Indexed OCR Text

Pages 561-580

٢٠ - كتاب الحج
(١٤) باب
(٧٤٢) حديث
فاحتجنا إلى كتب أصحاب المذاهب، ففي ((الشرح الكبير))(١) للدردير:
مكان الإحرام للحج غير قران بالنسبة للمقيم بمكة متوطناً بها أم لا مكة، أي
الأولى لا المتعين، فلو أحرم من الحل، أو من الحرم خالف الأولى، ولا دم
عليه، وندب الإحرام في جوف المسجد، قال الدسوقي: قوله: غير قران أي:
أما لو كان بمكة وأراد الإحرام على وجه القران، فلا بد من خروجه للحل،
انتهى. قلت: وبذلك جزم في ((المنتقى))(٢) و((المدونة)): أنه لو أحرم من الحل
لا شيء عليه، وفي (تحفة المحتاج)): والميقات المكاني للحج ولو للقران في
حق من بمكة ولو آفاقياً نفس مكة، لا خارجها ولو محاذيها على المعتمد لخبر
((حتى أهل مكة من مكة))، وقيل: كل الحرم، ولا حجة في خبر «فأهللنا
بالأبطح)) لاحتمال أن العمارة كانت تنتهي إليه إذ ذاك، انتهى.
وقال القسطلاني(٣): مهل المكي والمتمتع نفس مكة، وهو الصحيح من
مذهب الشافعية، وله أن يحرم من جميع بقاع مكة لا سائر الحرم، فإن فارق
بنيانها وأحرم خارجها، ولم يعد إليها قبل الوقوف أساء ولزمه دم، والأفضل
أن يحرم من باب داره، انتهى.
قال النووي: ميقاته نفس مكة، ولا يجوز له الإحرام بالحج من خارجها
سواء الحرم والحل، هذا هو الصحيح عند أصحابنا، وقال بعض أصحابنا :
يجوز له أن يحرم من الحرم، لأن حكم الحرم حكم مكة، والصحيح الأول،
وفي الأفضل قولان: أصحهما: من باب داره، والثاني: من المسجد الحرام
تحت الميزاب، انتهى.
(١) (٢/ ٢٢).
(٢) (٢٢٠/٢).
(٣) ((إرشاد الساري)) (١٩٨/٤).
٥٦١

٢٠ - كتاب الحج
(١٤) باب
(٧٤٢) حديث
قَالَ يَحْيَى: قَالَ مَالِكٌ: وَمَنْ أَهَلَّ مِنْ مَكَّةَ بِالْحَجِّ، فَلْيُؤَخِّرِ
الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ،
وفي ((المغني)) و(الشرح الكبير))(١) لابني قدامة: الأفضل أن يحرم من
مكة، وإن أحرم خارجاً منها من الحرم جاز لقول جابر: ((فأهللنا بالأبطح))،
ولأن المقصود أن يجمع في النسك بين الحل والحرم، وذلك حاصل بإحرامه
من جمیع الحرم، انتھی.
وفي ((نيل المآرب)): يحرم من بمكة لحج منها ويصح من الحل، ولا دم
عليه، انتهى. قال ابن قدامة في ((المغني))(٢): إن أحرم من الحل نظرتَ؛ فإن
أحرم من الحل الذي يلي الموقف فعليه دم، وإن أحرم من الجانب الآخرَ، ثم
سلك الحرم فلا شيء عليه، نص عليه أحمد، وذلك لأنه أحرم قبل ميقاته،
فكان كالمحرم قبل بقية المواقيت، ولو أحرم من الحل ولم يسلك الحرم فعليه
دم، انتھی.
وفي ((شرح اللباب»: من كان منزله في الحرم كسكان مكة ومنى، فوقته
الحرم للحج، ومن المسجد أفضل أو من دويرة أهله، انتهى.
(قال مالك) وليس هذا اللفظ في المصرية (ومن أهل من مكة بالحج)
سواء كان مكياً أو آفاقياً نزل بها (فليؤخر الطواف بالبيت) أي: طواف الحج
الفرض، وهو طواف الإفاضة، قال الباجي(٣): ومعنى ذلك أن الطواف الذي
هو ركن من أركان الحج، إنما هو طواف الإفاضة، فأما طواف الورود فليس
بركن من أركان الحج، وإنما هو الورود على البيت كتحية المسجد، فإذا أحرم
من مكة فليس عليه طوافُ ورودٍ، لأنه لم يُرِدْ من جهة من الجهات، سواء
أحرم بالحج من مكة يوم التروية أو قبله أو بعده، انتهى.
(١) (٤٢٢/٣).
(٢) (٦٢/٥).
(٣) ((المنتقى)) (٢٢٠/٢).
٥٦٢

٢٠ - كتاب الحج
(١٤) باب
(٧٤٢) حدیث
وَالسَّعْيَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، حَتَّى يَرْجِعَ مِنْ مِنَّى،
(والسعي) بالنصب عطف على الطواف، أي: فليؤخر السعي (بين الصفا
والمروة) ليوقعه بعد الطواف الواجب (حتى يرجع من منى) غاية للتأخير، فإنه
يتأخر السعي بين الصفا والمروة إلى أن يعود من منى للإفاضة، لأن من شرط
السعي أن يعقب طوافاً واجباً، ولا يجب على الحاج المحرم من مكة طواف
إلا طواف الإفاضة، ومن قدم الطواف بالبيت والسعي، ففي ((المدونة)): لا
يجزئه ذلك، وليعدهما بعد الرجوع من عرفة، فإذا لم يعدهما حتى خرج إلى
بلده، فعليه الهدي، وذلك أيسر شأنه، قاله الباجي(١).
قلت: ومذهب الحنفية في ذلك ما في ((شرح اللباب))، إذ قال: ثم إن
أراد المكي ومن بمعناه تقديم السعي على طواف الزيارة، مع أن الأصل في
السعي أن يكون عقيبه لمناسبة تأخير الواجب عن الركن، إلا أنه رخص تقديمه
في الجملة بعلة الزحمة، فحينئذ يتنفل بطواف، لأنه ليس للمكي ومن في حكمه
طواف القدوم الذي هو سنة للآفاقي، فيأتي المكي بطواف نفل بعد الإحرام
بالحج ليصح سعيه .
وهل الأفضل تقديم السعي أو تأخيره إلى وقته الأصلي وهو بعد أداء
ركنه؟ قيل: الأول، وقيل: الثاني، وصححه ابن الهمام، وهو الظاهر خصوصاً
للمكي، فإن فيه خلافاً للشافعي، والخروج عن الخلاف لكونه أحوط مستحب
بالإجماع، انتھی.
قلت: وفيه خلاف للإمام أحمد أيضاً، فقد قال ابن قدامة(٢) بعدما ذكر
إحرام المكي: ولا يسن أن يطوف بعد إحرامه. قال ابن عباس: لا أرى لأهل
مكة أن يطوفوا بعد أن يحرموا بالحج، ولا أن يطوفوا بين الصفا والمروة حتى
(١) ((المنتقى)) (٢٢٠/٢).
(٢) ((المغني)) (٢٦١/٥).
٥٦٣

