Indexed OCR Text
Pages 361-380
٢٠ - كتاب الحج (٢) باب (٦٩٩) حديث وَذَلِكَ أَنَّهُ إِذَا رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ، فَقَدْ حَلَّ لَهُ قَتْلُ الْقَمْلِ، وَحَلْقُ الشَّعَرِ ، وَإِنْقَاءُ النَّفَثِ، وَلُبْسُ النَِّابِ. التحلل الأصغر في الحج يحصل عند المصنف ومن وافقه برمي جمرة العقبة، ولا يتوقت على الحلق خلافاً للجمهور كما سيأتي مفصلاً. (وذلك) أي وجه الجواز (أنه إذا رمى جمرة العقبة) أي فرغ من رمي يوم النحر وحصل له التحلل الأصغر (فقد حل له قتل القمل) بفتح القاف وسكون الميم معروف واحدتها بهاء، ويكون في شعور الإنسان وثيابه. وفي ((التعليق الممجد))(١): القمل والقملة بالفتح فالسكون دويبة تتولد بالعرق والوسخ إذا أصاب ثوباً أو بدناً أو شعراً يقال له بالفارسية: (سبش))، اهـ. وهو قراءة الحسن في قوله تعالى: ﴿وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالذَّمَ﴾(٢) الآية. وقراءة الجمهور بضم القاف وتشديد الميم، قيل: هما لغتان في شيء واحد، وقيل: مختلفان فصله صاحب ((الجمل)) وغيره من أهل التفسير (وحلق الشعر، وإلقاء التفت) بفتح المثناة الفوقية ففاء فمثلثة الوسخ. (ولبس الثياب) ولم يبق عليه من محرمات الإحرام سوى النساء والصيد، وكره الطيب حتى يطوف للإفاضة قاله الزرقاني(٣). قال الباجي(٤): وذلك أن موانع الإحرام على ضربين: رفث وإلقاء تفث، فالرفث هو الجماع، وما في معناه مما يدعو إليه، وأما إلقاء التفث فهو حلق الشعر وخلع ثياب الإحرام، فأما إلقاء التفث فهو مباح بأول التحللين، وهو رمي الجمرة، وأما الرفث فإنه لا يستباح إلا بآخر التحللين، وهو طواف الإفاضة، اهـ. (١) (٢٩٠/٢). (٢) سورة الأعراف: الآية ١٣٣. (٣) ((شرح الزرقاني)) (٢٣٨/٢). (٤) ((المنتقى)) (١٩٥/٢). ٣٦١ ٢٠ - كتاب الحج (٢) باب (٦٩٩) حديث قال الدردير: (١) حل برميهما أي جمرة العقبة، وكذا بخروج وقت أدائها غير جماع ومقدماته وغير صيد فحرمتهما باقية، وكره الطيب، وهذا هو التحلل الأصغر، انتهى. فما ذكره المصنف من قتل القمل وغيره مبنيٌّ على حصول التحلل الأصغر بالرمي عند المصنف خلافاً للحنفية والجمهور، قال صاحب ((البرهان)): والرمي غير محلل عندنا في المشهور، ومحلل عند الشافعي ومالك، وغير المشهور عندنا ، اهـ. وفي ((الهداية)): الحلق من أسباب التحلل عندنا دون الرمي خلافاً للشافعي، اهـ. قلت: هكذا قال غير واحد من نقلة المذاهب لكنه مبنيٌّ على أن الحلق ليس بنسك، وهو مرجوح. قال الحافظ في ((الفتح)): إن للحج تحللين فمن قال: إن الحلق نسك كما هو قول الجمهور، وهو الصحيح عند الشافعية يوقف استعمال الطيب وغيره من المحرمات المذكورة عليه، انتهى. وكذا حكى القولين الموفق في مذهبه، فقال: قول الخرقي: قصر من شعره ثم حلّ، يدل على أنه لا يحل إلا بعد التقصير، وهذا مبنيّ على أن التقصير نسك، وهو المشهور فلا يحل إلا به، وفيه رواية أخرى: أنه إطلاق من محظور، انتهى. وقال أيضاً: ظاهر كلام الخرقي أن الحل إنما يحصل بالرمي والحلق معاً، وهو إحدى الروايتين عن أحمد، وهو قول الشافعي وأصحاب الرأي، وعن أحمد: إذا رمى الجمرة فقد حَلَّ، وهذا يدل على أن الحل بدون الحلق، وهذا قول عطاء ومالك وأبي ثور، وهو الصحيح إن شاء الله، وقال بعض (١) انظر: ((فتح الباري)) (٥٧٢/٣). ٣٦٢ -- ---- ٢٠ - كتاب الحج (٢) باب (٦٩٩) حديث أصحابنا: هذا مبني على الخلاف في الحلق هل هو نسك أم لا؟ فإن قلنا : نسك حصل الحل به وإلا لا، انتهى. وفي ((الروض المربع))(١): يحصل التحلل الأول باثنين من حلق ورمي وطواف، والتحلل الثاني بما بقي مع سعي، انتهى، وبه جزم النووي في (مناسكه)) فقال: أي اثنين منها أتى بهما حصل التحلل الأول، ويحصل التحلل الثاني بالعمل الباقي من الثلاثة، هذا على المذهب الصحيح المختار أن الحلق نسك، انتهى. وسيأتي في أول (باب الحلاق)) البسط في كونه نسكاً أو استباحة محظور . وإذا عرفت ذلك فغسل المحرم رأسه بعد التحلل الأصغر، سواء كان بالرمي أو بالحلق جائز بلا خلاف، وأما قبل التحلل فقال ابن رشد: اتفقوا على منع غسل رأسه بالخطمي، وقال مالك وأبو حنيفة: إن فعل ذلك افتدى، وقال أبو ثور وغيره: لا شيء عليه . وقال العيني(٢): إن غسل رأسه بالخطمي والسدر فإن الفقهاء يكرهونه، وهو قول مالك وأبي حنيفة والشافعي، وأوجب مالك وأبو حنيفة عليه الفدية، وقال