Indexed OCR Text
Pages 21-40
٢٠ - كتاب الحج (٢١) باب (٧٥٩) حدیث ٦٧/٧٥٩ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ نَافِع، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْن عُمَرَ؛ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ: اقْصِلُوا بَيْنَ حَجَّكُمْ وَعُمْرَتِكُمْ، فَإِنَّ ذُلِكَ أَتَمُّ لِحَجِّ أَحَدِكُمْ، وَأَتَمُّ لِعُمْرَتِهِ، أَنْ يَعْتَمِرَ فِي غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ. ٦٧/٧٥٩ - (مالك، عن نافع، عن عبد الله بن عمر، أن عمر بن الخطاب) - رضي الله عنه - وأخرجه مسلم برواية جابر - رضي الله عنه - عن عمر - رضي الله عنه -، وفيه القصة (قال: افصلوا) بوصل الهمزة وكسر الصاد على ما ضبطه صاحب ((المحلى))(١)، أي فرقوا (بين حجكم وعمرتكم) قال الباجي (٢): يحتمل من جهة اللفظ الفصل بينهما في الإحرام إلا أنه قد بيَّن في آخر الحديث أنه إنما أراد الفصل بينهما في وقت الإحرام، فتفرد أشهر الحج للإحرام بالحج ويحرم بالعمرة في سائر الشهور (فإن ذلك) كذا في النسخ المصرية، وفي النسخ الهندية: ذلكم (أتم لحج أحدكم) لِتُفرد له أشهرُ الحج (وأتم لعمرته) مبتدأ وخبره (أن يعتمر في غير أشهر الحج). ورواه مسلم في ((صحيحه)) (٣) برواية شعبة عن قتادة عن أبي نضرة عن جابر قال عمر - رضي الله عنه -: ((إن الله كان يُحِلُّ لرسوله ما شاء بما شاء، وإن القرآن قد نزل منازله، فأتموا الحج والعمرة كما أمركم الله))، الحديث، وفيه القصة، ثم أخرجه برواية همام عن قتادة بهذا الإسناد، وقال في الحديث: ((فافصلوا حجكم من عمرتكم، فإنه أتم لحجكم وأتم لعمرتكم))، وعند عبد الرزاق عن عمر - رضي الله عنه - من إتمامهما أن يفرق كل واحد من الآخر، وأن يعتمر في غير أشهر الحج، إن الله يقول: ﴿أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾، كذا في ((المحلى)). (١) (٦٧/٧). (٢) ((المنتقى)) (٢٣٤/٢). (٣) (صحيح مسلم)) (١٢١٧). ٢١ ٢٠ - كتاب الحج (٢١) باب (٧٥٩) حديث قال الباجي(١): هذا الحديث يدل على أن نهي عمر - رضي الله عنه - عن المتعة لم يكن على وجه التحريم، ولو أراد تحريم المتعة على الإطلاق لما قال: إنه أتمُّ لعمرتكم، بل كان يقول: إنه لا يجوز الاعتمار في أشهر الحج لمن أراد الحج، انتهى. قلت: وهذا هو المتعين فقد روي عنه - رضي الله عنه - من غير وجه أنه تمتع كما تقدم في ((باب التمتع)). وقال ابن القيم في ((الهدي)) (٢): روي عن طاووس عن ابن عباس: تمتّع رسول الله ◌َّ وأبو بكر حتى مات، وعمر وعثمان كذلك، وأول من نهى عنها معاوية، رواه الإمام أحمد في ((المسند))، والترمذي وقال: حسن، وذكره عبد الرزاق عن ابن طاووس عن أبيه قال: قال أُبيّ بن كعب وأبو موسى لعمر بن الخطاب: ألا تقوم فتبين للناس أمر هذه المتعة؟ فقال عمر - رضي الله عنه -: وهل بقي أحد إلا وقد علمها! أما أنا فأفعلها، قال: فما ذكره شيخنا أن عمر - رضي الله عنه - لم ينه عن المتعة البتة، وإنما قال: إن أتمَّ حجتكم وعمرتكم أن تفصلوا بينهما، فاختار لهم أفضل الأمور، وهو إفراد كل واحد منهما بسفر ينشئه له من بلده، وهذا أفضل من القران والتمتع، وقد نص على ذلك أحمد وأبو حنيفة ومالك والشافعي وغيرهم، وهذا هو الإفراد الذي فعله أبو بكر وعمر - رضي الله عنهما - وكان عمر يختاره للناس، وكذلك علي، وقال عمر وعلي - رضي الله عنهما - في قوله تعالى: ﴿وَأَنِقُواْ الْحَجَّ وَالْعُبْرَةَ لِلَّهَ﴾(٣)، قال: إتمامهما أن تحرم بهما من دويرة أهلك، وقد قال ◌َ له لعائشة في عمرتها: ((أجرك على قدر نصبك)). وفي ((موطأ محمد)) (٤) بعدما ذكر أثر الباب: قال محمد: يعتمر الرجل. (١) ((المنتقى)) (٢٢٥/٢). (٢) ((زاد المعاد)) (١٩٣/٢، ١٩٤). (٣) سورة البقرة: الآية ١٩٦. (٤) انظر: ((التعليق الممجد)) (٢٦٤/٢). ٢٢ ٢٠ - كتاب الحج (٢١) باب (٧٦٠) حديث ٦٨/٧٦٠ - وحدّثني عَنْ مَالِكٍ؛ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَقَّانَ كَانَ إِذَا اعْتَمَرَ، رُبَّمَا لَمْ يَحْتُظْ عَنْ رَاحِلَتِهِ حَتَّى يَرْجِعَ . ويرجع إلى أهله، ثم يحج ويرجع إلى أهله، فيكون ذلك في سفرين أفضل من القران، ولكن القِران أفضل من الحج مفرداً والعمرة من مكة ومن التمتع، إلى أن قال: وهو قول أبي حنيفة والعامة من فقهائنا، انتهى. قال ابن القيم(١): فهذا الذي اختاره عمر - رضي الله عنه - للناس، فظن من غلط منهم أنه نهى عن المتعة، ثم