Indexed OCR Text
Pages 101-120
١٩ - كتاب الزكاة (١٩) باب (٦٦٨) حديث وَلا تَأْخُذْ مِنْهُ زَكَاةً مَعَ الْمُسْلِمِينَ. قَالَ: فَبَلَغَ ذَلِكَ، الرَّجُلَ. فَاشْتَدَّ عَلَيْهِ. وَأَتَّى بَعْدْ ذَلِكَ ذَكَاةَ مَالِهِ، فَكَتَبَ عَامِلُ عُمَرَ إِلَيْهِ يَذْتُرُ لَهُ ذَلِكَ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ عُمَرُ: أَنْ خُذْهَا مِنْهُ. (١٩) باب زكاة ما يخرص من ثمار النخيل والأعناب أي اتركه (ولا تأخذ منه زكاة مع المسلمين) هذا تلطف منه في إغراء الرجل المانع للزكاة وتوبيخٌ له وتقبيحٌ لفعله. (قال: فبلغ ذلك) أي خبر كتابه (الرجل) بالنصب أي المانع عن الزكاة (ناشئة) أي عظّم (عليه) ذلك الأمر (فأدى بعد ذلك زكاة ماله) أي أراد أداءه أو أوصى بإعطائه (فكتب عامل عمر) بن عبد العزيز (إليه يذكر له ذلك) أي إعطاءه (فكتب إليه عمر أن خذها) أي اقبلها (منه). قال ابن عبد البر(١): يحتمل أنه علم من الرجل منعها من العامل دون منعها من أهلها، ولم يكن عنده ممن يمنع الزكاة وتَفَرَّسَ فيه أنه لا يخالف جماعة المسلمين الدافعين لها إلى الإمام، فكان كما ظن، ولو صح عنده منعه للزكاة ما جاز له تركها عنده، لأنها حقّ للمسلمين والمساكين يلزمه القيام لهم، قال: والواجب أن يعظ الإمام من منع الزكاة ويُوَبِّحُه، فإن أصَرَّ على المنع أخذها منه جبراً. (١٩) زكاة ما يخرص من ثمار النخيل والأعناب (زكاة ما يُخْرَصُ) ببناء المجهول (من ثمار) لفظة من بيان لما (النخيل) قال الراغب: النخل معروف، وقد يُستعمل في الواحد والجمع، وجمعه نخيل (والأعناب) قال الراغب: العنب يقال لثمرة الكرم وللكرم نفسه، الواحدة عنبة وجمعه أعناب، قال تعالى: ﴿وَمِن ثَمَرَتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَبِ﴾ والخرص: بفتح (١) انظر: ((الاستذكار)) (٢٣٢/٩). ١٠١ ١٩ - كتاب الزكاة (١٩) باب معجمة وقد تكسر وسكون الراء وبعدها صاد مهملة، من بابي نصر وضرب، هو حزر ما على النخلة من الرطب تمراً، ليعرف مقدار عشره، فيُثْبِتُ على مالكه ويُخلِّي بينه، ويؤخذ ذلك المقدار وقت الجُذاذ سنة عند الشافعي. وأنكره الحنفي، وخرص الكرمة والنخلة يخرصها إذا حزر ما عليها من الرطب تمراً، أو من العنب زبيباً، يعني يخرج من هذا كذا وكذا تمراً، أو كذا وكذا زبيباً، وهو من الخرص الظن، لأن الحزر إنما هو تقدير بظن، والاسم الخرص بالكسر، كذا في ((المجمع)) و ((العيني)) (١). قال ابن رشد في ((البداية))(٢): أما تقدير النصاب بالخرص واعتباره به دون الكيل، فإن جمهور العلماء على إجازة الخرص في النخيل والأعناب حين يبدو صلاحها لضرورة أن يخلي بينها وبين أهلها يأكلونها رطباً، وقال داود: لا خرص إلا في النخيل فقط، وقال أبو حنيفة وصاحباه: الخرص باطل. وعلى رب المال أن يؤدي عشر ما تحصل بيده زاد على الخرص أو نقص منه. والسبب في اختلافهم معارضة الأصول للأثر الوارد في ذلك، وهو ما روي أن رسول الله وَ ل* كان يرسل عبد الله بن رواحة وغيره إلى خيبر، فيخرص عليهم النخل، وأما الأصول التي تعارضه، فلأنه من باب المزابنة المنهي عنها، وهو بيع الثمر في رؤوس النخل بالثمر كيلاً، ولأنه أيضاً من باب بيع الرطب بالتمر نسيئة، فيدخله المنع من التفاضل ومن النسيئة، وكلاهما من أصول الربا، فلما رأى الكوفيون هذا مع أن الخرص الذي كان يخرص على أهل خيبر لم يكن للزكاة إذ كانوا ليسوا بأهل الزكاة، قالوا: يحتمل أن يكون تخميناً ليعلم ما بأيدي كل قوم من الثمار. (١) انظر: ((مجمع بحار الأنوار)) (٢٨/٢)، و((عمدة القاري)) (٥١٤/٦). (٢) ((بداية المجتهد)) (٢٦٦/١). ١٠٢ -------------- - ... ١٩ - كتاب الزكاة (١٩) باب قال القاضي: أما بحسب خبر مالك، فالظاهر أنه كان في القسمة؛ لما روي أن عبد الله بن رواحة كان إذا فرغ من الخرص، قال: إن شئتم فلكم، وإن شئتم فلي، أعني في قسمة الثمار، لا في قسمة الحب، وأما بحسب حديث عائشة الذي رواه أبو داود، فإنما الخرص لموضع النصيب الواجب عليهم في ذلك، والحديث هو أنها قالت وهي تذكر شأن خيبر: ((كان النبي يبعث عبد الله بن رواحة إلى يهود خيبر، فيخرص عليهم النخل حين يطيب قبل أن يؤكل منه)) وخرص الثمار لم يخرجه الشيخان، وكيفما كان، فالخرص مستثنى من هذه الأصول، هذا إن ثبت أنه كان منه عليه الصلاة والسلام حكماً منه على المسلمين، فإن الحكم لو ثبت على أهل الذمة، ليس يجب أن يكون حكماً على المسلمين، إلا بدليل، والله أعلم، انتهى. واختلف الذين قالوا بالخرص في مسائل كثيرة من ذلك الباب، مثلاً يختص بالنخل أو يلحق به العنب أو يعُمُّ كل ما ينتفع به رطباً وجافاً؟ وبالأول قال شريح وبعض الظاهرية، وبالثاني الجمهور، وإلى الثالث نحا البخاري، وهل يمضي قول الخارص أو يرجع ما آل إليه الحال بعد الجفاف؟ الأول قول مالك وغيره، والثاني قول الشافعي، وهل يكفي خارص واحد ثقة أم لا بد من اثنين؟ وهل هو اعتبار أو تضمين؟ وهل هو شهادة أو حكم؟ وهل يحاسب أصحاب الزروع بما أكلوا قبل الجذاذ أم لا؟ وهل يؤخذ قدر العواري والضيف أم لا؟ . واختلفوا أيضاً إذا غلط الخارص، وفي غير ذلك من الفروع، بسطها في المطولات كالعيني. وحكى الزرقاني(١): أن لا تخريص في غير العنب والنخل عند مالك والشافعي في الجديد، وقال في القديم، وهي رواية شاذّة عن مالك: يخرص الزيتون قياساً عليهما، وشذّ داود فقال: لا يخرص إلا النخل خاصة، انتھی . (١) ((شرح الزرقاني)) (١٢٩/٢). ١٠٣ ١٩ - كتاب الزكاة (١٩) باب وقال الموفق(١): ينبغي أن يبعث الإمام ساعيه إذا بدا صلاح الثمار ليخرصها ويعرف قدر الزكاة، وممن كان يرى الخَرص عمر بن الخطاب، وسهل بن أبي حثمة، والقاسم بن محمد، والحسن، ومالك، والشافعي، وأبو ثور، وأكثر أهل العلم، وحكي عن الشعبي أن الخرص بدعة، وقال أهل الرأي: الخرص ظن وتخمين، لا يلزم به حكم، وإنما كان الخرص تخويفاً للأکرة(٢) لئلا يخونوا، فأما أن يلزم به حكمٌ. فلا . ولنا الروايات المرفوعة في الباب، ويجوز خارص واحد، لأنه (وَل# كان يبعث ابن رواحة، ولم يذكر معه غيره، فإذا خرص على المالك وعَرَّفَه قدره، خَيَّرَه بين أن يضمن قدر الزكاة، ويتصرف فيها بما شاء من أكل وغيره، وبين حفظها إلى وقت الجَذَاذِ والجفاف، فإن حفظها فعليه زكاة الموجود لا غير، سواء اختار الضمان أو حفظها على سبيل الأمانة، وسواء كانت أكثر مما خرصه الخارص أو أقل، وبهذا قال الشافعي. وقال مالك: يلزمه ما قال الخارص زاد أو نقص، إذا كانت الزكاة متقاربة، لأن الحكم انتقل إلى ما قال الساعي، بدليل وجوب ما قال عند تلف المال. ولنا أن الزكاة أمانة، فلا تصير مضمونة بالشرط، ولا نسلم أن الحكم انتقل إلى ما قاله الساعي، وإنما يعمل بقوله إذا تصرف في الثمرة ولم يعلم قدرها، لأن الظاهر إصابته، وعلى الخارص أن يترك في الخرص الثلث أو الربع توسعة على أرباب الأموال، لأنهم يطعمون جيرانهم وأضيافهم، وبهذا قال إسحاق، ونحوه قال الليث، والمرجع في تقدير المتروك إلى الساعي باجتهاده، فإن رأى الأكلة كثيراً ترك الثلث، وإن قليلاً ترك الربع، ويخرص النخل والكرم، ولم يسمع بالخرص في غيرهما، فلا يخرص الزرع بسنبله، ! (١) ((المغني)) (١٧٣/٤). (٢) الأكرة: الحُرَّاث. ١٠٤ ---------- ------ ١٩ - كتاب الزكاة (١٩) باب وبهذا قال عطاء والزهري ومالك، لأن الشرع لم يرد بالخرص فيه، ولا هو في معنى المنصوص عليه، لأن ثمرة النخل والكرم تؤكل رطباً، فيخرص على أهله توسعةً عليهم، وما عداهما فلا يخرص، انتهى. وفي ((شرح الإقناع)» (١): وسُنَّ خرص كل ثمر فيه زكاة إذا بدا صلاحه على مالكه للاتباع، وذلك التضمين أي لنقل الحق من العين إلى الذمة، وفي ((الروضة)): سُنَّ خرص بأن يطوف الخارص بكل شجرة، ويُقَدِّرُ ثمرتها أو ثمرة كل نوع رطباً، ثم يابساً كأن يقول: في هذه الشجرة أو البستان خمسون وسقاً عنباً أو رطباً يحصل منها بعد الجفاف عشرون وسقاً زبيباً أو تمراً يكون فيه للمستحقين كذا، ثم يضمن المالك حق المستحقين بأن يقول له: ضمنتك حق المستحقين من الرطب مثلاً بكذا تمر، فيقبل المالك فوراً، والحكمة في مشروعيته الرِفْقُ بالمالك والمستحقين، انتهى. وفي ((نيل المآرب)): وسُنَّ للإمام بعثُ خارصٍٍ لثمرة النخل والكرم إذا بدا صلاحها ويكفي واحد، لأنه كحاكم، وفي ((الشرح الكبير)) و((الدسوقي)): وإنما يخرص التمر والعنب على رؤوس الأشجار إذا حَلَّ بيعهما ببدو صلاحهما، واحتاج أهله للتصرف فيه، ولا يخرص بعد صيرورته تمراً؛ لأنه يقطع وينتفع به، ففي تخريصه حينئذ انتقال من معلوم لمجهول، انتهى. وفي ((الأنوار))(٢) من مسالك المالكية: ويجوز خرص الرطب والعنب ويكفي خارص واحد، واختلف في سبب مشروعية التخريص فيهما، فقيل: الحاجة أهلهما إليهما، وهو ظاهر قول مالك: لا يخرص إلا التمر والعنب للحاجة إلى أكلهما رطبين، انتهى. (١) (٣٤٢/٢). (٢) انظر: (ص ٦١٨، ٦١٩). ١٠٥ ١٩ - كتاب الزكاة (١٩) باب -- ------ - قال الدردير(١): وإنما خص الشارع هذين النوعين بالخرص دون غيرهما، لأن شأنهما