الشافعي وأبو ثور: لا شيء عليه، وقد رخص عطاء وطاووس ومجاهد لمن لبّد رأسه، فشق عليه الحلق أن يغسل بالخطمي، انتهى بتغير، هكذا حكى مذاهب الأئمة الثلاثة الزرقاني وغيره. وقال العيني في (البناية)): ولا يغسل رأسه ولا لحيته بالخطمي، وبه قال مالك. وفي ((شرح الوجيز)): لا يكره بالخطمي والسدر، وفي ((القديم)): يكره ولكن لا فدية عليه، وبه قال أحمد، وفي ((الهداية)): لا يغسل بالخطمي، لأنه نوع طيب، ولأنه يقتل هوامّ الرأس، انتهى. (١) (٤٨١/١). (٢) ((عمدة القاري)) (٧/ ٥٣٠). ٣٦٣ ٢٠ - كتاب الحج (٣) باب (٧٠٠) حديث (٣) باب ما ينهى عنه من لبس الثياب في الإحرام ٨/٧٠٠ - حَدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنْ نَافِعِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْن عُمَرَ؛ أَنَّ رَجُلاً سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ وَهُ: (٣) ما ينهى عنه من لبس الثياب في الإحرام قال الشيخ في ((حجة الله))(١): إن الإحرام في الحج والعمرة بمنزلة التكبير في الصلاة، فيه تصوير الإخلاص والتعظيم، وضبط عزيمة الحج بفعل ظاهر، وفيه جعل النفس متذللة خاشعة لله بترك الملاذّ، والعادات المألوفة، وأنواع التجمل، وفيه تحقق معاناة التعب، والتشعث، والتغبر للّه، وإنما شرع أن يجتنب المحرم هذه الأشياء تحقيقاً للتذلل وترك الزينة والتشعث، وتنويهاً الاستشعار خوف الله وتعظيمه ومؤاخذة نفسه أن لا تسترسل في هواها، انتهى. قلت: واكتفى في ثياب الإحرام على الإزار والرداء للمعاني الأربعة التي تقدم ذكرها في حكم الحج. قال العيني(٢): قال العلماء: الحكمة في تحريم اللباس المذكور على المحرم أن يبعد من الترفه، ويتصف بصفة الخاشع الذليل، وليتذكر أنه محرم في كل وقت، فيكون أقرب إلى كثرة أذكاره وأبلغ في مراقبته وصيانته لعبادته، وامتناعه من ارتكاب المحظورات، وليتذكر به الموت، ولباس الأكفان، والبعث يوم القيامة حُفاة عراة مهطعين إلى الداع، والحكمة في تحريم الطيب أنه يبعد من زينة الدنيا، ولأنه داع إلى الجماع، ولأنه ينافي الحاج، فإنه أشعث أغبر، ومحصله أن يجمع همَّه لمقاصد الآخرة، انتهى. .... ٨/٧٠٠ - (مالك، عن نافع عن عبد الله بن عمر) - رضي الله عنهما - (أن رجلاً) قال الحافظ: لم أقف على اسمه في شيء من الطرق (سأل رسول الله وَله (١) ((حجة الله البالغة)) (٥٨/٢). (٢) ((عمدة القاري)) (٣١٥/٢) كتاب العلم، باب من أجاب السائل بأكثر مما سأله. ٣٦٤ ٢٠ - كتاب الحج (٣) باب (٧٠٠) حديث مَا يَلْبَسُ الْمُحْرِمُ مِنَ النِّيَابِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((لَا تَلْبَسُوا ما يلبس) كلمة ما استفهامية أو موصولة أو موصوفة في محل النصب على أنه مفعول ثان لسأل، ويلبس بفتح الموحدة من اللبس بضم اللام من علم يعلم، وأما اللبس بفتح اللام من باب ضرب يضرب فهو بمعنى الخلط، ومنه التباس الأمر أي اشتباهه (المحرم من الثياب) بيان لما أو للمسؤول عنه، والمراد بالمحرم من أحرم بحج أو عمرة أو قرن. قال الحافظ (١): أجمعوا على أن المراد به ههنا الرجل، ولا يلتحق به المرأة في ذلك، قال ابن المنذر: أجمعوا على أن للمرأة لبس جميع ما ذكر، وإنما تشترك مع الرجل في منع الثوب الذي مسّه الزعفران، وللبخاري من طريق الليث عن نافع: ما نلبس من الثياب إذا أحرمنا؟ وهو مُشْعِرٌ بأن السؤال كان قبل الإحرام، وحكى الدارقطني عن أبي بكر النيسابوري أن في رواية ابن جريج والليث عن نافع: أن ذلك كان في المسجد. قال الحافظ: ولم أر ذلك في شيء من الطرق عنهما، نعم أخرج البيهقي من طريق أيوب وعبد الله بن عون كلاهما عن نافع عن ابن عمر قال: نادى رجل رسول الله و18 وهو يخطب بذلك المكان، وأشار نافع إلى مقدم المسجد، فظهر أن السؤال كان بالمدينة، وللشيخين عن ابن عباس: أنه مَ له خطب بذلك في عرفات، فيحمل على التعدد، ويؤيده أن في حديث ابن عباس: ابتدأ به في الخطبة، وفي حديث ابن عمر: أجاب به السائل، انتهى. (فقال رسول الله وَلا: لا تلبسوا) وفي رواية البخاري: ((لا يلبس)) على الخبر بمعنى النهي على الأشهر ويحتمل النهي، قال النووي (٢): قال العلماء: هذا الجواب من بديع الكلام وجزله؛ لأن ما لا يلبس منحصرٌ، فحصل (١) ((فتح الباري)) (٤٠٢/٣). (٢) انظر: ((فتح الباري)) (٤٠١/٣). ٣٦٥ ٢٠ - كتاب الحج (٣) باب (٧٠٠) حدیث الْقُمُصَ، وَلَا الْعَمَائِم، وَلَا