Indexed OCR Text
Pages 481-500
٢٠ - كتاب الحج (٩) باب (٧٢٣) حديث أَنَّهُ قَالَ، لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمُنِ، رَأَيْتُكَ تَصْنَعُ أَرْبَعاً لَمْ أَرَ أَحَداً مِنْ أَصْحَائِكَ يَصْنَعُهَا. قَالَ: وَمَا هُنَّ يَا ابْنَ جُرَيْجِ؟ قَالَ: رَأَيْنُكَ لا تَمَسُّ مِنَ الأَرْكَانِ إلا الْيَمَانِيَّيْنِ. (أنه قال لعبد الله بن عمر) - رضي الله عنه -: (يا أبا عبد الرحمن) كنية ابن عمر - رضي الله عنه - (رأيتك تصنع أربعاً) أي: من الخصال، وهو مفعول لقوله: ((تصنع))، والجملة مفعول ثان لقوله: ((رأيتك)) (لم أر أحداً من أصحابك)، أي: من أقرانك أو أمثالك ممن صحب النبي ◌ّ، وفي بعض نسخ البخاري: ((من أصحابنا)) أي من أصحاب رسول الله وَلَد. قال الباجي(١): سؤاله عن وجه تعلقه بها، وهل عنده في ذلك توقيف من النبي 81#، أو فعله عن رأي واجتهاد؟ ولأن ابن عمر - رضي الله عنه - كان كثير التحفظ لأفعال النبي وه يل ر، شديد الاقتداء به، معروفاً بذلك، مشهوراً في الصحابة والتابعين، فأراد ابن جريج أن يعلم ما خالف فيه أصحابه من ذلك (يصنعها) قال الحافظ: الظاهر من السياق انفراد ابن عمر بما ذكر دون غيره ممن رآهم عبيد، وقال المازري: يحتمل أن يكون مراده لا يصنعهن غيرك مجتمعة، وإن كان يصنع بعضها . وفي ((التعليق الممجد)(٢): المراد نفي الرؤية عن الأكثر، وبالغ في ذلك فقال: ما رأيت أحداً، أو المراد نفي رؤية أحد يفعلها على سبيل الالتزام، انتهى . (قال: وما هن) ولفظ البخاري: ((ما هي)) بضمير الإفراد (يا ابن جريج؟ قال: رأيتك لا تمَسُّ من الأركان) الأربعة للبيت (إلا) الركنين (اليمانين) بتخفيف الياء، لأن الألف بدل من إحدى يائي النسب، وهو الأفصح الذي اختاره (١) ((المنتقى)) (٢٠٨/٢). (٢) (٣٨١/٢). ٤٨١ ٢٠ - كتاب الحج (٩) باب (٧٢٣) حديث ثعلب، ولم يذكر ابن فارس غيره، كما بسطه العيني، وفي لغة قليلة تشديدها على أن الألف زائدة، قال الأبي: هو منسوب إلى اليمن، فالقياس أن يقال في النسب إليه: يمني، فزادوا فيه الألف عوضاً من إحدى يائي النسب، فلو شدّدوا جمعوا بين العوض والمعوض منه، وذلك لا ينبغي، وحكى سيبويه فيه التشديد، ووجهه بأن الألف فيه زائدة، انتهى. وفي ((المحلى)): الذين شدَّدُوها قالوا: قد يزاد في النسب، كما زادوا الزاي في الرازي منسوباً إلى الري، والنون في الصنعاني منسوباً إلى صنعاء، والمراد بهما الركن اليماني، والركن الذي فيه الحجر الأسود، ويقال له: الركن العراقي، لكونه إلى جهة العراق، وإليه أكثر بلاد الهند، والذي قبله يماني، لأنه من جهة اليمن، ويقال لهما: اليمانيان تغليباً، ويقال للركنين الآخرين: الشاميان . فإن قيل: لم لا قالوا: الأسودين تغليباً؟ أجيب: بأنه ربما يشتبه على بعض العوام أن في كل من هذين الركنين الحجر الأسود، فيفهم التثنية، ولا يفهم التغليب، كذا قال الزرقاني وغيره، وإطلاق الركن العراقي على الركن الذي فيه الحجر الأسود غير معروف، والمعروف إطلاقه على الركن الذي بين جدار الباب وجدار الحطيم. قال صاحب ((الرحلة الحجازية)): ويسمون زوايا البيت الخارجة بالأركان، فالشمالي، منها يسمونه بالركن العراقي، لأنه إلى جهة العراق، والغربي يسمونه الشامي، لأنه متّجه إلى الشام، والقبلي يسمونه اليماني، لاتجاهه إلى اليمن، وفيه حجر يسمونه الحجر الأسعد، والشرقي، يسمونه بالركن الأسود، لأن فيه الحجر الأسود، اهـ. وقد يطلقون إحدى الإطلاقات على الأخرى باعتبار أن مواجهة البلاد البعيدة قد تصح باعتبار القرب مجازاً، ولذا قال صاحب ((مرآة الحرمين)): إن ٤٨٢ ٢٠ - كتاب الحج (٩) باب (٧٢٣) حديث وَرَأَيْتُكَ تَلْبَسُ النِّعَالَ السِّبْتِيَّةِ، ركن الكعبة الشمالي الشرقي يسمى بالركن الشامي والعراقي، اهـ. ولذا قال النووي في ((مناسكه)) في بيان الحطيم: إنه بين الركن الشامي والركن الغربي، قال الحافظ (١): وظاهره أن غير ابن عمر - رضي الله عنه - من الصحابة الذين رآهم عبيدٌ كانوا يستلمون الأركان كلها، وقد صح ذلك عن معاوية وابن الزبير. قال العيني(٢): وروي عن جابر وأنس والحسن والحسين أنهم كانوا يستلمون الأركان كلها، وعن عروة مثل ذلك (ورأيتك تلبس) بفتح أوله وثالثه، فهو من باب سمع بمعنى اللباس، ومن باب ضرب بمعنى الخلط، (النعال) جمع نعل، وهو ما يلبس في الرجل لوقاية القدم عن الوسخ والقذر وغيرهما (السبتية) بكسر السين المهملة وسكون