٢٠ - كتاب الحج
(١٤) باب
(٧٤٢) حديث
وَكَذَلِكَ صَنَعَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ .
وَسُئِلَ مَالِكٌ عَمَّنْ أَهَلَّ بِالْحَجِّ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَوْ غَيْرِهِمْ مِنْ
مَكَّةَ، لِهِلَالِ ذِي الْحِجَّةِ، كَيْفَ يَصْنَعُ بِالطَّوَافِ؟ قَالَ: أَمَّا الطّوَافُ
الْوَاجِبُ، فَلْيُؤَخِّرْهُ، وَهُوَ الَّذِي يَصِلُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ السَّعْي بَيْنَ الصَّفَا
وَالْمَرْوَةِ،
يرجعوا، وهذا مذهب عطاء ومالك وإسحاق، وإن طاف بعد إحرامه ثم سعى
لم يجزئه عن السعي الواجب، وهو قول مالك، وقال الشافعي: يجزئه، وفعله
ابن الزبير، وأجازه القاسم بن محمد وابن المنذر، لأنه سعى في الحج مرة
فأجزأه، كما لو سعى بعد رجوعه من منى، انتهى.
وما وقع من الاختلاف في حكاية مذهب الشافعي بين القاري وابن قدامة،
فلعل ذلك مبنيٌّ على اختلاف فروعه، ففي ((شرح المنهاج)): وشرطه - أي السعي -
ليقع عن الركن، أن يبدأ بالصفا، وأن يسعى سبعاً، وأن يسعى بعد طواف ركن أو
قدوم، فلا يجوز بعد طواف نفل، كأن أحرم من بمكة بحج منها، ثم تنقّلَ بطواف،
وأراد السعي بعده، كما في ((المجموع)). وقول جمع بجوازه حينئذ ضعيف كقول
الأوزاعي في توسطه الذي تبين لي بعد التنقيب أن الراجح مذهباً صحته بعد كل
طواف صحيح بأي وصف كان لا بعد طواف وداع، انتهى.
:
(وكذلك صنع عبد الله بن عمر) أي: يؤخّر الطواف والسعي إلى الرجوع
من منى، كما يأتي موصولاً عنه في باب الرمل في الطواف.
(قال يحيى: وسُئل مالك عمن أهل) أي أحرم (بالحج من أهل المدينة أو
غيرهم) من الآفاقيين المقيمين بمكة (من مكة لهلال ذي الحجة) وبقي بعد
إحرامه بمكة أياماً (كيف يصنع بالطواف؟) وفي الهندية: في الطواف، والأوجه
الأول كما لا يخفى، يعني هل يجوز له أن يطوف بالبيت في هذه الأيام أم لا؟
(قال) مالك: (أما الطواف الواجب) وهو طواف الإفاضة (فليؤخره) إلى الرجوع
من منى (وهو) الطواف (الذي يصل بينه وبين السعي بين الصفا والمروة) أي
٥٦٤

٢٠ - كتاب الحج
(١٤) باب
(٧٤٢) حديث
ولْيَطُفْ مَا بَدَا لَهُ، وَلْيُصَلِّ رَكْعَتَيْنِ، كُلَّمَا طَافَ سَبْعاً. وَقَدْ فَعَلَ ذُلِكَ
أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﴾ الَّذِينَ أَهَلُّوا بِالْحَجِّ، فَأَخَّرُوا التَّوَافَ
بِالْبَيْتِ، وَالسَّعْيَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، حَتَّى رَجَعُوا مِنْ مِنَّى، وَفَعَلَ
ذُلِكَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، فَكَانَ يُهِلُّ لِهَلالِ ذِي الْحِجَّةِ، بِالْحَجِّ مِنْ
مَنَّةَ،
يأتي بالسعي متصلاً بهذا الطواف، فإن السعي بعد طواف النفل لا يصح عند
مالك، كما تقدم قريباً (وليطف) طواف النفل (ما بدأ له) في هذه الأيام، فإن
الطواف مندوب التنفل، وكذلك قالت الحنفية: يَتَطَوَّعُ بالطواف ما شاء (وليصل
ركعتين) تحية الطواف (كلما طاف سبعاً) بفتح السين أي سبعة أشواط.
(وقد فعل ذلك) أي: تأخير الطواف والسعي (أصحاب رسول الله (وَله
الذين أهلُّوا بالحج من مكة فأَخَّروا الطواف) الواجب (بالبيت والسعي بين الصفا
والمروة، حتى رجعوا من منى) بيان لما أفاده اسم الإشارة في قوله: ((وقد فعل
ذلك))، وإشارة إلى ما سيأتي من حديث عائشة في ((باب دخول الحائض مكة))
بلفظ: ((فطاف الذين أهَلُّوا بالعمرة بالبيت، وبين الصفا والمروة، ثم حَلُّوا، ثم
طافوا طوافاً آخر، بعد أن رجعوا من منى لحجهم، أما الذين كانوا أهلُّوا
بالحج أو جمعوا بين الحج والعمرة، فإنما طافوا طوافاً واحداً)) أي: بعد أن
رجعوا من منى.
(وقد فعل ذلك عبد الله بن عمر) - رضي الله عنهما - أيضاً (فكان يهل
نهلال ذي الحجة بالحج من مكة) ويخالفه ما تقدم في حديث عبيد بن جريج،
قلت لابن عمر - رضي الله عنهما -: ((رأيتك تصنع أربعاً))، الحديث. وفيه:
((ورأيتك إذا كنت بمكة أَهَلَّ الناسُ إذا رأوا الهلالَ، ولم تُهِلَّ أنت حتى يكون
يوم التروية))، وجمع بينهما بأنه كان يفعل الأمرين جميعاً تارةً كذا ومرةً كذا.
وقال الحافظ في ((الفتح)) (١): إن ابن عمر - رضي الله عنه - كان يرى
(١) ((فتح الباري)) (٥٠٦/٣).
٥٦٥