اختلاف الحاجة إليهما، قال الدسوقي: قوله: دون غيرهما، أي من الزيتون والفول والحمص والشعير إذا أكل أخضر، فهذه وإن كان يحسب بالتحري ما أكل منها لكنها لا تخرص قائمة، انتهى. وقد عرفت أن الخرص ليس بشيء عند الحنفية، ولذا خلت عن ذكرها أكثر فروعهم، قال العيني في ((شرح البخاري))(٢): قال الشعبي والثوري وأبو حنيفة وأبو يوسف: الخرص مكروه، وقال الشعبي: الخرص بدعة، وقال الثوري: خرص الثمار لا يجوز، وفي ((أحكام ابن بزيزة)): قال أبو حنيفة وصاحباه: الخرص باطل، وقال أيضاً في ((شرح الهداية)): ولا يخرص الرطب والعنب وغيرهما من الثمار والزرع عندنا، وقال الشعبي والثوري: الخرص بدعة، وقال ابن عبد البر(٣): ذكر صاحب الإملاء عن محمد بن الحسن: أنه يخرص الرطب تمراً والعنب زبيباً. وقال السروجي: لم يذكر أصحابنا هذا القول عن محمد فیما علمته، انتهى. وحكى الطحاوي عن قوم جواز الخرص، ثم قال: وخالفهم في ذلك آخرون، فكرهوا ذلك وقالوا: ليس في شيء من هذه الآثار أن التمرة كانت رطباً في وقت ما خرصت، وكيف يجوز أن يكون كانت رطباً حينئذ فتجعل لصاحبها حق الله فيها بمكيلة ذلك تمراً يكون عليه نسيئة؟ وقد نهى رسول الله وعليه عن بيع التمر في رؤوس النخل بالتمر كيلاً، ونهى عن بيع الرطب بالتمر نسيئةً، وجاءت بذلك عنه الآثار المروية الصحيحة، ولم يستثنِ رسول الله بَلّ في ذلك شيئاً، فليس وجه ما روينا في الخرص عندنا على ما ذكرتم. (١) ((الشرح الكبير)) (٤٥٣/١). (٢) ((عمدة القاري)) (٥١٩/٦). (٣) انظر: ((الاستذكار)) (٢٤٧/٩). ١٠٦ ... ١٩ - كتاب الزكاة (١٩) باب ٢ ولكن وجه ذلك عندنا، والله أعلم، أنه إنما أراد بخرص ابن رواحة، ليعلم به مقدار ما في أيدي كل قوم من الثمار فيؤخذ مثله بقدره في وقت الصرام، لا أنهم يملكون منه شيئاً مما يجب لله فيه ببدل لا يزول ذلك البدل عنهم، وكيف يجوز ذلك، وقد يجوز أن تصيب بعد ذلك آفة فتتلفها أو نار فتحرقها، فيكون ما يؤخذ من صاحبها بدلاً من حق الله تعالى فيها مأخوذاً منه بدلاً مما لم يسلم له، ولكنه إنما أريد بذلك الخرص ما ذكرنا، انتهى. ثم ذكر دلائلهم رواية ونظراً، وقال في آخره: وبذلك نأخذ، وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد - رحمهم الله -. وذكر ابن العربي في ((العارضة)»(١) أحاديث الخرص، ثم قال: ليس في الخرص حديث صحيح، إلا واحد فهو المتفق عليه، خرج النبي 18َّ في غزوة تبوك فمر على حديقة امرأة، فقال: ((اخرصوها وخرصها))، فلما رجع قال: (كم جاءت حديقتك؟)) فقالت: كذا لخرص رسول الله وَّ﴾، ويليه حديث ابن رواحة في الخرص على اليهود. واتفق أبو حنيفة وأصحابه على أن الخرص بدعة، وأعجبوا لمساعدة الثوري لهم على ذلك، مع معرفته بالسنن، وتمكنه في بحبوبة الأخبار، وتعلقوا في ذلك بأن النبي و ﴿ نهى عن المزابنة، وقال علماؤنا: يخرص النخل والكرم، زاد الشافعي في أحد قوليه: والزيتون، وأما الحبوب فاتفقوا على أنها لا تخرص، وهذه المسألة عسرة جداً . وذلك لأن النبي ◌ّ# ثبت عنه خرص النخل ولم يثبت عنه خرص الزيتون، وكان كثيراً في حياته وفي بلاده، ولم يثبت عنه خرص النخل لأخذ الحق إلا على اليهود، لأنهم كانوا أشراكاً وكانوا أيضاً غير أمناء، فخرص (١) ((عارضة الأحوذي)) (١٤١/٣). ١٠٧ ١٩ - كتاب الزكاة (١٩) باب عليهم، وقال لهم: فيها كذا إن شئتموها كذلك وإلا فادفعوها إلينا، فنحن نعطيكم من ذلك الحساب، فقالوا: بهذا قامت السموات والأرض، وهذا في حديث اليهود بعدم أمانتهم، أما المسلمون فلا يخرص عليهم، ولما لم يصح حديث سهل، ولا حديث ابن المسيب بقيت الحال وقفاً، لأن الخرص على الناس حفظاً لحق الفقراء لقد يجب أن يخرص عليهم جميعاً جميع ما يجب فيها الزكاة، وإنما لم يخرص النبي ◌ّيّر الحب، لأنها لم تكن عندهم إذ لم یکونوا أهل زرع، انتهى. قال العيني(١): واحتج أبو حنيفة بما رواه جابر مرفوعاً: ((نهى عن الخرص))، وبما رواه جابر بن سمرة: ((أن رسول الله وَّل نهى عن بيع كل ثمرة تخرص))، وبأنه تخمين، وقد يخطئ. ولو جَوَّزَ لَجَوَّزْنا خرص الزرع وخرص الثمار بعد جذاذها أقرب إلى الأبصار من خرص ما على الأشجار، فلما لم يجز في القريب لم يجز في البعيد، ولأن تضمين رب المال بقدر الصدقة، وذلك غير جائز، لأنه بيع رطب بتمر وأنه بيع حاضر بغائب، وأيضاً فهو من المزابنة المنهي عنها . وأيضاً هو بيع الرطب بالتمر نسيئة، فيدخله المنع بين التفاضل وبين النسيئة، وقالوا: الخرص منسوخ بنسخ الربا، وقال بعضهم: إنما كان يفعل تخويفاً للمزارعين لئلا يخونوا، لا ليلزم به الحكم، لأنه تخمين وغرور، وكان يجوز قبل تحريم الربا والقمار. ومما يدل على صحة النسخ ما رواه الطحاوي من حديث جابر: أن رسول الله وَ نهى عن الخرص، وقال: ((أرأيتم إن هلك التمر أيحب أحدكم أن يأكل مال أخيه بالباطل)»، والحظر بعد الإباحة علامة النسخ، وما قيل: (١) ((عمدة القاري)) (٥٢٠/٦). ١٠٨ ---- ١٩ - كتاب الزكاة (١٩) باب (٦٦٩) حديث ٣٣/٦٦٩ - حَدّثني يَحْبَى عَنْ مَالِكِ، عَنِ الثَّقَةِ عِنْدَهُ، ... عمل به النبي ◌َّر ومن بعده مُسَلَّمٌ، لكنه ليس على الوجه الذي ذكروه، إنما وجهه أنهم فعلوا ذلك ليعلم مقدار ما في أيدي الناس من الثمار، فيؤخذ مثله بقدر في أيام الصرام، لا أنهم يملكون شيئاً مما يجب الله فيه ببدل لا يزول ذلك البدل، انتهى . وقال الشيخ في ((المسوى))(١): قالت الحنفية: الخرص ليس بشيء، وأَوَّلُوا ما روي من ذلك بأنه كان تخويفاً للأكرة لئلا يخونوا، فأما أن يكون به حكم فلا، كذا في ((شرح السنة))، انتهى. وهذا كله على المشهور من مسلك الحنفية، وحكي عن حضرة الشيخ الكنكوهي (٢) - نور الله مرقده - في التقارير الشهيرة عنه على الترمذي وغيره أنه قال: إن الخرص جائز عند الإمام في العشر والخراج، ولا يجوز في البيوع والمزارعة وغيرهما . وما يخطر في البال بملاحظة هذه الأقوال: أن الحنفية أنكروا إلزام مقدار معين من العشر وغيره بسبب الخرص، لأنه تخمين وليس بحجة ملزمة، وهذا محمل من حكي عنهم أنه باطل أو ليس بشيء، وكرهوا أخذ التمر بدل الرطب بالخرص، للروايات الصريحة في النهي عن ذلك، وهذا محمل من حكي عنهم الكراهة، لكنهم جَوَّزُوا الخرص لمجرد التخمين وغلبة الظن، لتخويف الأكرة(٣)، ولئلا يتجاسروا على إضاعة الحق والعشر والخراج وغيرها، وهذا محمل كلام الطحاوي والشيخ الكنكوهي، وإليه أشار شيخ مشايخنا الدهلوي بالتأويل، فتأمل. ٣٣/٦٦٩ - (مالك، عن الثقة عنده) (٤) لم أجد من صرح باسمه من (١) (١/ ٢٧٢). (٢) انظر: ((الكوكب الدري على جامع الترمذي)) (١٧/٢ - ١٨). (٣) الأكرة: الحُرّاث. (٤) انظر: ((التمهيد)) (٢٤/ ١٦١). ١٠٩ ١٩ - كتاب الزكاة (١٩) باب (٦٦٩) حديث عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، وَعَنْ بُسْرٍ الشراح وأهل الرجال، ولا يبعد عندي أن يكون هو الحارث بن عبد الرحمن بن عبد الله بن سعد، فقد أخرج ابن ماجه في ((سننه)) (١) هذا الحديث من طريق عاصم بن عبد العزيز بن عاصم ثنا الحارث بن عبد الرحمن بن عبد الله بن سعد بن أبي ذباب عن سليمان بن يسار وعن بسر بن سعيد عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَلّ: ((فيما سَقَتِ السماءُ والعيونُ العُشْرُ، وفيما سقي بالنضحِ نصفُ العشر))، وهكذا أخرجه الترمذي(٢) وقال: قد روي هذا الحديث عن بكير بن عبد الله بن الأشج وعن سليمان بن يسار وبسر بن سعيد عن النبي ◌ُّ﴾ مرسلاً، انتهى. وفي ترجمة الحارث المذكور من ((تهذيب التهذيب)) (٣): قال الساجي: حدث عنه أهل المدينة، ولم يحدث عنه مالك، قال الحافظ: ذكر علي بن المديني في ((العلل)) حديثاً عن عاصم بن عبد العزيز الأشجعي عن الحارث عن سليمان بن يسار وغيره، قال عاصم: حدثنيه مالك قال: أخبرت عن سليمان بن يسار فذكره، قال ابن المديني: أرى مالكاً سمعه من الحارث ولم يُسَمِّه، وما رأيت في كتب مالك عنه شيئاً، قال الحافظ: وهذه عادة مالك فيمن لا یعتمد عليه لا یسمیه، انتهى. وفيه: أن يحيى صرح ههنا بكون الراوي ثقة عند مالك، ثم الرواية هكذا في جميع النسخ المصرية وأكثر الهندية، وفي بعضها مالك عن الثقة وعنه وعن سليمان بن يسار، والظاهر أنه تحريف من الناسخ حَرَّف قوله: عنده. (عن سليمان بن يسار) الهلالي المدني أحد الفقهاء (وعن بُسر) بضم (١) (١/ ٥٨٠) رقم الحديث (١٨١٦). (٢) (٣١/٣) رقم الحديث (٦٣٩). (٣). (١٤٨/٢). ١١٠ ١٩ - كتاب الزكاة (١٩) باب (٦٦٩) حديث ابْنِ سَعِيدٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ مَلِهِ قَالَ: «فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ وَالْعُيُونُ، وَالْبَعْلِ؛ الْعُشْرُ. وَفِيَمَا سُقِيَ بِالنَّصْحِ نِصْفُ الْعُشْرِ)). أخرجه البخاريّ موصولاً عن ابن عمر في: ٢٤ - كتاب الزكاة، ٥٥ - باب العشر فيما سقي من ماء السماء. وأخرج مسلم، بمعناه، عن جابر بن عبد الله في: ١٢ - كتاب الزكاة، ١ - باب ما فيه العشر أو نصف العشر، حديث ٧. الموحدة وسكون المهملة عطف على سليمان (ابن