منهم من حمل نهيه على متعة الفسخ، ومنهم من حمله على ترك الأولى ترجيحاً للإفراد عليه، ومنهم من عارض روايات النهي عنه بروايات الاستحباب، ومنهم من جعل في ذلك روايتين عن عمر، ومنهم من جعل النهي قولاً قديماً، ورجع عنه أخيراً كما سلك ابن حزم، ومنهم من يعد النهي رأياً رآه من عنده لكراهته أن يظل الحاج(٢) مُعَرِّسِيْنَ بِنسائهم في ظل الأرَاك، انتهى. والأوجه عندي أن نهي عمر - رضي الله عنه - كان عن متعة الفسخ، والتمتع المعروف كليهما، والنهي عن الأول كان على التحريم، وهو محمل ما ورد أنه كان يضرب على ذلك، قال عياض: وما كان عمر - رضي الله عنه - لينهى عن التمتع، وإنما كان ينهى ويضرب على الفسخ لاعتقاده هو وغيره أن الفسخ خاص بالصحابة، انتهى. والنهي عن الثاني كان بسبيل الاختيار، وهو محمل رواية الباب وما في معناها، ولما حملوه أيضاً على التحريم فعل بنفسه التمتع لبيان الجواز. ٦٨/٧٦٠ - (مالك، أنه بلغه أن عثمان بن عفان كان إذا اعتمر، ربما لم يخطط) بضم الطاء الأولى ك ينصر من حظّ الشيء يحط إذا أنزله، وألقاه أي: لم ينزل الرحال والأمتعة (عن راحلته حتى يرجع) إلى المدينة، قال الباجي: (١) ((زاد المعاد)) (١٩٥/٢). (٢) كذا في الأصل اهـ ((ز)). ٢٣ ٢٠ - كتاب الحج (٢١) باب (٧٦٠) حديث قَالَ مَالِكٌ: الْعُمْرَةُ سُنَّةٌ. وَلَا نَعْلَمُ أَحَداً مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَرْخَصَ فِي تَرْكِهَا . يحتمل أن يكون إسراعاً إلى المدينة لحبه إياها بدعوة النبي ◌َّ﴾، ويحتمل أن يكون الإسراع للنظر في أمور المسلمين التي قرن النظر فيها بالمدينة مع الصحابة، ويحتمل أن يكره المقام بمكة لما منعه المهاجرون من الإقامة بمكة واستيطانها، وإنما أبيح لهم مقام ثلاثة أيام، لأنها مدة لا يكون المقيم بها مقيماً، ولما روى العلاء بن الحضرمي أن رسول الله صلو قال: ((للمهاجر ثلاث بعد الصدر))، انتهى. يعني يستنبط منه أن ذلك مدة رخصة للضرورة، ورأى أنه مستغنٍ بعدم الضرورة، وقد أخرج البخاري في ((صحيحه))(١) عن أبي هريرة مرفوعاً: ((السفر قطعة من العذاب، يمنع أحدكم طعامه وشرابه ونومه، فإذا قضى نهمته فليعجل إلى أهله)). قال الحافظ: وفي رواية: ((فليعجل الرجوع إلى أهله))، وفي أخرى: «فليعجل الكَرَّةَ إلى أهله))، وفي حديث عائشة: ((فليعجل الرحلة إلى أهله، فإنه أعظم لأجره)). (قال يحيى: قال مالك: العمرة سنة) مؤكدة آكد من الوتر، وهذا هو المشهور في المذهب، كذا قال جمعٌ من المالكية، وبه قالت الحنفية: إنها سنة مؤكدة، لكنهم لم يقولوا: إنها آكد من الوتر؛ لأن الوتر عندهم واجب (ولا نعلم أحداً من المسلمين أرخص في تركها) قال الأبي في ((الإكمال)): قال عياض: قال مالك: هي سنة مؤكدة، وقال مرة: لا أعلم أحداً يترخص فيها فحمل بعضهم قوله على الاستحباب، وحمله بعضهم على الوجوب، انتهى. وقال الزرقاني(٢): حمل على السنية، لأن تركها لا يرخص فيه، بل ثمة (١) أخرجه البخاري (١٨٠٤، ٣٠٠١، ٥٤٢٩)، و((فتح الباري)) (٦٣٣/٣). (٢) (٢٧٠/٢). ٢٤ ٢٠ - كتاب الحج (٢١) باب (٧٦٠) حديث قَالَ مَالِكٌ: وَلا أَرَى لِأَحَدٍ أَنْ يَعْتَمِرَ فِي السَّنَةِ مِرَاراً. سنة يقاتل عليها، وحمله بعضهم على الوجوب، وبه قال ابن حبيب وابن الجهم، انتهى. وقال الباجي بعد قول مالك(١): لا نعلم أحداً إلخ: يريد أنها متأكدة، وأنه لا يعلم أحداً من المسلمين يُفَضِّلُ تركها ولا يرخص فيه، بل يأمر بفعلها، ويفتي بتأكيد حالها، كما يفتي بالمسارعة إلى متأكد السنن، لا سيما ما اختلف في وجوبه كالوتر، انتهى. (قال مالك: ولا أرى لأحد أن يعتمر في السنة مراراً) من إطلاق الجمع على ما فوق الواحد، فتكره المرة الثانية، فأكثر، لأنه وَ ل# اعتمر أربعاً كل واحدة في سنة، مع تمكنه من التكرير، نعم إن شرع في المكروه لزمه إتمامها، لأنه من قسم الجائز، وأجاز الجمهور وكثير من المالكية التكرار بلا كراهة، للحديث السابق: ((العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما)) حتى بالغ ابن عبد البر، فقال: لا أعلم أحداً لمن كره ذلك حُجَّةً من كتاب ولا سنة يجب التسليم لمثلها، قاله الزرقاني، وفي ((شرح المنهاج)): يسن الإكثار منها لا سيما في رمضان، انتهى. وقال ابن قدامة(٢): لا بأس أن يعتمر في السنة مراراً، روي ذلك عن علي وابن عمر وابن عباس وأنس وعائشة وعطاء وطاووس وعكرمة والشافعي، وكره العمرة في السنة مرتين الحسن وابن سيرين