Indexed OCR Text

Pages 61-80

١٩ - كتاب الزكاة
(١٤) باب
(٦٦٢) حديث
وَذُلِكَ مُخَالِفٌ لِمَا أُفِيَدَ مِنْهَا، بِاشْتِرَاءٍ أَوْ هِبَةٍ أَوْ مِيرَاثٍ .
وإسحاق وأبي ثور وابن المنذر، وبه قال مالك إلا في الماشية، فإنه قال: لا
شيء فيها حتى يجيء المصدق، فإن هلكت قبل مجيئه فلا شيء عليه، اهـ.
وقال العيني في ((البناية)): الوجوب عند مالك بمجيء الساعي لا بحولان
الحول، وخالفه الأئمة، اهـ.
(وذلك) أي حكم النتاج (مخالف لما أَفيدَ مِنْهَا) أي من الماشية (باشتراءِ
أو هبة أو ميراثٍ) أي بسبب آخر غير النتاج يعني أن النتاج يُضَمُّ، والفائدة لا
تُضَم لأنها لا تحصل بسبب الأصل، والمراد بالضم تكميل النصاب، يعني إن
كان النصاب السابق ناقصاً يُكَمَّلُ بالنتاج، فيُضَمُّ معه، ويكون حوله حول
الأصل، بخلاف الفائدة فإنها لا يكون حولها حول الأصل، بل إن كان الأصل
ناقصاً يضم إلى الفائدة، ويعتبر الحول من يوم يكمل النصاب، وفيه خلاف
الحنفية، فإنه يضم عندهم مطلقاً سواء كان نتاجاً أو ربحاً، إلا أن الحول
عندهم لا يحسب إلا من وقت كمال النصاب، وبه قال الجمهور، كما تقدم
قريباً عن ابن رشد(١).
قال القاري في ((شرح النقاية)): يُضَمُّ المستفاد وسط الحول إلى نصاب
من جنسه سواء كان المستفاد بسبب من ذلك النصاب أو لم يكن، وقال
الشافعي ومالك: إن كان المستفاد بسبب من النصاب ضُمَّ، وإن لم يكن بسبب
منه لا يُضَمُّ، ثم ذكر الدلائل، فارجع إليه إن شئت.
وبمثل قولهما قالت الحنابلة. ففي ((الروض))(٢): فإن استفاد مالاً بإرثٍ
أو هبةٍ ونحوهما فلا زكاة فيه، حتى يحول عليه الحول إلا نتاج السائمة، وربح
التجارة، فحولهما حول أصليهما، اهـ.
(١) انظر: ((بداية المجتهد)) (١ /٢٧٤).
(٢) ((الروض المربع)) (٣٦٠/١).
٦١

١٩ - كتاب الزكاة
(١٤) باب
(٦٦٢) حديث
وَمِثْلُ ذُلِكَ الْعَرْضُ. لا يَبْلُغُ ثَمَنُهُ مَا تَجِبُّ فِيهِ الصَّدَقَةُ، ثُمَّ يَبِيعُهُ
صَاحِبُهُ فَيَبْلُغُ بِرِبْحِهِ مَا تَجِبُ فِيهِ الصَّدَقَةُ. فَيُصَدِّقُ رِبْحَهُ مَعَ رَأْسٍ
الْمَالِ. وَلَوْ كَانَ رِبْحُهُ فَائِدَةً أَوْ مِيرَاناً، لَمْ تَجِبْ فِيهِ الصَّدَقَةُ، حَتَّى
يَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ، مِنْ يَوْمَ أَفَادَهُ أَوْ وَرِثَهُ.
ثم مثَّلَ المصنفُ نماءَ الماشية بنماء العين توضيحاً للكلام وتفهيماً له
فقال: (ومثل ذلك) أي مثل النتاج (العَرْضُ) بالفتح أي عرض التجارة (لا يبلغُ
ثمنه ما تجبُ فيه الصدقة) أي لا يبلغ مقدار النصاب (ثم يبيعه) أي العرض
(صاحبه) أي المالك (فيبلغ) ثمنه (بربحه ما تجب فيه الصدقة) أي مقدار
النصاب کرجل اشترى عرضاً بمائة درهم ثم باعه بمائتي درهم.
(فيصدق) أي يؤدي صدقة (ربحه معَ رأس المالِ) إذا بلغ مجموعهما
النصاب، وتقدم الكلام على ربح المال، وتقدم أيضاً أن العبرة عند المالكية في
حول الربح حول الأصل خلافاً للجمهور.
(ولو كان ربحه) بالرفع اسم كان، والضمير إلى المال الذي كان عنده
موجوداً قبل ذلك، وإطلاق الربح عليه عندي مجاز، ولم أر أحداً من الشراح
تعرضه، لأن الربح والفائدة عندهم مقابلان، فالمراد بالربح ههنا مطلق النماء،
وإضافة الربح إلى المال الذي كان عنده أيضاً مجازي، ويحتمل أن يكون ربحه
فعل ماض، فضمير المفعول إلى المستفاد (فائدة) بالنصب خبر كان أو تمييز،
وتقدم تعريف الفائدة في محله (أو ميراثاً) تخصيص بعد تعميم؛ لأن الميراث
يدخل في الفوائد عندهم (لم تجب فيه) أي في النماء (الصدقة، حتى يحول
عليه الحول من يوم أفاده أو ورثه).
والحاصل أنه شبه نماء الماشية بنماء العين بأنه كما يُضَمُّ رِبحُ العين إلى
العين؛ لأنه يحصل منه، فكذلك يضمُّ نتاج الماشية إلى الماشية؛ لأنه يحصل
منها، وكما أن فائدة العين لا يضاف إلى العين السابق، بل إن كان العين
السابق نصاباً يعتبر حول الفائدة من يوم أفادها، وإن كان العين السابق ناقصاً
٦٢
..- ----