الموحدة، نسبة إلى سبت بالكسر، آخره مثناة فوقية، هي التي لا شعر فيها، مأخوذ من السبت بمعنى الحلق، قاله الأزهري، أو لأنها سبتت بالدباغ أي: لانت(٣). وقال أبو عمرو الشيباني(٤): كل مدبوغ سبت، وقال أبو زيد(٥): هي جلود البقر مدبوغة أولا، وقيل: نوع من الدباغ يقلع الشعر، وقيل: جلد البقر المدبوغ بالقرظ، وقيل: هي التي لا شعر عليها، من أي نوع كانت، وقيل غير ذلك. وقال عياض: الأصح عندي اشتقاقها وإضافتها إلى السبت الذي هو الجلد المدبوغ، ولو كان من السبت الذي هو الحلق لكان بالفتح، ولم يروه (١) (فتح الباري)) (٢٦٨/١). (٢) (عمدة القاري)) (٤٦٩/٢). (شرح الزرقاني)) (٢٤٦/٢)، وانظر: ((فتح الباري)) (٢٦٩/١). (٣) (٤) اسمه: إسحاق بن مرار الكوفي ((وفيات الأعيان)) (٦٥/١). (٥) هو الإمام أبو زيد الأنصاري ((وفيات الأعيان)) (٣٧٨/٢). ٤٨٣ ٢٠ - كتاب الحج (٩) باب (٧٢٣) حديث ورَأَيْتُكَ تَصْبُغُ بِالصُّفْرَةِ، أحد كذلك، وكان من عادة العرب أن يلبس النعال بشعرها غير مدبوغة، وكانت المدبوغة تعمل بالطائف وغيره، ويلبسها أهل الرفاهية، ولذا قال الشاعر : يحذى نعال السبت ليس بتوأم وما سيأتي من جواب ابن عمر - رضي الله عنه - يدل على أن المراد ها هنا النعال التي ليس فيها شعر، وقيل: منسوب إلى سوق السبت بالفتح، وقيل: إلى السُّبْت بالضم نبت يدبغ به. ويلزمه عليهما أن يكون السبتية بالفتح أو الضم، ولم يرو في الحديث على ما أخرجه مالك والبخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه وغيرهم إلا الكسر، كذا حققه المقرئ في كتابه (فتح المتعال في مدح خير النعال))، قاله الشيخ عبد الحي، وفصله في رسالته (غاية المقال فيما يتعلق بالنعال))(١) . (ورأيتك تصبغ) بضم الموحدة وفتحها، لغتان مشهورتان، حكاهما الجوهري، وحكى الكسر أيضاً من ضرب يضرب، كذا في ((المحلى)) (بالصفرة) بالضم أي: اللون الأصفر بالزعفران أو غيره، وقيل: الصفرة نبت يصبغ به أصفر أي: تصبغ ثوبك أو شعرك، كما سيأتي. قال الباجي: يحتمل أن يريد الخضاب، ويحتمل الثياب، وقال يحيى بن عمر: يريد أنه كان يصبغ بها ثيابه لا لحيته، قال: وهذا معناه عند أصحاب مالك، قال أحمد بن خالد: ولا يثبت أن النبي ◌َلّ صبغ لحيته بصفرة ولا غيرها، ولا أدرك ذلك، توفي رسول الله وح لول، وليس في لحيته ورأسه عشرون شعرة بيضاء . (١) هذه الرسالة جمع فيها الإمام عبد الحي اللكنوي المتوفى ١٣٠٤ هـ كل ما يتعلق بالنعل من أحكام مع تحقيق هذه المسائل، وقد طبعت هذه الرسالة سنة ١٣٠٤ هـ بلكنو، انظر: ((الإمام عبد الحي اللكنوي)) للدكتور ولي الدين الندوي. ٤٨٤ ٢٠ - كتاب الحج (٩) باب (٧٢٣) حديث ورَأَيْتُكَ، إِذَا كُنْتَ بِمَكَّةَ، أَهَلَّ النَّاسُ إِذَا رَأَوَا الْهِلالَ، وَلَمْ تُهْلِلْ أَنْتَ حَتَّى يَكُونَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ. (ورأيتك إذا كنت) نازلاً (بمكة أَهَلَّ الناس) أي: أحرموا (إذا رأوا الهلال) أي: هلال ذي الحجة (ولم تهل) هكذا في النسخ الهندية بالإدغام، وكذا في رواية البخاري، وفي النسخ المصرية بفك الإدغام (أنت حتى كان) هكذا في النسخ الهندية وكذا لفظ البخاري، وفي المصرية ومسلم بالمضارع. ثم يشكل على هذا الحديث ما يأتي في ((باب إهلال أهل مكة)) أن ابن عمر - رضي الله عنه - أيضاً يُهِلُّ لهلال ذي الحجة ويأتي الجمع هناك (يوم) بالرفع فاعل يكون التامة والنصب خبر على أنها ناقصة، قاله الزرقاني (التروية) ثامن ذي الحجة. اختلف في تسميته بذلك على أقوال، منها: أن الناس يروون فيه من الماء من زمزم، لأنه لم يكن بمنى ولا بعرفة ماء أي يحملونه من مكة، حكاه العيني عن الماوردي، وفي ((المجمع)): لأنهم كانوا يرتوون فيها من الماء لما بعده أي: يستقون ويسقون. ومنها: ما قال الحافظ(١): لأنهم كانوا يروون فيه إبلهم ويتروون من الماء، لأن تلك الأماكن لم يكن فيها آبار ولا عيون، وأما الآن فكثر جداً، واستغنوا عن حمل الماء، وقد روى الفاكهي عن مجاهد قال: قال ابن عمر: يا مجاهد، إذا رأيت الماء بطريق مكة، ورأيت البناء يعلو أخاشبها، فخذ حذرك، وفي رواية: فاعلم أن الأمر قد أظلك، اهـ. وهذان القولان أشهر ما قيل في سبب التسمية، وفيه أقوال أخر. منها: أنه اليوم الذي رأى فيه آدم حواء، ومنها: أن جبرئيل عليه السلام أرى فيه إبراهيم عليه السلام أول المناسك، ومنها: ما روي عن ابن عباس: (١) (فتح الباري)) (٣/ ٥٠٧). ٤٨٥ ٢٠ - كتاب الحج (٩) باب (٧٢٣) حديث سُمِّي بذلك، لأن إبراهيم عليه السلام أتاه الوحي في المنام أن يذبح ابنه، فتّروَّى في نفسه، من الله هذا أم من الشيطان؟ فأصبح صائماً، فلما كان ليلة العرفة أتاه الوحي، فعرف أنه الحق فسميت عرفة، رواه البيهقي في ((فضائل الأوقات))، قاله العيني(١). وقيل: لأن الإمام يُعَلِّم الناس فيها المناسك، وتُعُقِّب الأولان بأنه ينبغي أن يسمى إذ ذاك يوم الرؤية، والثالث بأن يسمى يوم الرؤيا، أو يوم التروّي بشد الواو، والرابع بأن يسمى يوم الرواية، كذا في ((الفتح)) وغيره. زاد في نسخة الزرقاني بعد ذلك. (فتهل أنت) وليست هذه الزيادة في شيء من النسخ الهندية ولا المصرية، ثم ظاهر ما سيأتي من كلامه في الجواب أنه - رضي الله عنه - لا يهل حتى يركب قاصداً منى، قال الباجي(٢): وإنما اختار ذلك، لأنه لم ير النبي ◌َّ يُهِلُّ حتى تنبعث به راحلته متوجهاً، وأخذ في فعل الحج، فرأى ابن عمر - رضي الله عنه - أن إهلاله يوم التروية حين تنبعث به راحلته متوجهاً إلى منى أشبه بفعل النبي ◌َّ﴾، وأقرب إلى الاقتداء به من الإهلال في أول ذي الحجة والمقام بمكة إلى يوم التروية. وقد روى ابن وهب في ((موطئه)) عن مالك: لا ينبغي لأحد أن يهل بحج أو عمرة، ثم يقيم بأرض يهل بها حتى يخرج، ورواه ابن عبد الحكم عن مالك. ووجه ذلك أن الإهلال إنما هو إجابة لمن دعا إلى الحج، وليس المقام من جنس التلبية، ولا مما يجب أن يقرن بها، وإنما يجب أن يقرن بها (١) انظر: ((عمدة القاري)) (٤٦٨/٢، ٢٤٢/٧). (٢) ((المنتقى)) (٢١٠/٢). ٤٨٦ ٢٠ - كتاب الحج (٩) باب (٧٢٣) حديث المسارعة بالعمل الذي يشاكلها، وهذا كله لمن كان بغير مكة، وأما من كان بمكة فقد اختار أكثر الصحابة والعلماء الإهلال أول ذي الحجة، ورواه ابن القاسم عن مالك وابن عبد الحكم، ووجه ذلك أن يستديم المحرم الإحرام، ويأخذ بحظ من الشعث على حسب ما فعله النبي بَيّر حين أحرم من ميقاته، فلما فات أهل مكة الشعث بقطع المسافة عوضوا من ذلك مسافة من الزمان، انتهى. قلت: وبحديث الباب قال الشافعي - رحمه الله تعالى - كما سيأتي عن القسطلاني، وقال ابن قدامة في ((المغني))(١): المستحب لمن كان بمكة حلالاً من المتمثّعين الذين حلُّوا من عمرتهم، أو من كان مقيماً بمكة أن يُحْرِمُوا يوم التروية حين يتوجَّهون إلى منى، وبهذا قال ابن عمر وابن عباس وعطاء وطاووس وإسحاق، وقد روي عن عمر - رضي الله عنه - أنه قال لأهل مكة: ((ما لكم يقدم الناسُ عليكم شعثاً، إذا رأيتم الهلال فأهلّوا بالحج))، وهذا مذهب ابن الزبير. وقال مالك: من كان بمكة فأحب أن يهل من المسجد لهلال ذي الحجة، ولنا قول جابر: فلما كان يوم التروية توجهوا إلى منى فأهلوا بالحج، وإن أحرم قبل ذلك كان جائزاً، انتهى. وقال الأبي(٢): أخذ بمذهب ابن عمر في ذلك جماعة من السلف، وقال جماعة منهم: الأفضل أن يحرم من أول ذي الحجة، والقولان لمالك، وحمل شيوخنا رواية يوم التروية لمن كان خارج مكة، ورواية استحباب أول الشهر لمن كان داخلها، وهو قول أكثر الصحابة، انتهى. (١) ((المغني)) (٢٦٠/٥). (٢) ((إكمال إكمال المعلم)) (٣٠٥/٣). ٤٨٧ ٢٠ - كتاب الحج (٩) باب (٧٢٣) حديث فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: أَمَّا الأَرْكَانُ، فَإِنِّي لَمْ أَرَ رَسُولَ اللَّهِ وَالاله ـي يَمَسُّ إِلا الْيَمَانِيَّيْنِ. وقال الدردير(١): الأفضل لأهل مكة الإحرام من أول ذي الحجة على المعتمد، وقيل: يوم التروية، انتهى. وقال القاري في ((شرح النقاية)): ثم أحرم بالحج يوم التروية، وقبله عندنا وعند مالك أفضل لما فيه من المسارعة إلى الطاعة، وقال أصحاب الشافعي في غير واجد الهدي: إن المستحب له أن يحرم بالحج قبل السادس، والأفضل لسائق الهدي أن يحرم يوم التروية، انتهى. وفي ((شرح اللباب)): وكلما قَدَّم الإحرام على يوم التروية فهو أفضل، ساق الهدي أو لا. لكن بقيد أن يكون متمكِّناً من عدم الوقوع في المحظور، انتهى. قال النووي: والخلاف في الاستحباب، وكلٌّ منهما جائز بالاتفاق، انتھی . (فقال عبد الله بن عمر) - رضي الله عنه - في جواب أسئلته وبيان متمسكه في هذه الأمور الأربعة. (أما الأركان فإني لم أر رسول الله وَ ل يمسّ منها إلا) الركنين (اليمانيين) لأنهما على قواعد إبراهيم، كما سيأتي بيانهما في بناء الكعبة، واستلامهما مختلف، فالركن الأسود استلامه التقبيل إن قدر، واليماني مسُّه بلا