو بإذنه لا بدلالته حرم عليه، وإن كان
على غير ذلك لم يحرم، وإليه ذهب أبو حنيفة، انتهى.
قلت: والأول: أي المنع مطلقاً حكاه في ((البذل))(٣) تبعاً (البدائع)) عن
علي وابن عباس وعثمان في رواية لعموم قوله تعالى: ﴿وَحُِمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ﴾
أخبر أن صيد البر محرم على المحرم مطلقاً من غير فصل بين أن يكون صيد
المحرم أو الحلال، وهكذا قال ابن عباس: إن الآية مبهمة لا يحل لك أن
تصيده ولا أن تأكله، وبه قال داود بن علي الأصفهاني، انتهى.
(١) (بداية المجتهد)) (٣٣٠/١).
(٢) ((عمدة القاري)) (٤٨٥/٧).
(٣) ((بذل المجهود)) (٩٥/٩).
٥٦

٢٠ - كتاب الحج
(٢٤) باب
(٧٦٨) حديث
٧٦/٧٦٨ - حَدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنْ أَبِي النَّصْرِ، مَوْلَى
عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ التَّيْمِيِّ،
قال الحافظ(١): وبه قال علي وابن عباس وابن عمر والليث والثوري
وإسحاق لحديث الصعب، وأما الثاني: فحكاه العيني عن مالك والشافعي
وأحمد وإسحاق في رواية الجمهور.
وزاد في ((التعليق الممجد))(٢): عثمان - رضي الله عنه - وعطاء وأبا ثور،
وأما الثالث: فقال العيني: إذا اصطاد حلال صيداً فأهداه إلى محرم فقد ذهب
جماعة إلى إباحته مطلقاً، ولم يفصلوا بين أن يكون قد صاده من أجله أم لا .
حكى أبو عمر هذا القول عن عمر بن الخطاب وأبي هريرة والزبير بن العوام
وكعب الأحبار ومجاهد وعطاء في رواية وسعيد بن جبير، قال: وبه قال الكوفيون،
انتهى. وحكاه ابن الهمام عن طلحة بن عبيد الله وعائشة - رضي الله عنهما - أيضاً،
وحكاه الزيلعي في ((نصب الراية))(٣) عن الشافعي إذ قال: والشافعي مع أبي حنيفة
في إباحة أكل المحرم ما صيد لأجله، وأحمد مع مالك في تحريمه، انتهى.
فلو صح فيمكن أن يكون قولاً له - رحمه الله -، لكني لم أجده في
فروعه، وفي ((القسطلاني)): قال المرداوي من الحنابلة: ويحرم ما صيد لأجله
على الصحيح من المذهب، نقله الجماعة عن أحمد، وعليه الأصحاب قال:
وفي ((الانتصار)): احتمال بجواز أكل ما صيد لأجله، انتهى.
٧٦/٧٦٨ _ (مالك، عن أبي النضر) بفتح النون وإسكان الضاد المعجمة
سالم بن أبي أمية، ووقع في بعض النسخ الهندية: مالك عن أبي النظر، بالظاء
المعجمة، والظاهر أنه تصحيف من الناسخ، لم أجده في كتب الرجال (مولى
عمر بن عبيد الله التيمي) هذا أيضاً يؤيد التصحيف، فإن المضبوط في الرجال
(١) ((فتح الباري)) (٣٣/٤).
(٢) ((التعليق الممجد)) (٣٣٦/٢).
(٣) ((نصب الراية)) (١٤٠/٣).
٥٧

٢٠ - كتاب الحج
(٢٤) باب
(٧٦٨) حديث
عَنْ نَافِعِ، مَوْلَى أَبِي قَتَادَةَ الأَنْصَارِيِّ، عَنْ أَبِي قَتَادَةَ؛
هو بالضاد المعجمة، وقد أخرج أبو داود(١) وغيره حديث الباب برواية القعنبي
عن مالك عن أبي النضر (عن نافع) بن عباس بموحدة والمهملة أو ابن عياش
بتحتية ومعجمة. وبالثاني ضبطه صاحب ((المحلى))، أبو محمد الأقرع المدني
المشهور باسمه وكنيته معاً.
(مولى أبي قتادة الأنصاري) حقيقة كما جزم به النسائي والعجلي وغيرهما،
وقال ابن حبان: مولى عقيلة بنت طالق الغفارية، وهو الذي يقال له: نافع
مولى أبي قتادة نسب إليه، ولم يكن مولاه، قال الحافظ في ((الفتح)) (٢):
فيحتمل أنه نسب إليه لكونه كان زوج مولاته، أو للزومه إياه، أو نحو ذلك،
انتهى. وفي ((التقريب)): قيل له ذلك للزومه، وكان مولى عقيلة، ثقة.
(عن أبي قتادة الأنصاري) الحارث بن ربعي اختلفت الروايات تقديماً
وتأخيراً وإجمالاً وتفصيلاً في هذه القصة، وأجمل الحافظ الكلام عليه في
(الفتح))(٣)، وقال: وحاصل القصة: أن النبي و ﴿ لما خرج في عمرة الحديبية
فبلغ الروحاء - وهي من ذي الحليفة على أربعة وثلاثين ميلاً - أخبروه بأن عدواً
من المشركين بوادي غيقة يخشى منهم أن يقصدوا غِرَّتَه، فجهّز طائفة من
أصحابه فيهم أبو قتادة إلى جهتهم ليأمن شرَّهم، فلما أمنوا ذلك لحق أبو قتادة
وأصحابه بالنبي ور فأحرموا إلا هو، فاستمر هو حلالاً لأنه إما لم يجاوز
الميقات أو لم يقصد العمرة.
وقال أيضاً: إن الروحاء هو المكان الذي ذهب أبو قتادة وأصحابه منه
إلى جهة البحر، ثم التقوا بالقاحة، وبها وقع له الصيد المذكور، وكأنه تأخر
(١) أخرجه أبو داود في المناسك (١٨٥٢)، والترمذي في الحج (٨٤٧)، وأحمد في
((مسنده)) (١٩٠/٥).
(٢) ((فتح الباري)) (٤/ ٢٧).
(٣) (فتح الباري)) (٢٣/٤).
٥٨
--------
---

