Indexed OCR Text

Pages 421-440

٢٠ - كتاب الحج
(٧) باب
(٧١٠) حديث
وَعَلَى الأَعْرَابِيِّ قَمِيصٌ، وبِهِ أَثَرُ صُفْرَةٍ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي
أَهْلَلْتُ بِعُمْرَةٍ، فَكَيْفَ تَأْمُرُنِي أَنْ أَصْنَعَ؟
ترحيم، ويجوز أن يكون تصغيراً لحن، وهو حيٍّ من الجن، وقال السهيلي :
سمي بحنين بن قانية، قال: وأظنه من العماليق، قيل: وادٍ قبل الطائف،
وقيل: وادٍ بجنب ذي المجاز. قال الواقدي: بينه وبين مكة ثلاث ليال، وقيل:
بينهما بضعة عشر ميلاً، يُذكَّرُ ويؤنَّثُ، وسيأتي في الجهاد، والمراد منصرفه من
غزوة حنين، والموضع الذي لقيه فيه هو الجعرانة، قاله ابن عبد البر، وهما
موضعان متقاربان، قاله الباجي، فلا إشكال بما في ((الصحيحين)) وغيرهما :
((بينما النبي ول﴾ بالجعرانة ومعه نفر من أصحابه جاءه رجل))، الحديث.
(وعلى الأعرابي قميص) وفي رواية: ((عليه جبة)) (وبه أثر صفرة) قال
الباجي(١): الصفرة إذا كانت من غير طيب غير ممنوعة، مثل أن تكون من سائر
الأصبغة الصفر غير الزعفران والورس، ولكن الصفرة فيما روي كانت طيباً،
كما رواه ابن جريج عن عطاء قال: ((وهو مضمخ بطيب)). (فقال: يا رسول الله
إني أهللت) أي أحرمت (بعمرة، فكيف تأمرني أن أصنع) في عمرتي؟ قال
الباجي: وهو غير عالم بالمنع جملة، أو غير عالم به في العمرة، وإن عُلِمَ
بمنعه في الحج، فلما حاك في نفسه بخبر مخبر أو بغير ذلك سأل النبي وَير .
وهذا السؤال مجمل في هذا الحديث، لأنه لم يبين للنبي ◌ّر، هل أحرم
على هذه الصفة أو فعل ذلك بعد إحرامه؟ وقد بين قيس بن سعد ذلك في
حديثه عن عطاء أنه أحرم على هيئته تلك، وذلك أنه قال: ((يا رسول الله! إني
أحرمت بعمرة وأنا كما ترى))، انتهى.
ولفظ البخاري برواية ابن جريج عن عطاء بن أبي رباح: (كيف ترى في
رجل أحرم بعمرة وهو متضمخ بطيب، فسكت النبي (َّ فجاءه الوحي))
الحديث .
(١) ((المنتقى)) (٢٠٢/٢).
٤٢١

٢٠ - كتاب الحج
(٧) باب
(٧١٠) حديث
فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ وَ له: «انْزِعْ قَمِيصَكَ، وَاغْسِلْ هُذِهِ الصُّفْرَةَ عَنْكَ،
وَافْعَلْ فِي عُمْرَتِكَ مَا تَفْعَلُ فِي حَجِّكَ)).
وصله البخاريّ في: ٢٥ - كتاب الحج، ١٧ - باب غسل الخلوق ثلاث مرات
من الثياب.
ومسلم في: ١٥ - كتاب الحج، ١ - باب ما يباح للمحرم وما لا يباح،
حديث ٦.
(فقال له رسول الله وَ() أي بعدما جاء الوحي: (انزع) بكسر الزاي أي
اقلع (قميصك) أي على الفور (واغسل هذه الصفرة عنك) زاد الصحيحان
وغيرهما ((ثلاث مرات))، قال عياض وغيره: يحتمل أنه من لفظ النبي وَل
فيكون نصاً في تكرار الغسل، ويحتمل أنه من كلام الصحابي، وأنه ◌َّ أعاد
لفظ ((اغسله ثلاث مرات)) على عادته أنه إذا تكلم بكلمة أعادها ثلاث مرات
لتفهم عنه.
(وافعل في عمرتك ما تفعل في حجك) بدون التاء في النسخ الهندية وأكثر
المصرية، وبزيادتها في هامش الباجي، قال الباجي(١): يقتضي أنه وُّل علم من
حال السائل أنه عالم بما يفعل في الحج، وإلا فلا يصح أن يقول له ذلك،
لأنه إذا لم يعلم ما يفعله الحاج لم يمكنه أن يمتثله المعتمر، اهـ.
ثم اختلفوا في المراد بقوله مح لول هذا، قال ابن العربي: كأنهم كانوا في
الجاهلية يخلعون الثياب، ويجتنبون الطيب في الإحرام إذا حَجُّوا، وكانوا
يتساهلون في ذلك في العمرة، فأخبره النبي ◌َّ ر أن مجراهما واحد، ولفظ
البخاري في ((صحيحه)): ((واصنع في عمرتك ما تصنع في حجتك))، وقال
ابن المنير في ((الحاشية)): قوله: واصنع معناه اترك، لأن المراد بيان ما يجتنبه
المحرم، فيؤخذ منه فائدة حسنة، وهي أن الترك فعل.
(١) ((المنتقى)) (٢٠٢/٢).
٤٢٢

