Indexed OCR Text
Pages 381-400
٢٠ - كتاب الحج (٤) باب (٧٠٢) حديث فِي الإِحْرَامِ. فَلا تَلْبَسُوا أَيُّهَا الرَّهْطُ شَيْئاً مِنْ هُذِهِ النِّيَابِ الْمُصَبَّغَةِ. في الإحرام) فيستدل بذلك على إباحة المصبوغ مطلقاً حتى يلبس المصبوغ بالطيب أيضاً، كذا في ((المحلى)). (فلا نلبسوا أيها الرهط شيئاً من هذه الثباب المصبغة) فأنكر عليه ثانياً لمّا ذكره من أنه إمامٌ يقتدي به الناس في لبس المصبوغ، ويحكون عنه مثل هذا، ولا يُفَرِّقُون بينه وبين الممنوع. قال الباجي: وهذا أصل في أن الإمام المقتدى به يلزمه أن يكف عن بعض المباح المشابه للمحظور، ولا يفرق بينهما إلا أهل العلم، لئلا يقتدي به من لا يعرفه. وفي ((الشرح الكبير))(١): كره مصبوغ بعصفر أو نحوه من كل ما لا طيب فيه، لكنه يشبه ذا الطيب المقتدى بهم من إمام أو عالم خوف تطرق الجاهل إلى لبس المحرم، انتهى. قال الدسوقي: قوله: ((مصبوغ بعصفر)) أي إذا كان غير المُفْدَمُ وإلا فحرم، كالمطيب، والمُفْدَمُ: القوي الصبغ الذي رُدَّ في العصفر مرة بعد أخرى. وقوله: يشبه ذا الطيب إنما قُيِّدَ بذلك لإخراج ما صُبغ بغير ذي الطيب، وكان صبغه لا يشبه صباغ ذي الطيب، كالأسود ونحوه من الألوان التي لا تشبه لون العصفر، فإنه يجوز في الإحرام للمقتدى به وغيره، خلافاً للقرافي القائل بكراهة ما سوى الأبيض للمقتدى به، انتهى. وسيأتي في الأثر الآتي ما في (البدائع))(٢) من أن إنكار عمر - رضي الله عنه - كان لظن أنه معصفر، ومال ابن العربي في ((العارضة))(٣) أن الإنكار كان على مجرد الصبغ، إذ قال: ورأى (١) (١٥٩/٢) المُقْدَمُ: بضم الميم وسكون الفاء وفتح الدال المهملة. (٢) ((بدائع الصنائع)) (١٨٥/٢). (٣) ((عارضة الأحوذي)) (٥٤/٤). ٣٨١ ٢٠ - كتاب الحج (٤) باب (٧٠٣) حديث ١١/٧٠٣ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ هِشَام بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ؛ أَنَّهَا كَانَتْ تَلْبَسُ النِيَابَ الْمُعَصْفَرَاتِ الْمُشَبَّعَاتِ وَهِيَ مُحْرِمَةٌ، لَيْسَ فِيهَا زَعْفَرَانٌ. عمر - رضي الله عنه - على طلحة ثوباً مصبوغاً بمدر، فأنكر ذلك، فأفاد هذا مسألة أن المصبغ مكروه في الحج، وإنما هو البياض، كما ندب عليه السلام إلى الكفن في الثياب البيض، كذلك يجري الندب في الإحرام، لأنه يشبهه بالبعث، انتهى. ١١/٧٠٣ - (مالك، عن هشام بن عروة عن أبيه) عروة بن الزبير (عن) أمه (أسماء بنت أبي بكر) الصديق - رضي الله عنهما - (أنها كانت تلبس الثياب المعصفرات) أي المصبوغة بالعصفر، وهو بضم عين وسكون صاد مهملتين، فضم فاء آخره راء، يقال له بالفارسية: ((بهرم))، و ((كابيشه))، وبالهندية: ((كُمْ)) و ((كسنبه)) (المشبَّعات) ضبطه الشيخ سلام الله في ((المحلى))، بتشديد الموحدة المفتوحة، وفي ((لسان العرب)): أشبع الثوب وغيره: روّاه صبغاً، وكل شيء توفره فقد أشبعته (وهي محرمة، ليس فيها زعفران). قال الباجي(١): هذا الحديث يدل على استباحتها للمعصفرات المشبعات، ولعله كان من المقدم الذي لا ينتفض على الجسد منه شيء، وقد روى ابن حبيب عن مالك في المعصفر المقدم: لا بأس أن تلبسه المحرمة ما لم ينتفض منه عليها شيء، وأما المحرم فلا يلبس المقدم وإن لم ينتفض منه شيء، وقد روى ابن عبدوس عن أشهب: أنه كره لباس المعصفر وإن كان لا ينتفض، وبقولنا قال أبو حنيفة: إنه كره المعصفر المقدم للرجال والنساء، وقال الشافعي: هو مباح على كل حال، والدليل على ما نقوله أن هذا صبغ له ردغ، على الجسد يحصل الاستمتاع منه بالزينة والرائحة، فكان المحرم ممنوعاً من لبسه كالمصبوغ بالزعفران والورس، انتهى. .... .. (١) ((المنتقى)) (١٩٨/٢). ٣٨٢ ٢٠ - كتاب الحج (٤) باب (٧٠٣) حديث قلت: اختلفت نقلة المذاهب في بيان مسلك الإمام مالك - رضي الله عنه - في العصفر، وتوهموا في ذلك لما أن في مسلكه - رضي الله عنه - تفصيلاً، ففي ((المدونة))(١): قلت لابن القاسم: بل كان مالك يكره الثوب المصبوغ بالعصفر للرجال والنساء أن يحرموا فيه، قال: قال مالك: أكره الثوب المقدم بالعصفر للرجال والنساء أن يحرموا في ذلك، لأنه ينتفض، قال: وكرهه أيضاً للرجال في غير الإحرام، قلت لابن القاسم: أيَّ الصبغ كان يكرهه مالك؟ قال: الورس والزعفران والمعصفر المقدم الذي ينتفض، ولم يكن يرى الممشق والمورد بأساً، انتهى. وقال ابن رشد (٢): اختلفوا في المعصفر فقال مالك: ليس به بأس، فإنه ليس بطيب، وقال أبو حنيفة والثوري: هو طيب وفيه الفدية، انتهى. قلت: هذا يخالف كلام الباجي، وفي ((الشرح الكبير)): يكره مصبوغ بعصفر ونحوه من كل ما لا طيب فيه، ولكنه يشبه ذا الطيب لمقتدى بهم من إمام أو عالم، قال الدسوقي، هذا إذا كان غير مقدم، وإلا حُرِّمَ كالمطيّب، والمقدم القوي الصبغ الذي رُدّ في العصفر مرة بعد أخرى، انتهى. وعُلِم من هذا كله أن العصفر عند الإمام مالك ليس بطيب لكن يحرم المعصفر المقدم لأجل اللون، وسيأتي في آخر الباب أن بعض اللون أيضاً من المحظور عند الإمام مالك، وقال ابن العربي في ((العارضة))(٣): نهى النبي وَالهول عن لبس المعصفر على الإطلاق، فإن لبسه في الإحرام لم تكن عليه فدية، لأن العصفر ليس طيباً، وإنما كره العصفر، لأنه ينفض، فإنه نوع من التلويث، لما يكون معه من ثوب وللبدن، انتهى. (١) ((المدونة)) (٢٩٥/١). (٢) ((بداية المجتهد)) (١/ ٣٢٧). (٣) ((عارضة الأحوذي)) (٥٥/٤). ٣٨٣ ٢٠ - كتاب الحج (٤) باب (٧٠٣) حديث وأما مسالك باقي الأئمة ففي ((الهداية))(١): ولا يلبس ثوباً مصبوغاً بورس ولا زعفران ولا عصفر، وقال الشافعي - رحمه الله -: لا بأس بلبس المعصفر، لأنه لون لا طيب له، ولنا، أن له رائحة طيبة، قال ابن الهمام: فمبنى الخلاف على أنه طيب الرائحة أم لا؟ فقلنا: نعم، فلا يجوز، انتهى. قلت: وبقول الحنفية قال الثوري كما في ((شرح النقاية)) للقاري، وبقول الشافعية قال أحمد كما في ((البناية)) و((شرح الإحياء)): أنه جعل للطيب أنواعاً، وقال في جملتها: ومنها: ما ينبت بنفسه ولا يستنبت كالشيح والقيصوم، فلا تتعلق بها الفدية، وكذا العصفر، وبه قال أحمد، انتهى. وكذا بسط هذه الأنواع الموفق(٢) فقال: النبات الذي تستطاب رائحته على ثلاثة أضرب، أحدها: ما لا ينبت للطيب، ولا يتّخذ منه كنبات الصحراء من الشِّيحِ، والقَيْصُوم، والفواكه كلها، وما ينبته الآدميون لغير قصد الطيب كالحنّاء والعصفر، فمباح شمُّه، ولا فدية فيه، وقد روي أن أزواج النبي ◌َّل كن يحرمن في المعصفرات. الثاني: ما ينبته الآدميون للطيب ولا يتخذ منه طيب، كالريحان والنرجس، ففيه وجهان: أحدهما: يباح بغير فدية، وثانيهما: عليه الفدية، والثالث: ما ينبت للطيب، ويتّخذ منه طيب كالورد، والبنفسج، فهذا إذا استعمله، وشمّه ففيه الفدية، انتهى. قال ابن الهمام(٣): ومذهبنا مذهب عائشة - رضي الله عنها - في ذلك والنص المذكور في أول الباب ورد بمنع المورس، وهو دون المعصفر في (١) ((الهداية مع فتح القدير)) (٣٤٨/٢). (٢) («المغني)) (١٤١/٥). (٣) (فتح القدير)) (٣٤٩/٢). ٣٨٤ ٢٠ - كتاب الحج (٤) باب (٧٠٣) حديث ٠ ٠٠٠ الرائحة، فيمنع المعصفر بطريق أولى، وما في أبي داود عن ابن عمر - رضي الله عنه - أنه سمع رسول اللّه ◌َ﴾: ((نهى النساء في إحرامهن عن القفّازين، والنقاب، وما مسّ الورس والزعفران من الثياب، ولتلبس بعد ذلك ما أحبت من ألوان الثياب معصفراً أو خزاً)) الحديث. فالجواب المحقق إن شاء الله أن نقول: ((ولتلبس بعد ذلك)) إلى آخره مدرج، فإن المرفوع صريحاً هو قوله: ((سمعته ينهى عن كذا))، وقوله: ((ولتلبس بعد ذلك)) ليس من متعلقات، ولا يصح جعله عطفاً على ((ينهى)) لكمال الانفصال بين الخبر والإنشاء، فكان الظاهر أنه مستأنفٌ من كلام ابن عمر - رضي الله عنهما - فتخلو تلك الدلالة عن المعارض الصريح أعني منطوق المورس ومفهومه الموافق فيجب العمل به، انتهى. وفي ((البدائع))(١): لا يُلْبس المعصفر عندنا، وقال الشافعي: يجوز، واحتجّ بما روي أن عائشة - رضي الله عنها - لبست الثياب المعصفرة وهي محرمة، وروي أن عثمان - رضي الله عنه - أنكر على عبد الله بن جعفر لبس المعصفر في الإحرام، فقال علي: ما أرى أن أحداً يُعَلِّمُنا السنة. ولنا،. ما روي أن عمر(٢) - رضي الله عنه - أنكر على طلحة لبس المعصفر في الإحرام، فقال طلحة: إنما هو ممشق بمغرة، فقال عمر - رضي الله عنه -: إنكم أئمة يقتدى بكم، فدل إنكار عمر واعتذار طلحة، على أن المحرم ممنوع من ذلك. وفيه إشارة إلى أن الممشق مكروه أيضاً، لأنه قال: ((إنكم أئمة يقتدى بكم)) أي من شاهد ذلك ربما يظن أنه مصبوغ بغير المغرة، فيعتقد الجواز، فكان سبباً للوقوع في الحرام، فيكره، وأما حديث عائشة، فروي عنها: ((أنها (١) (بدائع الصنائع)) (٤٠٧/٢). (٢) أخرج البيهقي هذا الحديث في ((السنن الكبرى)) (٦٣/٥). ٣٨٥ i ٢٠ - كتاب الحج (٤) باب (٧٠٣) حدیث قَالَ يَحْيَى: سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ ثَوْبِ مَسَّهُ طِيبٌ. ثُمَّ ذَهَبَ مِنْهُ رِيحُ الطَّبِ، هَلْ يُحْرِمُ فِيهِ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، مَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ صِبَاعٌ : زَعْفَرَانٌ أَوْ وَرْسٌ. كرهت المعصفر في الإحرام)»، ويحمل على المصبوغ بمثل المعصفر كالمغرة ونحوها، وهو الجواب عن قول علي - رضي الله عنه - على أنه معارض لقول عثمان وهو إنكاره، فسقط الاحتجاج، كذا في ((البذل)) (١)، وما روي عن عائشة من لبس المعصفر عّقه البخاري. (قال يحيى: سئل مالك عن ثوب مسّه طيب، ثم ذهب منه ريح الطيب) بالغسل أو غيره (هل يحرم فيه؟) بضم الياء أي هل يجوز الإحرام فيه؟ (قال) مالك - رضي الله عنه -: (نعم) يجوز (ما لم يكن فيه صِبَاغْ) من (زعفران أو ورس). قال الباجي(٢): وهذا كما قال: إن ريح الطيب إذا ذهب من الثوب وبقي أثره، فإنه لا يمنع المحرم من لبسه، لأن منع الطيب المحرم إنما يتعلق بإتلافه، وبه تتعلق الفدية، فمن لم يتلف شيئاً منه فلا شيء عليه، وإن شمّ ريحه، ولذلك لا تجب على المحرم فدية إذا مرّ على العطارين، فشَمّ رائحة الطيب، لكن شم رائحة الطيب مكروهة له في الجملة، لأنها من دواعي النكاح، فإذا زال من الثوب ريح الطيب، ولم تكن في لونه زينة كلون الزعفران والورس، أو كان مما في لونه زينة، فزال اللون بالغسل، فلا مانع يمنع من الإحرام فيه، اهـ. وقال أيضاً في موضع آخر: نهى رسول الله وَّر أن يلبس المحرم ثوباً مصبوغاً بزعفران أو ورس دون سائر أنواع الصباغ، وأفضل لباس المحرم البياض، فإن كان مصبوغاً، فيجنب المصبوغ بالزعفران أو الورس، يجتنبه (١) ((بذل المجهود)) (٥٤/٩). (٢) ((المنتقى)) (١٩٨/٤). ٣٨٦ ------ - ٢٠ - كتاب الحج (٤) باب (٧٠٣) حديث الرجال والنساء لما فيه من الطيب، والصبغ الذي يستعمله غالباً للتجمل، وهذان المعنيان ينافيان الإحرام، فمن لبسه من الرجال والنساء فعليه الفدية. وأما المصبوغ بالمعصفر فعلى ضربين: مقدم، ومورد، فأما المقدم ممنوع للرجال والنساء، لأن المبالغة في صبغه لا تتحقق غالباً إلا للتجمل، ولما فيه من مشابهة الزعفران والورس إلى آخر ما قاله، وفي ((المدونة))(١): كان مالك - رضي الله عنه - يكره الثياب المصبوغة بالورس والزعفران، وإن كان قد غسل إلا أن يكون ذهب لونه، فلم يبق فيه من لونه شيء. وحاصل هذه العبارات أن المحظور شيئان: الطيب، ولون الزينة، كلون الزعفران، فإذا كان الثوب مصبوغاً بشيء فيه ريح فقط، وزال، يجوز الإحرام فيه، وإذا كان مصبوغاً في نحو الزعفران، فلا يجوز الإحرام فيه، بمجرد زوال الريح، حتى يزول اللون أيضاً، وعُلِمَ أيضاً أن من حكى من شراح الحديث أنه لا يكفي زوال الريح، وغسل الثوب عند المالكية ليس على إطلاقه. قال الحافظ(٢): قال ابن العربي: ليس الورس بطيب، لكنه نبَّه به على اجتناب الطيب وما يُشْبهه في ملاءمة الشمّ، فيؤخذ منه تحريم أنواع الطيب على المحرم، وهو مجمع عليه فيما يقصد به التطيب. واستدل بقوله: ((مسّه طيب)) على تحريم ما صبغ كله أو بعضه، ولو خفيت رائحته، وقال الشافعية: إذا صار الثوب بحيث لو أصابه الماء لم تفح له رائحة لم يمنع، والحجة فيه حديث ابن عباس عند البخاري بلفظ: ((ولم ينه عن شيء من الثياب إلا المزعفرة التي تردع الجلد)) وأما المغسول فقال الجمهور: إذا ذهبت الرائحة جاز خلافاً لمالك، واستدل لهم بما روى (١) ((المدونة)) (٢٩٥/١). (٢) ((فتح الباري)) (٤٤/٣). ٣٨٧ ٢٠ - كتاب الحج (٤) باب (٧٠٣) حديث أبو معاوية عن عبيد الله بن عمر عن نافع في هذا الحديث: ((إلا أن يكون غسيلاً)) أخرجه يحيى بن عبد الحميد الحِمِّاني في ((مسنده)) عنه. وروى الطحاوي عن أحمد بن أبي عمران: أن يحيى بن معين أنكره على الحِمَّاني، فقال له عبد الرحمن بن صالح الأزدي: قد كتبته عن أبي معاوية، وقام في الحال، فأخرج له أصله، فكتبه عنه يحيى بن معين، قال الحافظ : وهي زيادة شاذة، لأن أبا معاوية وإن كان متقناً، لكن في حديثه عن غير الأعمش مقالٌ، قال أحمد: أبو معاوية مضطرب الحديث في عبيد الله، ولم يجئ بهذه الزيادة غيره، قال الحافظ: والحِمَّاني ضعيف، وعبد الرحمن الذي تابعه فيه مقال، اهـ. وقال العيني(١): لبس الثوب الذي مسّه ورس أو زعفران، أطلق حرمته جماعةٌ، منهم مجاهد وهشام بن عروة وعروة بن الزبير ومالك في رواية ابن القاسم عنه. فإنهم قالوا: كل ثوب مسّه ورسٌ أو زعفران لا يجوز لبسه للمحرم، سواء كان مغسولاً أو لم يكن لإطلاق الحديث، وإليه ذهب ابن حزم الظاهري، وخالفهم جماعة وهم: سعيد بن جبير وسفيان الثوري وأبو حنيفة ومالك والشافعي وأبو يوسف ومحمد، فإنهم أجازوا للمحرم لبس الثوب المصبوغ بالورس أو الزعفران إذا كان غسيلاً . وقال أيضاً في موضع آخر: (٢) حكى إمام الحرمين فيما إذا بقي اللون فقط وجهين مبنيين على الخلاف في أن مجرد اللون هل يعتبر؟ قال الرافعي: والصحيح أنه لا يعتبر. وقال أصحابنا: ما غسل من ذلك حتى صار لا ينفض فلا بأس بلبسه في الإحرام، وهو المنقول عن سعيد بن جبير وعطاء بن أبي (١) ((عمدة القاري)) (٣١٥/٢). (٢) ((عمدة القاري)) (٦٠/٧). ٣٨٨ ٢٠ - كتاب الحج (٤) باب (٧٠٣) حدیث رباح والحسن البصري وطاووس وقتادة وإبراهيم النخعي والثوري وأحمد وإسحاق وأبي ثور، والتعويل على زوال الرائحة حتى لو كان لا يتناثر صبغه، ولكن يفوح ريحه يمنع، لأن ذلك دليل بقاء الطيب. ثم ذكر العيني حديث أبي معاوية المذكور، وقال بعد ذلك: فإن قلت: ما حال هذه الزيادة؟ أعني قوله: ((إلا أن يكون غسيلاً)) قلت: صحيح، لأن رجاله ثقات، وروى بهذه الزيادة أبو معاوية الضرير وهو ثقة ثبت، فإن قلت: قال ابن حزم: ولا نعلمه صحيحاً، وقال أحمد بن حنبل: أبو معاوية مضطرب الحديث، قلت: كفى لصحة هذا الحديث شهادة عبد الرحمن وكتابة يحيى بن معين ورواية أبي معاوية . وأما قول ابن حزم: ((لا نعلمه صحيحاً)) فهو نفي لعلمه، وهذا لا يستلزم نفي صحة الحديث في علم غيره، وقد روى أحمد في ((مسنده)) من حديث ابن عباس حديثاً يدل على جواز لبس المزعفر للمحرم، إذا لم يكن فيه نفض ولا ردع، انتهى. قال الزيلعي (١): قال الطحاوي: وقد روي ذلك عن جماعة من المتقدمين، ثم أخرج عن سعيد بن المسيب وطاووس وإبراهيم النخعي قالوا: في الثوب يكون فيه ورس أو زعفران، فغسل أنه لم ير به بأساً أن يحرم فيه، وأخرج البزار في ((مسنده)) عن عطاء نحوه، وأخرج إسحاق بن راهويه (٢)، وابن أبي شيبة، والبزار، وأبو يعلى الموصلي في مسانيدهم عن عكرمة عن ابن عباس عن النبي ◌َّ قال: ((لا بأس أن يحرم الرجل في ثوبٍ مصبوغ بزعفران قد غُسل، وليس له نفض ولا ردع)) (٣)، انتهى. (١) «نصب الراية)) (٢٩/٣). (٢) ذكره الهيثمي في ((مجمع الزوائد» (٢١٩/٣). (٣) قوله: ردع: أثر الخلوق والطيب ونحوه، يريد ذهاب أثر الصبغ من الثوب. ٣٨٩ ٢٠ - كتاب الحج (٥) باب (٧٠٤) حديث (٥) باب لبس المحرم المنطقة ١٢/٧٠٤ - حَدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنْ نَافِع؛ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَكْرَهُ لُبْسَ الْمِنْطَقَةِ لِلْمُحْرِمِ. (٥) لبس المحرم المنطقة بكسر الميم، وهي حزام مثل الكيس يجعل فيه الدراهم، كذا في ((الشرح الكبير))، وفي ((الممجد)) (١): عن القاري بكسر الميم وفتح الطاء ما يشدّ به الوسط . ٧٠٤/ ١٢ - (مالك، عن نافع أن عبد الله بن عمر) - رضي الله عنهما - (كان يكره لبس المنطقة للمحرم) قال الباجي(٢): يحتمل أن يريد لبسها لغير حاجة إليها، لأن المنطقة مما تستعمل، وتشدّ على الجسد ليترفه بلبسها، فلا يجوز للمحرم لبسها على ذلك الوجه، فإن لبسها لحاجته كحمل نفقته، ولم يترفه في لبسها بشدّ إزاره، وإنما شدّها تحت إزاره فلا بأس بذلك ولا فدية عليه، لأن ذلك مما تدعو الضرورة إليه ولا بدل لها من الملبوس المعتاد، وإن شدَّ المنطقة لغير الوجه الذي ذكرنا، أو شدَّها لذلك فوق إزاره، فعليه الفدية، انتھی . وفي ((الشرح الكبير))(٣) للدردير: جاز شدُّ منطقةٍ لنفقته على جلده، أي تحت إزاره لا فوقه، وجاز إضافة نفقة غيره لنفقته، وإلا بأن شدَّها لا لنفقة له، بل فارغة، أو للتجارة، أو لغيره فقط، أو شدّه لا على جلده بل فوق إزاره، فقدية، انتهى. قال الدسوقي: المراد بشدّها إدخال سيورها أو خيوطها في أثقابها أو في الكَلَّابِ، أما لو عقدها على جلده افتدى كما يفتدي لو شدَّها فوق الإزار، انتهى. (١) ((التعليق الممجد)) (٣١٨/١). (٢) ((المنتقى)) (١٩٨/٢). (٣) (٥٨/٢). ٣٩٠ ٢٠ - كتاب الحج (٥) باب (٧٠٥) حدیث ١٣/٧٠٥ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ؛ أَنَّهُ سَمِعَ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ يَقُولُ، فِي الْمِنْطَقَةِ يَلْبَسُهَا الْمُحْرِمُ تَحْتَ ثِيَابِهِ: إِنَّهُ لَا بَأْسَ بِذْلِكَ، إِذَا جَعَلَ طَرَفَبْهَا جَمِيعاً سُيُوراً يَعْقِدُ بَعْضَهَا إِلَى بَعْضٍ. قَالَ مَالِكٌ: وَهُذَا أَحَبُّ مَا سَمِعْتُ إِلَيَّ فِي ذَلِكَ. ١٣/٧٠٥ - (مالك، عن يحيى بن سعيد) الأنصاري (أنه سمع سعيد بن المسيب يقول في المنطقة يلبسها المحرم تحت ثيابه) قال الباجي: خص بذلك لئلا يلبسها فوق ثيابه، فيترفّه بشدّها ثيابه، وذلك ممنوع على ما قدمناه (إنه) بكسر الهمزة (لا بأس بذلك) أي يجوز (إذا جعل في طرفيها) أي في جانبيها (جميعاً سيوراً) جمع سير بالفتح من الجلود (يعقد بعضها إلى بعض). قال الباجي(١): يريد أن يكون في كل واحد من طرفيها سير فيعقد أحدهما إلى الآخر، وهذا نوع من شدِّها، ولو كان في أحد طرفيها سيور، وفي الآخر ثقب يدخل فيها السير، ويشدّ لما كان به بأس، ذكره ابن المواز، انتهى . (قال مالك: وهذا أحب(٢) ما سمعت إليّ في ذلك) قلت: وقد عرفت توضيح مسلك المالكية في ذلك، وفي ((الهداية)): لا بأس بأن يشدّ في وسطه الهميان، وقال مالك: يكره إذا كان فيه نفقة غيره، لأنه لا ضرورة، ولنا أنه ليس في معنى لبس المخيط، فاستوت فيه الحالتان، انتهى. قال العيني في ((البناية)): يعني نفقته ونفقة غيره، قال ابن المنذر: ورخص (١) ((المنتقى)) (١٩٨/٢). (٢) قال ابن عبد البر: يعني ما رواه عن سعيد بن المسيب لا ما رواه عن ابن عمر، وما حسبه مالك في هذا الباب، هو الذي عليه جماعة العلماء من الصحابة والتابعين وغيرهم من المفتين، ((الاستذكار)) (١١/ ٤٢). ٣٩١ ٢٠ - كتاب الحج (٦) باب (٦) باب تخمير المحرم وجهه في الهميان والمنطقة للمحرم ابن عباس وسعيد بن المسيب وعطاء وطاووس ومجاهد والقاسم والنخعي والشافعي وأحمد، وإسحاق وأبو ثور أجمعون غير أن إسحاق قال: ليس له أن يعقد بل يدخل بسيور بعضها في بعض، انتهى. قال ابن عبد البر: لا يكره عند فقهاء الأمصار، وأجازوا عقده إذا لم يكن إدخال بعضه في بعض، ولم ينقل كراهته إلا عن ابن عمر، وعنه جوازه، ومنع إسحاق عقده، وكذا سعيد بن المسيب عند ابن أبي شيبة، انتهى. وفي ((المحلى)): قيل: تفرد إسحاق بذلك. (٦) تخمير المحرم وجهه بالخاء المعجمة أي تغطيته، قال الراغب: أصل الخمر ستر الشيء، ويقال لما يستربه: خِمار، لكن الخِمار صار في التعارف اسماً لما تُغَطّ به المرأةُ رأسها. وخَمَّرَتَ الإناء غَطَيْتَه وأخمرتَ العجين جعلتَ فيه خميراً، انتهى. قال العيني(١): ذهب إلى جواز تغطية الرجل المحرم وجهه عثمان بن عفان وزيد بن ثابت ومروان بن الحكم ومجاهد وطاووس، وإليه ذهب الشافعي وجمهور أهل العلم، وذهب أبو حنيفة ومالك - رحمهما الله - إلى المنع من ذلك، لحديث ابن عباس في المحرم الذي وَقَصَتْه ناقتُه، فقال ◌َ: ((لا تُخَمِّرُوا وجهه ولا رأسه)) رواه مسلم، ورواه النسائي بلفظ: ((وكَفِّنوه في ثوبين خارجاً وجهه ورأسه)). وفي المسألة قول ثالث: روي عن عطاء بن أبي رباح التفرقة بين أعلى الوجه وأسفله، فروي عنه: يُغَطّ المحرم وجهه ما دون الحاجبين، وفي رواية: ما دون عينيه، ويحتمل أن يريد بذلك الاحتياط لكشف الرأس، انتهى بتغير، (١) انظر: ((عمدة القاري)) (٦٥/٧). ٣٩٢ ٢٠ - كتاب الحج (٦) باب وبقول الشافعي - رضي الله عنه - قال أحمد في المشهور عنه، كما في ((البناية)). والرواية الثانية موافقة للحنفية كما في ((شرح المناسك)) للقاري، وابن قدامة في ((المغني)) (١) رجح الأولى، وذكر ابن القيم أيضاً روايتي أحمد، ولم يرجح إحداهما على الأخرى، وذكر في المسألة قولاً آخر، وعزاه إلى الشذوذ، وهو وإن كان حياً، فله تغطية وجهه، وإن كان ميتاً لم يجز، قاله ابن حزم، وهو اللائق بظاهريته، انتهى. وقال الحافظ: قال أهل الظاهر: يجوز للمحرم الحي تغطية وجهه، ولا يجوز للمحرم الذي يموت عملاً بالظاهر في الموضعين، انتهى. قال ابن الهمام(٢): ولنا ما أخرجه مسلم والنسائي وابن ماجه عن ابن عباس في رجل وَقَصَتْه راحلتُه وهو محرم، فقال ◌َّ: ((لا تُخَمِّروا رأسه ولا وجهه، فإنه يُبعث يوم القيامة ملبياً)). أفاد أن للإحرام أثراً في عدم تغطية الوجه، وإن كان أصحابنا قالوا: لو مات المحرم يغطى وجهه لدليل آخر، ورواه الباقون ولم يذكروا فيه الوجه، ولذا قال الحاكم: فيه تصحيف، فإن الثقات من أصحاب عمرو بن دينار على رواية عنه: ((ولا تُغَطُّوا رأسه))، وهو المحفوظ. ودُفع بأن الرجوع إلى مسلم والنسائي أولى منه إلى الحاكم، فإنه كان