تقبيل، كما سيأتي مفصلاً في ((باب تقبيل الركن الأسود في الاستلام)» بخلاف الشاميين، فليسا على قواعد إبراهيم. قال القابسي: لو أدخل الحجر في البيت حتى عاد الشاميان على قواعد إبراهيم استلما، قال ابن القصّار: ولذا لما بنى ابن الزبير الكعبة على قواعده، استلم الأركان كلها، قال القاضي عياض: اتفق الفقهاء اليوم على أن الركنين الشاميين لا يستلمان، وإنما كان الخلاف فيه في العصر الأول بين بعض الصحابة وبعض التابعين، ثم ذهب الخلاف. (١) ((الشرح الكبير)) (٢١/٢). ٤٨٨ ٢٠ - كتاب الحج (٩) باب (٧٢٣) حديث وَأَمَّا النّعَالُ السِّبْنِيَّةُ، فَإِنِّى رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَلَهِ يَلْبَسُ النِّعَالَ الَِّي لَيْسَ فِيهَا شَعَرٌّ، وَيَنَوَضَّأُ فِيهَا، فَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَلْبَسَها . وتخصيص اليمانيين، لأنهما كانا على قواعد إبراهيم، بخلاف الآخرين، ولما ردَّهما ابنُ الزبير على قواعده استلمهما أيضاً، ولو بني الآن كذلك استلمت كلها اقتداء به، صرح به القاضي عياض، قاله العيني(١). (وأما النعال السبتية، فإني رأيت رسول الله وَّالل يلبس النعال التي ليس فيها شعر(٢))، وهذا يعين المراد من النعال السبتية (ويتوضأ فيها) أي: يغسل الأرجل حال كونها فيها، وهذا هو الظاهر في معنى الحديث، وقد ورد هذا المعنى في عدة روايات، منها: ما في أبي داود من حديث علي بلفظ: ((ثم أدخل يديه جميعاً فأخذ حفنة من ماء، فضرب بهما على رجله، وفيها النعل ففتلها بها، ثم الأخرى مثل ذلك))، ومنها: ما فيه من حديث ابن عباس بلفظ : (ثم قبض قبضة أخرى من الماء، فرشَّ على رجله اليمنى، وفيها النعل، ثم مسحهما بيديه، يَدٌ فوق القدم، ويَدٌ تحت النعل، ثم صنع باليسرى مثل ذلك))، وعلى هذا المعنى حمله البخاري إذ ترجم عليه ((باب غسل الرجلين في النعلين))، ولا يمسح على النعلين، وهو أوجه مما قال الزرقاني(٣) تبعاً للنووي: معناه يتوضأ ويلبسهما ورجلاه رطبتان. (فأنا أحب أن ألبسها) كذا في النسخ الهندية بضمير الإفراد الراجع إلى النعال. وفي المصرية بضمير التثنية بتأويل النعلين، والمعنى ألبسها اقتداءً به وَّل، وأما حكم النعال السبتية، فقد قال أبو عمر (٤): لا أعلم خلافاً في جواز لبسها في غير المقابر، وإنما كره قوم لبسها في المقابر، لقوله وَليلة (١) ((عمدة القاري)) (٤٦٩/٢). (٢) وفي ((التمهيد)) (٧٧/٢١): ((النعال السود التي لا شعر لها)). (٣) ((شرح الزرقاني)) (٢٤٧/٢). (٤) ((الاستذكار)) (١١٠/١١)، و((التمهيد)) (٧٨/٢١). ٤٨٩ ٢٠ - كتاب الحج (٩) باب (٧٢٣) حديث وَأَمَّا الصُّفْرَةُ، فَإِنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَِّ يَصْبُغُ بِهَا، فَأَنَّا أُحِبُّ أَنْ أَصْبُغَ بِهَا . للماشي بين المقابر: ألق سبتيتك، وقال قوم: يجوز ذلك، ولو كان في المقابر، لقوله : ((إذا وقع الميت في قبره إنه يسمع قرع نعالهم))، وقال الحكيم الترمذي في ((نوادر الأصول)): إن النبي وَلّ إنما قال لذلك الرجل: ((ألق سبتيتك))؛ لأن الميت كان يسأل، فلما صَرَّ نعلُ ذلك الرجل شغله عن جواب الملكين، فكاد يهلك، لولا أن ثبته الله تعالى، كذا في العيني(١). وقال أيضاً: ذهب أهل الظاهر إلى كراهة ذلك، وبه قال أحمد بن حنبل، وقال ابن حزم في ((المحلى)): لا يحل لأحد أن يمشي بين القبور بنعلين سبتيتين، وهما اللذان لا شعر عليهما، فإن كان فيهما شعر جاز ذلك، وقال الجمهور من العلماء بجواز ذلك، وهو قول الحسن، والثوري، وأبي حنيفة، ومالك، والشافعي، وجماهير الفقهاء من التابعين، ومن بعدهم، انتهى. (وأما الصفرة، فإني رأيت رسول الله وَلّ- يصبغ بها، فأنا أحب أن أصبغ بها) قال المازري: قيل: المراد صبغ الشعر، وقيل: صبغ الثوب، قال القاضي عياض: وهذا أظهر الوجهين، لكن قد جاءت آثار عن ابن عمر بيّن فيها تصفير ابن عمر لحيته، واحتج بأنه مَّ كان يصفر لحيته بالورس والزعفران، رواه أبو داود، وأجيب باحتمال أنه كان مما يتطيب به، لا أنه كان يصبغ بها شعره، وقال ابن عبد البر: لم يكن ولم يصبغ بالصفرة إلا ثيابه، وأما الخضاب فلم یکن یخضب. وتعقبه في ((المفهم)) بأن في ((سنن أبي داود)) عن أبي رمثة قال: ((انطلقت مع أبي نحو النبي ◌ّر فإذا هو ذو وفرة، وفيها ردع من حِنّاء))، قال العراقي: وكان ابن عبد البر إنما أراد نفي الخضاب في لحيته فقط، قلت: يرد هذا التوجيه لفظ أبي