٢٠ - كتاب الحج
(٧) باب
(٧١٠) حديث
قال: وأما قول ابن بطال، أراد الأدعية وغيرها مما يشترك فيه الحج
والعمرة ففيه نظر، لأن التروك مشتركة بخلاف الأعمال، فإن في الحج أشياء
زائدة على العمرة كالوقوف وما بعده، وقال النووي، كما قال ابن بطال،
وزاد: ويستثنى من الأفعال ما يختص به الحج (١).
وقال الباجي: يجب أن يكون ما أمره بأن يفعل غير ما أمره من إزالة
القميص، وغسل الصفرة، لأنهما قد نص عليهما، فلا معنى أن ينصرف قوله:
((وافعل في عمرتك ما تفعل في حجك)) إليهما، لأن ما تقدم من قوله فيهما
أبين من هذا اللفظ الثاني.
والوجه الآخر أنه قد عطف هذا اللفظ الثاني على النزوع والغسل،
فالظاهر أنهما غيرهما، ولا شيء يمكن أن يشار إليه في ذلك إلا الفدية، قال
الحافظ: كذا قال الباجي، ولا وجه لهذا الحصر، بل الذي تبين من طريق
أخرى أن المأمور به الغسل والنزع، وذلك أن عند مسلم والنسائي من طريق
سفيان عن عمرو بن دينار، وعن عطاء في هذا الحديث، فقال: ((ما كنت
صانعاً في حجك؟، قال: أنزع عني هذه الثياب وأغسل عني هذا الخلوق،
فقال: ما كنت صانعاً في حجك، فاصنعه في عمرتك)).
قال الحافظ(٢): واستدل بحديث يعلى على منع استدامة الطيب بعد
الإحرام للأمر بغسل أثره من الثوب والبدن، وهو قول مالك ومحمد بن
الحسن، وأجاب الجمهور بأن قصة يعلى كانت بالجعرانة كما ثبت في هذا
الحديث، وهي في سنة ثمان بلا خلاف، وقد ثبت حديث عائشة المتقدم في
حجة الوداع سنة عشر بلا خلاف، وإنما يؤخذ بالآخر، فالآخر من الأمر،
(١) ((فتح الباري)) (٣/ ٣٩٤).
(٢) انظر: ((فتح الباري)) (٣٩٤/٣، ٣٩٥).
٤٢٣

٢٠ - كتاب الحج
(٧) باب
(٧١٠) حديث
.
وبأن المأمور بغسله في قصة يعلى، إنما هو الخلوق، لا مطلق الطيب، فلعل
علة الأمر فيه ما خالطه من الزعفران، وقد ثبت النهي عن تزعفر الرجل مطلقاً
محرماً وغير محرم، وفي حديث ابن عمر: ولا يلبس أي المحرم من الثياب
شيئاً مسّه زعفران، انتهى.
قال ابن الهمام(١): وقد جاء مصرحاً في الحديث في ((مسند أحمد)): قال
له: ((اخلع عنك هذه الجبة، واغسل عنك هذا الزعفران))، قال العيني: وفي
الحديث أنه ◌َّر لم يأمر الرجل بالفدية، فأخذ به الشافعي والثوري وعطاء
وإسحاق وداود وأحمد في رواية، وقالوا: إن من لبس في إحرامه ما ليس له
لبسه جاهلاً فلا فدية عليه، والناسي في معناه، وقال أبو حنيفة والمزني في
رواية عنه: يلزمه إذا غّى رأسه ووجهه متعمداً أو ناسياً يوماً إلى الليل، فإن
كان أقل من ذلك فعليه صدقة يتصدق بها، وقال مالك: يلزمه إذا انتفع بذلك
أو طال لبسه عليه، انتهى.
وحكى الحافظ عن أحمد في رواية: يجب مطلقاً، قلت: لكن الحديث
ساكت عن الدم فلا يصح الاستدلال به، قال الباجي: ولا يقتضي ذلك إثبات
الفدية ولا نفيها، وإنما أحاله على من قد علم من حال من أحرم بالحج،
انتھی .
قلت: وأيضاً إن الوحي لم ينزل بعد، والإلزام يكون بعد الشرعية، قال
الحافظ (٢): واستدل بالحديث على أن المحرم إذا صار عليه المخيط نزعه، ولا
يلزمه تمزيقه ولا شقه، خلافاً للنخعي والشعبي حيث قالا: لا ينزعه من قِبَلِ
رأسه لئلا يصير مغطّياً لرأسه، أخرجه ابن أبي شيبة عنهما، وعن علي نحوه،
(١) ((فتح القدير)) (٣٣٩/٢).
(٢) ((فتح الباري)) (٣٩٥/٣).
٤٢٤

٢٠ - كتاب الحج
(٧) باب
(٧١١) حديث
١٩/٧١١ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ نَافِع، عَنْ أَسْلَمَ مَوْلَى
عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ؛ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ وَجَذَ رِيحَ طِيبٍ وَهُوَ
بِالشَّجَرَةِ. فَقَالَ: مِمَّنْ رِيحُ هذَا الطِّيبِ؟ فَقَالَ مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ:
مِنِّي يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ. فَقَالَ: مِنْكَ؟ لَعَمْرُ اللَّهِ. فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: إِنَّ أَمَّ
حَبِيبَةَ.
وكذا عن الحسن وأبي قلابة، وقد وقع عند أبي داود بلفظ: ((اخلع عنك الجبة
فخلعها من قبل رأسه))، انتهى.
١٩/٧١١ - (مالك، عن نافع عن أسلم مولى عمر بن الخطاب أن عمر بن
الخطاب) - رضي الله عنه - (وجد ريح طيب وهو بالشجرة) سمرة بذي الحليفة
على ستة أميال من المدينة (فقال: ممن ربح هذا الطيب؟) أنكر ريح الطيب،
لأنه كان في ركب محرمين، فسأله (فقال معاوية بن أبي سفيان): ينضح هذا
الطيب (مني يا أمير المؤمنين) قال الباجي: وذلك أن معاوية لم يكن عنده مما
ينكر في ذلك الموضع إلا لمن ابتدأه فيه (فقال عمر) - رضي الله عنه - على
معنى الإنكار عليه: (منك؟ لَعمر الله) لأنك تحب الرفاهية، وكان عمر - رضي الله
عنه - يُسَمِّيه كسرى العرب، وقوله: لعمر الله بفتح اللام والعين المهملة قصد به
القسم كما في قوله عز اسمه: ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِى سَكْرِهِمْ﴾(١) الآية، والمراد بقاؤه
عز اسمه .
(فقال معاوية) معتذراً أو مؤيداً لرأيه برأي أم المؤمنين (إن أم حبيبة) رملة
بنت أبي سفيان صخر بن حرب بن أمية، وقيل: اسمها هند، والمشهور
الأول، مشهورة بكنيتها بنتها حبيبة بنت عبيد الله بن جحش زوجها الأول،
هاجرت معه إلى الحبشة فتنصَّر بالحبشة، ومات بها نصرانياً، فتزوجها
رسول الله و8َ وهي هناك سنة ست من الهجرة، وقيل: سبع، وكان النجاشي
(١) سورة الحجر: الآية ٧٢.
٤٢٥