١٩ - كتاب الزكاة
(١٤) باب
(٦٦٢) حديث
قَالَ مَالِكٌ: فَغِذَاءُ الْغَنَمِ مِنْهَا، كَمَا رِبْحُ الْمَالِ مِنْهُ.
قَالَ مَالِكٌ: غَيْرَ أَنَّ ذُلِكَ يَخْتَلِفُ فِي وَجْهٍ آخَرَ. أَنَّهُ إِذَا كَانَ
لِلرَّجُلِ مِنَ الذَّهَبِ أَوِ الْوَرِقِ مَا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ، ثُمَّ أَفَادَ إِلَيْهِ مَالاً،
تَرَكَ مَالَهُ الَّذِي أَفَادَ، فَلَمْ يُزَكِّهِ مَعَ مَالِهِ الأَوَّلِ حِينَ يُزَكِّيهِ، حَتَّى
يَحُولَ عَلَى الْفَائِدَةِ الْحَوْلُ، مِنْ يَوْمَ أَفَادَهَا. وَلَوْ كَانَتْ لِرَجُلٍ غَنَمُ،
أَوْ بَقَرُّ، أَوْ إِبِلٌ، تَجِبُ فِي كُلِّ صِنْفٍ مِنْهَا الصَّدَقَةُ .
يضاف السابق إلى اللاحق، ويعتبر الحول من يوم الإفادة إن صار النصاب
كاملاً بمجموعهما. فكذلك فائدة الماشية إن كان السابق ناقصاً يضاف إلى
الفائدة، ويحسب الحول من حين كمال النصاب إلى أن السابق في الماشية إن
كان كاملاً تضاف الفائدة إلى السابق بخلاف كامل العين، وهذا هو الفرق بين
نماء الماشية ونماء العين، كما سينبّه عليه المصنف قريباً.
(قال مالك: فغذاء الغنم) أي سخالها (منها) أي من الغنم (كما أن رِبْح المالِ
منه) أي من المال، فذكر هذا الكلام بطريق النتيجة للكلام السابق بعد ذكر التشبيه
مفصلاً، ولما كان ظاهر هذا الكلام أن نماء العين وربح المال حكمهما واحد
مطلقاً، وقد كان بينهما اختلاف في بعض الأمور نبّه على ذلك بقوله.
(قال مالك: غيَرِ أنَّ ذلكَ) أي نماء العين ونماء الماشية (يختلفُ) فيما
بينهما (في وجه واحد) وفي النسخ المصرية: في وجه آخر، والمؤدى واحد،
وهو (أنه إذا كان للرجلِ مِن الذهبِ أو الوَرِقِ) أي العين (ما تجب فيه الزكاة)
أي مقدار النصاب (ثم أفادَ إليه مالا) آخر أي حصل له عين أخرى بطريق
الفائدة (ترك) المستفيد (ماله الذي أفاد) أي استفاد (فلم يزكه مع ماله الأول حين
يزكيه، حتى يحول على الفائدة الحول من يوم أفادها) يعني يزكي المال الأول
على حوله، ويزكي الفائدة على حولها .
(ولو كانت لرجلٍ غنمُ أَو بقرٌ أو إبلٌ) أي ولو كانت له ماشية بأي نوع
كانت (تجبُ في كل صنفٍ منها الصدقة) بالرفع فاعل تجب، والجملة صفة لغنم
٦٣

١٩ - كتاب الزكاة
(١٤) باب
(٦٦٢) حديث
ثُمَّ أَفَادَ إِلَيْهَا بَعِيراً، أَوْ بَقَرَةَ، أَوْ شَاةً، صَدَّقَهَا مَعَ صِنْفِ مَا أَفَادَ مِنْ
ذُلِكَ حِينَ يُصَدِّقُهُ، إِذَا كَانَ عِنْدَهُ مِنْ ذُلِكَ الصِّنْفِ الَّذِي أَفَادَ،
نِصَابُ مَاشِيَةِ .
قَالَ مَالِكٌ: وَهُذَا أَحْسَنُ مَا سَمِعْتُ فِي ذُلِكَ.
وأخواتها، والمراد كونها بمقدار النصاب (ثم أفاد إليها) أي الأنواع الثلاثة أي
نوع كانت (بعيراً أو بقرة أو شاة) نشر على غير اللف (صدَّقها) أي أدى صدقة
الفائدة (مع صنف ما أفاد من ذلك) المذكور من الأنواع الثلاثة (حين يصدّقه)
أي يؤدي صدقة هذا الصنف (إذا كانَ عنده من ذلك الصنف الذي أفاد) أي
استفاد (نصاب ماشية) بالرفع اسم كان.
وحاصل الكلام أن بينهما فرقاً بوجه واحد، وهو أن الماشية إذا استفاد
منها شيئاً، وعنده نصاب من جنسها، فحكم الفائدة في الحول حكم أصل
النصاب، وتضم الفائدة معه، وتزكى حين يزكي، وفي العين بخلاف ذلك يزكي
الفائدة لحولها والنصاب الذي كان عنده لحوله.
ولا يشتبه عليك هذه المسألة أي ضم فائدة الماشية إلى النصاب بما
تقدم قريباً من قوله، وذلك مخالف لما أفيد منها باشتراء أو هبة؛ لأن
المذكور ههنا ضم الفائدة إلى النصاب الكامل، فتضم إليه، وتؤدى معه،
وهناك كان النصاب ناقصاً، فلا تضم إلى الناقص، بل يضم الناقص إلى
الفائدة، فإن كانت المجموعة نصاباً حُسِب الحول من يوم الإفادة، وإن لم
يحصل من مجموعهما نصابٌ يُضَمَّان إلى الثالثة، وهكذا كما صرح به في
((الشرح الكبير)).
(قال مالك: وهذا أحسن ما سمعت في هذا كله) من الكلام المذكور في
هذا الباب من الفروع المختلفة المتقاربة.
٦٤