سعيد) بكسر العين المدني، وتقدم أنهما روياه عن أبي هريرة، وروى الحديثَ البخاريُّ والأربعةُ من طريق الزهري عن سالم عن ابن عمر - رضي الله عنهما - (أن رسول الله ◌ِ الر قال: فيما سقت السماء) أي المطر من باب ذكر المحل وإرادة الحال، ويدخل فيه السيل والأنهار (والعيون) بالضم أي الجارية على وجه الأرض التي لا يتكلف في رفع مائها لآلة (والبَعْل) بموحدة مفتوحة وعين مهملة ساكنة، هو ما شرب بعروقه من الأرض، ولم يحتج إلى سقي سماءٍ ولا آلةٍ. قال الباجي(١): وهذا عندي، والله أعلم، أن معناه أن أصولها تصل إلى المياه تحت الأرض فيقوم لها مقام السقي، ولا تحتاج أن تسقى بما ينزل إلى عروقها من وجه الأرض من مطر أو غيره. قال الزرقاني (٢): وهذا هو المعبّرُ عنه في حديث ابن عمر - رضي الله عنهما - بقوله: أو كان عَثرياً - بفتح العين المهملة والمثلثة الخفيفة - فقد فسره الخطابي بأنه الذي يشرب بعروقه من غير سقي (العشر) مبتدأ مؤخر خبره فيما سقت السماء، وذلك لما في المذكور من هذه الأنواع قلة مؤونة السقي (وفيما سُقِيَ) ببناء المجهول (بالنَّضْح) بفتح النون وسكون الضاد المعجمة بعدها مهملة هو الرشّ والصبُّ أي ما سقي بما يستخرج من الآبار بالغرب أو بالسانية ويستخرج من الأنهار بآلة (نصف العشر) مبتدأ (١) ((المنتقى)) (١٥٨/٢). (٢) ((شرح الزرقاني)) (١٢٧/٢). ١١١ ١٩ - كتاب الزكاة (١٩) باب (٦٦٩) حديث مؤخر وذلك لكثرة مؤونته، وهذا أصل في أن لشدة النفقة وخفتها تأثيراً في كثرة الزكاة وقلتها . وعموم الحديث ظاهر في عدم شرط النصاب في إيجاب زكاة كل ما يسقى بمؤونة أو بغير مؤونة، لكن خَصَّه الجمهورُ بحديث ((ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة))، وتقدم الكلام عليه مبسوطاً تحت هذا الحديث. قال ابن العربي في ((العارضة)) (١): قوله: فيما سقت السماء العشر ... الحديث، لفظ عام بظاهره في كل مملوكٍ تسقيه السماء، واختلف الناس في تنزيله على سبعة أقوال : الأول: أنه محمول على عمومه في كل شيء إلا الحطب والقصب والحشيش، قاله أبو حنيفة. الثاني: أنه في الحبوب والبقول والثمرات، قاله حماد بن أبي سليمان. الثالث: ما تُخْرِجُه الأرض مما له ثمرة باقية، قاله محمد وأبو يوسف، ثم ذكر الأقوال الباقية لبعض التابعين لم يَعْزُها إلى الأئمة. ورجَّح قول الحنفية، فقال: أقوى المذاهب في المسألة مذهب أبي حنيفة دليلاً، وأحوطها للمساكين، وعليه يدل عموم الآية والحديث، إلى آخر ما قاله، وسيأتي قريباً في زكاة الحبوب سبب اختلافهم في ذلك في كلام ابن رشد، وبسط في المطولات طرق حديث الباب. وفي ((شرح الإحياء)): رواه أبو حنيفة عن أبان بن أنس رفعه: ((في كل شيء أخرجت الأرض العشر أو نصف العشر))، قال ابن الهمام: وفيه من الآثار أيضاً ما أخرج عبد الرازق بسنده عن عمر بن عبد العزيز، قال: فيما (١) ((عارضة الأحوذي)) (١٣٢/٣، ١٣٣). ١١٢ ---- ١٩ - كتاب الزكاة (١٩) باب (٦٧٠) حديث ٦٧٠ / ٣٤ - وحدّثني عَنْ مَالِكٍ، عَنْ زِيَادِ بْنِ سَعْدٍ، عَنِ ابْنِ شِهَاب؛ أَنَّهُ قَالَ: لا يُؤْخَذُ فِي صَدَقَةِ النَّحْلِ الْجُعْرُورُ، وَلَا مُصْرَانُ الْفَارَةِ، ٠ أنبتت من قليل وكثير العشر، وأخرج نحوه عن مجاهد وعن إبراهيم النخعي، وأخرجه ابن أبي شيبة أيضاً عنهم. والحاصل أنه تعارض عام وخاص، فمن يقدم الخاص مطلقاً كالشافعي قال بموجب حديث الأوساق، ومن يقدِّم العام أو يقول يتعارضان ويطلب الترجيح يجب أن يقول بموجب هذا العام؛ لأن الإيجاب فيما دون خمسة أوسق أولى للاحتياط، انتهى. ٣٤/٦٧٠ - (مالك، عن زياد بن سعد) هكذا في جميع النسخ المصرية من المتون والشروح وكذا في ((المصفى)) و((التقصي))(١)، ووقع في أكثر النسخ الهندية بلفظ: زياد بن سعيد أي بزيادة الياء بين العين والدال، وهو غلط من الناسخ ليس في الرواة أحد اسمه زياد بن سعيد، بل هو زياد بن سعد بن عبد الرحمن الخراساني نزيل مكة ثم اليمن، ثقة ثبت، من رجال الجميع، له مرفوعاً في ((الموطأ)) حديثان في كتاب الجامع، وهذا أيضاً ثالث أصله الرفع، ولذا ساقه في ((التمهيد)). قال ابن عيينة: وكان أثبت أصحاب الزهري. (عن ابن شهاب) الزهري (أنه قال) موقوف في ((الموطأ)) وروي عن الزهري موصولاً كما سيأتي (لا يؤخذ في صدقة النخل الجُعْرُور) بضم الجيم وإسكان العين المهملة على زنة عصفور، نوع رديء من التمر إذا جَفّ صار حشفاً، وفي ((المسوى)): ضرب من الدقل يحمل رطباً صغاراً لا خير فيه. (ولا مُصْرَانُ الْفَارَةِ) جمع