٢٠ - كتاب الحج
(٧) باب
(٧١١) حديث
طَيَّبَتْنِي يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، فَقَالَ عُمَرُ: عَزَمْتُ عَلَيْكَ لَتَرْجِعَنَّ
فَلْتَغْسِلَنَّهُ.
أمهرها من عند نفسه، توفيت بالمدينة على الصحيح سنة ٤٤ هجرية، كذا في
((لغات النووي))(١) .
(طيبتني يا أمير المؤمنين) قال الباجي (٢): قال ذلك لِيُعَلِّمه أن التطيب كان
بالمدينة، قلت: والأوجه عندي أنه قال ذلك ليستدل بفعلها على الجواز فإنها
من أمهات المؤمنين، وهن أعلم بأمثال هذه الأفعال.
(فقال عمر) - رضي الله عنه -: (عزمت عليك) أي أقسمت عليك،
وألزمتك. وفي ((المجمع)): أمرتك أمراً جازماً متحتماً، انتهى. وفي رواية عبد
الرازق: أقسمت عليك (لترجعن) بصيغة الخطاب (فلتغسلنه) بصيغة الخطاب
أيضاً، والأوجه بصيغة الغائب لرواية عبد الرازق: ((لترجعن إلى أم حبيبة،
فلتغسلنه عنك ما طيبتك))، زاد في رواية أيوب عن نافع عن أسلم، قال: فرجع
معاوية إليها حتى لحقهم ببعض الطريق.
قال الزرقاني(٣) وغيره من المالكية: فهذا عمر - رضي الله عنه - مع
جلالته لم يأخذ بحديث عائشة - رضي الله عنها - على ظاهره.
قال ابن الهمام(٤): قال الحازمي: إن عمر - رضي الله عنه - لم يبلغه
حديث عائشة - رضي الله عنها - وإلا لرجع إليه، وإذا لم يبلغه، فسنة
رسول الله وَّه بعد ثبوتها أحقُّ أن تُتَّبَعَ، وحديث معاوية هذا أخرجه البزار،
وزاد فيه: فإني سمعت رسول الله وَ ل يقول: ((الحاج الشعث التفل»، انتهى.
(١) ((الأسماء واللغات)) للنووي (٣٥٩/١).
(٢) ((المنتقى)) (٢٠٣/٢).
(٣) انظر: ((شرح الزرقاني)) (٢٣٧/٢).
(٤) (فتح القدير)) (٣٣٩/٢).
٤٢٦

٢٠ - كتاب الحج
(٧) باب
(٧١٢) حديث
٢٠/٧١٢ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنِ الصَّلَّتِ بْنِ زُبَيْدٍ، عَنْ
غَيْرٍ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِهِ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ وَجَدَ رِيحَ طِيبٍ وَهُوَ
بِالشَّجَرَةِ، وَإِلَى جَنْبِهِ كَثِيرُ بْنُ الصَّلْتِ. فَقَالَ عُمَرُ: مِمَّنْ رِيحُ هُذَا
الِطِيبِ؟ فَقَالَ كَثِيرٌ: مِنِّ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ،
وعُلِمَ من هذه الزيادة أن ذلك استنباط منه - رضي الله عنه - بالحديث
المذكور، ولم يكن فيه توقيف من النبي ◌ّ، وإلا لذكره على أنه يحتمل أن عمر
- رضي الله عنه - لم يكن من مذهبه عدم جوازه، لكنه لما رآه منافياً للشعث التفل
شَدَّدَ في ذلك في حق الخواص، كما تقدم قوله - رضي الله عنه - لطلحة في الثياب
المصبغة: ((إنكم أيها الرهط أئمة يقتدي بكم الناس))، الحديث.
٢٠/٧١٢ - (مالك، عن الصلت) بفتح الصاد المهملة وسكون اللام (ابن
زيد) بضم الزاي فتحتيتين، تصغير زيد على ما ضبطه الزرقاني وصاحب (المحلى))
وغيرهما، ووقع في نسخ ((الموطأ)) لمحمد زبيد بالموحدة فالمثناة التحتية، قال
صاحب ((التعليق الممجد)) (١): كذا وجد في نسخ هذا الكتاب بالباء الموحدة،
وكذا ضبطه القاري، لكن الذي في ((موطأ يحيى)) باليائين، وكذا ضبطه الزرقاني
وابن الأثير في ((جامع الأصول))، انتهى. فعُلِم منه أن ما في بعض نسخ ((موطأ
يحيى)) بالباء سهو من الناسخ (عن غير واحد من أهله) أي الصلت.
(أن عمر بن الخطاب وجد ريح طيب وهو بالشجرة) أي بذي الحليفة
(وإلى جنبه كثير بن الصلت) بن معديكرب الكندي أبو عبد الله المدني وُلد في
عهد النبي (18)، واختلف في إدراكه النبي و ◌َ﴾- كما ذكره الحافظ في
((تهذيبه))(٢)، وقال في ((التقريب)): وهم من جعله صحابياً (فقال عمر) - رضي الله
عنه - إنكاراً على ما وجد: (ممن ريح هذا الطيب؟ فقال كثير) بن الصلت: هذا
الريح يوجد (مني يا أمير المؤمنين).
(١) (٢٧٥/٢).
(٢) ((تهذيب التهذيب)) (٤١٩/٨).
٤٢٧

٢٠ - كتاب الحج
(٧) باب
(٧١٢) حديث
لَبَّدْتُ رَأْسِي
قال الباجي(١): يحتمل أن يكون جرى هذا لعمر - رضي الله عنه - مع
معاوية وكثير في سفرين مختلفين، فكان عمر - رضي الله عنه - لفرط تفقده
لأمور المسلمين واهتباله لأديانهم كان يتفقد هذا المعنى في جميع أسفارهم،
ويحتمل أن يكون ذلك في سفر واحد (لبّدت) بتشديد الموحدة (رأسي) والتلبيد
أن يأخذ شيئاً من الصمغ أو الغاسول كالخطمي والآس، فيجعله في أصول
الشعر ليجتمع شعره، ولا يتشعّثُ أو لا يقع فيه القُمَّل، والتلبيد مندوب عند
الشافعية صرح به شُرّاح الحديث وأهل الفروع كصاحب ((تحفة المحتاج))
وغيره، حتى ولو كان بذي جرم يحصل به التغطية.
ولم يذكر الجمهور التلبيد مطلقاً في مندوبات الإحرام إلا ما سيأتي عن
رشيد الدين وغيره، ولعل سر ذلك أنه يخالف قوله وسلم: ((الحاج الشعث التفل))
وأخرج البخاري عن ابن عمر: سمعت عمر - رضي الله عنه - يقول: ((من ضفر
فليحلق ولا تشبهوا بالتلبيد))، وكان ابن عمر - رضي الله عنه - يقول: ((لقد
رأيت رسول الله وَّر ملبداً ... )) الحديث، وسيأتي في ((الموطأ)) أيضاً في باب
التلبید.
قال الحافظ: (٢) أما قول عمر - رضي الله عنه - فحمله ابن بطال على أن
المراد أن من أراد الإحرام، فضفّر شعره ليمنعه من الشعث، لم يجز له أن
يُقَصِّرَ، لأنه فعل ما يشبه التلبيد الذي أوجب الشارع فيه الحلق، وكان عمر
- رضي الله عنه - يرى أن من ◌َبَّد رأسه في الإحرام تَعَيّنَ عليه الحلقُ، ولا
يجزئه التقصيرُ، ويحتمل أن يكون عمر - رضي الله عنه - أراد الأمر بالحلق عند
الإحرام، حتى لا يحتاج إلى التلبيد، ولا إلى الضفر، أي من أراد أن يُضَفِّرَ أو
يُلَبِّدَ فليحلق، فهو أولى من أن يُلَبِّدَ أو يُضَفِّرَ.
(١) انظر: ((المنتقى)) (٢٠٣/٢).
(٢) ((فتح الباري)) (٣٦٠/١٠).
٤٢٨
-------