١٩ - كتاب الزكاة
(١٥) باب
(٦٦٣) حديث
(١٥) باب العمل في صدقة عامين إذا اجتمعا
٢٧/٦٦٣ - قَالَ يَحْيَى: قَالَ مَالِكٌ: الأَمْرُ عِنْدَنَا فِي الرَّجُلِ
تَجِبُ عَلَيْهِ الصَّدَقَةُ. وَإِبِلُهُ مَائَةُ بَعِيرِ. فَلَا يَأْتِيهِ السَّاعِي حَتَّى تَجِبَ
عَلَيْهِ صَدَقَةٌ أُخْرَى. فَيَأْتِهِ الْمُصَدِّقُ وَقَدْ هَلَكَتْ إِلُّهُ إلَّا خَمْسَ ذَوْدٍ.
قَالَ مَالِكٌ: يَأْخُذُ الْمُصَدِّقُ مِنَ الْخَمْسِ ذَوْدٍ، الصَّدَقَتَيْنِ اللَّتَيْنِ
وَجَبَنَا عَلَى رَبِّ الْمَالِ. شَاتَيْنِ: فِي كُلِّ عَامِ شَاءٌ. لأنَّ الصَّدَقَةَ إِنَّمَا
تَجِبُ عَلَى رَبِّ الْمَالِ يَوْمَ يُصَدِّقُ مَالَهُ.
(١٥) العمل في صدقة عامين إذا اجتمعتا
بتثنية المؤنث في النسخ الهندية أي الصدقتان، وبتثنية التذكير في المصرية
أي العامان، ثم كذلك الحكم لو اجتمعت الصدقة لأكثر من عامين، والمعنى
أن الرجل إذا لم يصدق لسنتين أو للأكثر منهما فكيف يؤدي صدقته؟(١).
٢٧/٦٦٣ - (قال يحيى: قال مالك: الأمر) المنقح (عندنا) بالمدينة (في
الرجل تجب عليه الصدقة) بوجود شرائطها (وإيله) مبتدأ (مائة بعير) بالإضافة
خبر والجملة تمثيل (فلا يأتيه الساعي) بعد السنة الأولى (حتى تجب عليه صدقة
أخرى) لمضي السنة الثانية (فيأتيه المصدق) أي الساعي بعد ذلك (وقد هلكت)
الجملة حالية (إيله) بالرفع أي ضاعت إبله كلها (إلا خمس ذودٍ) أي لم يبق
عنده سوى خمسة إبل (قال مالك: يأخذ المصدق) أي الساعي (من الخمس
دود) المذكورة (الصدقتين اللتين وجبتا على رب المال) لسنتين (شاتين) بيان
للصدقتين (في كل عام) خبر (شاة) بالرفع مبتدأ، تفصيلٌ للشاتين المذكورتين.
(لأنَّ الصدقَةَ إنما تجبُ على ربِّ المال يومٍ يُصَدَّقُ) ببناء المعلوم ويحتمل
المجهول (ماله) بالنصب أو الرفع وهو اليوم الذي يأتيه المصدق، وذلك لما قد
(١) انظر هذه المسألة في ((بداية المجتهد)) (٢٤١/١)، و((المغني)) (٦٨٥/٢)، و((فتح القدير))
(٥١٤/١)، و((بدائع الصنائع)) (١٥/٢)، و((الدر المختار)) (٢٨/٢).
٦٥

١٩ - كتاب الزكاة
(١٥) باب
(٦٦٣) حدیث
فَإِنْ هَلَكَتْ مَاشِيَتُهُ أَوْ نَمَتْ، فَإِنَّمَا يُصَدِّقُ الْمُصَدِّقُ زَكَاةَ مَا يَجِدُ يَوْمَ
يُصَدِّقُ.
علم سابقاً أن وجوب الصدقة في الأموال الظاهرة عند المالكية بيوم مجيء
الساعي، فإذا كان وجوبها بمجيئه فيعتبر المال أيضاً وقتئذ، وكان المال إذ ذاك
خمس ذود، فتؤخذ الصدقة أيضاً لخمس ذود، وهذا بيان دليل لأخذ الصدقة
من خمس ذود، لا مائة إبل.
ويوضح ذلك ما في ((المدونة)): قال ابن القاسم: قلنا لمالك: لو أن إماماً
شغل فلم يبعث المصدق سنين كيف يزكي إذا جاء؟ قال: يُزَكّي السنين الماضية
كل شيء وجده في أيديهم من الماشية، لما مضى من السنين على ما وجد في
أيديهم، قلت: أرأيت إن كانت خمساً من الإبل، فمضى لها خمس سنين لم يأته
فيها الساعي، فأتاه بعد الخمس سنين، فقال: عليه خمس شياه، اهـ.
قال الباجي(١): وهذا كما قال: إن من تأخر عنه الساعي وتلفت ماشيته،
فإنه لا يضمن ماشيتَه؛ لأن إمكان الأداء إلى الإمام من شرائط الوجوب في
الأموال الظاهرة، سواء تلفت بأمر من السماء، أو أتلفها هو من غير قصد
الفرار من الزكاة، هذا قول مالك وأصحابه، وقال أبو حنيفة: إن أتلفها هو
ضمن، اهـ.
------
قلت: هذا إذا أتلفها بعد الوجوب، أما لو أتلفها قبل الحول فلا ضمان
عليه عند الحنفية، كما صرح به ابن عابدين وغيره، فإطلاق الباجي مقيد، ولما
علم أن وجوب الصدقة لمجيء الساعي.
(فإن هلكت) أو أهلكت بدون نية الفرار (ماشيته) قبل مجيء الساعي (أو
نمت) أي زادت (فإنما يصدق المصدق) أي يأخذ الساعي (زكاة ما يجد يوم
يصدق) أي يوم يأخذُ الصدقة، ولما ذكر فيما مضى حكم عامين فقط، ولو كان
(١) ((المنتقى)) (١٤٥/٢).
٦٦
----
------ -

١٩ - كتاب الزكاة
(١٥) باب
(٦٦٣) حديث
وَإِنْ تَظَاهَرَتْ عَلَى رَبِّ الْمَالِ صَدَقَاتٌ غَيْرُ وَاحِدَةٍ، فَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ
يُصَدِّقَ إِلَّا مَا وَجَدَ الْمُصَدِّقُ عِنْدَهُ. فَإِنْ هَلَكَتْ مَاشِيَتُهُ أَوْ وَجَبَتْ
عَلَيْهِ فِيهَا صَدَقَاتٌ، فَلَمْ يُؤْخَذْ مِنْهُ شَيءٌ حَتَّى هَلَكَتْ مَاشِيَتُهُ كُلُّهَا .
أَوْ صَارَتْ إِلَى مَا لَا تَجِبُ فِيهِ الصَّدَقَةُ، فَإِنَّهُ لَا صَدَقَةَ عَلَيْهِ وَلا
ضَمَانَ فِيمَا هَلَكَ. أَوْ مَضَى مِنَ السِّنِينَ.
في حكهما الأعوام الكثيرة أيضاً، إلا أنه أراد أن يذكر حكمها أيضاً نصاً .
فقال: (وإن تظاهرت) أي جمعت (على رب المال صدقات غير واحدة)
أي إن كان مضى له أعوام كثيرة، لم يصدق فيها، ثم جاء الساعي (فليس عليه)
أي على رب المال (أن يصدق) أي يؤدي الصدقة (إلا ما وجد المصدق) أي
الساعي (عنده) أي عند رب المال.
(فإن هلكتْ ماشيتُهُ) قبل مجيء الساعي (أو وجبت عليه فيها) أي في
الماشية (صدقات) متعددة لو أتى الساعي كل عام، فإطلاق الوجوب مجاز، إذ
الوجوب عندهم بمجيء الساعي، ولم يوجد في الأعوام الماضية (فلم يؤخذ)
ببناء المجهول (منه) أي من المالك (شيء منها) أي من الصدقات.
(حتى هلكت ماشيته كلها، أو صارت إلى ما) أي صارت إلى مقدار (لا
تجب فيه الصدقة) لنقصها عن النصاب (فإنه لا صدقة عليه ولا ضمان فيما
هلك، أو مضى من السنين) كذا في المصرية(١) وهو الأوجه، وفي النسخ
الهندية بدله، ((ومضى من ماله)) فيكون بياناً لقوله: هلك.
قلت: وكذلك لا صدقة عليه لو بقي بعد أخذ صدقة بعض السنين أقل
من النصاب، مثلاً إذا جاء المصدِّق بقي بيده إحدى وأربعين شاة، وقد غاب
عنها خمس سنين، لم يأخذ منها إلا شاتين فقط؛ لأنها قد قصرت بذلك عن
النصاب، صرح به الباجي.
(١) وكذا في ((الاستذكار)) (١٨٦/٩) أيضاً.
٦٧