٢٠ - كتاب الحج
(١٤) باب
(٧٤٢) حدیث
ويُؤَخِّرُ الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ، وَالسَّعْيَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ، حَتَّى يَرْجِعَ مِنْ
مِنَّى .
وَسُئِلَ مَالِكٌ: عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ. هَلْ يُهِلُّ مِنْ جَوْفِ
مَكَّةَ بِعُمْرَةٍ؟ قَالَ: بَلْ يَخْرُجُ إِلَى الْحِلِّ فَيُحْرِمُ مِنْهُ.
التوسعة في ذلك، انتهى. وروى عبد الرزاق عن نافع: أهلَّ ابن عمر مرة
بالحج حين رأى الهلال، ومرة أخرى بعد الهلال من جوف الكعبة، ومرة
أخرى حين راح إلى منى، وروي أيضاً عن مجاهد: قلت لابن عمر: أهللت
فينا إهلالاً مختلفاً، قال: أما أول عام فأخذت مأخذ أهل بلدي، ثم نظرت
فإذا أنا أدخل على أهلي حراماً. وأخرج حراماً، وليس كذلك نفعل، قلت:
فبأي شيء نأخذ؟ قال: تحرم يوم التروية (ويؤخر الطواف بالبيت، والسعي بين
الصفا والمروة، حتى يرجع من منى)، كما سيأتي موصولاً عنه في ((باب الرمل)).
(قال يحيى: سئل مالك عن رجل من أهل مكة) أي: مقيماً بها، سواء
كان مكياً أو آفاقياً (هل يُهِلُّ) أي يُحْرِمُ (من جوف مكة بعمرة؟ فقال: بل يخرج
إلى الحل فيحرم منه) وبذلك قالت الجمهور: إن ميقات المكي لإحرام العمرة
الحِلُّ، حكى الإجماع على ذلك ابنُ قدامة وغيره مع الاختلاف فيما بينهم، في
أفضل البقاع للإحرام، كما سيأتي بسطه قبيل نكاح المحرم.
وصرح بوجوب الخروج إلى الحل الحافظ والعيني والقسطلاني والطيبي
والقاري والنووي والأبي والشوكاني وغيرهم، وبوب البخاري في صحيحه:
(باب مهل أهل مكة للحج والعمرة)) وذكر فيه حديث المواقيت، وفيه ((حتى
أهلُ مكة من مكة))، لكن شُرَّاح ((الصحيحين)) خصصوا الحديث بالعمرة،
ووجَّهُوا ترجمة البخاري بأنه نظر إلى عموم اللفظ، وقال المحب الطبري: لا
أعلم أحداً جعل مكة ميقاتاً للعمرة، كذا في ((الفتح))(١).
(١) ((فتح الباري)) (٤٨٤/٣).
٥٦٦

٢٠ - كتاب الحج
(١٤) باب
(٧٤٢) حدیث
وفيه أيضاً قال صاحب ((الهدي)) (١): لم ينقل أنه وَّ اعتمر مدة إقامته
بمكة قبل الهجرة، ولا اعتمر بعد الهجرة إلا داخلاً إلى مكة، ولم يعتمر قط
خارجاً من مكة إلى الحل، ثم يدخل مكة بعمرة كما يفعل الناس اليوم، ولا
ثبت عن أحد من الصحابة أنه فعل ذلك في حياته إلا عائشة وحدها، انتهى.
قال الحافظ (٢): وبعد أن فعلته بأمره دَلَّ على مشروعيته، انتهى.
وقال القاري في ((شرح اللباب)) بحثاً: أن بعض الفقهاء قالوا: العمرة
مختصة بالآفاقي، فليس لأهل مكة أن يخرجوا للحل ويعتمروا، وجعلوا حديث
عائشة من مختصاتها، وما روي عن ابن الزبير أنه أتى العمرة وأمر الناس بها
عند إتمام بناء الكعبة في سبع وعشرين من رجب، فحملوه على أنه مذهب
صحابي لا حجة فيه على غيره، انتهى.
وأنت خبير بأن فعله هذا بمحضرٍ من الصحابة والتابعين ولم ينكر عليه،
فيكون حجة، قال ابن قدامة في ((المغني)) (٣): أهل مكة إذا أرادوا العمرة فمن
الحل، لا نعلم في هذا خلافاً، ولذلك أمر النبي وسير عبد الرحمن بن أبي بكر
أن يُعْمِرَ عائشة من التنعيم، متفق عليه، وكانت بمكة يومئذ، فميقاتها في حقهم
الحلُّ من أي جوانب الحرم شاء، لأنه وهو أمر بإعمار عائشة من التنعيم، وهو
أدنى الحل إلى مكة.
قال ابن سيرين: بلغني أن النبيِ وَلّ وَقَّت لأهل مكة التنعيم، وقال
ابن عباس: يا أهل مكة، من أتى منكم العمرة فليجعل بينه وبينها بطن محسَّر،
يعني إذا أحرم من ناحية المزدلفة، وإنما لزم الإحرام من الحل ليجمع في
(١) انظر: ((زاد المعاد)) (٩٠/٢).
(٢) (٦٠٧/٣).
(٣) (٥٩/٥).
٥٦٧

٢٠ - كتاب الحج
(١٤) باب
(٧٤٢) حديث
النسك بين الحل والحرم، فإنه لو أحرم من الحرم لما جمع بينهما فيه، لأن
أفعال العمرة كلها في الحرم بخلاف الحج.
فإن أحرم بالعمرة من الحرم انعقد إحرامه بها، وعليه دم لتركه الإحرام
من الميقات، وهذا قول أبي ثور وابن المنذر وأصحاب الرأي وأحد قولي
الشافعي، والقول الثاني: لا تصح عمرته لأنه نسك، فكان من شرط الجمع
بين الحل والحرم كالحج، فعلى هذا وجود هذا الطواف كعدمه، وهو باقٍ على
إحرامه حتى يخرج إلى الحل، ثم يطوف بعد ذلك ويسعى، انتهى مختصراً.
قال النووي في ((مناسكه)): لو أحرم بالعمرة في الحرم انعقد إحرامه،
ويلزمه الخروج إلى الحل محرماً، ثم يدخل فيطوف ويسعى ولا دم عليه، فلو
لم يخرج بل طاف وسعى ففيه قولان للشافعي - رحمه الله تعالى -: أصحهما :
تصح عمرته وعليه دم لتركه الإحرام من ميقاته وهو الحل، والثاني: لا تجزئه
حتى يخرج إلى الحل. ولا يزال محرماً حتى يخرج إليه، انتهى. قلت: وبهذا
القول الثاني قالت المالكية، قال الباجي(١): فإن أحرم المعتمر من الحرم لزمه
الإحرام، وعليه أن يخرج إلى الحل فيدخل منه مُهِلاً بالعمرة، قاله مالك،
انتھی .
وفي (الشرح الكبير))(٢) للدردير: ومكان الإحرام للعمرة لمن بمكة الحلُّ
ليجمع في إحرامه بين الحلِّ والحرم، ولا يجوز الإحرام من الحرم، وانعقد
إن وقع ولا دم عليه، ولا بد من خروجه للحل، وإن لم يخرج أعاد طوافه
وسعيه إن فعلهما قبل خروجه بعد خروجه للحل ورجوعه لفسادهما قبله،
انتھی .
(١) ((المنتقى)) (٢٢١/٢).
(٢) (٢٢/٢).
٥٦٨