٢٠ - كتاب الحج
(٧) باب
(٧١٢) حديث
وأما قول ابن عمر - رضي الله عنه - فظاهره أنه فهم عن أبيه أنه كان يرى
أن ترك التلبيد أولى، فأخبر هو أنه رأى النبي وَّ يفعله، انتهى. فعُلِمَ من ذلك
أن عمر - رضي الله عنه - أيضاً لا يراه، وهذا هو الذي فهم ابن عمر - رضي الله
عنه - من قول أبيه كما جزم به الحافظ، وأما فعله و الر فيحتمل بيان الجواز.
وأما عند الحنفية فصرح أهل الفروع أن التلبيد إن كان بالثخين، ففيه دم
للتغطية، وإن كان مع الطيب أيضاً ففيه دمان، وأشكل عليه صاحب ((البحر)) بما
ثبت في ((الصحيحين)) من تلبيده وَّلّ، وقال ابن عابدين في ((هامشه)): أجاب
عنه العلامة المقدسي في ((شرحه)) بقوله: أقول: لا ريب في وجوب حمل
فعله وَّر على ما هو سائغ، بل ما هو أكمل، فالتلبيد الذي فعله وَل يسير، لا
يحصل به التغطية، ولا يمنع ابتداء فعله في الإحرام ولا بقائه، والموجب للدم
يحمل على المبالغة فيه بحيث تحصل منه تغطية، انتهى.
وقال أيضاً في ((رد المحتار)) (١): وعليه يحمل ما في ((الفتح)) عن رشيد
الدين في ((مناسكه)) إذ قال: وحسن أن يُلَبّد رأسه قبل الإحرام، انتهى. وقال
صاحب ((الغنية)): حسن أن يُلَبِّدَ رأسَه بنحو خطمي أو غيره، لكن تلبيداً سائغاً،
وهو اليسير الذي لا يحصل به التغطية، فإن استصحاب التغطية الكائنة قبل
الإحرام لا يجوز بخلاف الطيب، وعليه يجب أن يحمل تلبيده وّ﴾ في إحرامه،
وتمامه في جنايات ((رد المحتار))، انتهى.
وقال القاري تحت حديث ابن عمر - رضي الله عنه -: سمعت
رسول الله * يهل ملبداً (٢) بكسر الباء وفتحها أي شعره بالصمغ أو الحناء أو
الخطمي، ولعله كان به عذر، قال ابن الملك: هو إلصاق شعر الرأس بالصمغ
(١) (٦٠١/٢).
(٢) انظر: ((بذل المجهود)) (٣٣٦/٨).
٤٢٩

٢٠ - كتاب الحج
(٧) باب
(٧١٢) حديث
وَأَرَدْتُ أَنْ لا أَحْلِقَ.
أو الخطمي أو غير ذلك كيلا يتخلله الغبار، ولا يصيبه شيء من الهوام، ويقيها
من حر الشمس، وهذا جائز عند الشافعي، وعندنا يلزمه دم إن لبد بما ليس فيه
طيب، ودمان إن كان فيه طيب.
قال القاري(١): ويمكن حمله على التلبيد اللغوي من جمع الشعر ولفّه
وعدم تخليته متفرقاً، ففي ((القاموس)): تلبّد الصوف ونحوه: تداخل، ولزق
بعضه ببعض، وقال أيضاً تحت حديث أبي داود عن ابن عمر - رضي الله عنه -:
أن النبي ◌َّ لَبَّد رأسه بالعسل، ليس فيه دلالة على إحرامه، ولا عبرة بذكر
صاحب ((المشكاة)) ههنا لابتنائه على فهمه وفقهه، انتهى.
(وأردتُ أن أحلق) اختلف نسخ ((الموطأ)) في ذكر حرف النفي قبل لفظ
أحلق، فهي موجودة في جميع النسخ المصرية الموجودة عندي من المتون
والشروح المصرية إلا الباجي فلم يذكرها، وعلى صيغة الإثبات بنى شرحه
فقال: وكان كثيرٌ لما أراد الحلاق لبّد بما فيه طيب، لأن التلبيد يلزم الحلاق،
انتھی .
ولا يوجد حرف النفي في شيء من النسخ الهندية، ولا في شرح شيخنا
(المصفَّى))، وعلى الإثبات بنى شرحه إذ قال: [كَفت كثير اين ازمن أست
بصمغ جمع كردم موي سرخودرا خواستم كه حلق كنم]، يعني بعد انقضاء
مناسك، انتھی.
وكذا لا يوجد في ((المحلى)) وعليه بنى شرحه إذ قال: أردت أن أحلق
أي بعد فراغ نسكي، انتهى.
وكذا لا يوجد في نسخة ((موطأ محمد))، والمعنى على كلتا النسختين
صحيح .
(١) ((مرقاة المفاتيح)) (٢٨٣/٥).
٤٣٠