١٩ - كتاب الزكاة
(١٥) باب
(٦٦٣) حديث
قال الزرقاني(١): وأصل هذه المسألة فصلان؛ هل الزكاة متعلقة بالذمة أو
بالعين؟ وهل مجيء الساعي شرط وجوب أم لا؟ والمذهب أنها تجب بمجيء
الساعي، وأنها متعلقة بالعين، أشار إليه الباجي(٢)، اهـ.
قلت: وتقدم الكلام على الوجوب بمجيء الساعي، وأما تعلقها بالعين
أو الذمة فمذهب الحنفية فيه أنها متعلقة بالعين، صرح به في ((الدر المختار))
وغيره .
وقال الموفق(٣): الزكاة تجب في الذمة في إحدى الروايتين عن أحمد،
وأحد قولي الشافعي؛ لأن إخراجها من غير النصاب جائز، والثانية أنها تجب
في العين، وهو القول الثاني للشافعي، وهذه الرواية هي الظاهرة عند بعض
أصحابنا لقول النبي وَلجر: ((في أربعين شاة شاة))، وقوله: ((فيما سقت السماء
العشر))، وغير ذلك من الألفاظ الواردة بحرف ((في))، وهي للظرفية، وإنما جاز
الإخراج من غير النصاب رخصة.
وفائدة الخلاف أنها إذا كانت في الذمة، فحال على ماله حولان لم يؤد
زكاتهما، وجب عليه أداؤها لما مضى، ولا تنقص عنه الزكاة في الحول
الثاني، فلو كان عنده أربعون شاة مضى عليها ثلاثة أحوال وجب عليه ثلاث
شياه، وإن قلنا: تتعلق بالعين، وكان النصاب مما تجب الزكاة في عينه،
فحالت عليه أحوال لم تؤد زكاتها، تعلقت الزكاة في الحول الأول من النصاب
بقدرها، فإن كان نصاباً لا زيادة عليه، فلا زكاة فيه فيما بعد الحول الأول؛
لأن النصاب نقص فيه، انتهى.
(١) (١٢٣/٢).
(٢) ((المنتقى)) (١٤٥/٢).
(٣) («المغني)) (١٤٠/٤).
٦٨
---

١٩ - كتاب الزكاة
(١٦) باب
(٦٦٤) حديث
(١٦) باب النهي عن التضييق على الناس في الصدقة
٢٨/٦٦٤ - حَدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ،
عَنْ مُحَمَّدٍ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ، عَنِ الْقَاسِمَ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَائِشَةَ
زَوْجِ النَّبِيِّ بَ﴿؛ أَنَّها قَالَتْ: مُرَّ عَلَى عْمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ بِغَنَمْ مِنَ
الصَّدَقَةِ. فَرَأَى فِيهَا شَاةً حَافِلاً ذَاتَ ضَرْعٍ عَظِيمٍ. فَقَالَ عُمَرُ: مَا
هُذِهِ الشَّاءُ؟ فَقَالُوا: شَاةٌ مِنَ الصَّدَقَةِ. فَقَّالَ عُمَّرُ: مَا أَعْطَى هَذِهِ
أَهْلُهَا وَهُمْ طَائِعُونَ .
(١٦) النهي عن التضييق على الناس في الصدقة
٢٨/٦٦٤ - (مالك، عن يحيى بن سعيد) الأنصاري (عن محمد بن
يحيى بن حبان) بفتح المهملة والموحدة الثقيلة (عن القاسم بن محمد، عن
عائشة زوج النبي ◌ّهر، أنها قالت: مُرَّ) ببناء المجهول (على عمر بن الخطاب
بغنم من) أموال (الصدقة، فرأى فيها شاة حافلاً)(١) أي مجتمعاً لبنها ومنه
المحفّلَة (ذات ضرع) بفتح الضاد المعجمة وسكون الراء المهملة ثدي (عظيم)
أي كانت عظيم الثدي لأجل حفل اللبن أو خلقة، والمعنى على كل حال أنها
كانت من أخيار الغنم.
(فقال عمر بن الخطاب: ما هذه الشاة؟) أي من أين جاءت (فقالوا: شاةً
من الصدقة، فقال عمر) - رضي الله عنه -: (ما أُعطَى هذه) الشاةَ (أهلُها) بالرفع
فاعل أعطى (وهم طائعون) يريد أن أهلها لا بد أن كرهوا إعطاءها لما فيها من
كثرة اللبن، وعظم الضرع، وكونها من خيار الأموال؛ لأن الأغلب من أحوال
الناس أنهم كرهوا إعطاء أمثالها .
ويشكل عليه أنه ليس في الأثر أن عمر - رضي الله عنه - أمر بردّها،
وأجاب عنه الباجي، بأنه يحتمل أن عمر - رضي الله عنه - قد أُعْلِمَ أن صاحبها
(١) التي قد امتلأ ضرعها لبناً، كذا في ((الاستذكار)) (٩/ ١٩٠).
٦٩