يهم كثيراً، وكيف يقع التصحيف، ولا مشابهة بين حروف الكلمتين، ثم مقتضاه أن يقتصر على ذكر الرأس، وهي رواية في مسلم، لكن في الرواية الأخرى جمع بينهما، فتكون تلك اقتصاراً من الراوي، فيقدم على معارضه من مروي الشافعي في ((مسنده))، لأنه أثبت إسناداً، انتهى. (١) («المغني)) (١٥٣/٥). (٢) ((فتح القدير)) (٣٤٧/٣). ٣٩٣ ٢٠ - كتاب الحج (٦) باب (٧٠٥م) حدیث ٧٠٥م/ ١٣ - حَدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنِ الْقَاسِمَ بْنِ مُحَمَّدٍ، أَنَّهُ قَالَ: أَخْبَرَنِي الْفُرَافِصَةُ بْنُ عُمَيْرِ الحَنَفِيُّ: أَنَّهُ رَأَى عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ بِالْعَرْجِ، يُغَطِّي وَجْهَهُ وَهُوَ مُحْرِمٌ. قال الحافظ في ((الفتح)) (١): قالوا: إن في ثبوت ذكر الوجه مقالاً، وتردد ابن المنذر في صحته، وقال البيهقي: ذكر الوجه غريب وهو وهم من بعض رواته، أو في كل ذلك نظر، فإن الحديث ظاهر الصحة، ثم ذكر طرقه الذي فيه ذكر الوجه أيضاً، واستدل الحنفية بأثر ابن عمر - رضي الله عنهما - الآتي أيضاً . ٧٠٥م/ ١٣ - (مالك، عن يحيى بن سعيد) الأنصاري (عن القاسم بن محمد) بن أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - (أنه قال: أخبرني الفُرافصة) بضم الفاء الأولى فراء فألف ففاء فصاد مهملة أو بفتح الأولى كما تقدم ضبطه في محله (ابن عمير) مصغراً، (الحنفي أنه رأى عثمان بن عفان) - رضي الله عنه - (بالعرج) بفتح العين المهملة وإسكان الراء آخره جيم، على ثلاث مراحل من المدينة (يُغَطِّي وَجْهَه وهو محرم). قال الباجي(٢): يحتمل أن يكون فعل - رضي الله عنه - ذلك لحاجته إليه، ويحتمل أنه فعله، لأنه رآه مباحاً، وقد خالفه ابن عمر وغيره، فقالوا: لا يجوز للمحرم تغطيته، وإلى ذلك ذهب مالك. وإنما ذكر فعل عثمان - رضي الله عنه -، وذكر الخلاف عليه ليكون للمجتهد طريق إلى الاجتهاد بظهور الخلاف إليه، ووقوفه عليه، انتهى. ... قلت: والأوجه عندي أن النبي ◌ّلو كان رخص له لاشتكاء عينه كما سيأتي في كلام السرخسي، لكنه - رضي الله عنه - حمله على العموم. (١) ((فتح الباري)) (٥٤/٤). (٢) ((المنتقى)) (١٩٩/٢). ٣٩٤ --------- ٢٠ - كتاب الحج (٦) باب (٧٠٥م - ٧٠٦) حدیث ٧٠٥م/ ١٣ - وحدّثني عَنْ مَالِكٍ، عَنْ نَافِع؛ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ ◌ُمَرَ كَانَ يَقُولُ: مَا فَوْقَ الذَّقَنِ مِنَ الرَّأْسِ، فَلا يُخَّمِّرُهُ الْمُحْرِمُ. ١٤/٧٠٦ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ نَافِع؛ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَفَّنَ ابْنَهُ، وَاقِدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، ٧٠٥م/ ١٣ - (مالك، عن نافع أن عبد الله بن عمر) - رضي الله عنهما - (كان يقول: ما فوق الذقن) بفتح الذال المعجمة والقاف، مجتمع لحيي الإنسان (من الرأس، فلا يخمره) بشد الميم أي لا يغطيه (المحرم) وفي ((موطأ محمد» بعد ذلك: قال محمد: وبقول ابن عمر نأخذ وهو قول أبي حنيفة والعامة من فقهائنا، انتهى. قال الباجي: وإلى هذا ذهب مالك، وحكى القاضي أبو محمد لمتأخري أصحابنا في ذلك قولين الكراهية والتحريم. فإن غطى المحرم وجهه فعليه الفدية أم لا؟ قال ابن القاسم: لم أسمع من مالك في ذلك شيئاً (١)، وقال الباجي بعد ذكر الاختلاف: فتحصيل المذهب أننا إن قلنا: بتحريم التغطية فعليه الفدية، وإن قلنا: بكراهيتها دون التحريم فلا فدیة فیه، انتهى. قلت: ومختار فروع المالكية التحريم، كما صرح به في ((الشرح الكبير)) و ((الأنوار))(٢) وغيرهما، وعند الحنفية: لو غطى جميع وجهه بمخيط أو غيره يوماً وليلة فعليه دم، وفي الأقل من يوم صدقة كما بسط في الفروع. ١٤/٧٠٦ - (مالك، عن نافع أن عبد الله بن عمر كفن) فعل ماض من التكفين (ابنه واقد) بالقاف (ابن عبد الله) بن عمر - رضي الله عنهما - أمه صفية بنت أبي عبيد الثقفية، اختلف في صحبتها، تزوّجها عبد الله في خلافة عمر - رضي الله عنه -، روي عن ابن عمر - رضي الله عنهما - قال: أَصْدَقَ عني (١) انظر: ((الاستذكار)) (٤٤/١١ - ٥٠)، و((المحلى)) (١٥١/٧)، و((المجموع)) (١٦٣/٥). (٢) (ص ٦٥٠). ٣٩٥ ٢٠ - كتاب الحج (٦) باب (٧٠٦) حديث وَمَاتَ بِالْجُحْفَةِ مُحْرِماً. وَحَمَّرَ رَأْسَهُ وَوَجْهَهُ. وَقَالَ: لَوْلَا أَنَّا حُرُمٌ لَطَيِّبْنَاهُ . عمر - رضي الله عنه - صفية