٢٠ - كتاب الحج
(١٥) باب
(١٥) باب ما لا يوجب الإحرام من تقليد الهدي
(١٥) ما لا يوجب الإحرام من تقليد الهدي
لفظ من بيان لما، والهدي بفتح فسكون: ما يُهْدى إلى الحرم من النعم،
شاة كانت أو بقرة أو بعيراً، الواحدة هدية، قاله القاري. وفي ((البحر)): الهدي
في اللغة: ما يُهْدى إلى الحرم من شاة أو بقرة أو بعير، الواحدة هدية، كما
يقال: جدي في جدية السرج، ويقال: هديّ بالتشديد على فعيل، الواحدة هدية
كمطية ومطي ومطايا، انتهى. وفي ((المحلى)): بإسكان الدال وكسرها مع تشديد
الياء لغتان، والأول أفصح اسم لما يهدى إلى الحرم، انتهى. والمعنى أن تقليد
الهدي لا يوجب الإحرام.
وههنا مسألتان طالما تشتبه إحداهما بالأخرى، حتى وقع الاشتباه فيهما
للخطابي ونحوه من المحققين. أولاهما: حكم من بعث بهديه وهو مقيم في
بلدته لا يريد النسك وهي المقصودة بالذكر في الباب، وكان فيها خلاف في
السلف، لكن انقضى الخلاف فيها بعد ذلك، واستقر الأمر على أن مجرد بعث
الهدي لا يوجب إحراماً، وسيأتي بيانها مفصلاً. والثانية: من ساق الهدي معه
وأراد النسك أيضاً وهي مختلفة بين الأئمة، قال الحافظ في ((الفتح)) (١): ذهب
جماعة من فقهاء الفتوى إلى أن من أراد النسك صار بمجرد تقليده الهدي
محرماً، حكاه ابن المنذر عن الثوري وأحمد وإسحاق قال: وقال أصحاب
الرأي: من ساق الهدي وأَمَّ البيت ثم قلَّد وجب عليه الإحرام، وقال الجمهور:
لا يصير بتقليد الهدي محرماً، ولا يجب عليه شيء، انتهى.
وفي ((الهداية)): من قلد بدنة تطوعاً أو نذراً أو جزاء صيد أو شيئاً من
الأشياء، وتوجه معها يريد الحج فقد أحرم، لقوله وَالر: ((من قلد بدنة فقد
أحرم))، ولأن سوق الهدي في معنى التلبية في إظهار الإجابة، لأنه لا يفعله إلا
(١) (فتح الباري)) (٥٤٦/٣).
٥٦٩

٢٠ - كتاب الحج
(١٥) باب
من يريد الحج أو العمرة، وإظهار الإجابة قد يكون بالفعل كما يكون بالقول،
فيصير به محرماً لاتصال النية بفعل هو من خصائص الإحرام، فإن قلدها وبعث
بها لم يصر محرماً لما روي عن عائشة قالت: كنت أفتل قلائد هدي
رسول الله وَلير فبعث بها وأقام في أهله حلالاً، انتهى.
قال ابن الهمام(١): أفاد أنه لا بد من ثلاثة: التقليد، والتوجه معها، ونية
النسك. وقوله لقوله وَ له: ((من قلّد بدنة .. )) إلخ غريب مرفوعاً، ووقفه ابن أبي
شيبة في ((مصنفه)) على ابن عباس وابن عمر - رضي الله عنهم -، وأخرج عن
سعيد بن جبير: أنه رأى رجلاً قلد فقال: أما هذا فقد أحرم. وأخرج الطبراني
أن قيس بن سعد بن عبادة الأنصاري كان صاحب لواء رسول الله وَ لو أراد
الحجَّ فرَجَّلَ أحدَ شقي رأسه، فقام غلامه فقلد هديه فنظر إليه قيس، فأهل
وحَلَّ شقّ رأسه الذي رَجَّلَه ولم يُرَجِّلُ الشق الآخر، وأخرجه البخاري في
((صحيحه)) مختصراً، انتهى مختصراً.
واستدل الزيلعي على ((الكنز)(٢) بقول ابن عمر المذكور ثم قال: والأثر
في مثله كالمرفوع، وهو محمول على ما إذا ساقه لحديث عائشة - رضي الله
عنها - المذكور أي: جمعاً بين الروايات، وحديث قيس بن سعد أخرجه
البخاري في الجهاد مقتصراً على أن قيس بن سعد كان صاحب لواء النبي وَل
أراد الحج فرَجَّلَ .
قال الحافظ(٣): اقتصر البخاري على هذا القدر لأنه موقوف، وليس من
غرضه في هذا الباب. وقد أخرج الإسماعيلي الحديث تاماً من طريق الليث
(١) ((فتح القدير)) (٤٠٥/٢).
(٢) (تبيين الحقائق في شرح كنز الدقائق)) (٣٩/٢).
(٣) ((فتح الباري)) (٦/ ١٢٧).
٥٧٠