١٩ - كتاب الزكاة
(١٦) باب
(٦٦٤) حديث
لا تَفْتِنُوا النَّاسَ. لا تَأْخُذُوا حَزَرَاتِ الْمُسْلِمِينَ.
قد طابت بها نفسُه، وقال أبو عمر(١): إنما أُخِذَتْ - والله أعلم - من غنم كلُّها
لَبُونٍ، كما لو كانت كلُّها مواخِضَ أخذ منها، ولذا لم يأمر عمر - رضي الله
عنه - بردِّها، وردّه ابن زرقون بأن مشهور المذهب أن الساعي لا يأخذ منها
ولربها أن يأتيه بما فيه وفاء.
قلت: هذا الردُّ مختصِّ بمسلك المالكية، إذ قالوا: بلزوم الوسط، ففي
((الشرح الكبير))(٢): لزم الوسط ولو انفرد الخيار، كماخِضٍ وذات لبنٍ وفحلٍ
إلا أن يتطوع المالك، انتهى. وأما على مسلك الحنفية فما أجاب به أبو عمر
صحيح، ففي ((الدر المختار)): والمصدِّق لا يأخذ إلا الوسط ولو كله جيداً
فجیدٌ، انتھی.
(لا تَفْتِنوا) بكسر التاء الثانية (الناس) أصل الفتنة الاختبار، لا أنها
استعملت فيما يصرف الناس من الحق إلى الباطل، قلت: والمعنى: لا تفسدوا
الناس ولا تُنَفِّرُوهم عن الدين بازدياد الثقل عليهم.
(لا تأخذوا حَزَرَاتِ المسلمين) بفتح الحاء المهملة وتقديم الزاي المعجمة
المفتوحة على الراء المهملة، جمع حَزْرَة بسكون زاي هي خيار مال الرجل،
لأن صاحبها لا يزال يحزرها أي يخرصها في نفسه، كذا في ((المجمع))، يطلق
على الذكر والأنثى، ويروى حرزات بتقديم الراء على الزاي، قال صاحب
((المجمع)): المشهور الأول، قال ابن الهمام: بالفتحات جمع حزرة بتقديم
الزاي المعجمة على الراء في اللغة المشهورة، ذكره في ((النهاية))، وهو خيار
المال، وفي الأصل كأنه الشيء المحبوب للنفس. وذكر عدة روايات وردت
فيها المنع عن أخذ الحزرات.
..........
(١) انظر: ((الاستذكار)) (١٩٠/٩).
(٢) (٤٣٥/١).
٧٠
---- --

١٩ - كتاب الزكاة
(١٦) باب
(٦٦٤) حديث
نَكِّبُوا عَنِ الطَّعَامِ .
وحدّثني عَنْ مَالِكٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ مُحَمَّدٍ بْنِ
يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ؛ أَنَّه قَالَ: أَخَبَرَنِي رَجُلانِ مِنْ أَشْجَعَ، أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ
مَسْلَمَةَ الأَنْصَارِيَّ كَانَ يَأْتِيهِمْ مُصَدِّفاً. فَيَقُولُ لِرَبِّ الْمَالِ: أَخْرِجْ إِلَيَّ
صَدَقَةَ مَالِكَ. فَلَا يَقُودُ إِلَيْهِ شَاةً فِيهَا وَفَاءٌ مِنْ حَقَّةٍ إِلَّا قَبِلَهَا .
(نكّبوا) بتشديد الكاف، كما في الحاشية عن ((المحلى))، أي تنحوا، قال
المجد: نكّبه تنكيباً نحّاه، لازم ومتعدٍ (عن الطعام) أي ذواتِ الدَّرِّ، قال
موسى بن طارق: قلت لمالك: ما معناه؟ فقال: لا يأخذ المصدق لبوناً، وقال
الباجي(١): أي اعدلوا بأخذكم عما يكون منه الطعام لأرباب المواشي. وفي
((المجمع)): يريد الأكولة وذوات اللبن ونحوهما، أي أعرضوا عنها، ولا
تأخذوها في الزكاة.
(مالك، عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن يحيى بن حبان، أنه قال :
أخبرني رجلان من أشجع) بفتح الهمزة وإسكان المعجمة فجيم قبيلة مشهورة (أن
محمد بن مسلمة) بن سلمة (الأنصاري) صحابي مشهور مات بعد الأربعين، كذا
في ((التقريب)) (كان يأتيهم مصدَّقاً) أي ساعياً للصدقة (فيقول لرب المال: أخرج
إلي صدقة مالك).
قال الباجي(٢): وهذا على سبيل التفويض إليه، وهو من السنة أن
الاختيار إليه، وأنه من أخرج شاة سليمة يجوز مثل سنها في الزكاة أن يأخذها
لأن التعيين لرب الماشية دون المصدق، انتهى (فلا يقود) رب المال (إليه) أي
محمد بن مسلمة (شاة) مفعول ليقود (فيها وفاءً من حقه) أي المصدق (إلا
قبلها) .
(١) ((المنتقى)) (١٥٠/٢).
(٢) ((المنتقى)) (١٥٠/٢).
٧١

١٩ - كتاب الزكاة
(١٧) باب
(٦٦٤) حديث
قَالَ مَالِكٌ: السُّنَّةُ عنِدْنَا، وَالَّذِي أَدْرَكْتُ عَلَيْهِ أَهْلَ الْعِلْم
بِبَلَدِنَا، أَنَّهُ لا يُضَيَّقُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فِي زَكَاتِهِمْ. وَأَنْ يُقْبَلَ مِنْهُمْ مَا
دَفَعُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ.
(١٧) باب أخذ الصدقة ومن يجوز له أخذها
(قال مالك: السنة عندنا، والذي أدركت عليه أهل العلم ببلدنا، أنه لا يضيق)
العامل (على المسلمين) أي أرباب الأموال (في زكاتهم، وأن يقبل منهم ما دفعوا) إليه
(من) زكاة (أموالهم) وقال النبي ◌َّ لمعاذ: ((إياك وكرائم أموالهم، واتَّقِ دعوةَ المظلوم،
فإنه ليس بينه وبين الله حجاب))(١). وقال النبي وَّ: ((المعتدي في الصدقة كمانِعِها))(٢).
قلت: وظاهر ما في ((الموطأ)) أن الخيار في ذلك إلى المالك، لكن في الفروع
تفصيل، ففي بعضها خُيّر الساعي دون بعضها، وقالت الحنفية: إن الخيار للمالك،
قال السرخسي: الخيار إلى صاحب المال إن شاء أدّى القيمة، وإن شاء أدّى سناً
دون الواجب، وفَضَّلَ القيمة، وإن شاء أدّى سناً فوق الواجب، واستردّ الفضل،
حتى إذا عين شيئاً فليس للساعي أن يأبى ذلك؛ لأن صاحب الشرع اعتبر التيسير على
أرباب الأموال، وإنما يتحقق ذلك إذا كان الخيار لصاحب المال، انتهى.
قلت: لكن الحنفية مختلفة في صورة أداء الأعلى واسترداد الفضل، لأنه
بيع يتوقف على تراضي الطرفين كما بسطه ابن عابدين.
(١٧) آخذ(٣) الصدقة ومن يجوز له أخذها
(آخذُ الصدقة) على زنة العامل، وبمعناه، فالمراد بيان العامل كم يُعطى
من الصدقة؟ وسيأتي في آخر الباب، ويحتمل أن لا يختصّ بالعامل، فيكون
قوله: (ومن يجوز له أخذها) عطف تفسير، والأوجه عندي الأول للتأسيس
(١) أخرجه البخاري في ((باب وجوب الزكاة)) (١٣٩٥).
(٢) أخرجه أبو داود في الزكاة (١٥٨٥).
(٣) في نسخة ف أخذ.
٧٢
-----