٢٠ - كتاب الحج
(٧) باب
(٧١٢) حديث
فَقَالَ عُمَرُ: فَاذْهَبْ إِلَى شَرَبَةٍ، فَادْلُكْ رَأْسَكَ حَتَّى تُنَقِّيَهُ. فَفَعَلَ
كَثِيرُ بْنُ الصَّلْتِ .
قَالَ مَالِكٌ: الشَّرَبَةُ حَفِيرٌ تَكُونُ عِنْدَ أَصْلِ النَّخْلَةِ.
أما على نسخة الإثبات، فكما شرح به الباجي، والشيخ في ((المصفَّى))
وصاحب ((المحلى))، وذلك أن مذهب جماعة من الأئمة وغيرهم: أن التلبيد
يوجب الحلق بعد النسك، ولا يكفي فيه التقصير كما سيأتي بيانه في التلبيد،
وأما على نسخة النفي، فلما تقدم قريباً في كلام الحافظ من الاحتمال في كلام
عمر - رضي الله عنه -: أن التحليق عند ابتداء الإحرام أولى من التلبيد
والتضفير، فكأن كثيراً اعتذر عند عمر - رضي الله عنه - أنه لما لم يُرِدِ التحليق
إذ ذاك لعارض اختار التلبيد لئلا يتشعَّثَ الشعر، وهذه النسخة هي الأوجه
عندي كما لا يخفى على متأمل .
وذلك لأن إرادة التحليق بعد أداء النسك لا يوجب التلبيد في بدء
الإحرام ولم يقل به أحد، وما تقدم من مذهب بعض السلف هو عكسه، يعني
من لبد يجب عليه الحلق ولا يكفيه القصر، فإرادة كثير الحلق بعد أداء النسك
لا يورث ضرورة التلبيد في بدء الإحرام، بخلاف عدم إرادة الحلق عند إنشاء
الإحرام، فينبغي أن يكون مورثاً لضرورة التلبيد، لئلا يتشعث شعره فتأمل، فإنه
لطيف .
(فقال عمر) - رضي الله عنه -: (فاذهب) بصيغة الأمر من الذهاب (إلى شربة)
سيأتي في كلام المصنف تفسيره (فادلك) قال المجد: دلكه بيده: مرسه ودعكه
(رأسك حتى تنقيه) بضم التاء وسكون النون وبالقاف من الإنقاء، أصله إخراج
المخ أي تستخرج طيبها، ويحتمل فتح النون وشدة القاف من التنقية بمعنى التصفية
(ففعل كثير بن الصلت ذلك) أي ما أمره به عمر - رضي الله عنه -.
(قال يحيى: قال مالك) - رضي الله عنه -: (الشربة حفير يكون عند أصل
النخلة) قال صاحب ((المحلى)): الشربة بفتح الشين المعجمة والراء حويض
٤٣١

٢٠ - كتاب الحج
(٧) باب
(٧١٣) حديث
٢١/٧١٣ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ،
وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، وَرَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمُنِ؛ أَنَّ الْوَلِيدَ بْنَ
عَبْدِ الْمَلِكَ سَأَلَ سَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، وَخَارِجَةَ بْنَ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، ...
حول النخلة، انتهى. وقال المجد: الشربة بالتحريك كثرة الشرب، والحويض
حول النخلة يسع رِيَّها، انتهى. وفي ((التمهيد)): الشربة مستنقع الماء عند أصول
الشجر، حوض يكون مقدار ريها، وقال ابن وهب: هو الحوض حول النخلة
يجمع فيه الماء.
وروى ابن أبي شيبة عن بشير بن يسار: لما أحرموا وجد عمر - رضي الله
عنه - ريح طيب، فقال: ((ممن هذا الريح؟ فقال البراء بن عازب: مني يا أمير
المؤمنين، قال: قد علمنا أن امرأتك عطرة، أو عطارة، إنما الحاج الأوفر
الأغبر))، قاله الزرقاني(١).
قلت: وتقدم قريباً أن الظاهر من تشديد عمر - رضي الله عنه - أنه رأى
الطيب ونحوه منافياً لحالة الحاج وكمالها، وإليه تشير رواية ابن أبي شيبة هذه،
وإلا لم يوجب أحدٌ على الحاجِّ أن يكون الأوفر الأغبر.
٢١/٧١٣ - (مالك، عن يحيى بن سعيد) الأنصاري (وعبد الله بن أبي
بكر) بن محمد بن عمرو بن حزم (وربيعة بن) فروخ (أبي عبد الرحمن)
المعروف بربيعة الرأي (أن الوليد بن عبد الملك) بن مروان الأموي، ولي
الخلافة بعد أبيه سنة ٨٦هـ، وكانت مدة إمارته عشرة سنين إلا ثلاثة أشهر، كذا
في ((المحلی)).
(سأل) اثنين من الفقهاء السبعة الشهيرين بالمدينة المنورة (سالم بن
عبد الله) بن عمر (وخارجة بن زيد بن ثابت) الأنصاري النجاري بفتح نون وشد
جيم وبراء نسبة إلى النجار بن ثعلبة، أبو زيد المدني، أحد الفقهاء السبعة،
(١) ((شرح الزرقاني)) (٢٣٧/٢).
٤٣٢

٢٠ - كتاب الحج
(٧) باب
(٧١٣) حديث
بَعْدَ أَنْ رَمَى الْجَمْرَةَ وَحَلَقَ رَأْسَهُ، وَقَبْلَ أَنْ يُفِيضَ، عَنِ الطَّبِ.
فَنَهَاءُ سَالِمٌ، وَأَرْخَصَ لَهُ خَارِجَةُ بْنُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ .
قَالَ مَالِكٌ: لا بَأْسَ أَنْ يَذَّهِنَ الرَّجُلُ بِدُهْنِ لَيْسَ فِيهِ طِيبٌ قَبْلَ
أَنْ يُحْرِمَ. وَقَبْلَ أَنْ يُفِيضُ مِنْ مِنَّى بَعْدَ رَمَّي الْجَمْرَةِ.
قال مصعب الزبيري: كان خارجة وطلحة بن عبد الله يقسمان المواريث ويكتبان
الوثائق، وينتهي الناس إلى قولهما، وقال ابن خراش: خارجة بن زيد أجلّ من
كل من اسمه خارجة، مات سنة ١٠٠ هـ، وقيل: سنة ٩٩هـ.
(بعد أن رمى الجمرة) العقبة (وحلق رأسه) أي وبعد الحلق (وقبل أن
يُفِيض) أي يطوف طواف الإفاضة (عن الطيب) أي سأل عن استعمال الطيب
في تلك الحالة، هل يجوز أم لا؟ قال الباجي: سؤال الوليد عن التطيب بعد
الحِلاق يحتمل أن يكون لما بلغه من الاختلاف في ذلك، فلما سأل وجد
الخلاف فيه (فنهاه سالم) إما لأنه يرى كراهته، أو لأن الحاج الشعث التفل،
وبه أخذ مالك(١) (وأرخص له خارجة بن زيد بن ثابت) لأنه جائز بلا كراهة
عند الجمهور.
(قال) يحيى: قال (مالك: لا بأس أن يدهن) قال المجد: دهن رأسه
وغيره بَلُّه وادّهن به على افتعل، وفي ((المجمع)): يدّهن بتشديد دال يفتعل أي
يطلي بالدهن ليزيل شعث رأسه ولحيته (الرجل) أي المحرم (بدهن) بضم الدال
(ليس فيه طيب) يبقى أثره بعد الإحرام كالزيت الخالص (قبل أن يحرم) وكذلك
بعد الإحرام بشرط الفراغ من التحلل الأصغر وهو المراد بقوله: (وقبل أن
يفيض من منى) إلى مكة لأجل طواف الإفاضة (بعد رمي الجمرة) العقبة.
قال الباجي (٢): له أن يدهن قبل إحرامه بدهن غير مطيّب؛ لأنه ليس في
(١) انظر: ((الاستذكار)) (٦٦/١١).
(٢) ((المنتقى)) (٢٠٣/٢).
٤٣٣