ومالك، وقال النخعي: ما كانوا يعتمرون في السنة إلا مرة، ولأن النبي ◌ُّ لم يفعله. ولنا: أن عائشة اعتمرت في شهر مرتين بأمر النبي ◌ّة، عمرة مع قرانها، وعمرة بعد حجها، ولأن النبي ◌َّر قال: ((العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما))، (١) ((المنتقى)) (٢٣٥/٢). (٢) ((المغني)) (١٦/٥). ٢٥ ٢٠ - كتاب الحج (٢١) باب (٧٦٠) حدیث متفق عليه. وقال علي - رضي الله عنه -: في كل شهر مرة، وكان أنس إذا حَمَّمَ (١) رأسه خرج فاعتمر، رواهما الشافعي في (مسنده)، وقال عكرمة: يعتمر إذا أمكن الموسى من شعره، وقال عطاء: إن شاء اعتمر في كل شهر مرتين، فأما الإكثار من الاعتمار والموالاة بينهما، فلا يستحب في ظاهر قول السلف الذي حكيناه، وكذلك قال أحمد: إذا اعتمر فلا بد من أن يحلق أو يقصر، وفي عشرة أيام يمكن حلق الرأس، فظاهر هذا أنه لا يستحب أن يعتمر في أقل من عشرة، وقال بعض أصحابنا: يستحب الإكثار من الاعتمار، انتهى ما في ((المغني)). وفي ((الروض المربع)) (٢): تباح العمرة في كل وقت، فلا تكره في أشهر الحج، ولا يوم النحر أو يوم عرفة، ويكره الإكثار والموالاة بينها باتفاق السلف، قاله في ((المبدع))، ويستحب تكرارها في رمضان، لأنها تعدل حجة، انتھی . وقال القاري في ((شرح اللباب)): ولا يكره الإكثار منها في جميع السنة، خلافاً لمالك، بل يستحب على ما عليه الجمهور، وقد قيل: سبع أسابيع من الأطوفة كعمرة، وورد ثلاث عمر لحجة، وورد عمرتان، انتهى. وفي ((الهداية)): هي جائزة في جميع السنة إلا خمسة أيام، يكره فيها فعلها يوم عرفة ويوم النحر وأيام التشريق، لما روي عن عائشة: ((أنها كانت تكره العمرة في هذه الأيام الخمسة))، قال ابن الهمام: قال الشيخ تقي الدين في ((الإمام)): روى إسماعيل بن عياش عن إبراهيم ونافع عن طاووس، قال: قال البحر، يعني ابن عباس: خمسة أيام: يوم عرفة ويوم النحر، وثلاثة أيام التشريق اعتَمِرْ قبلها أو بعدها ما شئت، انتهى. (١) حَمَّمَ رأسه: نبت شعر رأسه بعدما حلق. (٢) (٥٢٣/١). ٢٦ ٢٠ - كتاب الحج (٢١) باب (٧٦٠) حديث قَالَ مَالِكٌ فِي الْمُعْتَمِرِ يَقَعُ بِأَهْلِهِ: إِنَّ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ الْهَدْيَ، وعُمْرَةً أُخْرَى (قال مالك في المعتمر يقع بأهله) أي يجامعها (إن عليه في ذلك الهدي) جزاء للجناية، واختلفوا في مصداق الهدي الواجب في إفساد الحج والعمرة، أما الأول فسيأتي في محله، وأما الثاني فالجمهور على أن الواجب شاة. قال الموفق(١): من وطئ قبل التحلل من العمرة، فسدت عمرته، وعليه شاة مع القضاء، وقال الشافعي: عليه القضاء وبدنة؛ لأنها عبادة تشتمل على طواف وسعي، فأشبهت الحج، وقال أبو حنيفة: إن وطئ قبل أن يطوف أربعة أشواط كقولنا، وإن وطئ بعد ذلك فعليه شاة، ولا تفسد عمرته، ولنا: أنها عبادة لا وقوف فيها، فلم يجب فيها بدنة، ولأن العمرة دون الحج، فيجب أن يكون حكمها دون حكمه، انتهى. قلت: وسيأتي التصريح بذلك في كلام النووي والقاري قريباً. وقال العيني في ((البناية)): وجوب الشاة بالوطئ في العمرة قول عطاء والثوري وإسحاق وابن المنذر، انتهى. ولم أجد التصريح بذلك في ((الدردير)) وغيره من فروع المالكية، لكن ظاهرها وجوب الشاة وندب البدنة، واختلفت نقلة المذاهب في بيان مسلكهم، وسيأتي شيء من ذلك في هدي الحج (وعمرة أخرى) قضاء عن العمرة التي أفسدها، قال الباجي: وهذا كما قال: إن المعتمر إذا وقع بأهله فقد أفسد عمرته، لأن الوطء يفسد الحج والعمرة وينافيهما، ولا خلاف نعلمه في أن الوطء يفسد هذين النسكين، ويجب قضاؤهما والهدي، انتهى. وتقدم عن ابن قدامة في من وطئ قبل التحلل من العمرة بيان المذاهب في ذلك. وقال أيضاً (٢) بعدما حكى اختلافهم في أن القصر أو الحلق نسك، كما (١) («المغني)) (٣٧٣/٥). (٢) ((المغني)) (٢٤٤/٥). ٢٧ ٢٠ - كتاب الحج (٢١) باب (٧٦٠) حدیث يَبْتَدِیُ بِهَا هو المشهور عندهم، أو إطلاق محظور، فقال: إن ترك التقصير أو الحلق قلنا: هو نسك فعليه دم، وإن وطئ قبل التقصير فعليه دم، وعمرته صحيحة. وبهذا قال مالك وأصحاب الرأي. وحكي عن الشافعي أن عمرته تفسد؛ لأنه وطئ قبل حِلّه من عمرته. وعن عطاء قال: يستغفر الله. ولنا: ما روي عن ابن عباس، أنه سئل عن امرأة معتمرة، وقع بها زوجها قبل أن تُقَصِّر، قال: من ترك من مناسكه شيئاً، أو نسيه، فليهرق دماً، ولأن التقصير ليس بركن، فلا يفسد النسك بتركه، ولا بالوطء قبله، كالرمي في الحج، وقال أحمد في من وطئ قبل تقصيرها من عمرتها: تذبح شاة، قيل: عليه أو عليها؟ قال: عليها، وهذا محمول على أنها طاوعته، فإن أكرهها فالدم عليه، انتهى. قلت: وهو كذلك عند المالكية، فقد صرح الدردير(١): أن الجماع بعد تمام السعي قبل الحلاق موجب للهدي، وقبل تمام السعي ولو بشوط مفسد للعمرة. وموجب للقضاء والهدي، وأما عند الحنفية: فتجب شاة إذا جامع قبل الطواف كله أو أكثره، وتفسد العمرة، ولو جامع بعدما طاف أكثره قبل السعي أو بعده قبل الحلق لا تفسد عمرته، وعليه شاة، ولا تجب البدنة في العمرة قط، صرح بذلك كله القاري في ((شرح اللباب)). وما حكى الموفق عن الشافعي به جزم النووي في ((مناسكه))، فقال: لو جامع قبل التحلل فسدت عمرته، حتى لو طاف وسعى وحلق شعرتين، فجامع قبل أن يحلق الشعرة الثالثة فسدت عمرته، وحكم فسادها كالحج، فيمضي في فاسدها. ويلزمه القضاء، ويجب عليه بدنة، انتهى. (يبتدئ بها) أي: بعمرة القضاء فوراً، قال الدردير: وجب فورية القضاء (١) انظر: ((الشرح الكبير)) (٦٨/٢). ٢٨ ٢٠ - كتاب الحج (٢١) باب (٧٦٠) حديث بَعْدَ إِتْمَامِهِ الَّتِي أَفْسَدَ. للمفسد من حج أو عمرة، ولو على القول بالتراخي، انتهى. وقال الموفق: ويكون القضاء على الفور، ولا نعلم فيه مخالفاً، انتهى. وقال النووي في (مناسكه)): يجب القضاء على الفور في السنة المستقبلة على الأصح، فلا يجوز تأخيره عنها بغير عذر، سواء كان الفوات بعذر أو بلا عذر، انتهى. وقال ابن عابدين: ويقضي على الفور، كما نقله بعض المحشين عن ((البحر العميق))، انتهى. (بعد إتمامه) العمرة (التي أفسدها) بالجماع. قال الباجي(١): يريد أنه يمضي على عمرته التي أفسد حتى يكملها، ويحل منها، كما يكمل التي لا فساد فيها، ولا يخرج من التي أفسد بالفساد، بل يلزمه أن يمضي في فاسد الحج والعمرة، كما يمضي في صحيحهما، ولا يصح خروجه منهما إلا بالإكمال والتحلل، وهذا مذهب جمهور الفقهاء، وقال داود: لا يمضي في فاسدهما، ويصح رفضهما متى شاء المكلف بعد التلبس والإحرام لهما، والدليل على صحة ما ذهب إليه الجمهور قوله تعالى: ﴿ وَأَنِقُواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾(٢)، وهذا أمر، والأمر يقتضي الوجوب، انتهى. قال القاري في ((شرح اللباب)): إذا أفسد عمرته فعليه المضي في الفاسد وقضائها بإحرام جديد، انتهى. وقال ابن قدامة(٣): ويمضي في الحج الفاسد، ويحج من قابل، وجملة ذلك أن الحج لا يفسد إلا بالجماع، فإذا فسد فعليه إتمامه، وليس له الخروج منه، روي ذلك عن عمر، وعلي، وأبي هريرة، وابن عباس. وبه قال أبو حنيفة والشافعي، وقال الحسن ومالك: يجعل الحجة عمرة، ولا يقيم على حجة (١) (المنتقى)) (٢٣٦/٢). (٢) سورة البقرة: الآية ١٩٣. (٣) ((المغني)) (٢٠٥/٥). ٢٩ ٢٠ - كتاب الحج (٢١) باب (٧٦٠) حدیث ويُحْرِمُ مِنْ حَيْثُ أَحْرَمَ بِعُمْرَتِهِ الَّتِي أَفْسَدَ، إِلا أَنْ يَكُونَ أَحْرَمَ مِنْ مَكَانٍ أَبْعَدَ مِنْ مِيقَاتِهِ، فاسدة، وقال داود: يخرج بالإفساد من الحج والعمرة، لقول النبي وَل: ((من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد))، ولنا عموم قوله تعالى: ﴿وَأَنِقُواْ اْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾، ولأنه قول من سمينا من الصحابة، ولم نعرف لهم مخالفاً ولا يلزمنا الخبر؛ لأن المضي فيه بأمر الله، انتهى. ثم قال: والعمرة فيما ذكرناه كالحج، قلت: ولا يصح النقل عن مالك، ولعله التبست مسألة بأخرى، فقد تقدم قريباً ما حقق الباجي من إيجاب الإتمام عند الجمهور ما خلا داود. وقال الدردير (١): وجب بلا خلاف بين العلماء - إلا داود - إتمام المفسد من حج أو عمرة، فيتمادى عليه كالصحيح، إذا أدرك الوقوف فيه، فإن لم يدركه بأن فاته لصد ونحوه، وجب تحلله منه بفعل عمرة، انتهى. فلعله التبس على الموفق بهذه المسألة. (ويحرم) في عمرة القضاء (من حيث أحرم لعمرته) الأولى (التي أفسد) قال الباجي(٢): فإن كان إهلاله بالنسك الأول من الميقات لزمه القضاء من الميقات، وقال أبو حنيفة: إن أفسد عمرة جاز له أن يحرم بها من الحل، والدليل على ما نقوله أنه معنى يجب اعتباره في العمرة المقضية ابتداء، فوجب أن يعتبر في قضائها، انتهى. قلت: والدليل على ما قالته الحنفية أنه إذا دخل مكة بوجه مشروع صار من أهلها، وميقات المكي للعمرة الحل، كما لا يخفى (إلا أن يكون أحرم) أولاً (من مكان أبعد من ميقاته) كمصري