السَّرَاوِيلاتِ، التصريح به، وأما الملبوس الجائز فغير منحصر، فقال: لا يلبس كذا أي ويلبس ما سواه. وقال البيضاوي: إنما عدل عن الجواب، لأنه أخصر وأحصر، وفيه إشارة إلى أن حق السؤال أن يكون عما لا يلبس؛ لأنه الحكم العارض في الإحرام، وقال ابن دقيق العيد: يستفاد منه أن المعتبر في الجواب ما يحصل منه المقصود كيفما كان ولو بتغير أو زيادة. وفي ((الكوكب الدري)) (١): أجيب بما يحرم عليه دلالة على أن الأصل في الأشياء لما كان الإباحة ليس لك أن تسأل المباح، بل تفحص عن الحرام ليبقى ما سواه على إباحته، ولأن تفصيل الثياب الجائزة كان متعذراً، فأجيب بما سهل تناوله وحفظه، ولأن ارتكاب المنهيات لما كان أضرَّ من فعل الخير أجيب بتفصيل المحرمات، إشارة إلى أن سلب المضارّ أولى، انتهى. وهذا كله بناء على سياق الروايات المشهورة عن نافع، وقد رواه أبو عوانة من طريق ابن جريج عن نافع، بلفظ: ما يترك المحرم؟ وهي شاذَّةٌ، والاختلاف فيها على ابن جريج، وقد اختلف على الزهري أيضاً كما حكاه الحافظ (القمص) بالقاف والميم المضمومتين جمع قميص، نبه به على جميع ما في معناه مما كان مخيطاً على قدر البدن، كذا في ((المحلى)). (ولا العمائم) جمع عمامة بكسر العين سميت بذلك، لأنها تعمُّ جميع الرأس، ونبه به على كل ساتر للرأس مخيطاً أو غير مخيط حتى العصابة، فإنها حرام، كذا في ((المحلى)) (ولا السراويلات) جمع سروال، فارسي معرب، يقال هو: معرب ((شلوار)) والسراوين بالنون لغة، وبالشين المعجمة لغة أيضاً، قال القاري(٢): جمع أو جمع الجمع. (١) (١٠١/٢). (٢) ((مرقاة المفاتيح)) (٣٧٦/٥). ٣٦٦ ٢٠ - كتاب الحج (٣) باب (٧٠٠) حديث وَلَا الْبَرَانِسَ، وَلا الْخِفَافَ، إِلَّا أَحَدٌ لا يَجِدُ نَعْلَيْنِ، (ولا البرانس) بفتح الموحدة وكسر النون جمع برنس بضمهما، قال المجد: قلنسوة طويلة أو كل ثوبٍ رأسُه منه، دراعة كان أو جبَّةً من البرس بكسر الباء، وهو القطن والنون زائدة، وقال ابن حزم: كل ما جُبَّ فيه موضع لإخراج الرأس منه فهو جُبَّةٌ، وكل ما خيط أو نُسج في طرفيه ليتمسك على (١) اللابسين فهو برنس، قاله العينى ٠ (ولا الخفاف) بكسر الخاء المعجمة جمع خف، قال عياض: نبه بالقميص والسراويل على كل محيط ومخيط على قدر البدن، وبالعمائم والبرانس على كل ما يُغَطّ الرأس به مخيطاً أو غيره، وبالخفاف على كل ما يستر الرجل من جورب وغيرها، والمراد بتحريم المخيط ما يلبس على الموضع الذي جعل له ولو في بعض البدن، فأما لو ارتدى بالقمص مثلاً فلا بأس به. قال الخطابي (٢): ذكر البرانس والعمامة معاً ليدل على أنه لا يجوز تغطية الرأس، لا بالمعتاد، ولا بالنادر كالمكتل يحمله على رأسه، قال الحافظ: إن أراد أن يجعله على رأسه كلابس القبع صح ما قال، وإلا فمجرد وضعه على رأسه على هيئة الحامل لا يضر على مذهبه، كالانغماس في الماء وستر الرأس بالید، انتهى. (إلا أحد) بالرفع في النسخ الهندية، وبالنصب في النسخ المصرية، وقال الزرقاني(٣): للنصب هو عربي جيد، وروي بالرفع، وهو المختار في الاستثناء المتصل بعد النفي وشبهه، قال الزين بن المنير: فيه جواز استعمال أحد في الإثبات خلافاً لمن خصه بضرورة الشعر (لا يجد نعلين) زاد معمر عن الزهري (١) ((عمدة القاري)) (٣١٣/٢). (٢) انظر: ((فتح الباري)) (٤٠٢/٣)، و((معالم السنن)) (٥٣/٢). (٣) ((شرح الزرقاني)) (٢٢٨/٢). ٣٦٧ ٢٠ - كتاب الحج (٣) باب (٧٠٠) حديث فَلْيَلْبَسَ خُفَّيْنِ، وَلْيَقْطَعْهُمَا أَسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ، عن سالم زيادة حسنة تُفيد ارتباط ذكر النعلين بما سبق، وهي قوله: ((وليحرم أحدكم في إزار ورداء ونعلين، فإن لم يجد النعلين))، الحديث. واستدل بالحديث على أن واجد النعلين لا يلبس الخفين المقطوعين، وهو قول الجمهور، وعن بعض الشافعية جوازه، وكذا عند الحنفية، وقال ابن العربي: إن صارا كالنعلين جاز، وإلا متى سترا من ظاهر الرجل شيئاً لم يجز إلا للفاقد، قال الزرقاني: فإن لبسهما مع وجود نعلين افتدى عند مالك والليث، وعن الشافعي قولان، انتهى. وصرح في ((الشرح الكبير)) و ((الدسوقي)) بالفدية إن لبسهما مع وجود النعلين سواء قطعهما أو لا، وفي ((شرح الإحياء)): هل يجوز لبس الخف المقطوع والمكعب مع وجود النعلين؟ فيه وجهان: أحدهما نعم لشبهه بالنعل، وأصحهما لا، لأن الإذن في الجبر مقيد بشرط أن لا يجدهما، انتهى. وقال القاري في ((شرح المناسك)): ويجوز لبس المقطوع مع وجود النعلين، لكن لا ينافي الكراهة المترتبة على مخالفة السنة، انتهى. والمراد بعدم الوجدان أن لا يقدر على تحصيله إما لفقده أو عجزه عن الثمن، ولو بيع بغبن فاحش لم يلزمه شراؤه، أو وهب له لم يجب قبوله، كذا في ((الفتح)) . (فيلبس خفين) بصيغة المضارع في النسخ الهندية على الخبرية، وبزيادة اللام في النسخ المصرية على صيغة الأمر، قال الزرقاني: ظاهر الأمر الوجوب لكنه لما شرع للتسهيل لم يناسب التثقيل، فهو للرخصة (وليقطعهما) بكسر اللام وسكونها (أسفل من الكعبين). وههنا عدة مسائل خلافية: الأولى: أن المراد بالكعبين ههنا هو المراد بهما في الوضوء عند الجمهور، وهما العظمان الناتئان في جانبي القدم، والمراد بهما ههنا عندنا معشر الحنفية معقد الشراك، وهو المفصل الذي في ٣٦٨ ----- ٢٠ - كتاب الحج (٣) باب (٧٠٠) حديث وسط القدم بخلاف المراد في الوضوء، أفاده الشيخ في ((البذل))(١)، قال ابن عابدين(٢) تحت قول المصنف: فيقطعهما أسفل من الكعبين عند معقد الشراك، قال: وهو المفصل الذي في وسط القدم، كذا روى هشام عن محمد بخلافه في الوضوء، ولم يعين في الحديث أحدهما، لكن لما كان الكعب يطلق عليهما حمل على الأول احتياطاً، لأن الأحوط فيما كان أكثر كشفاً، انتهى. وقال المجد: الكعب كل مفصل للعظام، والعظم الناشز فوق القدم، والناشزان من جانبيها، انتهى. قال الحافظ: وهما العظمان الناتئان عند مفصل الساق والقدم، ويؤيده ما روى ابن أبي شيبة عن جرير عن هشام بن عروة عن أبيه قال: إذا اضطر المحرم إلى الخفين خرق ظهورهما، وترك فيهما قدر ما يستمسك رجلاه، انتهى . قلت: وليت شعري كيف أيد الحافظ - رضي الله عنه - كلامه بهذا الأثر، فإنه صريح في أن المراد منه مفصل القدم، لأنه ورد في روايات كثيرة أنه رَ له كان يمسح على ظهور الخفين، ولم يقل أحد: إن محل المسح هو العظم الناتئ عند مفصل الساق والقدم، وأيضاً قوله: وترك فيهما قدر ما يستمسك رجلاه، يومئ إلى قول الحنفية كما لا يخفى. وما حكاه الحافظ، وقيل: إن ذلك لا يعرف عند أهل اللغة، تعقبه العيني (٣)، وقال: محمد إمام في اللغة والعربية، وقال الرازي في ((تفسيره): كان الأصمعي يختار هذا القول، وحكاه عن الإمامية وعن كل من رأى مسح القدم. (١) ((بذل المجهود)) (٤٨/٩). (٢) (رد المحتار)) (٥٣٩/٢). (٣) انظر: ((عمدة القاري)) (٥٨/٧). ٣٦٩ ٢٠ - كتاب الحج (٣) باب (٧٠٠) حديث والثانية: ما في ((الفتح)): ظاهر الحديث أنه لا فدية على من لبسهما إذا لم يجد النعلين، وعن الحنفية تجب، وتُعُقِّب بأنها لو وجبت لبينها النبي ◌َّ، لأنه وقت الحاجة، انتهى. وهكذا قاله الزرقاني، وزاد: وأيضاً لو وجبت فدية لم يكن للقطع فائدة، لأنها تجب إذا لبسهما بلا قطع، انتهى. قلت: وهكذا حكى عنهم الفدية غير واحد من شُرَّاح الحديث، ولا يصح، ولا فدية عند الحنفية كما صرح به ذوو فروعهم، قال القاري في ((شرح المناسك)): إذا لبسهما قبل القطع يوماً فدم وفي أقل من يوم صدقة، وإن لبسهما بعد القطع أسفل من موضع الشراك فلا شيء عليه عندنا، وأغرب الطبري والنووي والقرطبي فحكوا عن أبي حنيفة أنه يجب عليه الفدية، إذا لبس الخفين بعد القطع عند عدم النعلين، انتهى. قلت: وكذا توهم بعض آخر، فحكى إيجاب الفدية عن المالكية، ولا يصح أيضاً، فإن الفدية عندهم إذا لبسهما مع وجود النعلين ولو مقطوعين، أو لبسهما بدون القطع ولو عند فقد النعلين، فلا تجتاز نائماً عن هذه الخلافيات التي زل فيها قدم أكثر الشراح. والثالثة: استدل بالحديث على أن إجازة لبس الخفين مشروط بالقطع، وبه قالت الأئمة الثلاثة مع الخلاف فيما بينهم في موضع القطع كما تقدم قريباً، وعن الإمام أحمد في المشهور عنه: لا يلزمه قطعهما بل يجوز لبسهما بلا قطع. قال ابن قدامة(١): وروي ذلك عن علي - رضي الله عنه -، وبه قال عطاء وعكرمة وسعيد بن سالم القداح، وحكاه الباجي عن قوم من أصحاب الحديث، واحتج أحمد - رضي الله عنه - بحديث ابن عباس عند البخاري: (١) ((المغني)) (١٢٠/٥ - ١٢٢). ٣٧٠ ٢٠ - كتاب الحج (٣) باب (٧٠٠) حديث ((من لم يجد نعلين فليلبس الخفين))، وحديث جابر مثله عند مسلم، وعند أبي حنيفة ومالك والشافعي وآخرين: لا يجوز لبسهما إلا بعد قطعهما، كما في حديث الباب. وحديث ابن عباس وجابر مطلق يحمل على المقيد، لأن