٢٠ - كتاب الحج
(١٥) باب
(٧٤٣) حديث
٥١/٧٤٣ - حَدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْن أَبي
بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمُنِ؛ أَنَّهَا أَخْبَرَتْهُ: أَنَّ
زِيَادَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ،
التي أخرجها المصنف منها، فقال بعد قوله: فرَجَّلَ أحدَ شقي رأسه، فقام
غلام له فقلد هديه فنظر قيس هديه، وقد قلّد، فأهلَّ بالحج ولم يُرَجِّلْ شقّ
رأسه الآخر، وأخرجه من طريق أخرى، عن الزبيري بتمامه نحوه، وفي ذلك
مصير من قيس إلى أن الذي يريد الإحرام إذا قلد هديه يدخل في حكم
المحرم، انتهى. وقال في ((الدراية)): وصله الطبراني والبرقاني بتمامه.
٥١/٧٤٣ - (مالك، عن عبد الله بن أبي بكر) بن محمد بن عمرو (بن
حزم) الأنصاري (عن عمرة بنت عبد الرحمن) الأنصارية (أنها أخبرته) أي
عبد الله (أن زياد) بكسر الزاي وتخفيف الياء آخر الحروف وبعد الألف دال
مهملة (ابن أبي سفيان) بن حرب، وهو الذي ادّعاه معاوية أخاً لأبيه فألحقه
بنسبه، قاله العيني(١).
قال الحافظ (٢): زياد بن أبي سفيان هكذا وقع في ((الموطأ)) وكان شيخ
مالك حَدّث به كذلك في زمن بني أمية، وأما بعدهم فما كان يقال له إلا
زياد بن أبيه، وقبل استلحاق معاوية له كان يقال له: زياد بن عبيد، وكانت أمه
سمية مولاة الحارث بن كلدة الثقفي تحت عبيد المذكور، فولدت زياداً على
فراشه فكان ينسب إليه، فلما كان في خلافة معاوية شهد جماعة على إقرار أبي
سفيان بأن زياداً ولده فاستلحقه معاوية لذلك، وزَوَّج ابنه بنته، وأمّر زياداً على
العراقين، البصرة والكوفة، ومات في خلافة معاوية سنة ٥٣هـ.
قال الشوكاني(٣): استلحقه معاوية - رضي الله عنه - لغرض دنيوي، وقد
(١) ((عمدة القاري)) (٣٠٨/٧).
(٢) ((فتح الباري)) (٥٤٥/٣).
(٣) ((نيل الأوطار)) (٤٦٨/٣).
٥٧١

٢٠ - كتاب الحج
(١٥) باب
(٧٤٣) حديث
كَتَبَ إِلَى عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ وَلِهِ: أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسِ قَالَ: مَنْ
أَهْدَى هَدْياً حَرُمَ عَلَيْهِ مَا يَحْرُمُ عَلَى الحَاجِّ، حَتَّى يُنْحَرَ الْهَدْيُ، وَقَدْ
بَعَثْتُ بِهَدْي، فَاكْتُبِي إِلَيَّ بِأَمْرِكِ، أَوْ مُرِي صَاحِبَ الْهَدْيِ.
أنكر هذه الواقعة على معاوية من أنكرها حتى قيلت فيها الأشعار، وقد أجمع
أهل العلم على تحريم نسبته إلى أبي سفيان، وما وقع من أهل العلم في زمان
بني أمية فإنما هو تقية، وذكر أهل الأمهات نسبته إلى أبي سفيان في كتبهم مع
كونهم لم يؤلفوها، إلا بعد انقراض عصر بني أمية محافظةً منهم على الألفاظ
التي وقعت من الرُّواة في ذلك الزمان كما هو دأبهم، انتهى.
تنبيه: وقع في مسلم عن مالك في هذا الحديث: ((أن ابن زياد)) بدل:
قوله: إن زياد بن أبي سفيان، وهو وهم نَبَّه عليه الغساني ومن تبعه، قال
النووي: وجميع من تكلم على ((صحيح مسلم))، والصواب ما في البخاري وهو
الموجود عند جميع رواة ((الموطأ))، انتهى ما في ((الفتح)) (١). زاد العيني: وهو
الصواب، لأنه هو الموجود عند جميع رواة ((الموطأ))، وكذا وقع في ((سنن
أبي داود))، وغيرها من الكتب المعتمدة، ولأن ابن زياد لم يدرك عائشة
- رضي الله عنها -، انتهى.
(كتب إلى عائشة زوج النبي ◌ّ- أن) بفتح الهمزة ويروى بكسرها
(عبد الله بن عباس قال: من أهدى هدياً) أي: بعثه إلى مكة (حرم عليه ما يحرم
على الحاج) من محظورات الإحرام (حتى ينحر) ببناء المفعول (الهدي) بالرفع
(وقد بعثت) بصيغة المتكلم، زاد في النسخ الهندية بعد ذلك (إليك) ولم يزده
في النسخ المصرية، لكنه ظاهر من قوله: أو مري صاحب الهدي (بهدي
فاكتبي) بصيغة الخطاب للمؤنث (إليّ بأمرك) كيف أفعل (أو مري صاحب
الهدي) الذي معه الهدي ليخبرني، فأو للتنويع بين الكتابة والرواية. قلت:
(١) ((فتح الباري)) (٥٤٥/٣).
٥٧٢
--------
---------------------- --

٢٠ - كتاب الحج
(١٥) باب
(٧٤٣) حديث
قَالَتْ عَمْرَةُ: قَالَتْ عَائِشَةُ: لَيْسَ كَمَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسِ، أَنَّا فَتَلْتُ
وَهُ بِيَدِهِ،
نَّ بِيَدَيَّ. ثُمَّ قَلَّدَهَا رَسُولُ اللَّهِ
فَلَائِدَ هَدْي رَسُولِ اللَّهِ
ثُمَّ بَعَثَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ فَ لَه مَعَ أَبِي،
ويحتمل الشك من الراوي، وليست هذه الجملة في رواية مسلم بل اقتصر على
الجملة الأولى، فاكتبي إليّ بأمرك.
قال الحافظ(١) بعد ذكر رواية مسلم: زاد الطحاوي برواية ابن وهب عن
مالك: ((أو مري صاحب الهدي))، أي الذي معه الهدي بما يصنع، انتهى.
ولعله كتب إليها لما بلغه إنكارها عليه، فقد روى سعيد بن منصور عن عائشة،
وقيل لها: ((إن زياداً إذا بعث بالهدي أمسك عما يمسك عنه المحرم حتى ينحر
هديه، فقالت له عائشة: أَوَلَهُ كعبة يطوف بها؟)).
(قالت عمرة: فقالت عائشة: ليس) الأمر (كما قال ابن عباس) فإني (أنا
فتلت قلائد) جمع قلادة وهي ما تعلق بالعنق (هدي رسول الله (َ ﴾- بيدي) بفتح
الدال وشد الياء على التثنية، وفي رواية: الإفراد على الجنسية، قال الحافظ :
فيه رفع مجاز أن تكون أرادت أنها فتلت بأمرها (ثم قلدها رسول الله وَ﴾د بيده)
الشريفة .
قال الباجي(٢): يحتمل أن تكون أرادت بذلك تبيين حفظها للأمر
ومعرفتها من تناول كل شيء منه، ويدل ذلك على اهتبالها بهذا الأمر،
ومعرفتها به، ويحتمل أنها أرادت النبي وَل و تناول ذلك بنفسه، وعلم وقت
التقليد لئلا يظن أحد أنه استباح محظور الإحرام بعد تقليد هديه، وقيل: أن
يعلم هو بذلك، فتبين من ذلك أنه لم يأت شيئاً من هذا، إلا وهو عالم بتقليد
هدیه، انتھی.
(ثم بعث بها رسول الله ◌ّة مع أبي) بفتح الهمزة وكسر الموحدة الخفيفة
(١) ((فتح الباري)) (٥٤٥/٣).
(٢) ((المنتقى)) (٢٢٢/٢).
٥٧٣

٢٠ - كتاب الحج
(١٥) باب
(٧٤٣) حديث
فَلَمْ يَحْرُمْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ وَلَّ شَيءٌ أَحَلَّهُ اللَّهُ لَهُ، حَتَّى نُحِرَ
الْهَدْيُ .
أخرجه البخاريّ في: ٢٥ - كتاب الحج، ١٠٩ - باب من قلد القلائد بيده.
ومسلم في: ١٥ - كتاب الحج، ٦٤ - باب استحباب بعث الهدي إلى الحرم،
حديث ٣٦٩.
تريد بذلك الصديق الأكبر، قال الحافظ: واستفيد من ذلك وقت البعث، وأنه
كان في سنة تسع عام حج أبو بكر بالناس، قال ابن التين: أرادت عائشة بذلك
علمها بجميع القصة، ويحتمل أن تريد أنه آخر فعل النبي ومه، لأنه حج في
العام الذي يليه حجة الوداع، لئلا يظن ظانّ أن ذلك كان في أول الإسلام ثم
نسخ، فأرادت إزالة هذا اللبس.
وأكملت ذلك بقولها: (فلم يحرم على رسول الله وَلّ شيء أحله الله له)
وفي رواية لمسلم: ((فأصبح فينا حلالاً يأتي ما يأتي الحلال من أهله)) (حتى
نحر الهدي) ببناء المجهول ضبطه الزرقاني، وفي ((التعليق الممجد))(١): حتى
نحر، أي أبو بكر، وفي بعض النسخ بلفظ المجهول.
فإن قلتَ: عدم الحرمة ليس مُغَيّاً إلى النحر، إذ هو باقٍ بعده فلا مخالفة
بين حكم ما بعد الغاية وما قبلها، قلتُ: هو غاية للتحريم لا لـ((لم يحرم)) أي:
الحرمة المنتهية إلى النحر لم تكن، وذلك لأنه ردٌّ لكلام ابن عباس، وهو كان
مثبتاً للحرمة إلى النحر، كذا في ((الكواكب الدراري)) للكرماني، وقال الحافظ:
وترك إحرامه بعد ذلك أحرى وأولى، لأنه إذا انتَفَى في وقت الشبهة، فلأن
ينتهي عند انتفاء الشبهة أولى.
وقال الحافظ (٢): وحاصل اعتراض عائشة - رضي الله عنها - على
(١) (٢٦٧/٢).
(٢) ((فتح الباري)) (٥٤٧/٣).
٥٧٤
------
----- --

٢٠ - كتاب الحج
(١٥) باب
(٧٤٣) حديث
ابن عباس أنه ذهب إلى ما أفتى به قياساً للتولية في أمر الهدي على المباشرة
له، فبينت عائشة - رضي الله عنها - أن هذا القياس لا اعتبار له في مقابلة هذه
السنة الظاهرة، انتهى.
قال ابن التين: خالف ابن عباس في هذا جميع الفقهاء، واحتجت عائشة
بفعل النبي ◌َ ل، وما روته في ذلك يجب أن يصار إليه، ولعل ابن عباس رجع
عنه .
قال الحافظ(١): وفيه قصور شديد، فإن ابن عباس - رضي الله عنه - لم
ينفرد في ذلك، بل ثبت ذلك عن جماعة من الصحابة، منهم ابن عمر عند ابن
أبي شيبة وابن المنذر أنه كان إذا بعث بالهدي يمسك عما يمسك عنه المحرم
إلا أنه لا يلبي، ومنهم قيس بن سعد بن عبادة عند سعيد بن منصور بنحو
ذلك، وروى ابن أبي شيبة بسند منقطع عن عمر - رضي الله عنه - وعلي
- رضي الله عنه - أنهما قالا في الرجل يرسل ببدنته: إنه يمسك عما يمسك عنه
المحرم، وقال ابن المنذر: قال عمر وعلي وقيس بن سعد وابن عمر
وابن عباس والنخعي وعطاء وابن سيرين وآخرون: من أرسل الهدي وأقام حرم
عليه ما يحرم على المحرم، وقال ابن مسعود وعائشة وأنس وابن الزبير
وآخرون: لا يصير بذلك محرماً، وإلى هذا صار فقهاء الأمصار.
ومن حجة الأولين ما رواه الطحاوي وغيره عن جابر قال: ((كنت جالساً
عند النبي ◌َّ﴾ فقَدَّ قميصه من جيبه حتى أخرجه من رجليه، وقال: إني أمرت
بُبُدْنِي التي بعثت بها أن تُقَلَّدَ اليوم، وتُشْعَر على مكان كذا، فلبست قميصي
ونسيت، فلم أكن لأخرج قميصي من رأسي)) الحديث، وهذا لا حجة فيه
لضعف إسناده إلا أن نسبة ابن عباس إلى التفرد بذلك خطأ، وقد ذهب سعيد بن
(١) ((فتح الباري)) (٥٤٦/٣).
٥٧٥