أحرم من المدينة المنورة بعمرة (١) ((الشرح الكبير)) (٦٨/٢). (٢) ((المنتقى)) (٢٣٧/٢). ٣٠ ٢٠ - كتاب الحج (٢١) باب (٧٦٠) حديث فَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يُحْرِمَ إِلا مِنَ مِيقَاتِهِ . فأفسدها (فليس عليه أن يحرم) في القضاء (إلا من ميقاته) أي الجحفة. قال الباجي(١): يعني من أحرم من أبعد من الميقات في ابتداء نسكه ثم أفسده، لم يكن عليه أن يقضي إلا من الميقات، ولا يلزمه أن يحرم في القضاء من حيث كان أحرم في الابتداء، لأن تقديم الإحرام من الميقات لم يكن واجباً عليه في الشرع، فلم يجب عليه قضاؤه، انتهى. وقال الدردير(٢): لا يراعى في القضاء زمن إحرامه بالمفسد، فمن أحرم في المفسد من شوال أن يحرم بالقضاء من ذي القعدة أو الحجة، بخلاف ميقات مكاني فإنه يراعى إن شرع، فمن أحرم بالمفسد من الجحفة مثلاً تعين إحرامه بالقضاء منها، بخلافه إذا لم يشرع بأن أحرم في الأول قبل المواقيت، فلا يجب الإحرام بالقضاء إلا منها، انتهى. وقال ابن قدامة (٣): يحرم بالقضاء من أبعد الموضعين الميقات وموضع إحرامه الأول، لأنه إن كان الميقات أبعد فلا يجوز له تجاوز الميقات بغير إحرام، وإن كان موضع إحرامه أبعد، فعليه الإحرام بالقضاء منه، نص عليه أحمد، وروي ذلك عن ابن عباس وسعيد بن المسيب والشافعي وإسحاق، واختاره ابن المنذر، وقال النخعي: يحرم من موضع الجماع، لأنه موضع الإفساد، ولنا: أنها عبادة فكان قضاؤها على حسب أدائها كالصلاة، انتهى. وقال ابن حجر في ((شرح مناسك النووي)) بعد ذكر المواقيت: ويستثنى منه من أفسد نسكه، فإنه يجب عليه الإحرام بالقضاء من حيث أحرم بالأداء، أو مثل مسافته ما لم يكن أقرب إلى مكة من ميقات طريقه في القضاء وإلا تعين میقاتها، انتهى. (١) ((المنتقى)) (٢/ ٢٣٧). (٢) ((الشرح الكبير)) (٢/ ٧٠). (٣) ((المغني)) (٢٠٧/٥). ٣١ ٢٠ - كتاب الحج (٢١) باب (٧٦٠) حديث قَالَ مَالِكٌ: وَمَنْ دَخَلَ مَكَّةَ بِعُمْرَةٍ، فَطَافَ بِالْبَيْتِ وَسَعِى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَهُوَ جُنُبُّ أَوْ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ، ثُمَّ وَقَعَ بِأَهْلِهِ، ثُمَّ ذَكَرَ. قَالَ: يَغْتَسِلُ أَوْ يَتَوَضَّأُ، ثُمَّ يَعُودُ فَيَطُوفُ بِالْبَيْتِ، وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، قلت: ومذهب الحنفية في ذلك أنه إذا دخل مكة على وجه مشروع صار من أهلها، فيعتمر من الحل، ولو رجع إلى الآفاق صار من أهلها، فيحرم من أي المواقيت شاء، ففي ((البحر العميق)): يحرم للقضاء في أي وقت شاء من أي ميقات شاء، ولا يتعين الميقات الذي أحرم منه للأداء، ولا الزمان الذي أحرم فيه، ولا الطريق الذي سلكها في الأداء، انتهى. وقال القاري في ((شرح اللباب)): ولا يشترط لسقوط القضاء إحرامه من حيث أحرم أولاً، ولا من الميقات(١)، وإنما يجب الإحرام من الميقات مطلقاً، انتهى. (قال مالك: ومن دخل مكة بعمرة، فطاف بالبيت وسعى بين الصفا والمروة وهو جنب أو على غير وضوء) سواء كان عمداً أو ناسياً (ثم وقع بأهله) أي جامع معتقداً تمام عمرته أو (ناسياً) هكذا في النسخ الهندية، وليس في أحد(٢) من النسخ المصرية لا المتون ولا الشروح لفظ ((ناسياً))، ولعله زاده بعض الناسخين لمناسبة قوله (ثم ذكر) ولا فرق في ذلك بين النسيان والعمد. (قال) مالك: (يغتسل أو يتوضأ) نشر على ترتيب لف (ثم يعود) إلى الطواف (فيطوف بالبيت) لبطلان الطواف الأول، فإن الطهارة من شرائط الطواف عند المالكية (و) يطوف (بين الصفا والمروة) لأن صحة السعي يتوقف على صحة الطواف، وقد بطل لفوات شرطه، كما تقدم في ما تفعل الحائض، (١) كذا في الأصل اهـ. ز. (٢) ولا يوجد في ((الاستذكار)) (٢٥٥/١١) لفظ: ((ناسياً)) أيضاً. ٣٢ ٢٠ - كتاب الحج (٢١) باب (٧٦٠) حديث ويَعْتَمِرُ عُمْرَةً أُخْرَى، ويُهْدِي، وَعَلَى الْمَرْأَةِ، إِذَا أَصَابَهَا زَوْجُهَا وَهِيَ مُحْرِمَةٌ، مِثْلُ ذُلِكَ. قَالَ مَالِكٌ: وهذا كله إتمام للعمرة الفاسدة (ويعتمر عمرة أخرى) قضاء عن الأولى (ويهدي) أي يجب الدم لفساد العمرة الأولى. قال الباجي(١): يعني من طاف وسعى على غير طهارة، فإن طوافه غير صحيح لعدم شرط صحته وهو الطهارة، فإن جامع بعد أن طاف كذلك وسعى، فهو بمنزلة من جامع في عمرته قبل الطواف والسعي، فعليه أن يتمادى على فاسد عمرته، فيطوف ويسعى ويحل منها، ثم يقضي عمرة ويهدي هدياً، انتهى. وأما مذهب