الزيادة من الثقة مقبولة، وقال ابن التين: ابن عباس حفظ لبس الخفين، ولم ينقل صفة اللبس بخلاف ابن عمر فهو أولى، وقد قيل: فليقطعهما من كلام نافع، كذا في ((أمالي أبي القاسم بن بشران)) بسند صحيح أن نافعاً قال بعد روايته الحديث: وليقطع الخفين أسفل الكعبين، وذكر ابن العربي وابن التين: أن جعفر بن برقان قال في روايته: قال نافع: ويقطع الخفاف أسفل من الكعبين. وقال ابن قدامة: وروى ابن أبي موسى عن صفية بنت أبي عبيد عن عائشة - رضي الله عنها -: أن رسول الله ومخ لل رخص للمحرم أن يلبس الخفين، ولا يقطعهما، وكان ابن عمر - رضي الله عنهما - يفتي بقطعهما، قالت صفية: فلما أخبرتهُ بذلك رجع. قال ابن قدامة: ويحتمل أن يكون الأمر بقطعهما قد نُسِخ، فإن عمرو بن دينار قد روى الحديثين جميعاً، وقال: انظروا أيهما كان قبل، وقال الدار قطني: قال أبو بكر النيسابوري: حديث ابن عمر - رضي الله عنهما - قَبْلُ، لأنه جاء في بعض رواياته «نادى رجلٌ رسولَ الله ◌َّ في المسجد))، يعني بالمدينة، فكأنه كان قبل الإحرام، وحديث ابن عباس يقول: ((سمعته يخطب بعرفات))، الحديث. فيدل على تأخره عن حديث ابن عمر فيكون ناسخاً له، لأنه لو كان القطع واجباً لبينه للناس، إذ لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة . وقال ابن الجوزي: روى حديث ابن عمر، مالك وعبيد الله وأيوب في آخرين فوقفوه على ابن عمر، وحديث ابن عباس سالمٌ من الوقف مع ما عضده ٣٧١ ٢٠ - كتاب الحج (٣) باب (٧٠٠) حدیث من حديث جابر، ويحمل قوله: ((وليقطعهما)) على الجواز من غير كراهة لأجل الإحرام، وينهي عن ذلك في غير الإحرام لما فيه من الإفساد. وقال ابن قدامة: والأولى قطعهما عملاً بالحديث الصحيح وخروجاً عن الخلاف، وأخذاً بالاحتياط، كذا في ((العيني)) (١). وقال الحافظ(٢): أجاز أحمد لبسهما من غير قطع لإطلاق حديث ابن عباس، وتُعُقِّب بأنه موافق على قاعدة حمل المطلق على المقيد، فينبغي أن يقول بها ههنا، وأجاب الحنابلة بأشياء منها دعوى النسخ بأن حديث ابن عمر - رضي الله عنهما - كان بالمدينة قبل الإحرام، وحديث ابن عباس بعرفات، وأجاب عنه الشافعي في ((الأم)) فقال: كلاهما صادق حافظ، وزيادة ابن عمر - رضي الله عنه - لا تخالف ابن عباس، لاحتمال أن تكون عزبت عنه، أو شك، أو قالها، فلم يقلها عنه بعض رواته، انتهى. وسلك بعضهم الترجيح بين الحديثين، قال ابن الجوزي: حديث ابن عمر - رضي الله عنهما - اختلف في رفعه ووقفه، وحديث ابن عباس لم يختلف في رفعه، انتھی. وهذا التعليل مردود بل لم يختلف على ابن عمر - رضي الله عنهما - في رفع الأمر بالقطع، إلا في رواية شاذة على أنه اختلف في حديث ابن عباس أيضاً، فرواه ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عن سعيد بن جبير عن ابن عباس موقوفاً، ولا يرتاب أحد من المحدثين أن حديث ابن عمر أصح من حديث ابن عباس، لأن حديث ابن عمر - رضي الله عنهما - جاء بإسناد وصف بكونه أصح الأسانيد، واتفق عليه عن ابن عمر غير واحد من الحفاظ منهم نافع (١) انظر: ((عمدة القاري)) (٣١٦/٢، ٥٢٧/٧). (٢) ((فتح الباري)) (٣/ ٤٠٣). ٣٧٢ ٢٠ - كتاب الحج (٣) باب (٧٠٠) حديث وَلا تَلْبَسُوا مِنَ التِّيَابِ شَيْئاً مَسَّهُ الزَّعْفَرَانُ وسالم، بخلاف حديث ابن عباس فلم يأت مرفوعاً، إلا من رواية جابر بن زيد عنه، حتى قال الأصيلي: إنه شيخ بصري، لا يعرف، كذا قال، وهو معروف موصوف بالفقه عند الأئمة . واستدل بعضهم بالقياس على السراويل، وأجيب بأن القياس مع وجود النص فاسد الاعتبار، واحتج بعضهم بقول عطاء: إن القطع فساد، والله لا يُحب الفساد، وأجيب: بأن الإفساد إنما يكون فيما نهى الشرع عنه لا فيما أذن فيه، وقال ابن الجوزي: يحمل الأمر بالقطع على الإباحة لا على الاشتراط عملاً بالحديثين، ولا يخفى تكلفه، انتهى كلام الحافظ. وهكذا في ((العيني))، وزاد: وما قال ابن الجوزي: إن الأمر بالقطع يحمل على الإباحة لا على الاشتراط، وأجيب: بأنه تعسفٌ، واستعمال اللفظ في غير محله، والأحسن في الجواب أن يقال: إن في حديث ابن عباس قد ورد في بعض طرقه الصحيحة موافقته لحديث ابن عمر في قطع الخفين، رواه النسائي من طريق إسماعيل بن مسعود الجحدري. وهذا إسناد صحيح، وإسماعيل وثّقه أبو حاتم وغيره، وباقيهم رجال الصحيح، والزيادة من الثقة مقبولة على الصحيح، انتهى. (ولا تلبسوا) بفتح