داود من حديث أبي رمثة ((كان قد لطخ لحيته بالحناء)). (١) ((عمدة القاري)) (٤٦٩/٢). ٤٩٠ ٢٠ - كتاب الحج (٩) باب (٧٢٣) حديث وَأَمَّا الإِهْلالُ، فَإِنِّى لَمْ أَرَ رَسُولَ اللَّهِ بِّهِ يُهِلُّ حَتَّى تَنْبَعِثَ بِهِ رَاحِلَتُهُ. أخرجه البخاريّ في: ٤ - كتاب الوضوء، ٣٠ - باب غسل الرجلين في النعلين، ولا يمسح على النعلين. ومسلم في: ١٥ - كتاب الحج، ٥ - باب الإهلال من حيث تنبعث الراحلة، حديث ٢٥. يهل حتى ينبعث) بصيغة التذكير (وأما الإهلال، فإني لم أر رسول الله في النسخ الهندية، والتأنيث في النسخ المصرية (به راحلته) أي: تستوي به قائمة إلى طريقه. قال المازري: ما تقدم من جواباته نص في عين ما سئل عنه، ولما لم يكن عنده نص في الرابع أجاب بضرب من القياس، ووجهه أنه لما رآه وَّر في حجه من غير مكة، إنما يهل عند الشروع في الفعل، أخر هو إلى يوم التروية؛ لأنه الذي يبتدأ فيه بأعمال الحج من الخروج إلى منى وغيره، وقال القرطبي: أبعد من قال: هذا قياس، بل هو تمسك بنوع الفعل الذي رآه يفعله . وتُعُقِّب بأن ابن عمر - رضي الله عنه - ما رآه ◌َّ أحرم من مكة يوم التروية، كما رآه استلم الركنين اليمانيين فقط، بل رآه أحرم من ذي الحليفة حين استوت به راحلته، فقاس الإحرام من مكة على الإحرام من الميقات، فأحرم يوم التروية؛ لأنه يوم التوجه إلى منى والشروع في العمل، وقال ابن عبد البر: جاء ابن عمر - رضي الله عنه - بحجة قاطعة، فأخذ بالعموم في إهلاله ◌َ﴾، ولم يخص مكة من غيرها، فكأنه قال: لا يهل الحاج إلا في وقت يتصل له عمله وقصده إلى البيت ومواضع المناسك. قلت: وبذلك جزم القسطلاني في ((شرح البخاري)) إذ قال: حتى تنبعث به راحلته أي: تستوي به قائمة إلى طريقه، والمراد ابتداء الشروع في أفعال النسك، وهو مذهب الشافعي وأحمد، انتهى. ٤٩١ ٢٠ - كتاب الحج (٩) باب (٧٢٤ - ٧٢٥) حديث ٣٢/٧٢٤ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ نَافِع؛ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يُصَلِّي فِي مَسْجِدٍ ذِي الْحُلَيْفَةِ، ثُمَّ يَخْرُجُ فَيَرْكَبُ، فَإِذَا اسْتَوَتْ بِهِ رَاحِلَتْهُ، أَحْرَمَ . ٧٢٥/ ٣٣ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ؛ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ مَرْوَانَ أَهَلَّ مِنْ عِنْدِ مَسْجِدٍ ذِي الْخُلَيْفَةِ، حِينَ ٣٢/٧٢٤ - (مالك، عن نافع أن عبد الله بن عمر) - رضي الله عنه - (كان يصلي في مسجد ذي الحليفة) ركعتين سنة الإحرام أو صلاة الظهر اتباعاً، لما رآه من فعله ◌َّ (ثم يخرج) من المسجد (فيركب) على دابته (فإذا استوت به راحلته أحرم) اتباعاً، لما سمع من النبي ◌َّ يُهِلُّ حين استوت به راحلته. : ٣٣/٧٢٥ - (مالك، أنه بلغه أن عبد الملك(١) بن مروان) بن الحكم الأموي أبو الوليد المدني ثم الدمشقي، أحد ملوك بني أمية المولود سنة ٢٦هـ، بويع بعهد من أبيه في خلافة ابن الزبير، فلم تصح خلافته وبقي متغلباً على مصر والشام وغيرهما، إلى أن استشهد ابن الزبير سنة ٧٣هـ فصحت خلافته؛ ومات في شوال ٨٦هـ. وخلف سبعة عشر ولداً، قاله السيوطي في ((التاريخ)). وفي ((التهذيب)): كان عابداً ناسكاً قبل الخلافة، وكان قد جالس الفقهاء وحفظ عنهم، وكان قليل الحديث، استعمله معاوية على المدينة، قيل لابن عمر - رضي الله عنه -: من نسأل بعدكم؟ قال: إن لمروان ابناً فقيهاً فَسَلُوه، وفي ((تهذيب النووي)): قال ابن قتيبة: كان معاوية جعله على ديوان المدينة، وهو ابن ست عشرة سنة، وولاه أبوه مروان هجراً، ثم جعله الخليفة بعده، وفي ((المحلى)): كانت مدة خلافته أربعة عشر سنة. (أهل من عند) ليس في أكثر النسخ الهندية لفظ ((عند)) (مسجد ذي الحليفة) وفي بعض النسخ الهندية: من عند باب مسجد ذي الحليفة (حين (١) انظر ترجمته في ((سير أعلام النبلاء)) (٢٤٦/٤) و((تهذيب التهذيب)) (٤٢٢/٦). ٤٩٢ ٢٠ - كتاب الحج (١٠) باب (٧٢٥) حديث أسْتَوَتْ بِهِ رَاحِلَتْهُ، وَأَنَّ أَبَانَ بْنَ عُثْمَانَ، أَشَارَ عَلَيْهِ بِذْلِكَ. (١٠) باب رفع الصوت بالإهلال استوت به راحلته، وأن أبان) بفتح الهمزة وتخفيف الموحدة فألف ونون (ابن عثمان) بن عفان التابعي (أشار عليه) بضمير الإفراد في النسخ الموجودة عندنا من الهندية والمصرية. وحكى الزرقاني(١) عن بعضها بالجمع أي على عبد الملك ومن معه (بذلك) أي بالإحرام بعدما استوى، والقصد بذلك تأييد لما اختاره