١٩ - كتاب الزكاة
(١٧) باب
(٦٦٥) حديث
٢٩/٦٦٥ - حَدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَم، عَنْ
عَطَاءِ بْنِ يَسَارِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ مَّهِ قَالَ: ((لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيِّ، ..
فيكون الغرض بيان أحكام العامل خاصة وآخذي الصدقة عامة.
٢٩/٦٦٥ - (مالك، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار) مرسل في
((الموطأ)) ووصله أحمد وأبو داود وابن ماجه والحاكم من طريق معمر عن
زيد بن أسلم عن عطاء عن أبي سعيد الخدري(١) (أن رسول الله وَالز قال: لا
تحل الصدقة) أي الصدقة الواجبة لا صدقة التطوع (الغني) حكى القاري (٢) عن
(المحيط)): الغنى على ثلاثة أنواع: غِنىَ يوجب الزكاة، وهو ملك نصاب
حولي نام، وغنىَ يُحرم أخذ الصدقة، ويوجب صدقة الفطر والأضحية، وهو
ملك ما يُبلغ قيمة نصاب من الأموال الفاضلة عن حاجته الأصلية، وغنىً يحرم
السؤال دون الصدقة، وهو أن يكون له قُوْت يومه وما يستر عورته، انتهى.
وقال ابن رشد(٣): وأما حدُّ الغنى الذي يمنع من الصدقة فذهب الشافعي
إلى أن المانع هو أقل ما ينطلق عليه الاسم، وذهب أبو حنيفة إلى أن الغني هو
مالك النصاب، لأنهم الذين سماهم النبي ◌ّ﴾ أغنياء لقوله عليه السلام: ((تؤخذ
من أغنيائهم وتُرَدُّ على فقرائهم))، وإذا كان الأغنياء هم الذين هم أهل النصاب
وجب أن يكون الفقراء ضدهم، وقال مالك: ليس في ذلك حدٍّ، إنما هو راجع
إلى الاجتهاد.
وسبب اختلافهم هل الغنى المانع أمر شرعي أو معنى لغوي؟ فمن قال:
معنى شرعي، قال: وجود النصاب هو الغنى، ومن قال: معنى لغويُّ اعتبر في
ذلك أقل ما ينطلق عليه الاسم، فمن رأى أن أقل ما ينطلق عليه الاسم محدود
(١) انظر: ((التمهيد)) (٩٥/٥).
(٢) ((مرقاة المفاتيح)) (١٦٩/٤).
(٣) (بداية المجتهد)) (٢٧٦/١).
٧٣

١٩ - كتاب الزكاة
(١٧) باب
(٦٦٥) حديث
حدّه به، ومن رأى أنه يختلف باختلاف الأشخاص والحالات والأزمنة
والأمكنة وغير ذلك، قال: إنه راجع إلى الاجتهاد، انتهى.
قال الجصاص(١) بعد ذكر الحديث: «تؤخذ من أغنيائهم وتردُّ إلى
فقرائهم))، بعدة طرق، وعدة روايات: ولما كان الغَنِيُّ هو الذي ملك مائتي
درهم وما دونها لم يكن غنياً وجب أن يكون داخلاً في الفقراء، وهذا هو
مستدل الحنفية في ذلك.
وبسط ذلك الموفق في ((المغني))(٢) إذ قال: اختلف العلماء في الغنى
المانع من أخذها، ونُقِل عن أحمد فيه روايتان، أظهرهما أنه ملك خمسين
درهماً، أو قيمتها من الذهب، أو وجود ما تحصل به الكفاية على الدوام من
كسب أو تجارة أو عقار أو نحو ذلك، ولو ملك من العروض أو الحبوب أو
السائمة أو العقار ما لا تحصل به الكفاية لم يكن غنياً، وإن ملك نصاباً، هذا
هو الظاهر من مذهبه، وهو قول الثوري والنخعي وابن المبارك وإسحاق،
وروي عن علي وعبد الله أنهما قالا: لا تحل الصدقة لمن له خمسون درهماً أو
عِدْلها أو قيمتها من الذهب.
وذلك لما روى عبد الله بن مسعود مرفوعاً: ((من سأل وله ما يغنيه جاءت
مسألته يوم القيامة خموشاً أو خدوشاً أو كدوحاً في وجهه، فقيل: يا رسول الله،
ما الغِنى؟ قال: خمسون درهماً أو قيمتها من الذهب))، رواه أبو داود(٣)
والترمذي وحسَّنه.
والرواية الثانية: أن الغنى ما تحصل به الكفاية، فإذا لم يكن محتاجاً
(١) انظر: ((أحكام القرآن)) (١٢٩/٣).
(٢) (١١٨/٤).
(٣) ((سنن أبي داود)) (١١٦/٢)، و((سنن الترمذي)) (٤٠/٣) رقم الحديث (٦٥٠).
٧٤
------ ---
--- --
-----

١٩ - كتاب الزكاة
(١٧) باب
(٦٦٥) حديث
حرمت عليه الصدقة، وإن لم يملك شيئاً، وإن كان محتاجاً حلّت له الصدقة،
وإن كان ملك نصاباً، والأثمان وغيرها في هذا سواء، وهذا اختيار أبي
الخطاب وابن شهاب العُكْبَرِيّ، وقول مالك والشافعي؛ لقوله ◌َلّ لقبيصة: ((لا
تحل المسألة إلا لأحد ثلاثة: رجل أصابته فاقة حتى يقول ثلاثة من ذوي
الحجى ... )) الحديث، رواه مسلم وأبو داود(١).
فمدّ إباحة المسألة إلى وجود إصابة القوام أو السداد، ولأن الحاجة هي
الفقر، والغنى ضدها، فمن كان محتاجاً فهو فقير يدخل في عموم النص، ومن
استغنى دخل في عموم النصوص المحرمة، والحديث الأول فيه ضعف، ثم
يجوز أن تحرم المسألة، ولا يحرم أخذ الصدقة إذا جاءته من غير مسألة، فإن
المذكور فيه تحريم المسألة فنقتصر عليه.
وقال الحسن وأبو عبيد: الغنى ملك أوقية وهي أربعون درهماً؛ لما روى
أبو سعيد الخدري مرفوعاً ((من سأل وله قيمة أوقية فقد ألحف))، رواه
أبو داود(٢).
وقال أصحاب الرأي: الغنى الموجب للزكاة هو المانع عن أخذها، وهو
ملك نصاب، لحديث: ((تؤخذ من أغنيائهم وتُرَدُّ على فقرائهم))، فجعل الأغنياء
من تجب عليهم الزكاة، فيدل ذلك على أن من تجب عليه غني، ومن لا تجب
ليس بغني، فيكون فقيراً فتدفع الزكاة إليه.
فيحصل الخلاف بيننا وبينهم في ثلاثة أمور: أحدها: أن الغنى المانع من
الزكاة غير الموجب لها عندنا، الثاني: أن من له ما يكفيه من مال غير زكائِيٍّ
(١) ((صحيح مسلم)) (٧٢٢/٢) و((سنن أبي داود)) (٣٨١/١) ح (١٦٤٠).
(٢) في: باب من يعطى من الصدقة وحدّ الغنى، من كتاب الزكاة، ((سنن أبي داود))
(٣٧٨/١).
٧٥