٢٠ - كتاب الحج
(٧) باب
(٧١٣) حديث
ذلك أكثر من التنظيف، وذلك جائز قبل الإحرام، كغسل رأسه بالغاسول أو
نحوه، وإنما يكره له الدهن المطيب قبل إحرامه لبقاء رائحة طيبة، ولادهان
المحرم ثلاثة أحوال: أحدها: قبل الإحرام وقد ذكرنا، والثاني: بعد رمي
جمرة العقبة وقبل الإفاضة، فلا بأس بدهن غير مطيب؛ لأنه ليس في الادهان
حينئذ أكثر من إزالة الشعث، وذلك مباح له، وأما الدهن المطيب فحكمه حكم
الطيب، وأما الثالث: فبعد الإحرام وقبل وجود شيء من التحلل، فإن الادهان
حينئذ ممنوع بدهن مطيب وغير مطيب.
وروى ابن حبيب عن الليث إباحة ذلك بكل ما يجوز له أكله من
الادهان، وقال: إنه قول عمر وعلي - رضي الله عنهما - فإن فعل شيئاً من
ذلك، فقد روى ابن حبيب عن مالك: أن عليه الفدية، واختار ابن حبيب: أن
لا فدية عليه، ووجه قول مالك أن هذا معنى ينافي الشعث ويزيله، فوجب على
المحرم باستعماله الفدية، كغسل رأسه بالغاسول، ووجه قول ابن حبيب إسقاط
الفدية لظهور الخلاف في إباحته، اهـ.
وقال الأبي في ((الإكمال)) (١): لا شيء على المحرم إذا ادّهن قبل الإحرام
وبقي الدهن باتفاق ما لم يكن الدهن مطيباً، وإنما اختلف في استعماله الدهن
غير المطيب بعد الإحرام، فأجازه الليث وابن حبيب ومنعه مالك، اهـ.
وأما عند الحنفية ففي (شرح المناسك)) للقاري: ولو ادهن بدهن مطيب
عضواً كاملاً فعليه دم اتفاقاً، وفي الأقل من عضو صدقة، وإن ادَّهن بدهن غير
مطيب، كالزيت الخالص وأكثر منه فعليه دم عند أبي حنيفة وصدقة عندهما،
وروي عنه مثل قولهما، وإن استقل منه فعليه صدقة اتفاقاً، هذا إذا استعمله
على وجه الطيب، أما إذا استعمله على وجه التداوي، أو الأكل، فلا شيء
(١) (٣٠٦/٣).
٤٣٤

٢٠ - كتاب الحج
(٧) باب
(٧١٣) حديث
عليه اتفاقاً، ولو ادهن بسمن أو شحم أو ألية أو أكله فلا شيء عليه، ولا فرق
بين الشعر والجسد في الدهن، اهـ.
وفي ((البدائع))(١): ولو ادهن بدهن فإن كان الدهن مطيباً فعليه دم إذا بلغ
عضواً كاملاً، وإن كان غير مطيب بأن ادَّهن بزيت فعليه دم في قول أبي حنيفة،
وعند أبي يوسف ومحمد عليه صدقة، وقال الشافعي: إن استعمله في شعره
فعليه دم، وإن استعمله في بدنه فلا شيء عليه، واحتجًّا بما روي أن
رسول الله ◌َّة، ((ادّهن بزيت وهو محرم))، ولو كان ذلك موجباً للدم لما
فعل ◌َّر، ولأن غير الطيب من الأدهان يستعمل استعمال الغذاء، فأشبه اللحم
والشحم والسمن، إلا أنه يوجب الصدقة، لأنه يقتل الهوامّ لا لكونه طيباً.
ولأبي حنيفة ما روي عن أم حبيبة - رضي الله عنها - أنه لما نعي إليها
وفاة أختها(٢) قعدت ثلاثة أيام، ثم استدعت بزنة زيت، وقالت: ما لي إلى
الطيب من حاجة، لكني سمعت رسول الله وسلم قال: ((لا يحل لامرأة تؤمن بالله
واليوم الآخر أن تُحِدَّ على ميت فوق ثلاثة أيام إلا على زوجها)) سَمَّتِ الزيتَ
طيباً، ولأنه أصل الطيب بدليل أنه يطيب بإلقاء الطيب فيه، فإذا استعمله على
وجه الطيب كان كسائر الأدهان المطيبة، ولأنه يزيل الشعث الذي هو علم
الإحرام، وشعاره على ما نطق به الحديث، فصار جارحاً إحرامه بإزالة علمه،
(١) (بدائع الصنائع)) (١٩٠/٢).
(٢) كذا في الأصل، ولفظ البخاري في النكاح: لما توفي أبوها أبو سفيان بن حرب، ولفظه
في الجنائز: ((لما جاء نعي أبي سفيان من الشام))، الحديث، وحقق الحافظ أنه سقط
لفظ ابن من أبي سفيان، والقصة تعددت لأبيها وأخيها يزيد، وعلى هذا فإن لم يكن لفظ
الأخت تصحيفاً من الناسخ، فلا مانع من أنها تعددت ووقعت للأخت أيضاً، وورد عند
أحمد وغيره أن القصة وقعت حين مات حميم لها أو نسيب لها، انتهى ز. قلت: ليس
في النسخة المحققة المطبوعة لفظ ((الأخت)) فما جاء في نسخة شيخنا فهو تحريف
الناسخ.
٤٣٥