٢٠ - كتاب الحج
(١٥) باب
(٧٤٤) حديث
٧٤٤/ ٥٢ _ وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ؛ أَنَّهُ
قَالَ: سَأَلْتُ عَمْرَةَ بِنْتَ عَبْدِ الرَّحْمُنِ عَنِ الَّذِي يَبْعَثُ بِهَدْيِهِ وَيُقِيمُ،
هَلْ يَحْرُمُ عَلَيْهِ شَيْءٌ؟ فَأَخْبَرَتْنِي أَنَّهَا سَمِعَتْ عَائِشَةَ تَقُولُ: لا يَحْرُمُ
إِلَّا مَنْ أَهَلَّ وَبَّى.
المسيب إلى أنه لا يجتنب شيئاً مما يجتنبه المحرم إلا الجماع ليلة جمع، رواه
ابن أبي شيبة عنه بإسناد صحيح.
نعم جاء عن الزهري ما يدل على أن الأمر استقر على خلاف ما قال
ابن عباس، ففي نسخة أبي اليمان عن شعيب عنه، وأخرجه البيهقي من طريقه،
قال: أول من كشف العَمَى عن الناس، وبيّن لهم السنة في ذلك عائشة - رضي الله
عنها -، فذكر الحديث عن عروة وعمرة عنها، قال: ((فلما بلغ الناس قول عائشة
أخذوا به، وتركوا فتوى ابن عباس)). انتهى ما في ((الفتح)) مختصراً.
ولا يذهب عليك أن الخطابي حكى مذهب الحنفية مثل قول ابن عباس
وهو غلط، رَدَّ عليه غيرُ واحد من شراح الحديث منهم الحافظ إذ قال: وهو
خطأ عليهم، فالطحاوي أعلم بهم منه، ولعل الخطابي ظن التسوية بين
المسألتين، انتهى. يعني التبس عليه هذه المسألة الثانية المتقدمة في أول
الباب.
٥٢/٧٤٤ _ (مالك، عن يحيى بن سعيد أنه قال: سألت عمرة بنت عبد
الرحمن عن الذي يبعث بهديه) إلى الحرم (و) هو (يقيم) ولا يتوجه معه (هل
يحرم عليه شيء؟) أي: هل يصير محرماً ببعث الهدي (فأخبرتني أنها سمعت
عائشة تقول: لا يحرم إلا من أهلَّ) أي أحرم (ولبى).
وإلى ذلك ذهب فقهاء الأمصار من أنه لا يكون محرماً بمجرد البعث،
وهو المقصود بهذا الأثر، وهو أيضاً حجة لمن قال: لابد للإحرام من التلبية
أو ما يقوم مقامها، خلافاً لمن قال: يكفي له مجرد النية، فتأمل.
٥٧٦
--

٢٠ - كتاب الحج
(١٥) باب
(٧٤٥) حدیث
٧٤٥/ ٥٣ - وحدّثني عَنْ مَالِكٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ
مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ التَّيْمِيِّ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ
الْهُدَيْرِ؛ أَنَّهُ رَأَى رَجُلاً مُتَجَرِّداً بِالْعِرَاقِ، فَسَأَلَ النَّاسَ عَنْهُ، فَقَالُوا :
إِنَّهُ أَمَرَ بِهَدْيِهِ أَنْ يُقَلَّدَ، فَلِذْلِكَ تَجَرَّدَ. قَالَ رَبِيعَةُ: فَلَقِيتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ
الزُّبَيْرِ، فَذَكَرْتُ لَّهُ ذُلِكَ، فَقَالَ: بِدْعَةٌ، وَرَبِّ الْكَعْبَةِ.
وسُئِلَ مَالِكٌ عَمَّنْ خَرَجَ بِهَدْي لِنَفْسِهِ،
٥٣/٧٤٥ - (مالك، عن يحيى بن سعيد) الأنصاري (عن محمد بن
إبراهيم بن الحارث التيمي) تيم قريش (عن ربيعة بن عبد الله بن الهدير) بضم
الهاء فالدال المهملة مصغراً (أنه رأى رجلاً) وسيأتي في كلام الحافظ أنه
ابن عباس - رضي الله عنه - (متجرداً بالعراق) أي البصرة كما سيأتي، والمعنى
أنه رآه متجرداً عن المخيط، إلا أنه لابس ثياب الإحرام، وذلك ببلدة يلبس
جميعهم المخيط فأنكر عليه مخالفة عادة الناس (فسأل) ربيعة (الناس) مفعول
(عنه) أي عن حاله (فقالوا: إنه أمر بهديه أن يقلد) ببناء المجهول (فلذلك
تجرد، قال ربيعة: فلقيت عبد الله بن الزبير) ابن أخت عائشة - رضي الله عنها -
(فذكرت له ذلك، فقال: بدعة ورب الكعبة) قال الطحاوي: ولا يجوز عندنا أن
يكون ابن الزبير حلف على ذلك أنه بدعة، إلا وقد علم أن السنة خلاف ذلك.
قال الحافظ(١): ورواه ابن أبي شيبة عن الثقفي عن يحيى بن سعيد
أخبرني محمد بن إبراهيم: أن ربيعة أخبره أنه رأى ابن عباس وهو أمير
البصرة، في زمان علي - رضي الله عنه - متجرداً على منبر البصرة فذكره،
فعُرِف بهذا الاسم المبهم في رواية مالك، انتهى.
قلت: وعلم منه أيضاً أن القصة كانت في زمان علي في البصرة.
(قال يحيى: وسئل) ببناء المجهول (مالك عمن خرج بهدي لنفسه) أي
(١) ((فتح الباري)) (٥٤٦/٣).
٥٧٧

٢٠ - كتاب الحج
(١٥) باب
(٧٤٥) حديث
فَأَشْعَرَهُ وقَلَّدَهُ بِذِي الْحُلَيْفَةِ، وَلَمْ يُحْرِمْ هُوَ حَتَّى جَاءَ الْجُحْفَةَ. قَالَ:
لا أُحِبُّ ذُلِكَ، وَلَمْ يُصِبْ مَنْ فَعَلَهُ، وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُقَلِّدَ الْهَدْيَ،
وَلَا يُشْعِرَهُ إِلا عِنْدَ الإِهْلَالِ، إِلَّا رَجُلٌ لا يُرِيدُ الْحَجَّ، فَيَبْعَثُ بِهِ
ويُقِيمُ فِي أَهْلِهِ.
وسُئِلَ مَالِكٌ: هَلْ يَخْرُجُ بِالْهَدْي غَيْرُ مُحْرِمِ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، لَا
بَأْسَ بِذْلِكَ.
رجل من أهل المدينة أو أهل الشام مثلاً ساق هديه وتوجه معه (فأشعره وقلّده
بذي الحليفة) ميقات أهل المدينة (ولم يحرم هو) أي: لم ينو الإحرام (حتى
جاء الجحفة) أي: ميقات أهل الشام ويقع في طريق أهل المدينة أيضاً (فقال:
لا أحب ذلك، ولم يصب من فعله) أي أخطأ في ذلك، لأنه إن كان ميقاته
ذا الحليفة فيحرم عليه تعديه حلالاً، وإن كان ميقاته الجحفة فقد أفات نفسه
الفضيلة، وهذا كله عند المالكية، وأما عند الحنفية فقد يصير بالتقليد للبدن
محرماً بشرط التوجه معه ونية النسك، نعم لا يصير محرماً بتقليد الشاة.
(ولا ينبغي له أن يقلد الهدي، ولا يشعره إلا عند الإهلال) أي الإحرام،
لأنه وَ لّ قلد وأشعر عند الإحرام (إلا رجل لا يريد الحج، فيبعث به ويقيم في
أهله) كما فعله وَ لّ إذ بعث الهدايا وأقام في أهله حلالاً.
(وسئل مالك: هل يخرج بالهدي غير محرم؟ فقال: نعم، لا بأس بذلك)
أي: يجوز لكن لا يتجاوز به الميقات إلا وهو محرم، إلا أن لا يريد دخول
مكة، قاله الزرقاني(١).
قلت: وكذلك عند الحنفية لا يجوز لمريد دخول مكة التجاوز عن
الميقات إلا محرماً، ففي ((الدر المختار)) (٢): حرم تأخير الإحرام عنها كلها
(١) ((شرح الزرقاني)) (٢٦١/٢).
(٢) ((الدر المختار مع رد المحتار)) (٥٢٤/٢).
٥٧٨
-------