أربعمائة، وزدت أنا سراً منه مائة درهم، وهي التي أُخْبِرَ ابنُ عمر - رضي الله عنهما - بما بها، فأسرع السيرَ وجمع بين الصلاتين، ولدت لابن عمر - رضي الله عنهما - واقداً وأبا بكر وأبا عبيدة وعبيد الله وعمر وحفصة وسودة، كذا في ((الإصابة))(١). وقال الحافظ في ((الفتح))(٢): توهم بعض المتأخرين أن لواقدٍ هذا صحبة، وأنه صاحب القصة التي وقعت في زمن النبي ◌َّر في سقوط محرم عن الناقة وليس كما ظن، فإن واقداً المذكور لا صحبة له، إنما تزوج أمّه أبوه في خلافة أبيه عمر - رضي الله عنه -، انتهى. وأخرج ابن سعد في الطبقة الثانية من تابعي أهل المدينة بسنده عن الزهري قال: مات واقد بالسُّقيا وهو محرم، فكفَّنَه ابن عمر - رضي الله عنهما - في خمسة أثواب فيها قميص وعمامة، وأخرج بسنده عن نافع قال: مات واقد بالسُّقيا فصلى عليه ابن عمر، ودفنه، ثم دعا الأعراب. فجعل يُسَبِّقُ بينهم، فقلت: دفنت واقداً الساعة، وأنت تسبق بين الأعراب، قال: ويحك يا نافع إذا رأيت الله قد غلب على أمر قاله عنه، انتهى. (ومات) واقد (بالجُحفة) بضم الجيم وإسكان الحاء وفتح الفاء، وتقدم قريباً عن ابن سعد أنه مات بالسقيا (محرماً) حكى الحافظ في ((الفتح)) عن كتاب ((المغازي)) لابن قتيبة: أنه وقع عن بعيره وهو محرم فهلك (وقال: لولا أنا حرم) بضمتين أي محرمون (لطيبناه) أي بنوع من الطيب، وعُلِم بذلك أن إحرام واقد انقطع بالموت (و) لذا (خَمَّرَ رأسَه وَوَجْهَه) أي غطّاهما. (١) (١٣١/٨). (٢) انظر: ((فتح الباري)) (٥٥/٤). ٣٩٦ ٢٠ - كتاب الحج (٦) باب (٧٠٦) حديث قَالَ مَالِكٌ: وَإِنَّمَا بَعْمَلُ الرَّجُلُ مَا دَامَ حَيّاً، فَإِذَا مَاتَ فَقَدٍ انْقَضَى الْعَمَلُ. وتقدم في الجنائز أنه - رضي الله عنه - كَفَّنَه في خمسة أثواب؛ قميص، وعمامة، وثلاث لفائف، ووقع التقديم والتأخير في سياق الرواية بين نسخ ((الموطأ))، وفي النسخ المصرية قوله: ((خَمَّر رأسه ووجهه))، مقدم على قوله: ((وقال: لولا أنا حرم .. )) إلخ. (قال مالك: وإنما يعمل الرجل) بالأعمال (ما دام حياً، فإذا مات فقد انقضى العمل) فانقطع إحرامه أيضاً، وما روي عن ابن عباس - رضي الله عنهما - مرفوعاً في قصة مُحْرِم وَقَصَتْه دابته، فواقعة عين لا عموم لها، لأنه علّل ذلك بقوله: ((فإنه يبعث ملبياً)) وهذا لا يتحقق في غيره، فيكون خاصاً بذلك الرجل، ولو استمر بقاؤه على إحرامه لأمر بقضاء بقية مناسكه، ولو أريد التعميم في كل محرم لقال ◌َ﴾: فإن المحرم، كما قال: ((إن الشهيد يبعث وجرحه يثعب دماً)). ومن قال: إن الأصل التعميم ففيه تعسف، إذ التخصيص ظاهر من التعليل. والعدول عن أن يقول: إن المحرم يبعث، كذا في الزرقاني(١) تبعاً للحافظ في (الفتح)) بتغيير. زاد الحافظ: واختلف في الصائم يموت هل يبطل صومه بالموت، حتى يجب قضاء صوم ذلك اليوم عنه أو لا يبطل؟، انتهى. قال العيني(٢) في حديث ابن عباس - رضي الله عنه -: احتجّ به الشافعي وأحمد، وإسحاق، وأهل الظاهر في أن المحرم على إحرامه بعد الموت، ولذا يحرم ستر رأسه وتطييبه، وهو قول عثمان وعلي وابن عباس وعطاء والثوري، وذهب أبو حنيفة ومالك والأوزاعي إلى أنه يصنع به ما يصنع بالحلال، وهو (١) ((شرح الزرقاني)) (٢٣٣/٢). (٢) ((عمدة القاري)) (٧٠/٦). ٣٩٧ ٢٠ - كتاب الحج (٦) باب (٧٠٦) حديث مرويٌّ عن عائشة وابن عمر وطاووس، لأنها عبادة شُرِعَتْ فبطلت بالموت كالصلاة والصيام، وقال ◌َّ: ((إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث))، وإحرامه من عمله، ولأن الإحرام لو بقي لطيف به، وكملت مناسكه، ولا قائل به. وما أجاب عنه الحافظ(١) بأن ذلك ورد على خلاف الأصل، فيقتصر به على مورد النص، تعقبه العيني(٢) بأنا لا نُسَلِّم أنه ورد على خلاف الأصل، كيف وقد أمر بغسله بالماء والسدر، وهو الأصل في الموتى، وأجيب عن الحديث بأنه ليس عاماً، لأنه في شخص معين، فلا يتعدى حكمه إلى غيره إلا بدليل، وقال: ((اغسلوه بسدر))، والمحرم لا يجوز غسله بسدر. وقد روى عبد الرازق عن ابن جريج عن عطاء: أن رسول الله وَل قال: ((خَمِّرُوا وجوهَهم ولا تُشَبِّهوا باليهود))، ورواه الدارقطني بإسناده عن عطاء عن ابن عباس يرفعه، وحكم ابن القطان بصحته، ولفظه: ((خمِّروا وجوه موتاكم)). وفي ((الموطأ)): أن ابن عمر - رضي الله عنهما - (خَمَّرَ وجهَ واقدٍ ابنه ورأسه)). وفي ((المصنف)) بأسانيد جياد عن عطاء قال: وسئل عن المحرم يُغَّ رأسه إذا مات؟ قيل: غَطَّى ابن عمر وكشف غيره، وقال طاووس: يُغَيَّبُ رأس المحرم إذا مات، وقال الحسن: إذا مات المحرم فهو حلال، ومن حديث مجالد عن عامر: إذا مات المحرم ذهب إحرامه، ومن حديث إبراهيم عن عائشة: إذا مات المحرم ذهب إحرام صاحبكم، وقاله عكرمة بسند جيد. وحكى ابن حزم أنه صح عن عائشة تحنيط الميت المحرم إذا مات وتطييبه وتخمير رأسه، وعن جابر عن أبي جعفر قال: ((المحرم يُغَطَّى رأسُه ولا یُکشف))، انتھی. (١) انظر: ((فتح الباري)) (١٣٧/٣). (٢) ((عمدة القاري)) (٦/ ٧٠). ٣٩٨ ٢٠ - كتاب الحج (٦) باب (٧٠٧) حديث ١٥/٧٠٧ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ نَافِع؛ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُمَرَ كَانَ يَقُولُ: لا تَنْتَقِبُّ الْمَرْأَةُ قال السرخسي: ورخّص رسول الله وَّ لعثمان - رضي الله عنه - حين اشتكت عينُه في حال الإحرام أن يُغَطّي وجهَه، فتخصيصُه حالة الضرورة بالرخصة دليلٌ على أن المحرم منهيُّ عن تغطية الوجه، ولأن المرأة لا تُغَطِّي وجهها بالإجماع مع أنها عورة مستورة، فإن في كشف الوجه منها خوف الفتنة، فلأن لا يغطى الرجل وجهه لأجل الإحرام أولى، انتهى. قلت: وما توهم بعضهم بقاء الإحرام بما روي عن جابر - رضي الله عنه - مرفوعاً: (يبعث كل عبد على ما مات عليه)) أخرجه مسلم، وغير ذلك من الروايات، فنشأ من قلة التدبر في أحكام الدنيا والآخرة، وشتان بينهما، وإلا فيجب أن لا يخرج المعتكف إذا مات عن المسجد بل يدفن فيه، والميت في حالة من أركان الصلاة يجب أن لا يضطجع في القبر، بل يجعل على حاله راكعاً أو ساجداً، أو غير ذلك من الأحكام الكثيرة المجمعة على أنه يبطل فيها أحكام الدنيا، فكذلك في كل الأعمال، إلا ما ثبت فيه بنص صريح غير محتمل للتأويل، كدم الشهيد. وقال ابن العربي في ((شرح الترمذي)): عجباً للشافعي - رضي الله عنه - يبقي حكم الإحرام بعد الموت، ولا يبقي حكم الإسلام من الطهارة بعد الموت، فيقول في قوله القديم: يتنجَّسُ بالموت، وفي ((المحلى)): يشهد لأبي حنيفة من المرفوع ما رواه الدارقطني عن عطاء مرسلاً: ((أنه منَ ◌ّ سُئِلَ عن محرم مات فقال: ((خمِّروا وجهه ورأسه ولا تُشَبِّهُوه باليهود)) وفي بعض (الموطآت)) عن عائشة أنها قالت: ((اصنعوا به ما تصنعون بموتاكم))، اهـ. ١٥/٧٠٧ - (مالك، عن نافع، أن عبد الله بن عمر) - رضي الله عنه - (كان يقول) هكذا روي في ((الموطأ)) موقوفاً، واختلف في رفعه ووقفه كما سيأتي في آخر الحديث (لا تنتقب) بفوقيتين مفتوحتين بينهما نون ساكنة، ثم قاف مكسورة، مجزوم على النهي، فتكسر لالتقاء الساكنين، ويجوز رفعه على الخبرية (المرأة ٣٩٩ ٢٠ - كتاب الحج (٦) باب (٧٠٧) حديث الْمُحْرِمَةُ، وَلَا تَلْبَسُ الْقُفَّازَيْنِ. المحرمة) أي لا تلبس النقاب، وهو الخمار الذي تشدّه المرأة على الأنف أو تحت المحاجر، وإن قرب من العين حتى لا تبدو أجفانها، فهو الوصواص بفتح الواو وسكون الصاد الأولى، فإن نزل إلى طرف الأنف فهو اللفاف، فإن نزل إلى الفم ولم يكن على الأرنبة منه شيء، فهو اللثام، قاله الزرقاني(١) وسيأتي الكلام على نقاب المرأة في آخر الباب. (ولا تلبس) بفتح الباء والجزم على النهي، ويجوز رفعه (القفازين) بضم القاف وشد الفاء وبالزاي المعجمة تثنية قُفَّاز كرُمَّان، شيءٌ تلبسه نساء العرب في أيديهن يغطي الأصابع والكف والساعد من البرد ويكون فيه قطن محشو، ذكره الطيبي، وقيل: يكون له أزرار تُزَرُّ على الساعد، كذا في ((المرقاة)»(٢). وقال الحافظ: (٣) ما تلبسه المرأة في يدها، فيغطي أصابعها وكفيها عند معاناة الشيء كغزل ونحوه، وهو لليد كالخف للرجل، قال العيني: كان عبد الله بن عمر يقول: لا تنتقب المرأة ولا تلبس القفازين، واختلفوا في ذلك فمنعه الجمهور، وأجازه الحنفية، وهو رواية عن الشافعية والمالكية، اهـ. وفي ((شرح الإحياء)): ليس للرجل لبس القفازين وهل للمرأة؟ قولان: أحدهما: لا يجوز، قاله في ((الأم)) و((الإملاء))، وبه قال مالك وأحمد، والثاني: وهو منقول المزني، نعم وبه قال أبو حنيفة وفي ((الوجيز)): أنه أصح القولين، لكن أكثر النقلة على ترجيح الأول، اهـ. قال ابن رشد(٤): اختلفوا في لبس القفازين للمرأة، فقال مالك: إن (١) ((شرح الزرقاني)) (٢٣٣/٢). (٢) ((مرقاة المفاتيح)) (٣٧٧/٥). (٣) ((فتح الباري)) (٥٥/٤). (٤) ((بداية المجتهد)) (٣٢٨/١). ٤٠٠