٢٠ - كتاب الحج
(٧) باب
(٧١٣) حدیث
فتكاملت جنايته فيجب الدم، والحديث محمول على حال الضرورة؛ لأنه وَل#
كما كان لا يفعل ما يوجب الدم، كان لا يفعل ما يوجب الصدقة، ثم ليس فيه
أنه لم يُكَفِّرْ، فيحتمل أنه فعل وكَفَّر فلا يكون حجة.
ولو داوى بالزيت جرحه أو شقوق رجليه فلا كفارة عليه؛ لأنه ليس
بطيب بنفسه، وإن كان أصل الطيب، لكنه ما استعمل على وجه الطيب، فلا
تجب به الكفارة، بخلاف ما إذا تداوى بالطيب لا للتطيب أنه تجب به
الكفارة؛ لأنه طيب في نفسه، فيستوي فيه استعماله للتطيب أو لغيره.
وذكر محمد في ((الأصل)): وإن دهن شقاق رجليه، وطعن عليه في ذلك،
فقيل: الصحيح شقوق رجليه، وإنما قال محمد ذلك اقتداء بعمر بن الخطاب
- رضي الله عنه -، فإنه قال هكذا في هذه المسألة، ومن سيرة أصحابنا الاقتداء
بألفاظ الصحابة ومعاني كلامهم.
وإن ادّهن بشحم أو سمن فلا شيء عليه؛ لأنه ليس بطيب في نفسه، ولا
أصل للطيب بدليل أنه لا يطيب بإلقاء الطيب فيه ولا يصير طيباً بوجه.
وقد قال أصحابنا: إن الأشياء التي تستعمل في البدن على ثلاثة أنواع:
نوع هو طيب محض معد للتطيب به كالمسك ونحو ذلك، فتجب به الكفارة،
على أي وجه استعمل، حتى قالوا: لو داوى عينه بطيب تجب عليه الكفارة.
ونوع ليس بطيب بنفسه، وليس فيه معنى الطيب، ولا يصير طيباً بوجه كالشحم
فسواء أكل أو ادهن به لا تجب الكفارة.
ونوع ليس بطيب بنفسه، لكنه أصل الطيب يستعمل على وجه الطيب،
ويستعمل على وجه الإدام كالزيت والشيرج، فيعتبر فيه الاستعمال، فإن استعمل
استعمال الأدهان في البدن يعطى له حكم الطيب، وإن استعمل في مأكول أو
شقاق رجل لا يعطى له حكم الطيب كالشحم، انتهى. هذا وسيأتي شَيْءٌ من
الكلام على الأدهان فيما يجوز للمحرم أن يفعله.
٤٣٦

٢٠ - كتاب الحج
(٧) باب
(٧١٣) حديث
قَالَ يَحْيَى: سُئِلَ مَالِكٌ: عَنْ طَعَامِ فِيهِ زَعْفَرَانٌ، هَلْ يَأْكُلُهُ
الْمُحْرِمُ؟ فَقَالَ: أَمَّا مَا تَمَسُّهُ النَّارُ مِنْ ذُلِّكَ فَلا بَأُسَ بِهِ أَنْ يَأْكُلَهُ
الْمُحْرِمُ. وَأَمَّا مَا لَمْ تَمَسَّهُ النَّارُ مِنْ ذُلِكَ فَلَا يَأْكُلُّهُ الْمُحْرِمُ.
(قال يحيى: سئل) ببناء المجهول الإمام (مالك عن طعام فيه زعفران)
وغيره من أنواع الطيب (هل يأكله المحرم؟ فقال) مالك: (أما ما مسته) كذا في
الهندية بصيغة الماضي، وفي المصرية: ما تَمَسُّهُ بصيغة المضارع (النار من
ذلك) بحيث أماته الطبخ وإن بقي لونه؛ لأنه لا يذهب بالطبخ.
(فلا بأس به أن يأكله المحرم) لأن النار قد غيرت فعل الطيب الذي في
الأشياء، فجاز أكلها (وأما ما لم تمسه النار من ذلك فلا يأكله المحرم) أي
يحرم وعليه الفدية، قاله الزرقاني(١). وبسط الباجي(٢) الفروع، واختلاف أقوال
أصحابهم .
وفي ((البدائع))(٣): لو كان الطيب في طعام طبخ وتغير، فلا شيء على
المحرم في أكله، سواء كان يوجد ريحه أو لا؛ لأن الطيب صار مستهلكاً في
الطعام بالطبخ، وإن كان لم يطبخ يكره إذا كان ريحه يوجد منه ولا شيء عليه؛
لأن الطعام غالب عليه، فكان الطيب مغموراً مستهلكاً فيه، وإن أكل عين
الطيب غير مخلوط بالطعام، فعليه الدم إذا كان كثيراً.
وقالوا في الملح يجعل فيه الزعفران: إنه إن كان الزعفران غالباً فعليه
الكفارة؛ لأن الملح يصير تبعاً له، فلا يخرجه عن حكم الطيب، وإن كان
الملح غالباً فلا كفارة عليه؛ لأنه ليس فيه معنى الطيب، وقد روي عن
ابن عمر (٤) - رضي الله عنه - أنه كان يأكل الخشكنانج الأصفر، وهو محرم،
(١) ((شرح الزرقاني)) (٢٣٨/٢).
(٢) ((المنتقى)) (٢٠٤/٢).
(٣) ((بدائع الصنائع)) (٢/ ١٩١).
(٤) رواه البيهقي (٥٨/٥).
٤٣٧