من الإحرام إذ ذاك والروايات في ذلك مختلفة كما عرفت، وكذلك عمل الصحابة ومن بعدهم، وقال سعيد بن جبير في آخر ما تقدم من حديث ابن عباس عند أبي داود وغيره في الجمع بين مختلف ما روي في محل إحرامه وَليلةٍ، قال سعيد: فمن أخذ بقول ابن عباس أهَلَّ في مصلاه إذا فرغ من ركعتيه. (١٠) رفع الصوت بالإهلال أي بالتلبية، وقول عياض: إنه رفع الصوت بالتلبية متعقب بأنه لا يلتئم مع قوله: رفع الصوت، قاله الزرقاني(٢). لكن سيأتي في الحديث لفظ الإهلال مع رفع الصوت، وفسره الزرقاني برفع الصوت. قال العيني(٣): قال ابن بطال: رفع الصوت بالتلبية مستحب، وبه قال أبو حنيفة والثوري والشافعي. واختلفت الرواية عن مالك، ففي رواية ابن القاسم: لا يرفع الصوت إلا في المسجد الحرام ومسجد منى، وقال الشافعي في القديم: لا يرفع في مسجد الجماعات إلا المسجد الحرام ومسجد (١) ((شرح الزرقاني)) (٢٤٨/٢). (٢) ((شرح الزرقاني)) (٢٤٨/٢). (٣) ((عمدة القاري)) (٧١/٧). ٤٩٣ ٢٠ - كتاب الحج (١٠) باب (٧٢٦) حديث ٣٤/٧٢٦ - حَدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْن أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمِ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ، عَنْ خَلادِ بْنِ السَّائِبِ الأَنْصَارِيِّ، منى ومسجد عرفة، وقوله الجديد: استحبابه مطلقاً، وفي ((التوضيح)): وعندنا أن التلبية المقترنة بالإحرام لا يجهر بها، وأجمعوا أن المرأة لا ترفع صوتها بالتلبية، وإنما عليها أن تسمع نفسها، انتهى. وقال ابن رشد(١): أوجب أهل الظاهر رفع الصوت بالتلبية، وهو مستحب عند الجمهور، وأجمع أهل العلم على أن تلبية المرأة فيما حكاه أبو عمر هو أن تسمع نفسها بالقول، انتهى. وكذا حكي الإيجاب عن أهل الظاهر، خلافاً للجمهور غير واحد من شراح الحديث، منهم الشيخ في (البذل))(٢) والعلامة الزرقاني في (الشرح)). ٣٤/٧٢٦ - (مالك، عن عبد الله بن أبي بكر) بن محمد بن عمرو بفتح العين، وليس في النسخ الهندية لفظ: محمد بن عمرو بل نسب أبو بكر إلى جد أبيه (ابن حزم) الأنصاري المدني (عن عبد الملك بن أبي بكر بن) عبد الرحمن بن (الحارث بن هشام) قال النسائي: ثقة، وقال ابن سعد: كان سرياً سخياً وكان ثقة، ووثّقه العجلي وغيره، مات في أول خلافة هشام. (عن خلاد) بفتح الخاء المعجمة وتشديد اللام، كذا في ((المحلى)) (ابن السائب) بن خلاد بن سويد الخزرجي (الأنصاري) التابعي، ذكره جماعة في الصحابة، منهم ابن حبان ولم يرفع نسبه، وقال: له صحبة، ثم أعاده في التابعين، وشُبْهَتُهم في ذلك الحديث الذي رواه عنه عبد الملك بن أبي بكر، فقال: عن خلاد عن أبيه رفعه، وقيل: عن خلاد بن السائب عن النبي (وَ لّ، (١) ((بداية المجتهد)) (١/ ٣٣٧). (٢) ((بذل المجهود)) (٩/ ٣١). ٤٩٤ ٢٠ - كتاب الحج (١٠) باب (٧٢٦) حديث عَنْ أَبِيهِ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ إِّ قَالَ: كذا في ((تهذيب الحافظ))، وفي ((التقريب)): ثقة من الثالثة، ووهم من زعم أنه صحابي، هكذا في ((البذل))(١). (عن أبيه) السائب بن خلاد بن سويد بن ثعلبة بن عمرو بن حارثة الخزرجي أبي سهلة المدني، روى عن النبي ◌ّ، وعنه ابنه خلاد وصالح بن خيوان وغيرهما، وقيل: إنهما اثنان وإن والد خلاد ما روى عنه سوى ابنه، وقال ابن عبد البر: لم يرو عنه غير ابنه خلاد فيما علمت، وحديثه في رفع الصوت بالتلبية مختلف فيه، استعمله عمر على اليمن، وقال أبو عبيد: شهد بدراً وولي اليمن لمعاوية، توفي سنة ٧١هـ. (أن رسول الله مسلم قال). قال ابن عبد البر: هذا حديث اختلف في إسناده اختلافاً كثيراً، وأرجو أن تكون رواية مالك أصح، فروي هكذا، وروي عن خلاد عن زيد بن خالد الجهني، وروي عن خلاد عن أبيه عن زيد، هكذا في ((التنوير))(٢)، ثم حكى عن المزي تفصيل الاختلاف. وقال الزرقاني: هذا الحديث رواه أبو داود عن القعنبي عن مالك به، وتابعه ابن جريج كما أفاده المزي، وسفيان عن عيينة بن عبد الله بن أبي بكر بنحوه عن الترمذي والنسائي وابن ماجه، وأخرجه ابن ماجه عن سفيان الثوري عن عبد الله بن أبي لبيد عن المطلب عن خلاد عن زيد بن خالد، قال الحافظ في ((الفتح))(٣): صححه الترمذي وابن خزيمة والحاكم من طريق خلاد بن السائب عن أبيه مرفوعاً، ورجاله ثقات، إلا أنه اختلف على التابعي في صحابیه، انتھی. (١) انظر: ((بذل المجهود)) (٣٣/٩). (٢) ((تنوير الحوالك)) (ص٣١٦). (٣) ((فتح