مصير كرغيف ورُغْفانٌ ضرب من رديء التمر، سُمِّي بذلك؛ لأنه إنما على النوى قشرة رفيعة، وقال المجد: مُصْرَانُ الفَار تمر رديءٌ . (١) وكذا في ((الاستذكار)) (٩/ ٢٤٢). ١١٣ ١٩ - كتاب الزكاة (١٩) باب (٦٧٠) حديث وَلا عَذْقُ ابْنُ حُبَيْقٍ. قَالَ: وَهُوَ يُعَدُّ عَلَى صَاحِبِ الْمَالِ وَلا يُؤْخَذُ مِنْهُ فِي الصَّدَقَةِ . قَالَ مَالِكٌ: وَإِنَّمَا مِثْلُ ذُلِكَ، (ولا عَذْقُ) بفتح العين جنس من النخل، وأما بكسرها فبمعنى القنو، قاله أبو عبد الملك. وقال أبو عمر: بفتح العين النخلة وبالكسر القنو كأن التمر سُمِّ باسم النخلة؛ لأنه منها . (ابن حُبَيْقٍ) بمهملة فموحدة مصغراً سمي به الدقل من التمر لرداءته، وقد أخرج أبو داود والنسائي بعدة طرق عن الزهري عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف عن أبيه قال: نهى رسول الله وَّر عن الجعرور ولون الحبيق أن يؤخذا في الصدقة، زاد النسائي(١): وفيه نزلت: ﴿وَلَا تَيَمَّمُواْ الْخَبِيثَ مِنْهُ﴾ الآية. (وهو) أي المذكور من الأنواع الرديئة، ويوجد في النسخ الهندية محل ذلك ((قال: وهو مثل الغنم)) ولا يوجد هذا في النسخ المصرية ولا الشروح، فإن ثبت فلا إشكال بما سيأتي من قوله: إنما مثل ذلك الغنم، لأنه من كلام الإمام مالك، وهذا من كلام الزهري (يُعَدُّ على صاحب المال ولا يؤخذ منه في الصدقة) . قال أبو عمر: أجمعوا على أنه لا يؤخذ الدنيء في الصدقة عن الجيد، قلت: هذا إذا كانت أنواعاً مختلفة وإن كانت كلها رديئاً . فقال الباجي(٢): ظاهر ما في ((الموطأ)) ورواه ابن نافع عن مالك، أن عليه أن يشتري الوسط من التمر، فيؤدي عن زكاة هذا الرديء، وبه قال ابن الماجشون: وروى ابن القاسم وأشهب عن مالك يؤدي منه، وليس هذا كالماشية؛ لأن هذا مال يزكى بالجزء منه ويخرج زكاته منه رديئاً كان أو جيداً. (قال مالك: وإنما مِثْلُ ذلك) أي المذكور من أن أنواع التمر الرديئة تُعَدُّ (١) أخرجه النسائي في الزكاة (٢٤٩٢). (٢) ((المنتقى)) (١٥٨/٢). ١١٤ ------- ------ ----- -- ١٩ - كتاب الزكاة (١٩) باب (٦٧٠) حديث الْغَنَمُ. نُعَدُّ عَلَى صَاحِبِهَا بِسِخَالِهَا. وَالسَّخْلُ لا يُؤْخَذُّ مِنْهُ فِي الصَّدَقَةِ. وَقَدْ يَكُونُ فِي الأَمْوَالِ ثِمَارٌ لَا تُؤْخَذُ الصَّدَقَةُ مِنْهَا. مِنْ ذَلِكَ الْبُرْدِيُّ وَمَا أَشْبَهَهُ. لَا يُؤْخَذُ مِنْ أَدْنَاهُ، كَمَا لَا يُؤْخَذُ مِنْ خِيَارِهِ. قَالَ: وَإِنَّمَا تُؤْخَذُ الصَّدَقَةُ مِنْ أَوْسَاطِ الْمَالِ. قَالَ مَالِكٌ: الأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا أَنَّهُ لا يُخْرَصُ مِنَ الثِّمَارِ إِلا النَّخِيلُ وَالأَعْنَابُ. ولا تُؤخذ (الغنم) بالرفع (نعد على صاحبها بسخالها) أي بأولادها (والسخل لا يؤخذ في الصدقة) كما تقدم قريباً في موضعه، وقد عرفت أيضاً أن كون الزرع كالماشية رواية ((الموطأ)» وغيرها، وعلى ما روى ابن القاسم وأشهب فبينهما فرق، وأما عند الحنفية فحكى ابن عابدين عن ((الظهيرية)): له نخيل تمر برني ودقل، قال الإمام: يؤخذ من كل نخلة حصتهما، وقال محمد: يؤخذ من الوسط إذا كانت أصنافاً ثلاثة: جيد ووسط ورديءٌّ، انتهى. (وقد يكون) هذا بيان للجيد من الثمار بعد بيان رديئها (في الأموال ثمار) جياد (لا تؤخذ الصدقة منها) لجيادتها كما لا تؤخذ من الأدون الرداءتها، ثم مَثَّلَ الجياد بقوله: (من ذلك) الذي لا تؤخذ منها الصدقة خبر مقدم ومن تبعيضية (البردي) مبتدأ مؤخر، وهو بضم الموحدة وإسكان الراء ودال مهملتين آخره ياء من أجود التمر (وما أشبهه) في الجودة، ثم ذكر بطريق النتيجة بعد ذكر كلا النوعين (لا يؤخذ من أدناه، كما لا يؤخذ من خياره، وإنما تؤخذ الصدقة من أوساط المال) رِفْقاً بالملاك والفقراء. (قال مالك: الأمر المجتمع عليه عندنا أنه لا يخْرص) ببناء المجهول (من الثمار إلا النخيل والأعناب) وتقدم اختلاف الأئمة في ذلك. قال الزرقاني(١): (١) (١٢٩/٢). ١١٥ ١٩ - كتاب الزكاة (١٩) باب (٦٧٠) حديث فَإِنَّ ذُلِكَ يُخْرَصُ حِينَ يَبْدُو صَلَاحُهُ، وَيَحِلُّ بَيْعُهُ. وَذُلِكَ أَنَّ ثَمَرَ النَّخِيلِ وَالأَعْنَابِ يُؤْكَلُ رُظْباً وَعِنباً. فيُخْرَصُ عَلَى أَهْلِهِ لِلتَّوْسِعَةِ عَلَى النَّاسِ. وَلَِّلَا يَكُونَ عَلَى أَحَدٍ فِي ذُلِكَ ضِيقٌ. فَيُخْرَصُ ذُلِكَ عَلَيْهِمْ. فلا تخريص في غيرهما عند مالك، وعنه رواية شاذة: يخرص الزيتون أيضاً. قال الدسوقي: اعترض الحصر بالشعير الأخضر