أوله وثالثه، قال القاري(١): نكتة الإعادة اشتراك الرجال والنساء في هذا الحكم، إما على وجه التغليب أو التبعية، انتهى. قال الحافظ (٢): وفيه نظر، بل الظاهر أن النكتة فيه أن الذي يخالطه الزعفران أو الورس لا يجوز لبسه، سواء كان محرماً أو لا، قال الزرقاني: ولا تنافي بين النكتتين. (من الثياب شيئاً مسّه الزعفران) بالتعريف، وليحيى النيسابوري زعفرانٌ (١) ((مرقاة المفاتيح)) (٣٧٧/٥). (٢) (فتح الباري)) (٣/ ٤٠٤). ٣٧٣ ٢٠ - كتاب الحج (٣) باب (٧٠٠) حديث وَلَا الْوَرْسُ. أخرجه البخاريّ في: ٢٥ - كتاب الحج، ٢١ - باب ما لا يلبس المحرم من الثياب . ومسلم في: ١٥ - كتاب الحج، ١ - باب ما يباح للمحرم وما لا يباح، حديث ١. بالتنكير والتنوين؛ لأنه ليس فيه إلا ألف ونون فقط، وهو لا يمنع الصرف (ولا الورس) بفتح الواو وسكون الراء المهملة آخره سين مهملة: نبت أصفر طيب الريح يصبغ به، وسيأتي قريباً شيء من البسط فيه، وكذا يأتي الكلام على لبس المحرم المصبوغ في الباب الآتي. تنبيه: قال الحافظ: زاد الثوري في روايته عن أيوب عن نافع في هذا الحديث: ((ولا القباء)) أخرجه عبد الرازق عنه، ورواه الطبراني من وجه آخر عن الثوري، وأخرجه البيهقي والدارقطني عن عبيد الله بن عمر عن نافع أيضاً، والقباء معروف، ويطلق على كل ثوبٍ مفرَّج، ومنع لبسه على المحرم، متفق عليه، إلا أن أبا حنيفة قال: يشترط أن يدخل يديه في كميه لا إذا ألقاه على كتفيه، ووافقه أبو ثور والخرقي من الحنابلة، انتهى. قال الباجي(١): ليس له أن يدخل منكبيه داخل القباء، فإن فعل ذلك افتدى، وبه قال الشافعي، وقال أبو حنيفة - رضي الله عنه -: لا شيء عليه حتى يدخل يديه في کمیه، انتهى. وقال الدردير في ((محرمات الإحرام)): وقَباء - بفتح القاف والمد وقد يقصر الثوب المنفتح - وإن لم يدخل كُمّاً في يد، بل وضعه على منكبيه مخرجاً يديه من تحته، ومحل المنع إن أدخل المنكبين في محلهما، فإن نكسه بأن جعل أسفله على منكبيه فلا فدية، انتهى (٢). (١) ((المنتقى)) (١٩٦/٢). (٢) انظر: ((الشرح الكبير)) (٥٥/٢). ٣٧٤ - -- ٢٠ - كتاب الحج (٣) باب (٧٠٠) حديث حَالَّ أَنَّهُ قَالَ: ((وَمَنْ قَالَ يَحْيَى: سُئِلَ مَالِكٌّ عَمَّا ذُكِرَ عَنِ النَّبِيِّ لَمْ يَجِدْ إِزَاراً فَلْيَلْبَسْ سَرَاوِيلَ)). هذا وقد يستفاد من ظاهر الحديث جواز لبس المزعفر لغير المحرم؛ لأنه قال ذلك خطاباً للسائل المحرم، فدل على جوازه لغيره، ويؤيده حديث ابن عمر ((كان ◌َّ يصبغ ثيابه بالزعفران))(١)، وحديث قيس بن سعد: ((أتانا النبي ◌َّ فوضعت له ما يتبرَّدُ، فاغتسل ثم أتيته بملحفة صفراء، فرأيت أثر الورس عليه))(٢)، رواهما أبو داود، ويعارضه حديث الشيخين عن أنس ((أنه وَّ نهى أن يتزعفر الرجل))، فقال المالكية في وجه الجمع: إن المراد من النهي التزعفر به، أما لبس المزعفر لغير المحرم فلا بأس به، والدليل على ذلك ما للنسائي بإسناد صحيح عن أنس: ((نهى النبي ◌ُّ أن يتزعفر الرجل جلده)). وجمع الخطابي بأن ما صبغ غزله، ثم نسج، فليس بداخل في النهي، ووافقه البيهقي على هذا، ورجح ابن الهمام حديث أنس بكونه في ((الصحيحين)) وبكون المحرم مقدماً على المبيح، وأبعد الزين العراقي، فجمع بين حديث الباب وحديث النهي بأنه يحتمل أن جواب سؤالهم انتهى عند قوله: ((ما أسفل من الكعبين))، ثم استأنف قوله: ((ولا تلبسوا ما مَسَّه الزعفران)) ولا تعلق له بالمسؤول عنه، كذا في ((المحلى)). (قال يحيى: سئل) ببناء المجهول (مالك عما ذكرَ) مبني للمفعول أيضاً، أي فيما رواه مسلم من طريق أبي الزبير عن جابر (عن النبي وَّ أنه قال) من لم يجد نعلين فليلبس خفين (ومن لم يجد إزاراً فليلبس سراويل) وأخرجه الشيخان وغيرهما من طريق جابر بن زيد عن ابن عباس: سمعت رسول الله وَّلة يقول: ((السراويل لمن لا يجد الإزار، والخف لمن لا يجد النعلين)). (١) أخرجه أبو داود (٤١٧٩) باب في الخلوف للرجال. (٢) أخرجه أبو داود (٥١٨٥) وابن ماجه واللفظ له (٣٦٠٤). ٣٧٥ ٢٠ - كتاب الحج (٣) باب (٧٠٠) حدیث فَقَالَ: لَمْ أَسْمَعْ بِهُذَا، وَلا أَرَى أَنْ يَلْبَسَ الْمُحْرِمُ سَرَاوِيلَ. لأَنَّ النَّبِيِّ بَّ نَهَى عَنْ لُبْسِ السَّرَاوِيلَاتِ، فِيمَا نَهَى عَنْهُ مِنْ لُبْسِ النِّيَابِ الَّتِي لَا يَنْبَغِي لِلْمُحْرِمِ أَنْ يَلْبَسَهَا، وَلَمْ يَسْتَثْنِ فِيهَا، كَمَا