الباري)) (٤٠٨/٣). ٤٩٥ ٢٠ - كتاب الحج (١٠) باب (٧٢٦) حديث ((أَتَانِي جِبْرِيلُ، فَأَمَرَنِي قال الزرقاني(١): وهو اختلاف لا يضر، أما في الصحابي فلا مانع أن خلاداً سمعه من أبيه ومن زيد، كما أن أباه قد يكون سمعه من زيد، ثم من المصطفى، فحدث به كل منهما على الوجهين، أو كان السائب يرسله تارة، وأما رواية الثوري فمن الجائز أن يسمعه من خلاد الرجلان، ولذا لم يلتفت الترمذي ومن عطف عليه إلى هذا الاختلاف وصححوه كما مر، انتهى. وقال الحافظ في ((التلخيص))(٢): رواه مالك في ((الموطأ)) والشافعي عنه، وأحمد وأصحاب السنن وابن حبان والحاكم والبيهقي من حديث خلاد بن السائب عن أبيه، قال الترمذي: هذا حديث صحيح، ورواه بعضهم عن خلاد بن السائب عن زيد بن خالد ولا يصح، وقال البيهقي أيضاً: الأول هو الصحيح، وأما ابن حبان فصححهما، وتبعه الحاكم، وزاد رواية ثالثة من طريق المطلب بن عبد الله عن أبي هريرة، انتهى. قلت: ولفظ الحاكم بعدما أخرج الحديث من طريق عبد الملك عن خلاّد عن أبيه، ومن طريق المطلب بن عبد الله عن خلاد عن زيد، ومن طريق المطلب بن عبد الله بسماعه عن أبي هريرة، هذه الأسانيد كلها صحيحة، وليس يعلل واحد منهما الآخر، فإن السلف كان يجتمع عندهم الأسانيد لمتن واحد، كما يجتمع عندنا الآن، انتهى. وأقره عليه الذهبي. (أثاني جبرئيل) عليه السلام إخبار منه # أن هذا الأمر مما أتاه به جبرئيل، وأنه لم يقتصر فيه على ما أداه إليه اجتهاده (فأمرني) عن الله تعالى أمر ندب عند الجمهور، ووجوب عند الظاهرية، قاله الزرقاني، وليس بوجيه، فإن هذا الاختلاف في الأمر الثاني لا هذا الأمر، فالأوجه ما أفاده الشيخ في (١) ((شرح الزرقاني)) (٢٤٩/٢). (٢) ((تلخيص الحبير)) (٢٣٩/٢). ٤٩٦ ٢٠ - كتاب الحج (١٠) باب (٧٢٦) حديث أَنْ آمُرَ أَصْحَابِي، أَوْ مَنْ مَعِي، (البذل))(١): أمر إيجاب، إذ تبليغ الشرائع واجب عليه وَل. (أن آمر أصحابي) هذا هو الأمر المختلف فيه للندب عند الجمهور، وللوجوب عند الظاهرية على ما هو المشهور، والأوجه عندي أن هذا الأمر أيضاً للوجوب عند الحنفية، كما سيأتي تقريره (أو من معي) بالشك من الراوي في رواية يحيى والشافعي ومحمد وغيرهم، إشارة إلى أن المصطفى وَالّ قال أحد اللفظين، وكل منهما يسدّ مسدّ الآخر، قاله الزرقاني (٢). وقال الباجي(٣): الشك من الراوي، ومن معه هم أصحابه، لا سيما على ما ذهب إليه جمهور أصحاب الحديث، فإنهم يقولون: فلان له صحبة، وإن لم يكن رأى النبي ◌َّ إلا مرة واحدة، وأما القاضي أبو بكر فذهب إلى أن للصحبة مزية على الرؤية، وإن اسم الصحابي إنما يطلق على من صحب النبي ◌َ﴾ وكان معه وجميع من حج مع النبي ◌َّر فقد صحبه في طريقه وحجه، انتھی . وتجويز ابن الأثير أن الشك من النبي وَلّر، لأنه نوع سهو ولا يعصم عنه، ركيك متعسف، وفي رواية القعنبي عند أبي داود: ((ومن معي)) بالواو، وقال الولي العراقي: يحتمل أنه زيادة إيضاح وبيان، فإن الذين معه أصحابه، ويحتمل أن يريد بأصحابه الملازمين له المقيمين معه في بلده وهم المهاجرون والأنصار، وبمن معه غيرهم ممن قدم ليحج معه ولم يره إلا في تلك الحجة، وقال غيره: عطفه على أصحابه، لما قد يتوهم أن مراده الذين صحبوه وعرفوا به لطول الملازمة له دون من رافقه واتبعه في وقت ما، فجمع بينهما ليفيد أن مراده كل من صحبه ولو في وقت ما . (١) انظر: ((بذل المجهود)) (٣٣/٩). (٢) ((شرح الزرقاني)) (٢٤٨/٢). (٣) ((المنتقى)) (٢١١/٢). ٤٩٧ ٢٠ - كتاب الحج (١٠) باب (٧٢٦) حديث أَنْ يَرْفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ بِالتَّلْبِيَةِ أَوْ بِالإِهْلالِ)» يُرِيدُ أَحَدَهُمَا . أخرجه أبو داود في: ١١ - كتاب الحج، ٢٦ - باب كيف التلبية. والترمذي في: ٧ - كتاب الحج، ١٥ - باب ما جاء في رفع الصوت بالتلبية. والنسائيّ في: ٢٤ - كتاب مناسك الحج، ٥٥ - باب رفع الصوت بالإهلال. وابن ماجه في: ٢٥ - كتاب المناسك، ١٦ - باب رفع الصوت بالتلبية. (أن يرفعوا أصواتهم بالتلبية) إظهاراً لشعار الإحرام، وتعليماً للجاهل ما يستحب في ذلك المقام (أو بالإهلال) قال الزرقاني: هو رفع الصوت بالتلبية، فالتصريح بالرفع معه زيادة بيان (يريد أحدهما) يعني أنه و ﴿ إنما قال أحد هذين اللفظين، لكن الراوي شك فيما قاله، فأتى بأو، ثم نَبَّه على الشك بقوله: ((یرید أحدهما))، وفي النسائي عن ابن عيينة بلفظ: التلبية، وفي ابن ماجه بلفظ: الإهلال. وقد روي رفع الصوت بالتلبية عن جماعة من الصحابة، منهم خلاد بن السائب، وتقدم حديثه، ومنهم زيد بن خالد عند ابن ماجه، وأبو هريرة عند أحمد، وابن عباس عند أحمد أيضاً، وجابر عند سعيد بن منصور في ((سننه)) من رواية أبي الزبير عنه، وعائشة عند البيهقي، وأبو بكر - رضي الله عنه - عند الترمذي، وسهل بن سعد عند الحاكم. ذكر العيني في ((شرح البخاري))(١) ألفاظ هذه الروايات، وهي حجة للجمهور في أن رفع الصوت بالتلبية مندوب، على ما هو المشهور، وهذا إذا أريد برفع الصوت الجهر، وأما إذا أريد به مجرد التكلم بالتلبيه، فهي حجة للحنفية وغيرهم في إيجاب التلبية، كما تقدم من كلام ابن قدامة في مبدأ باب التلبية، وإليه مال الباجي إذ قال: إن التلبية من شعائر الحج ومما لا يجوز للحاج تعمد تركها في جميع نسكه، ومتى تركها في جميعه عامداً أو غير عامد فعليه دم، وقال الشافعي: لا دم عليه. (١) انظر: ((عمدة القاري)) (٧٠/٧). ٤٩٨ ٢٠ - كتاب الحج (١٠) باب (٧٢٧) حديث ٧٢٧/ ٣٥ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ؛ أَنَّهُ سَمِعَ أَهْلَ الْعِلْم يَقُولُونَ: لَيْسَ عَلَى النِّسَاءِ رَفْعُ الصَّوْتِ بِالتَّلْبِيَةِ، لِتُسْمِعِ الْمَرْأَةُ نَفْسَهَا . والدليل على ذلك أنه ترك واجباً في الحج فلم يسقط وجوبه عنه إلى غير بدل، فإن سلموا وجوب التلبية، وإلا فالحديث حجة عليهم؛ لأن ظاهر الأمر الوجوب، وأما رفع الصوت بالتلبية لما كانت التلبية من شعائر الحج كان من سننها الإعلان به ليحصل المقصود منها، كالأذان، وليس له أن يرفع صوته حتى يشق على نفسه، ولكن على قدر طاقته وبحسب ما لا يتأدى إلا به، انتھی . ٣٥/٧٢٧ - (مالك: أنه سمع أهل العلم) وفي النسخ الهندية: بعض أهل العلم (يقولون: ليس على النساء رفع الصوت بالتلبية) قال الباجي (١): لأن النساء ليس شأنهن الجهر؛ لأن صوت المرأة عورة، فليس عليها من الجهر، إلا بقدر ما تسمع نفسها، وما زاد على ذلك من إسماع غيرها، فليس من حكمها، انتهى. قلت: كون صوتها عورة مختلف عند الأئمة، حتى عند الحنفية أيضاً، لكن لا خلاف في أن صوتها فتنة، وقد تقدم في أول الباب الإجماع على أنها لا ترفع صوتها. وفي ((الدر المختار))(٢): ولا تلبي جهراً، بل تسمع نفسها دفعاً للفتنة، وما قيل: إن صوتها عورة ضعيف، انتهى. (لتسمع المرأة نفسها) فيستثنى ذلك من قوله: ((ومن معي)) فليس لهن ذلك، قاله الزرقاني. قلت: ولا يحتاج إلى الاستثناء، إذا أريد في الحديث برفع الصوت التكلم به . (١) ((المنتقى)) (٢١١/٢). (٢) ((الدر المختار مع ردّ المحتار)) (٥٨١/٢). ٤٩٩ ٢٠ - كتاب الحج (١٠) باب (٧٢٧) حديث قَالَ مَالِكٌ: لا يرفَعُ الْمُحْرِمُ صَوْتَهُ بِالإِهْلالِ فِي مَسَاجِدِ الْجَمَاعَاتِ، لِيُسْمِعْ نَفْسَهُ وَمَنْ يَلِيهِ إلا فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَسْجِدٍ مِنَّى، فَإِنَّهُ يَرْفَعُ صَوْتَهُ فِيهِمَا . (قال يحيى: قال مالك: لا يرفع المحرم صوته بالإهلال في مساجد الجماعات) لئلا يُشَوِّش عليهم (ليسمع) من الإسماع (نفسه ومن يليه إلا في مسجد منى والمسجد الحرام) كذا في النسخ المصرية، وفي الهندية: مسجد الحرام بالتنكير (فإنه يرفع صوته فيهما). قال الباجي: المحرم لا يرفع صوته بالإهلال في غير مسجد منى، والمسجد الحرام من مساجد الجماعات، هذا هو المشهور عن مالك، وروى القاضي أبو الحسن عن ابن نافع عن مالك أنه قال: يرفع صوته في المساجد التي بين مكة والمدينة، قال أبو الحسن: هذا وفاقاً للشافعي في أحد قوليه، وله قول ثان: إنه يستحب رفع الصوت بالتلبية في سائر المساجد. ووجه قول مالك، المشهور أن المساجد مبنية للصلاة وذكر الله تعالى وتلاوة القرآن، فلا يصح رفع الصوت فيها بما ليس من مقصودها؛ لأنه لا تعلق لشيء منها بالحج، وأما المسجد الحرام ومسجد الخيف فللحج اختصاص بهما من الطواف، والصلاة أيام منى، ولسبب الحج بُنيا، انتهى. قال الحافظ في ((الفتح)) (١): اختلفت الرواة عن مالك، فقال ابن القاسم: لا يرفع صوته بالتلبية إلا في المسجد الحرام ومسجد منى. وقال في ((الموطأ)): لا يرفع صوته بالتلبية في مسجد الجماعات ولم يستثن شيئاً، انتهى. قلت: لكن النسخ التي بأيدينا من ((الموطأ)) فيها الاستثناء موجود، فتأمل. وبسط الإمام الشافعي في ((الأم)) في رفع الصوت في المساجد كلها بدون التخصيص بمسجد مكة ومنى. (١) ((فتح الباري)) (٤٠٨/٣). ٥٠٠