الحنفية فقد عرفت فيما مضى أن الطهارة ليست بشرط عندهم، فلم تفسد العمرة فلا قضاء لها، لكن يجب الهدي للطواف جنباً، قال القاري في ((شرح اللباب)): لو طاف للعمرة كله أو أكثره أو أقله ولو شوطاً جنباً أو حائضاً أو محدثاً، فعليه شاة في جميع الصور المذكورة، انتهى. (وعلى المرأة إذا أصابها زوجها وهي محرمة) فجامعها بعد أن طافت للعمرة جنباً أو محدثاً (مثل ذلك) أي مثل ما تقدم من حكم الرجال، فإن النساء شقائق الرجال، وكذلك قالت الحنفية: إن حكم النساء في ذلك مثل الرجال، وتقدم حكم الرجال عند الحنفية قريباً . (قال مالك) اختلفت نسخ ((الموطأ)) في هذا القول، ففي جميع النسخ الهندية، قال مالك: فأما العمرة من التنعيم فإنه من شاء أن يخرج من الحرم ثم يحرم، فإن ذلك مجزئ عنه إن شاء الله. ولكن الفضل أن يُهِلَّ من الميقات الذي وقَّتَ رسول الله وَّ، وهو أبعد من التنعيم، انتهى. فهذا الكلام وإن أمكن تصحيحه، لكن الظاهر أن فيه سقوطاً، والصواب ما في النسخ المصرية، (١) ((المنتقى)) (٢٣٧/٢). ٣٣ ٢٠ - كتاب الحج (٢١) باب (٧٦٠) حدیث فَأَمَّا الْعُمْرَةُ مِنَ التَّنْعِيمِ فَإِنَّهُ وعليه اعتمدنا، لاتفاق النسخ العديدة على ذلك، واختاره عامة الشراح المالكية . ونصها: قال مالك: (فأما العمرة من التنعيم) بفتح المثناة الفوقية وسكون النون وكسر العين المهملة، موضع على ثلاثة أميال أو أربعة من مكة أقرب أطراف الحل إلى البيت، سُمِّيَ به لأن على يمينه جبل نعيم وعلى يساره جبل ناعم، والوادي اسمه نعمان، قاله في ((القاموس))، قال المحب الطبري: هو أمام أدنى الحل، وليس بطرف الحل، ومن فسره بذلك فقد تجوَّز، وأطلق اسم الشيء على ما قرب منه، قاله القسطلاني. وقال الزرقاني: مكان خارج مكة على أربعة أميال منها إلى جهة المدينة، كما نقله الفاكهي، وقال المحب الطبري: أبعد من أدنى الحل إلى مكة بقليل وليس بطرف الحل بل بينهما نحو ميل، ومن أطلق عليه طرف الحل فهو تَجَوُّزٌ، قال الحافظ: أراد بالنسبة إلى بقية الجهات، انتهى. وسيأتي الكلام على موضع إحرام عائشة في باب دخول الحائض مكة (فإنه) وإن كان فيه فضل عند المالكية أيضاً، كما جزم به الزرقاني والباجي، لكنه (لا يتعين) للإحرام، كما ذهب إليه بعض السلف . قال الحافظ(١): اختلفوا، هل يتعين التنعيم لمن اعتمر من مكة؟ فروى الفاكهي وغيره من طريق ابن سيرين قال: بلغنا أن رسول الله وَ له، وقَّتَ لأهل مكة التنعيم، وقال الطحاوي: ذهب قوم إلى أنه لا ميقات للعمرة لمن كان بمكة إلا التنعيم، ولا ينبغي مجاوزته كما لا ينبغي مجاوزة المواقيت التي للحج، وخالفهم آخرون فقالوا: ميقات العمرة الحل، انتهى. ونص ((الموطأ)) هذا يرد على ما حكى النووي عن القاضي عياض، قال: (١) (فتح الباري)) (٦٠٦/٦). ٣٤ ٢٠ - كتاب الحج (٢١) باب (٧٦٠) حديث مَنْ شَاءَ أَنْ يَخْرُجَ مِنَ الْحَرَمِ ثُمَّ يُحْرِمَ، فَإِنَّ ذُلِكَ مُجْزِىءٌ عَنْهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، وَلكِنِ الْفَضْلُ أَنْ يُهِلَّ مِنَ الْمِيقَاتِ الَّذِي وَقَّتَ رَسُولُ اللَّهِ فَهِ، أَوْ مَا هُوَ أَبْعَدُ مِنَ التَّنْعِيمِ. قال مالك: لا بد من إحرامه من التنعيم خاصة، قالوا: وهو ميقات المعتمرين من مكة، وهذا شاذ مردود، والذي عليه الجماهير أن جميع جهات الحل سواء، ولا تختص بالتنعيم، انتهى. (من شاء أن يخرج من الحرم إلى أي موضع من الحل فإن ذلك) أي: الخروج من الحرم إلى الحل (مجزئ عنه) لما تقدم الإجماع على أن ميقات المكي للعمرة الحل (إن شاء الله تعالى) للتبرك (ولكن الفضل أن يُهِلَّ من الميقات الذي وقّت رسول الله وَ﴾) لعائشة - رضي الله عنها - وهو التنعيم (أو) يحرم مِنْ (ما هو أبعد من التنعيم) كالجعرانة والحديبية، لإحرامه وَّ منهما، قاله الزرقاني(١)، وعلى هذا السياق، وشرح الزرقاني نص ((الموطأ)) أفضلية التنعيم، بخلاف ما تقدم من سياق النسخ الهندية، فإنها تدل على أفضلية غير التنعيم . وفي ((المحلى)) (٢): اعلم أنهم اتفقوا على أن ميقات من بمكة للحج مكة والحرم، وللعمرة الحل لتحقق نوع سفر، غير أنهم اختلفوا في أن أي موضع من الحل أفضل الإحرام العمرة، فقال مالك: كلها سواء، وقال أبو حنيفة: أفضلها التنعيم، وقال الشافعي: أفضلها الجعرانة ثم التنعيم ثم ما كان أبعد. وفي ((المغني)) عن أحمد: أن المكي كلما تباعد في العمرة كان أعظم لأجره، وروى الفاكهي عن عطاء قال: من أراد العمرة فليخرج