١٩ - كتاب الزكاة
(١٧) باب
(٦٦٥) حديث
أو من مكسبه أو أجرة عقارات أو غيره ليس له الأخذ من الزكاة، وبهذا قال
الشافعي وإسحاق وأبو عبيدة وابن المنذر، وقال أبو يوسف: إن دفع الزكاة إليه
فهو قبيح، وأرجو أن يجزئه، قال أبو حنيفة وسائر أصحابه: يجوز دفع الزكاة
إليه، لأنه ليس بغني.
ولنا، ما روى الإمام أحمد بسنده إلى عبيد الله بن عدي عن رجلين من
أصحاب النبي ◌َّ أنهما أتيا رسول الله وَلَه، فسألاه الصدقة، فصَعَّدَ فيهما
البصر، فرآهما جَلْدَين، فقال: ((إن شئتما أعطيتكما ولا حظّ فيها لِغَنِي، ولا
لِقَوىٍ مكتسبٍ))، قال أحمد: ما أجوده من حديث، وقال: هو أحسنها إسناداً،
وروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: أن النبي بَّ قال: ((لا تحل الصدقة
لغني ولا لذي مرَّةٍ سوي))، رواه أبو داود والترمذي، وقال: حسن صحيح، إلا
أن أحمد قال: لا أعلم فيه شيئاً يصح، قيل: فحديث سالم بن أبي الجعد،
عن أبي هريرة؟ قال: سالم لم يسمعه من أبي هريرة، ولأن له ما يغنيه عن
الزكاة فلم يجز الدفع إليه، كمالك النصاب.
الثالث: أن من ملك نصاباً زكائيّاً لا تتم به الكفاية من غير الأثمان فله
الأخذ من الزكاة، قال الميموني: ذاكرت أبا عبد الله فقلت: قد تكون للرجل
الإبل والغنم تجب فيها الزكاة، وهو فقير، ويكون له أربعون شاة، وتكون لهم
الضيعة لا تكفيه، فيعطى من الصدقة؟ قال: نعم، وذكر قول عمر: أعطوهم
وإن راحت عليهم من الإبل كذا وكذا .
٠٠٠
وقال في رواية محمد بن الحكم: إذا كان له عقار يُشغله أو ضَيْعة تساوي
عشرة آلاف درهم أو أقل أو أكثر لا تُقِيمه يأخذ من الزكاة، وهذا قول
الشافعي، وقال أصحاب الرأي: ليس له أن يأخذ منها إذا ملك نصاباً زكائيّاً،
ولنا، أنه لا يملك ما يغنيه فجاز له الأخذ .. إلى آخر ما بسطه.
٧٦
۔

١٩ - كتاب الزكاة
(١٧) باب
(٦٦٥) حديث
إلَّا لِخَمْسَةِ :
(إلا لخمسة) الآتي ذكرها، قال الزرقاني (١) تبعاً للباجي: فتحلّ لهم وهم
أغنياء؛ لأنهم أخذوها بوصف آخر، وقال ابن رشد(٢): الجمهور على أنه لا
تجوز الصدقة للأغنياء بأجمعهم إلا للخمس الذين نص عليهم النبي وَلّ في
قوله هذا، وروي عن ابن القاسم: أنه لا يجوز أخذ الصدقة لغني أصلاً
مجاهداً كان أو عاملاً، وسبب اختلافهم هو هل العلة في إيجاب الصدقة
للأصناف المذكورين هو الحاجة فقط، أو الحاجة والمنفعة العامة؟ إلى آخر ما
قاله .
وفي ((البدائع))(٣): أما الذي يرجع إلى المؤدى إليه فأنواع؛ منها: أن
يكون فقيراً فلا يجوز صرف الزكاة إلى الغني إلا أن يكون عاملاً عليها، لقوله
تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَتُ لِلْفُقَرَآءِ﴾ الآية خرجت لبيان مواضع الصدقات
ومصادرها ومستحقيها، وهم وإن اختلفت أساميهم، فسبب الاستحقاق في
الكل واحد، وهو الحاجة، إلا العاملين عليها فإنهم مع غناهم يستحقون
العمالة، لأن السبب في حقهم العمالة، ثم فسر الآية بالبسط.
وقال الجصاص في ((أحكام القرآن))(٤) بعد تفسير الآية: وجميع من يأخذ
الصدقة من هذه الأصناف، فإنما يأخذها صدقة بالفقر والمؤلفة قلوبهم
والعاملون عليها لا يأخذونها صدقة، وإنما تحصل الصدقة في يد الإمام
للفقراء، ثم يعطي الإمام المؤلفة منها لدفع أذيتهم عن الفقراء وسائر المسلمين،
ويعطيها العاملين عوضاً من أعمالهم لا على أنها صدقة عليهم، وإنما قلنا ذلك
لقول النبي ◌َّ: (أمرت أن آخذ الصدقة من أغنيائكم وأردها في فقرائكم)) فبَيَّنَ
(١) (٢ /١٢٥).
(٢) (٢٧٦/١).
(٣) (١٤٩/٢).
(٤) (١٢٨/٣).
٧٧