اسْتَثْنَى فِي الْخُفَيْنِ . (فقال) مالك: (لم أسمع بهذا) الحديث (ولا أرى أن يلبس المحرم سراويل) على صفة لبسها بلا فتق أو بلا فدية (لأن النبي ◌َّ- نهى) في حديث ابن عمر (عن لبس السراويلات) مطلقاً (فيما نهى عنه من لبس الثياب التي لا ينبغي) أي لا يجوز (للمحرم أن يلبسها، ولم يستثن فيها) أي في السراويلات في حديث ابن عمر (كما استثنى في الخفين) قال الحافظ: قوله في حديث ابن عباس: ومن لم يجد إزاراً فليلبس السراويل(١)، أي للمحرم لا للحلال، فلا يتوقف جواز لبسه على فقد الإزار. قال القرطبي: أخذ بظاهر الحديث أحمد فأجاز لبس الخف والسراويل للمحرم الذي لا يجد النعلين والإزار على حالهما، واشترط الجمهور قطع الخف وفتق السراويل، فلو لبس شيئاً منهما على حاله لزمته الفدية، والدليل لهم قوله في حديث ابن عمر: ((وليقطعهما حتى يكونا أسفل من الكعبين)) فيحمل المطلق على المقيد، ويلحق النظير، بالنظير لاستوائهما في الحكم. قال الحافظ: والأصح عند الشافعية والأكثر جواز لبس السراويل بغير فتق كقول أحمد، واشترط الفتق إمام الحرمين وطائفة، وعن أبي حنيفة: منع السراويل مطلقاً ومثله عن مالك، وكأن حديث ابن عباس - رضي الله عنهما - لم يبلغه لما في ((الموطأ)): فقال: لم أسمع بهذا الحديث، انتهى. قال ابن رشد (٢): اختلفوا فيمن لم يجد غير السراويل هل له لباسها؟ (١) قال ابن عبد البر: وأجمعوا أن المراد بهذا الخطاب في اللباس المذكور الرجال دون النساء، ((الاستذكار)) (٢٨/١١). (٢) (بداية المجتهد)) (٣٢٦/١). ٣٧٦ ۔ ۔ - ٢٠ - كتاب الحج (٣) باب (٧٠٠) حدیث فقال مالك وأبو حنيفة: لا يجوز له لباس السراويل، وإن لبسها افتدى، وقال الشافعي والثوري وأحمد وأبو ثور وداود: لا شيء عليه إذا لم يجد إزاراً، وعمدة مذهب مالك ظاهر حديث ابن عمر المتقدم، وعمدة الطائفة الثانية حديث ابن عباس، انتهى. قال الأبي: ما في حديث ابن عباس أخذ به الشافعي ولم يأخذ به مالك لسقوطه في حديث ابن عمر، وقال في (الموطأ)): لم أسمع بها، ولا أرى أن يلبسها المحرم، إلخ. وهذا يدل أن هذه الزيادة لم تبلغه أو لم يبلغه أن المحرم يلبسه على حاله، أما لو فتق وجعل منه شبه إزار جاز، انتهى. قلت: وعند الحنفية لو لم يجد سوى سروال فلبسه من غير فتق فعليه دم، وإن شقه واتزره فلا شيء عليه، قال الطحاوي(١) بعدما روى حديث: ((من لم يجد النعلين فليلبس الخفين)) و ((من لم يجد إزاراً فليلبس سراويل)): فذهب إلى هذه الآثار قوم، فقالوا: من لم يجدهما لبسهما ولا شيء عليه، وخالفهم في ذلك آخرون فقالوا: أما ما ذكرتموه من لبس المحرم الخفين والسراويل على حال الضرورة، فنحن نقول ذلك ونبيح له لبسه للضرورة، ولكن نوجب عليه مع ذلك الكفارة. وليس فيما رويتموه نفي لوجوب الكفارة ولا فيه ولا في قولنا خلاف شيء من ذلك، لأنا لم نقل: لا يلبس الخفين إذا لم يجد النعلين، ولا السراويل إذا لم يجد الإزار، ولو قلنا: ذلك كنا مخالفين لهذا الحديث، ولكن قد أبحنا له اللباس كما أباح النبي وَئية . ثم أوجبنا عليه مع ذلك الكفارة بالدلائل القائمة الموجبة لذلك، ثم قال: هذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد - رحمهم الله -، كذا في ((شرح المناسك)) للقاري. (١) (شرح معاني الآثار)) (٣٦٨/١). ٣٧٧ ٢٠ - كتاب الحج (٤) باب (٧٠١) حديث (٤) باب لبس الثياب المصبغة في الإحرام ٩/٧٠١ - حَدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ؛ أَنَّهُ قَالَ: نَهى رَسُولُ اللَّهِ وَ﴿ أَنْ يَلْبَسَ الْمُحْرِمُ ثَوْباً مَصْبُوغاً بِزَغْفَرَانٍ أَوْ وَرْسٍ. (٤) لبس الثياب المصبغة في الإحرام (لبس) بضم اللام (الثياب المصبغة في الإحرام) قال المجد: الصبغ بالكسر، وبهاء، وكعنب وكتاب: ما يصبغ به، وصبغه بها، كمنعه وضربه ونصره صَبغاً وصِبغاً: لَوَّنَه. في ((مختار الصحاح)): الصبغ والصبغة ما يصبغ به، وجمع الصبغ أصباغ، وصبغ الثوب من باب قطع ونصر، انتهى. وفي ((لسان العرب)): ثياب مُصَبَّغة إذا صُبِّغَت شُدِّد للكثرة، انتهى. ٩/٧٠١ - (مالك، عن عبد الله بن دينار عن) مولاه (عبد الله بن عمر) - رضي الله عنهما - (أنه قال: نهى رسول الله وَّ﴾﴾ قال الزرقاني: نهي تحريم (أن يلبس) بفتح أوله وثالثه (المحرم) رجلاً كان أو امرأة (ثوباً مصبوغاً بزعفران) بفتح الزاي المعجمة وسكون العين المهملة وفتح فاء وراء مهملة فألف ونون اسم