٢٠ - كتاب الحج
(٢٤) باب
(٧٦٨) حديث
أَنَّهُ كَانَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّهه
هو ورفقته للراحة أو غيرها، وتقدمهم النبي ◌ّ إلى السقيا حتى لحقوه،
انتهى. وظاهر عامة الروايات على أن أبا قتادة خرج معه من المدينة، وفي
((صحيح ابن حبان)) والبزار والطحاوي عن أبي سعيد الخدري قال: بعث
رسول الله ◌َو أبا قتادة على الصدقة، وخرج رسول الله وقليل وأصحابه وهم
محرمون حتى نزلوا بعسفان، الحديث.
قال الحافظ: ويحتمل جمعهما، وقال القسطلاني: يحتمل أنه وَلّ ومن
معه لحقوا أبا قتادة في بعض الطريق قبل الروحاء، فلما بلغوها وأتاهم خبر
العدو وَجَّهَه النبي ◌َّر في جماعة لكشف العدو، انتهى.
والأوجه عندي: أن أبا قتادة لم يخرج معه بَّ بل بعثه أهل المدينة
إليه وَيّ ليعلمه أن بعض العرب يقصدون الإغارة، فلحقه وَّر قبل الروحاء،
فبعث النبي ) أبا قتادة إلى ساحل البحر لكشف العدو، فالتقوا معه وَالهرم
بالقاحة، ثم بعثه رسول الله ◌َّ لأخذ الصدقة، لأنه لم يكن محرماً. فرجع
بعسفان، جمعاً بين الروايات. (أنه كان مع رسول الله (وَ ﴾) وفي جهاد
البخاري: أنه خرج مع رسول الله وَلّ، وفي ((الصحيحين)) وغيرهما من رواية
عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه: ((انطلقنا مع النبي ◌ّر عام الحديبية فأحرم
أصحابه ولم أحرم)».
قال الحافظ: قوله: ((الحديبية)) أصح من رواية الواقدي من وجه آخر عن
عبد الله بن أبي قتادة: أن ذلك كان في عمرة القضية، انتهى.
وفي ((العيني)) (١) بعد ذكر رواية الواقدي: قال أبو عمر: كان ذلك عام
الحديبية أو بعده بعام، عام القضية، انتهى.
قلت: وعامة الروايات على الحديبية، وفي طريق آخر للبخاري عن
(١) انظر: ((عمدة القاري)) (٤٨٢/٧).
٥٩

٢٠ - كتاب الحج
(٢٤) باب
(٧٦٨) حدیث
حَتَّى إِذَا كَانُوا بِبَعْضِ طَرِيقِ مَكَّةَ، تَخَلَّفَ مَعَ أَصْحَابٍ لَهُ .
عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه: ((أن رسول الله مَل# خرج حاجاً فخرجوا معه)»،
الحديث. قال الإسماعيلي: هذا غلط، فإن القصة كانت في عمرة، وأما
الخروج إلى الحج فكان في خلقٍ كثيرٍ، وكان كلهم على الجادة، لا على
ساحل البحر، ولعل الراوي أراد: خرج محرماً، فعبّر عن الإحرام بالحج
غلطاً، قال الحافظ: لا غلط في ذلك، بل هو من المجاز السائغ، وأيضاً: فإن
الحج في الأصل قصد البيت، فكأنه قال: خرج قاصداً للبيت، انتهى.
وأنكر العيني المجاز، ومال إلى أنه غلط، ولعل هذا الحديث هو منشأ
توهم أحمد بن عبد الله الطبري، إذ ذكر في حجة الوداع له أنهم لما كانوا
ببعض الطريق صاد أبو قتادة حماراً وحشياً، ولم يكن محرماً، فأكل منه
النبي ◌َّر، انتهى. وعَدَّه ابن القيم في ((الهدي))(١) من الأوهام وقال: هذا إنما
كان في عمرة الحديبية، انتهى. قال الحافظ(٢): وجزم يحيى بن أبي كثير بأن
ذلك كان في عمرة الحديبية، وهذا هو المعتمد، انتهى. (حتى إذا كانوا ببعض
طريق مكة) وتقدم في كلام الحافظ: أن الروحاء هو المكان الذي ذهب أبو قتادة
وأصحابه منه إلى جهة البحر، ثم التقوا بالقاحة، وأخرج البخاري من رواية
يحيى بن أبي كثير عن عبد الله بن أبي قتادة قال: انطلق أبي عام الحديبية،
فأحرم أصحابه ولم يحرم، وحُدِّث النبيُّ ◌َّ أن عدواً يغزوه بغيقة، الحديث.
قال الحافظ: وبين المطلب عن أبي قتادة عند سعيد بن منصور مكان صرفهم،
ولفظه: ((خرجنا مع رسول الله (ّل حتى إذا بلغنا الروحاء))، انتهى.
(تخلف مع أصحاب له) وتقدم في كلام الحافظ أنهم التقوا بالقاحة، وبها
وقع له الصيد المذكور، وكأنه تأخر هو ورفقته للراحة أو غيرها، ولفظ
البخاري برواية صالح بن كيسان عن نافع أبي محمد عن أبي قتادة قال: كنا مع
(١) ((زاد المعاد)) (١٥٥/٢).
(٢) ((فتح الباري)) (٢٩/٤).
٦٠