١٩ - كتاب الزكاة
(١٧) باب
(٦٦٥) حديث
لِغَازٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ،
أن الصدقة مصروفة إلى الفقراء، فدل ذلك على أن أحداً لا يأخذها صدقة إلا
بالفقر، وأن الأصناف المذكورين إنما ذكروا بياناً لأسباب الفقر، انتهى.
وفي ((المرقاة))(١): قال ابن الهمام: قيل: لم يثبت هذا الحديث، أي الذي
في ((الموطأ)) ولو ثبت لم يقوِ قوة حديث معاذ، فإنه رواه أصحاب الكتب الستة
مع قرينة من الحديث الآخر، يعني قوله: ((لا تحل الصدقة لغني))، ولو قوي قوته
ترجح حديث معاذ بأنه مانع، وما رواه مبيح مع أنه دخله التأويل عندهم حيث
قيد للأخذ له بأن لا يكون له شيء من الديوان، ولا أخذ من الفيء وهو أعمُّ من
ذلك، وذلك يضعف الدلالة بالنسبة إلى ما لم يدخله تأويل، انتهى.
قال القاري في ((شرح النقاية)): ولنا ما في أبي داود والترمذي من حديث
عبد الله بن عمرو بن العاص: أن رسول الله وَ لّ قال: ((لا تحل الصدقة لغني
ولا لذي مِرَّةٍ سَوِيٍّ)، رواه الحاكم وقال: صحيح على شرطهما، انتهى.
(لغازٍ في سبيل الله) هذا أحد التفاسير في قوله تعالى في مصارف
الصدقة: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾، قال الباجي: هو الغزو والجهاد، وقاله مالك
وجمهور الفقهاء، وقال ابن حنبل: هو الحج، قلت: وبالأول قال أبو يوسف
وبالثاني قال محمد، كما في ((البذل))(٢).
----
وفي ((البدائع))(٣): في سبيل الله عبارة عن جميع القرب فيدخل فيه كل من
سعى في طاعة الله وسبيل الخيرات إذا كان محتاجاً، قلت: لكن المراد ههنا
هو الأول لتقييد الحديث بغازٍ في سبيل الله.
: والجملة أن ههنا اختلافين، الأول: في أن المراد بسبيل الله المطلق في
(١) ((مرقاة المفاتيح)) (٤ /١٧١).
(٢) انظر: ((بذل المجهود)) (١٧٢/٨).
(٣) (١٥٤/٣).
٧٨

١٩ - كتاب الزكاة
(١٧) باب
(٦٦٥) حديث
الآية الحاج أو الغازي، والثاني: أن الاستثناء في الحديث عن الغنى أو
المستثنى مقيد بالفقر، وإطلاق الغنى عليه مجاز باعتبار ما كان.
قال الباجي(١): لا بأس أن يعطى من الزكاة للغازي وإن كان معه ما
يُغْنِيه، وإن لم يأخذ فهو أفضل، هذا قول مالك، وبه قال الشافعي، وقال
أبو حنيفة: لا يعطى للغازي الغني شيء من الصدقة، ولا يحل له أخذها،
انتھی .
قلت: وذلك لاشتراط الفقر في الروايات التي تقدمت قريباً، وتقدم أيضاً
أن هذه الرواية لا تقاومها، وعلى تقدير التسليم فتوجيهه ما في ((البدائع))(٢) إذا
قال: وأما استثناء الغازي فمحمول على حال حدوث الحاجة، وسماه غنياً على
اعتبار ما كان قبل حدوث الحاجة، وهو أن يكون غنياً، ثم تحدث له
الحاجة .. إلى آخر ما بسط.
وفي ((شرح الإحياء)): قال أبو حنيفة - رضي الله عنه -: هذا السهم
مخصوص بجنس خاص من الغزاة، وهو الفقير المنقطع منهم، وبه فسر في
سبيل الله، وبه قال أبو يوسف، هو المفهوم من اللفظ عند الإطلاق، فلا
يُصْرَفُ إلى أغنياء الغُزَاة، واختاره النسفي، وقال الإسبيجابي: هو الصحيح،
وقال الإتقاني: هو الأظهر واقتصر عليه، واستدل عليه بحديث معاذ. وقال: ما
قيل: إن الفقراء في حديث معاذ صنف واحد كما قاله ابن الجوزي غير
صحيح، فإن ذلك المقام مقام إرسال البيان لأهل اليمن وتعليمهم، ثم بسط في
تقرير أن المناط في الأصناف الثمانية غير العامل الفقر.
ثم قال: وما استدل به أصحاب الشافعي من الحديث المذكور، أي
(١) ((المنتقى)) (١٥٤/٢).
(٢) ((بدائع الصنائع)) (١٥٥/٢).
٧٩

١٩ - كتاب الزكاة
(١٧) باب
(٦٦٥) حدیث
أَوْ لِعَامِلِ عَلَيْهَا ،
حديث الباب، فالجواب عنه من وجوه، قيل: إنه لم يثبت، ولو ثبت لم يَقْو
قوةَ حديث معاذ، فإنه اتفق عليه الستة، ولو قَوِيَ قوتَه ترجّحَ حديثُ معاذ بأنه
مانع، وما رواه مبيحٌ مع أنه دخله التأويل عندهم، حيث قيد الأخذ له بأن لا
يكون له شيء من الديوان، ولا أخذ من الفيء وهو أَعمُّ من ذلك، وذلك
يضعف الدلالة بالنسبة إلى ما لم يدخله، انتهى.
(أو لعامل عليها) أي على الصدقة قال تعالى: ﴿ وَاُلْعَمِلِينَ عَلَيْهَا﴾ قال
الكاساني: هم الذين نصبهم الإمام لجباية الصدقة، وقال أيضاً: الساعي هو
الذي يسعى في القبائل ليأخذ صدقة المواشي في أماكنها، والعاشر: هو الذي
يأخذ الصدقة من التاجر الذي يمر عليه، والمصدق اسم جنس، انتهى.
وقال العيني(١): اتفق العلماء على أن العامل على الصدقات هم السُعاة
المتولون قبض الصدقات، وإنهم لا يستحقون على قبضها جزءاً منها معلوماً
سُبْعاً أو ثُمْناً، وإنما له أجر عمله على حسب اجتهاد الإمام، انتهى.
قلت: وههنا عدة أبحاث:
الأول: مما حكى العيني عليه الاتفاق أن العامل لا يستحق جزءاً معلوماً،
وكذا حكى عليه الإجماع الجصاص في ((أحكام القرآن))، فقال: لا نعلم خلافاً
بين الفقهاء، وأنهم لا يعطون الثُمْنَ وأنهم يستحقون منها بقدر عملهم، انتهى.
واختلفت نقلة المذاهب في ذلك، قال الكاساني(٢): اختلف فيما
يعطون، قال أصحابنا: يعطيهم الإمام كفايتهم منها، وقال الشافعي: يعطيهم
الثُمْنَ، ثم ذكر دلائل الفريقين، وكذا حكى الخلاف غيره، والصواب كما في
متون الشافعية: أن العامل عندهم مستثنى من التسوية بين الأصناف الثمانية،
(١) ((عمدة القاري)) (٥٦٩/٦).
(٢) انظر: ((بدائع الصنائع)) (١٤/٢).
٨٠
---
--