عربي، كذا في ((المحيط)). وقال العيني(١): الزعفران اسم عجمي صرفته العرب فقالوا: ثوب مزعفر. وقال المجد: الزعفران معروف، وإذا كان في بيت لا يدخله سام أبرص، انتهى. (أو ورس) بفتح واو وسكون راء آخره سين مهملة، كذا في ((المحيط))، قال المجد: نبات كالسمسم، ليس إلا باليمن يزرع، فيبقى عشرين سنة، نافع للكلف طلاءً، والبهق شرباً، ولبس الثوب المورس مُقوٍ على الباءة، قال العيني: نباته مثل حب السمسم فإذا جفّ عند إدراكه تفتق، فينفض منه مثل (١) ((عمدة القاري)) (٥٨/٧). ٣٧٨ ----- ----- ٢٠ - كتاب الحج (٤) باب (٧٠٢) حديث وَقَالَ: ((مَنْ لَمْ يَجِدْ نَعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسْ خُفَّيْن. ولْيَقْطَعْهُمَا أَسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ)). أخرجه البخاريّ في: ٧٧ - كتاب اللباس، ٣٧ - باب النعال السبتية وغيرها . ومسلم في: ١٥ - كتاب الحج، ١ - باب ما يباح للمحرم وما لا يباح، حديث ٣. ١٠/٧٠٢ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ نَافِع؛ أَنَّهُ سَمِعَ أَسْلَمَ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ يُحَدِّثُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ غُمَرَ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَأَى عَلَى طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ ثَوْباً مَصْبُوغاً الورق، قال الجوهري: الورس نبت أصفر يكون باليمن، وقال ابن بيطار: يؤتى بالورس من الصين واليمن والهند وهو يشبه زهر العصفر، انتهى. قال الحافظ(١): نبت أصفر طيب الريح يصبغ، وقال ابن العربي: ليس الورس بطيب، لكنه نُبَّه به على اجتناب الطيب، وما يشبهه في ملاءمة الشم، فيؤخذ منه تحريم أنواع الطيب على المحرم، وهو مجمع عليه فيما يقصد به التطيب، انتهى. وسيأتي الكلام على الثياب المصبوغة في آخر الباب. (وقال ◌َ: من لم يجد نعلين فليلبس خفين) بالتنكير، وليحيى النيسابوري. الخفين بالتعريف (وليقطعهما أسفل من الكعبين) تقدم الكلام عليه في الباب السابق. ٩/٧٠٢ - (مالك، عن نافع أنه سمع أسلم) العدوي (مولى عمر بن الخطاب يحدث) ببناء الفاعل (عبد الله بن عمر) منصوب على المفعولية (أن عمر بن الخطاب رأى على طلحة بن عبيد الله) أحد العشرة (ثوباً مصبوغاً) بمغرة (١) ((فتح الباري)) (٤٠٤/٣). ٣٧٩ ٢٠ - كتاب الحج (٤) باب (٧٠٢) حديث وَهُوَ مُحْرِمٌ. فَقَالَ عُمَرُ: مَا هَذَا الثَّوْبُ الْمَصْبُوغُ يَا طَلْحَةُ؟ فَقَالَ طَلْحَةُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ. إِنَّمَا هُوَ مَدَرٌ، فَقَالَ عُمَرُ: إِنَّكُمْ أَيُّهَا الرَّهْطُ أَئِمَّةٌ يَقْتَدِي بِكُمُ النَّاسُ. فَلَوْ أَنَّ رَجُلاً جَاهِلاً رَأَى هَذا الثَّوْبَ لَقَالَ: إِنَّ طَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ كَانَ يَلْبَسُ النِيَابَ الْمُصَبَّغَةَ (وهو محرم، فقال عمر) - رضي الله عنه -: (ما هذا الثوب المصبوغ يا طلحة؟). قال الباجي(١): هذا يقتضي إنكاره عليه ثوباً مصبوغاً في حال إحرامه إلا أن ذلك يحتمل وجهين: أحدهما: أنه علم أنه مصبوغ بمدر فكرهه، وأنكره عليه لما سيذكر أنه إمام يُقتدى به، ويحتمل أنه رأى ثوباً مصبوغاً، ولم يعرف صباغه من مدر هو أو غيره، فأنكر أن يكون مثل طلحة يأتي المحظور، فلما تبين له أنه صباغ مدرٍ أنكر عليه، ثانياً: التشبيه بالمحظور. (فقال طلحة بن عبيد الله: يا أمير المؤمنين) إنه ليس بمحظور (إنما هو مدرٌ) قال المجد: المدر محركة: قطع الطين اليابس، أو العلك الذي لا رمل فيه، واحدته بهاء، انتهى. وفسره الزرقاني (٢) بالمغرة، ولم يذكر صاحب (المحيط)) المدر، وفسر المغرة بالهندية (كيرو)). وقال الموفق(٣): لا بأس بالممشق، وهو المصبوغ بالمغرة، لأنه مصبوغ بطين لا بطيب، انتهى. (فقال عمر) - رضي الله عنه - بعدما تحقق له أنه ليس بمحظور: (إنكم أيها الرهط) وهو العصابة دون العشرة، ويقال: إلى الأربعين، والمراد جماعة الصحابة (أئمةً يقتدي) ببناء الفاعل (بكم الناس) لأنكم من الصحابة وأكابرهم. ..... " (فلو أن رجلاً جاهلاً) لا يعرف المسائل (رأى هذا الثوب) المصبوغ الذي لبسته (لقال: إن طلحة بن عبيد الله) أحد العشرة (قد كان يلبس الثياب المصبغة (١) ((المنتقى)) (١٩٧/٢). (٢) ((شرح الزرقاني)) (٢٣١/٢). (٣) «المغني)) (٣١٨/٣). ٣٨٠ ----