٢٠ - كتاب الحج
(١٥) باب
(٧٤٥) حديث
وسُئِلَ مَالِكٌ أَيْضاً عَمَّا اخْتَلَفَ فِيهِ النَّاسُ مِنَ الإِحْرَامِ لِتَقْلِيدِ
الْهَدْي، مِمَّنْ لا يُرِيدُ الْحَجَّ وَلا الْعُمْرَةَ؟. فَقَالَ: الأَمْرُ عِنْدَنَّا الَّذِي
نَأْخُذُ بِهِ فِي ذُلِكَ قَوْلُ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ بِله بَعَثَ
بِهَذْبِهِ ثُمَّ أَقَامَ، فَلَمْ يَحْرُمْ عَلَيْهِ شَيءٌ مِمَّا أَحَلَّهُ اللَّهُ لَهُ، حَتَّى نُحِرَ
220
هَدْیُهُ .
((أي المواقيت)) لمن قصد دخول مكة يعني الحرم ولو لحاجة غير الحج، أما لو
قصد موضعاً من الحل، حل له مجاوزته بلا إحرام، انتهى.
(وسئل مالك) أيضاً (عما اختلف الناس فيه) من السلف (من الإحرام) بيان
لما، أي عما قالوا مِنْ إحرام من يبعث بالهدي، وأطلق الإحرام على تجرده
عن الملبوس المخيط مجازاً لكونه صورة الإحرام، وإلا فابن عباس ومن معه
لا يقولون: إنه يكون محرماً، بل قالوا بالاجتناب عن محظورات الإحرام.
قال الباجي(١): وما أرى ابن عباس أطلق عليه اسم محرم. ويلزمه ذلك
باجتنابه ما يجتنبه المحرم، لأن المحرم إنما سمي محرماً، لأنه دخل في عبادة
يحرم بها عليه معان مباحة، انتهى (لتقليد الهدي) اللام للتعليل (ممن لا يريد
الحج ولا العمرة) كما قال ابن عباس ومن وافقه.
(فقال) مالك في جواب هذا السؤال: (الأمر عندنا) بالمدينة المنورة (الذي
نأخذ به في ذلك قول عائشة أم المؤمنين) الذي تقدم مرفوعاً من (إن رسول الله وَالخلال
بعث بهديه ثم أقام) بالمدينة (فلم يحرم عليه شيء مما أحله الله له، حتى نحر
الهدي) ببناء المجهول، وبه قالت الثلاثة الباقية والجمهور كما تقدم قريباً .
وأخرج البيهقي عن الزهري قال: أول ما كشف العَمَى عن الناس، وبيّن
لهم السنة في ذلك عائشة، فذكر الحديث عن عروة وعمرة عنها، قالت: فلما
بلغ الناس قول عائشة أخذوا به، وتركوا فتوى ابن عباس، ووافق عائشةً
(١) ((المنتقى)) (٢٢٤/٢).
٥٧٩

٢٠ - كتاب الحج
(١٦) باب
(٧٤٦) حديث
(١٦) باب ما تفعل الحائض في الحج
٧٤٦/ ٥٤ _ حَدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنْ نَافِع؛ أَنَّ
عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَقُولُ: الْمَرْأَةُ الْحَائِضُ الَّتِي تُهِلُّ بِالْحَجِّ أَوِ
الْعُمْرَةِ، إِنَّها تُهِلُّ بِحَجِّهَا أَوْ عُمْرَتِهَا إِذَا أَرَادَتْ، وَلَكِنْ لا تَطُوفُ
بِالْبَيْتِ،
ابنُ مسعود وابنُ الزبير وأنس، وأما ما أخرجه عبد الرزاق عن عبد الرحمن بن
عطاء أنه سمع ابني جابر عن أبيهما قال: بينما النبي (180 جالس إذا شق
قميصه .. الحديث(١)، تقدم قريباً فقد ضعّف ابن عبد البر وعبد الحق ابنَ
عطاء، كذا في (المحلى)).
(١٦) ما تفعل الحائض في الحج
مقصود الترجمة بيان من حاضت قبل الإحرام، وأما من حاضت بعده
فسيأتي بيانها في ((باب دخول الحائض مكة)).
٥٤/٧٤٦ - (مالك، عن نافع، أن عبد الله بن عمر) - رضي الله عنه -
(كان يقول: المرأة الحائض) وكذا النفساء (التي تهل) أي تريد أن تحرم (بالحج
أو العمرة، إنها) بكسر الهمزة (تهل) أي تحرم (بحجها أو عمرتها إذا أرادت)
يعني أن حيضها لا يمنعها من الإهلال بالحج والعمرة، لأن الإحرام بهما لا
ينافي الحيض ولا النفاس، ولذلك لا يفسدان شيئاً منهما إذا طريا عليهما،
ويفسدان الصوم والصلاة لما كانا منافيين لهما، قاله الباجي (٢). وكذلك قالت
الحنفية (ولكن لا تطوف بالبيت).
(١) أخرجه الطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) (١٣٨/٢)، والهيثمي في ((مجمع الزوائد» (٣/
٢٢٧)، وانظر: ((الاستذكار)) (١٨٢/١١).
(٢) ((المنتقى)) (٢٢٤/٢).
٥٨٠
---