إذا أفرك وأكل أو بيع زمن المسغبة، وبالفول الأخضر وبالحمص الأخضر، فإن كلاً منهما يُخْرص إذا أُكِلَ أو بيع في زمن المسغبة وغيره بناءً على المشهور من أن الوجوب بالإفراك. وأجيب بأن الثابت في هذه تحري مقدار ما أكل أو بيع، وليس هذا هو التخريص؛ لأن التخريص حزر الشيء على أصوله، وفَرْق بين إحصاء ما أُكِل بالتحري والتخمين وبين حَزر الشيءِ باقياً على أصوله، انتهى مختصراً. وقال الموفق(١): لا يخرص الزيتون ولا غير النخل والكرم، فإن ثمرة النخل مجتمعة في عذوقه، والعنب في عناقيده، فيمكن أن يأتي الخرص عليه، والحاجة داعية إلى أكلهما في حال رطوبتهما، وبهذا قال مالك، وقال الزهري والأوزاعي والليث: يُخْرَصُ؛ لأنه ثمر تجب فيه الزكاة، فيخرص كالرطب والعنب، ولنا، أنه لا نص في خرصه، ولا هو في معنى المنصوص عليه فيبقى على الأصل، انتهى. (فإن ذلك يخرص) ببناء المجهول (حين يبدو صلاحه ويحل بيعه) فإن حل البيع يكون عند بدو الصلاح وهو وقت الخرص، وهو وقت وجوب الزكاة وسيأتي أيضاً (وذلك) أي وجه جواز الخرص فيهما (أن ثمر النخيل والأعناب يُؤكل رطباً وعنباً) فيكثر الحاجة فيهما، فإن أبيح ذلك بلا خرص ضرّ بالمساكين وإن مُنِعَ منه ضرّ بالملاك (فيخرص على أهله للتوسعة على الناس) أي الملاك (ولئلا يكون على أحد) من الملاك والمساكين (في ذلك ضيق، فيخرص ذلك عليهم) (١) ((المغني)) (١٧٩/٦). ١١٦ .-* ---- --- ٠٠ ١٩ - كتاب الزكاة (١٩) باب (٦٧٠) حديث ثُمَّ يُخَلَّى بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ يَأْكُلُونَهُ كَيْفَ شَاءُوا. ثُمَّ يُؤَدّونَ مِنْهُ الزَّكَاةَ عَلَى مّا خُرِصَ عَلَيْهِمْ. قَالَ مَالِكٌ: فَأَمَّا مَا لا يُؤْثَلُ رَْباً، وَإِنَّمَا يُؤْكَلُ بَعْدَ حَصَادِهِ مِنَ الْحُبُوبِ كُلِّهَا، فَإِنَّهُ لا يُخْرَصُ. وَإِنَّمَا عَلَى أَهْلِهَا فِيهَا، إِذَا حَصَدُوهَا وَدَقُوهَا وَطَبَّبُوهَا، وَخَلُّصَتْ حَبّاً؛ ليتعين الواجب (ثم بخلى بينهم وبينه يأكلونه) وينتفعون به (كيف شاءوا) من البيع وغيره (ثم بؤدون منه الزكاة) بعد الجفاف (على ما خرص عليهم) أي على ما قَدَّرَ عليهم الخارص بشرط السلامة كما سيأتي. وصورة الخرص ما في ((المدونة))(١): قال: قلت لمالك: كيف يخرص زبيباً؟ قال مالك: يخرص عنباً، ثم يقال: ما ينقص من هذا العنب إذا تزبب فيخرص نقصان العنب وما يبلغ أن يكون زبيباً فذلك الذي يؤخذ منه، وكذلك النخل يقال: ما في هذا الرطب، ثم يقال: ما فيه إذا جفَّ وصار تمراً، فإذا بلغ تمره خمسة أوسق فصاعداً كانت فيه الصدقة، انتهى. (قال مالك: فأما ما لا يؤكل رطباً، وإنما بؤكل) يابساً (بعد حصاده من الحبوب كلها، فإِنه لا يخرص) لأن الخرص إنما هو الانتفاع أهلها بها رطباً، وهذه لا تؤكل رطبة فتحتاج إلى الخرص، ولأن النخيل والأعناب ثمارها بارزة ظاهرة عن أكمامها، فيتهيأ فيها الخرص، وهذه ثمرتها وحبوبها متوارية في أوراقها، فلا يتهيأ فيها الخرص، قاله الباجي (٢). قلت: لكن يحتاج إلى الأكل في الحمص الأخضر وغيرها، كما تقدم. (وإنما على أهلها فيها، إذا حصدوها ودقُوها) بتشديد القاف (وطيّبوها) بتشديد المثناة التحتية بعد الطاء المهملة (وخلصت حباً) يريد أن الزكاة تجب (١) (٢٨٣/١). (٢) ((المنتقى)) (١٦١/٢). ١١٧ ١٩ - كتاب الزكاة (١٩) باب (٦٧٠) حدیث فَإِنَّمَا عَلَى أَهْلِهَا فِيهَا الأَمَانَةُ، يُؤَدُّونَ زَكَاتَهَا، إِذَا بَلَغَ ذَلِكَ مَا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ، وَهُذَا الأَمْرُ، الّذِي لَا اخْتِلَافَ فِيهِ عِنْدَنَا. قَالَ مَالِكٌ: الأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا أَنَّ النَّخْلَ يُخْرَصُ عَلَى أَهْلِهَا، وثَمَرُهَا فِي رُؤُوسِهَا، إِذَا طَابَ وَحَلَّ بَيْعُهُ، عليهم فيها، وعليهم تنقيتها وتصفيتها من كل شيء، وتخليصها إلى هيئة الادِّخار والاقتيات، ولا يسقط عنهم من زكاتها شيء لأجل الإنفاق عليها، وذلك لأن هذه الحال التي لا يمكن الانتفاع بها إلا عليها، وعلى هذه الهيئة . كانوا يؤدون الزكاة على عهد رسول الله صلّ، وهذا هو وقت إخراج الزكاة، كما سيأتي. (فإنما على أهلها فيها) أعاده تأكيداً، ولأنه بعد ذكر الأول (الأمانةُ) بالرفع مبتدأ مؤخر، يعني أنهم مؤتمنون في مبلغها وفي وجوب الزكاة فيها (يؤدون زكاتها) أي الحبوب كلها (إذا بلغ ذلك ما تجب فيه الزكاة) أي مقدار النصاب وهو خمسة أوسق عندهم، ولما كانوا أمناء فيها فيعتبر قولهم، ويؤخذ عنهم