٢٠ - كتاب الحج
(٨) باب
(٨) باب مواقيت الإهلال
ويقول: لا بأس بالخبيص الأصفر للمحرم، انتهى. وفي ((المحلى)): منعه
الشافعية مطلقاً .
(٨) مواقيت الإهلال
جمع ميقات كمواعيد وميعاد، وأصله أن يجعل للشيء وقت يختص به،
ثم اتسع فيه فأطلق على المكان، وقال ابن الأثير: التوقيت والتأقيت أن يجعل
للشيء وقت يختص به، وهو بيان مقدار المدة يقال: وقت الشيء بالتشديد
يوقته، ووقت بالتخفيف يقته إذا بين مدته، ثم اتسع فيه، فقيل للموضع:
میقات .
وقال ابن عابدين (١): جمع ميقات بمعنى الوقت المحدود، واستعير
للمكان أي مكان الإحرام، كما استعير المكان للوقت في قوله تعالى: ﴿هُنَالِكَ
أَبْلِىَ الْمُؤْمِنُونَ﴾(٢)، ولا ينافيه قول الجوهري: الميقات موضع الإحرام، لأنه
ليس من رأيه التفرقة بين الحقيقة والمجاز، وكأنه استند في ((البحر))(٣) إلى
ظاهر ما في ((الصحاح))، فزعم أنه مشترك بين الوقت والمكان المعين، والمراد
بالإهلال الإحرام كما تقدم.
وحكى الأثرم عن الإمام أحمد أنه سئل أي سنة وقّت النبي
محَى له
وئيّة
المواقيت؟ فقال: عام حج. قلت: هكذا حكاه عنه عامة الشراح وعليه اكتفوا
في وقت مبدأ المواقيت، لكنه يُشْكل عليه أنهم قاطبة أوّلوا مجاوزة أبي قتادة
عام الحديبية بغير إحرام عن المواقيت، وإذا لم يكن التوقيت إلا في عام حج،
فأي فاقة لهم إلى التوجيهات القريبة والبعيدة، فتأمل.
(١) ((رد المحتار)) (٥٢٢/٢).
(٢) سورة الأحزاب: الآية ١١.
(٣) ((البحر الرائق)) (٥٥٥١/٣).
٤٣٨

٢٠ - كتاب الحج
(٨) باب
(٧١٤) حديث
٧١٤/ ٢٢ - حَدَّثَني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ
عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَلِهِ قَالَ: «يُهِلُّ أَهْلُ الْمَدِّينَةِ مِنْ
ذِي الْحُلَيْفَةِ ،
٢٢/٧١٤ - (مالك، عن نافع، عن عبد الله بن عمر) - رضي الله عنه -
(أن رسول الله وَل﴾ قال) وللبخاري من طريق الليث عن نافع عن ابن عمر: أن
رجلاً قام في المسجد فقال: يا رسول الله من أين تأمرنا أن نُهِلَّ؟ قال ◌َّ:
(بهل) بضم أوله وكسر ثانيه أي يحرم من أهل المحرم إذا رفع صوته عند
الإحرام (أهل المدينة) بصيغة الخبر مراداً به الأمر، والمراد مدينته وَله .
(من ذي الحليفة) بالحاء المهملة والفاء، مصغّرُ حلفة، نبات معروف،
قال المجد: موضع على ستة أميال من المدينة وهو ماء لبني جشم، وقال
ياقوت الحموي في ((المعجم)): قرية بينها وبين المدينة ستة أميال أو سبعة،
وهو من مياه جشم بينهم وبين بني خفاجة من عقيل، اهـ. بينها وبين مكة مائتا
ميل، قاله ابن حزم على ما حكى قوله الحافظ: وغير ميلين على ما في
((المحلى)) على ((الموطأ)).
وقال غيره: بينهما عشرة مراحل أو تسعة، وبينها وبين المدينة ستة
أميال، وقول ابن الصباغ: ميل واحد وهم، وبها مسجد يعرف بمسجد
الشجرة، وبئر يقال لها: بئر علي (١)، وفي ((التحفة)): هو المسمى الآن بأبيار
علي - رضي الله عنه - لزعم العامة أنها قاتل الجن فيها، انتهى. وقال
ابن نجيم(٢): وبهذا المكان آبار تسميه العوام آبار علي، قيل: لأن علياً
- رضي الله عنه - قاتل الجن في بعض تلك الآبار، وهو كذب من قائله، كما
ذكره الحلبي في ((مناسكه))، اهـ.
(١) انظر: ((شرح الزرقاني)) (٢٣٨/٢).
(٢) ((البحر الرائق)) (٥٥٥/٣).
٤٣٩

٢٠ - كتاب الحج
(٨) باب
(٧١٤) حديث
ويُهِلُّ أَهْلُ الشَّامِ مِنَ الْجُحْفَةِ .
ثم أبعد المواقيت من مكة ذو الحليفة ميقات أهل المدينة، فقيل: الحكمة
في ذلك أن تعظم أجور أهل المدينة، فقيل: رفقاً بأهل الآفاق، لأن أهل
المدينة أقرب الآفاق إلى مكة ممن له ميقات معين، كذا في ((الفتح))(١).
وقال الشيخ في ((حجة الله))(٢): لما كان الإتيان إلى مكة شعثاً تفلاً تاركاً
لغلواء نفسه مطلوبا، وكان في تكليف الإنسان أن يحرم من بلده حرج ظاهر،
فإن منهم من يكون قُطْرُه على مسيرة شهر وشهرين وأكثر، وجب أن يخص
أمكنة معلومة حول مكة يحرمون منها، ولا يؤخّرون الإحرام بعدها، واختار
لأهل المدينة أبعد المواقيت، لأنها مهبط الوحي، ومأزر الإيمان، ودار
الهجرة، وأول قرية آمنت بالله ورسوله، فأهلها أحق بأن يبالغوا في إعلاء
كلمة الله، وأن يخصوا بزيادة تعظيم الله، وأيضاً فهي أقرب الأقطار التي آمنت
في زمان رسول الله وَالر، انتهى.
(ويهل أهل الشام) زاد النسائي من حديث عائشة: ومصر، وزاد الشافعي
في روايته: والمغرب (من الجحفة) بضم الجيم وسكون المهملة، وسميت مهيعة
بفتح الميم وسكون الهاء وفتح التحتية كعلقمة، وقيل: لوزن لطيفة، والمشهور
الأول، قال ابن الكلبي: كان العماليق يسكنون يثرب، فوقع بينهم وبين بني
عبيل - بفتح المهملة وكسر الموحدة، وهم إخوة عاد - حرب، فأخرجوهم من
يثرب، فنزلوا الجحفة وكان اسمها يومئذ مهيعة، فجاءهم سيل واجتحفهم أي
استأصلهم، فسميت الجحفة، كذا في ((الفتح)).
ولما قدم النبي ◌ّ المدينة استوبأها، وحُمَّ أصحابه فقال: ((اللهم حبب
إلينا المدينة وصححها وانقل حماها إلى الجحفة)) الحديث، والمصريون الآن
(١) ((فتح الباري)) (٣٨٦/٣).
(٢) ((حجة الله البالغة)) (٥٩/٢).
٤٤٠