إلى التنعيم أو الجعرانة فليحرم منها، وأفضل أن يأتي ميقات الحج، وعن ابن سيرين: بلغنا أنه وَّه وقّت لأهل مكة التنعيم، انتهى. (١) انظر: ((شرح الزرقاني)) (٢٧٢/٢). (٢) (٦٩/٧). ٣٥ ٢٠ - كتاب الحج (٢١) باب (٧٦٠) حديث وفي (تحفة المحتاج)): أفضل بقاع الحل لمريد الاعتمار الجعرانة، لأنه وَلّ اعتمر منها ليلاً، ثم التنعيم، لأنه وكل أمر عائشة بالاعتمار منه، ثم الحديبية، لأنه وَ﴾ صلى بها، وأراد الدخول منها لعمرته، ومن قال: هَمَّ بالاعتمار منها فقد وهم، لأنه إنما أحرم من ذي الحليفة، انتهى. قلت: وبهذا الترتيب جزم النووي في ((مناسكه))، وكذا عامة فقهاء الشافعية وشراحهم، ولم يُرَجِّح صاحب ((نيل المآرب)) و((الروض المربع))(١) من فروع الحنابلة شيئاً من المواضع، بل اكتفيا على اشتراط الحل فقط. وقال ابن قدامة: من أي الحل أحرم جاز، وإنما أعمر النبي وَّر عائشة من التنعيم، لأنها أقرب الحل إلى مكة، وقد روي عن أحمد في المكي كلما تباعد في العمرة فهو أعظم للأجر، هي على قدر تعبها، انتهى. وقال الدردير(٢): ولا بد من خروجه للحل، والجعرانة أولى من غيرها ثم التنعيم، قال الدسوقي: تبع المصنف في ذلك ما في ((النوادر))، لكن الذي عليه الأكثر، كما قال بهرام وابن شاش وابن الحاجب وابن عرفة وغيرهم: إنهما متساويان، لا أفضلية لواحد منهما على الآخر، انتهى. والأفضل عند الحنفية التنعيم، كما صرح به غير واحد من أهل الفروع، منهم صاحب ((الدر المختار))، قال ابن عابدين: الإحرام منه للعمرة أفضل من الإحرام لها من الجعرانة وغيرها من الحل عندنا. وإن كان ◌َ﴿ أحرم منها لأمره وسل* عبد الرحمن بأن يذهب بأخته عائشة إلى التنعيم لتحرم منه، والدليل القولي مقدم عندنا على الفعلي، وعند الشافعي بالعكس، انتهى. وسيأتي أمره وَّ لعبد الرحمن أن يُعْمِرَ أخته من التنعيم في باب دخول الحائض مكة. (١) (٥٢٣/٢). (٢) ((الشرح الكبير)) (٢٢/٢). ٣٦ ٢٠ - كتاب الحج (٢٢) باب (٢٢) باب نكاح المحرم (٢٢) نكاح المحرم واختلفت الأئمة في جوازه، قال ابن قدامة(١): لا يتزوج المحرم ولا يُزَوِّجُ، أي: لا يقبل النكاح لنفسه، ولا يكون ولياً ولا وكيلاً فيه، ولا يجوز تزويج المحرمة أيضاً، روي ذلك عن عمر وابنه وزيد بن ثابت، وبه قال سعيد بن المسيب وسليمان بن يسار والزهري والأوزاعي ومالك والشافعي، ومتى تزوج المحرم أو زوّج أو زوّجت فالنكاح باطل، سواء كان الكل محرمين أو بعضهم، لأنه منهيٌّ عنه فلم يصح، كنكاح المرأة على عمتها أو خالتها، وعن أحمد: إن زوَّجَ المحرمُ لم أفسخ النكاح، والمذهب الأول، وكلام أحمد يحمل على أنه لا يفسخه لكونه مختلفاً فيه، قال القاضي: ويفرق بينهما بطلقة، وهکذا کل نكاح مختلف فيه. وتكره الخطبة للمحرم وخطبة المحرمة، ويكره للمحرم أن يخطب للمحلِّين لأنه قد جاء في بعض ألفاظ حديث عثمان: ((لا يَنْكِحُ المحرم ولا يُنْكِحُ ولا يخطب)) رواه مسلم(٢)، ولأنه تسبب إلى الحرام فأشبه الإشارة إلى الصيد، ويكره أن يشهد في النكاح لأنه معاونة على النكاح فأشبه الخطبة، وإن شهد أو خطب لم يفسد النكاح، وقال بعض أصحاب الشافعي: لا ينعقد بشهادة المحرمين؛ لأن في بعض الروايات ((ولا يشهد))، ولنا؛ أنه لا مدخل للشاهد في العقد فأشبه الخطبة، وهذه اللفظة غير معروفة فلم يثبت بها حكم، انتھی . وفي ((شرح الإقناع)) (٣) في محرمات الإحرام: عقد النكاح بولاية أو وكالة، وكذا قبوله له أو لوكيله، واحترز بالعقد عن الرجعة فلا تحرم على (١) انظر: ((المغني)) (١٦٢/٥). (٢) ((صحيح مسلم)) (١٤٠٩). (٣) (٥١٤/٢). ٣٧ ٢٠ - كتاب الحج (٢٢) باب (٧٦١) حدیث ٦٩/٧٦١ - حَدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمُنِ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَد. الصحيح، قال البجيرمي: قوله: عن الرجعة وكذا عن الشهادة على العقد، قال ابن حجر: وندب له ترك الخطبة. وجاز كونه شاهداً في نكاح الحلالين، انتهى. وفي النكاح إحرام أحد العاقدين من ولي ولو حاكماً أو زوج أو وكيل عن أحدهما أو الزوجة بنسك يمنع صحة النكاح، انتهى. وقال الدردير: منع صحة النكاح إحرام بحج أو عمرة من أحد الثلاث: الزوج، والزوجة، ووليها، ولا يوكلون ولا يجيزون ويفسخ أبداً، أي: قبل البناء وبعده، انتهى بزيادة. قال الزرقاني: ويفسخ أبداً بطلقة عند مالك للاختلاف فيه، فيزال الاختلاف بالطلاق احتياطاً للفرج، وقال الشافعي: بلا طلاق، انتهى. وفي ((البذل))(١) تبعاً للعيني: قال إبراهيم النخعي والثوري وعطاء بن أبي رباح والحكم بن عتيبة وحماد بن أبي سليمان وعكرمة ومسروق وأبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد: لا بأس بالمحرم أن ينكح، ولكنه لا يدخل بها حتى يحل، وهو قول ابن عباس وابن مسعود، انتهى. قال الباجي(٢): وبه قال القاسم، وروي عن معاذ بن جبل، انتهى. قلت: وسيأتي في آخر الباب عن أنس بن مالك. وزاد في ((التنسيق)). سعيد بن جبير، وطاووساً، ومجاهداً، وجابراً، وعمرو بن دينار، وأيوب السختياني، وعبد الله بن أبي نجيح وجمهور التابعين. ٦٩/٧٦١ - (مالك، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن) الرأي (عن سليمان بن يسار أن رسول الله ◌َل﴾) هكذا رواه مالك مرسلاً وتابعه سليمان بن بلال عن (١) انظر: ((بذل المجهود)) (٧٥/٩). (٢) ((المنتقى)) (٢٣٨/٢). ٣٨ ٢٠ - كتاب الحج (٢٢) باب (٧٦١) حديث بَعَثَ أَبَا رَافِع، وَرَجُلاً مِنَ الأَنْصَارِ فَزَوَّجَاهُ مَيْمُونَةَ بِنْتَ الْحَارِثِ ربيعة على إرساله، كما قاله الترمذي، ووصله مطر الوراق عن ربيعة عن سليمان بن يسار عن أبي رافع، أخرجه أحمد والنسائي والترمذي وقال: حسن، ولا نعلم أحداً أسنده غير مطر، انتهى. وقال ابن عبد البر في ((التمهيد)» (١): وذلك عندي غلط من مطر؛ لأن سليمان بن يسار ولد سنة ٣٤هـ، وقيل: سنة ٣٧هـ، ومات أبو رافع بالمدينة بعد قتل عثمان - رضي الله عنه - في ذي الحجة سنة ٣٥هـ، وغير جائز ولا ممكن أن يسمع سليمان بن يسار من أبي رافع، وممكن صحيح أن يسمع سليمان بن يسار من ميمونة، لما ذكرنا من مولده، ولأن ميمونة مولاته، اهـ. قلت: كونها مولاته أيضاً مختلف فيه، فقد يقال: إنه كان مكاتباً لأم سلمة، نعم يمكن سماعه من أبي رافع على القول الثاني في ولادته، ووافق ابن أبي حاتم في ((المراسيل)) أبا عمرو في أن رواية سليمان عن أبي رافع مرسل. (بعث أبا رافع) القبطي، اختلف في اسمه على أقوال، قال الزرقاني: اسمه على أشهر الأقوال العشرة أسلم (مولاه) وَّر، مات في أول خلافة علي - رضي الله عنه - على الصحيح، كذا في ((التقريب))، يقال: كان للعباس، فوهبه للنبي وَ﴾، وأعتقه لما بشره بإسلام العباس - رضي الله عنه -، وكان إسلامه قبل بدر ولم يشهدها، وشهد أحداً وما بعدها . (ورجلاً من الأنصار) هو أوس بن خولي(٢) كما في رواية ابن سعد، قاله الزرقاني، ولم يتعرض الحافظ وغيره في ترجمة أوس عن هذه القصة (فزوجاه ميمونة) أم المؤمنين (بنت الحارث) الهلالية آخر امرأة تزوجها ممن دخل بهن، تزوجها سنة ٧هـ، وتوفيت بسرف حيث بنى بها رسول الله بَل سنة ٥١هـ على الراجح . (١) (١٥١/٣). (٢) انظر ترجمته في ((أسد الغابة)) (١ /١٦٩) ٣٩ ٢٠ - كتاب الحج (٢٢) باب (٧٦١) حديث وَرَسُولُ اللَّهِ وَهَ بِالْمَدِينَةِ، قَبْلَ أَنْ يَخْرُجَ. وظاهر قوله: فزوجاه أنه وكلهما في قبول النكاح له، لكن روى أحمد والنسائي عن ابن عباس لما خطبها النبي ◌ّ جعلت أمرها إلى العباس فأنكحها النبي ◌َ﴾، فظاهره أنه قبل النكاح بنفسه، فيحمل قوله: ((فزوجاه)) على معنى خطبا له فقط مجازاً، قاله الزرقاني(١). قلت: وهو المتعين جمعاً بين الروايات، وإلا تعارضت الروايات بأسرها . (ورسول الله ﴿ بالمدينة قبل أن يخرج) إلى عمرة القضية، وهذا أيضاً قرينة على أن المراد بقوله: ((زوجاه)) خطباه، فإن الروايات الكثيرة تدل على أنه وَ لّ تزوجها بسرف، ويحتمل أيضاً أن يكون قوله: ((زوجاه)) على معناه الظاهر، لكن قوله: ((قبل أن يخرج)) يكون ظرفاً بقوله: ((بعث)). ويؤيد ذلك ما في ((الطبقات)) لابن سعد بسنده إلى موسى بن محمد: أنه * تزوجها في شوال وهو حلال، فهذه قرينة على أن المراد بالتزوج الخطبة، كما أقر به الزرقاني، لأن جمهور أهل الحديث والفقه والسير متفقة على أن التزوج كان في عمرة القضية، وروي عن ميمونة - رضي الله عنها - قالت: ((تزوجني رسول الله (صل﴿ ونحن حلالان بسرف)) هذا لفظ أبي داود، زاد أبو يعلى الموصلي في ((مسنده): ((بعد أن رجعنا من مكة))؛ قاله الزيلعي (٢) . وهذا الحديث أيضاً من مستدلات من منع نكاح المحرم، وهو أيضاً قرينة على أن المراد بحديث الباب الخطبة، وإلا تعارضا في قبل الخروج وبعد الرجوع، ومحمل حديث ميمونة عند الحنفية الوطء للجمع بروايات التزوج محرماً . وقال ابن القيم في ((الهدي))(٣) بعدما حكى اختلاف الروايات في (١) ((شرح الزرقاني)) (٢٧٢/٢). (٢) ((نصب الراية)) (١٧٢/٣). (٣) ((زاد المعاد)) (٣٣٠/٣). ٤٠