حسب ما أقروا، قال الزرقاني(١): ظاهره ولو اتُّهِمُوا، وقال الليث ومحمد بن عبد الحكم: إن اتُّهِمُوا نصب السلطانُ أميناً . قال مالك: (وهذا الأمر الذي لا اختلاف فيه عندنا) بالمدينة المنورة. (قال مالك: الأمر المجتمع عليه عندنا أن النخيل) وفي النسخ المصرية: أن النخل تخرص، وفي ((مختار الصحاح)): النخل والنخيل بمعنى، والواحد نخلة (تخرص على أهلها، وثمرها) الواو حالية (في رؤوسها) يعني يخرص حال كون الأثمار على الرؤوس، وإن جُدَّت الأثمار فلا خرص (إذا طاب وحل بيعه) يعني وقت الخرص وقت حل البيع عند بدء الصلاح لا قبله ولا بعده، وهذا وقت الوجوب عند المالكية، كما سيأتي. (١) (شرح الزرقاني)) (١٢٩/٢). ١١٨ -- ١٩ - كتاب الزكاة .... (١٩) باب (٦٧٠) حديث وَيُؤْخَذُّ مِنْهُ صَدَقَتُهُ تَمْراً عِنْدَ الْجِدَادِ، (وتؤخذ منه صدقته تمراً عند الجذاذ) اختلفت نسخ ((الموطأ)) في هذا اللفظ في كل موضع جاء مصدره أو فعله، والأكثر في الهندية بالمهملتين، وفي المصرية بالمعجمتين، والمؤدى واحد، ففي ((المجمع)): جذاذ النخل - بفتح جيم وكسرها دالاً وذالاً - القطع، انتهى، أي تؤخذ عند قطع النخل لا قبله، فلا يُكَلَّف أحدٌ أن يشتري عند الخرص من غيرها ويأتي به، وهذا وقت الإخراج. ففي ((الشرح الكبير)): الوجوب يتعلق بإفراك الحب لا بيبسه، خلافاً لمن يقول: المعتمد يبسه لمخالفة النقل والعادة، والمراد بإفراكه طيبه واستغناؤه عن الماء، وإن بقي في الأرض لتمام طيبه، قال الدسوقي: ولا يرد قوله تعالى: ﴿وَءَاتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ،﴾(١)، لأن المراد أخرجوا حقه، فالوجوب بالإفراك وإن كان الإخراج بعد اليبس، انتهى. وأما عند الحنفية فقال القاري في ((شرح النقاية)): وقت وجوب العشر حين ظهور الثمرة عند أبي حنيفة - رضي الله عنه -، وحين الإدراك عند أبي يوسف، وحين الحصول في الحظيرة عند محمد، وثمرة الخلاف تظهر في وجوب الضمان بالإتلاف، انتهى. وقال الموفق(٢): وقت وجوب الزكاة في الحبِّ إذا اشتدَّ، وفي الثمرة إذا بدا صلاحها. وقال ابن أبي موسى: تجب زكاة الحب يوم حصاده. وفائدة الخلاف: أنه لو تصرف في التمرة أو الحب قبل الوجوب لا شيء عليه، وإن تصرف بعد الوجوب لم تسقط الزكاة، ولا يستقر الوجوب على كلا القولين حتى تصير التمرة في الجريب والزرع في البيدر، ولو تلف قبل ذلك بغير إتلافه أو تفريط منه فلا زكاة فيه، انتهى. (١) سورة الأنعام: الآية ١٤١ . (٢) ((المغني)) (١٦٩/٤). ١١٩ ١٩ - كتاب الزكاة (١٩) باب (٦٧٠) حديث فَإِنْ أَصَابَتِ الثَّمَرَةَ جَائِحَةٌ، بَعْدَ أَنْ تُخْرَصَ عَلَى أَهْلِهَا، وَقَبْلَ أَنْ تُجَذَّ، فَأَحَاطَتِ الْجَائِحَةُ بِالثَّمَرِ كُلِّهِ، فَلَيْسَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةٌ، فَإِنْ بَقِيَ مِنَ الثَّمَرَ شَيءٌ، يَبْلُغُ خَمْسَةَ أَوْسُقِ فَصَاعِداً، بِصَاعِ النَّبِيِّ وََّ، أُخِذَ مِنْهُمْ زَكَاتُهُ، وَلَيْسَ عَلَيْهِمْ فِيمَا أَصَابَتِ الْجَائِحَةُ زَكَاَةٌ، وَكَذْلِكَ الْعَمَلُ فِي الْكَرْمِ أَيْضاً، (فإن أصابت الثمرة) بالنصب (جائحة) بالرفع (بعد أن تخرص على أهلها، وقبل أن تجذ) أي تقطع (فأحاطت الجائحة بالثمر كله، فليس عليهم صدقة) لوجوبها في عينها، وقد زالت ويبطل حكم الخرص المتقدم (فإن بقي) بعد الجائحة (من التمر) بالمثناة الفوقية في النسخ الهندية، وبالمثلثة في المصرية والمؤدى واحد. (شيء) أي مقدار (يبلغ خمسة أوسق فصاعداً) وهي ستون صاعاً (بصاع النبي (وَ ل18) يعني العبرة في خمسة أوسق لصاعه وَّل دون غيره من الاصع، وهي خمسة أرطال ومُدِّ عندهم، وسيأتي الكلام على ذلك في أبواب الفطر (أخذ منه) أي مما بقي، وفي المصرية: منهم، أي من أهل النخيل (زكاته) أي زكاة ما بقي (وليس عليهم فيما أصابت الجائحة زكاة) يعني فلا يؤخذ زكاة هالك من هذا الباقي. (قال مالك: وكذلك) أي مثل ما تقدم في التمر (العمل) أي الحكم (في الكرم) أي العنب (أيضاً) وفي ((المغني)) (١): قال أحمد: إذا خرص وترك في رؤوس النخل فعليهم حفظه، فإن أصابته جائحة فذهبت الثمرة، سقط عنهم الخرص ولم يؤخذوا به، ولا نعلم فيه خلافاً. قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن الخارص إذا خرص الثمرة، ثم أصابته جائحة، فلا شيء عليه إذا كان قبل الجذاذ وإن تلف بعض الثمرة. فقال القاضي: إن كان الباقي نصاباً ففيه الزكاة وإلا فلا، وهذا القول (١) (٤ / ١٧٠). ١٢٠ 11- قاها -مصد ۔ ۔۔