Indexed OCR Text
Pages 21-40
١٩ - كتاب الزكاة
(١٢) باب
(٦٦٠) حديث
الْجَوَامِيسُ أَكْثَرَ، فَلْيَأْخُذْ مِنْهَا، فَإِنِ اسْتَوَتْ، فَلْيَأْخُذْ مِنْ أَيَّتِهِمَا شَاءَ،
فَإِذَا وَجَبَتْ فِي ذُلِكَ الصَّدَقَةُ، صُنِّقَ الصِّنْفَانِ جَمِيعاً.
قَالَ يَحْيَىُ: قَالَ مَالِكٌ: مَنْ أَفَادَ .
+
الجواميس أكثر فليأخذ منها) أي الجواميس الصدقةَ كلها (فإن استوت فليأخذ من
أيتهما شاء) إذا كانت في كل واحد منهما السن الواجبة، وإلا تعين الموجود،
ولا يجبر على شراء النوع الآخر (فإذا وجبت في ذلك الصدقة) بالضم (صُدِّق)
بتشديد الدال ببناء المجهول (الصنفان جميعاً).
قال الباجي(١): يحتمل أن يريد بذلك أنه إذا وجبت فيها واحدة أخرجت
على ما تقدم ذكره، وكان ذلك صدقة عن الصنفين، ويحتمل أن يريد به إن
وجبت في كل صنف من ذلك الصدقة صُدِّق، انتهى.
قلت: وحاصله: أن كلام المصنف يحتمل التأكيد لما سبق، ويحتمل
البيان لمسألة مستأنفة، أما على الاحتمال الأول فيكون تقدير العبارة؛ أنه إذا
وجبت في ذلك - أي المذكور من الأنواع المختلفة - الصدقة بالضم، ثم أدى
الصدقة على التفصيل المذكور، صدق الصنفان - أي أديت الصدقة عن الصنفين
المذكورين - جميعاً، وعلى هذا الاحتمال يكون الغرض بذكر هذا الكلام دفع
ما يتوهم أنه إذا أدى من أحد النوعين يبقى النوع الآخر غير مصدق.
وأما على الاحتمال الثاني، فيكون المعنى إذا وجبت في ذلك - أي كل
من النوعين المختلفين - الصدقةُ مستقلةً بأن تكون الماشية بمقدار تجب فيها
الثنتان ويكون الصنفان متساويين صُدِّقَ الصنفان جميعاً، أي تؤخذ الصدقة من
كل صنف مستقلاً، وبهذا الاحتمال شرح الزرقاني كلام المصنف، ولم يذكر
الاحتمال الأول، فقال بعد كلام المصنف: كثلاثين من البقر ومثلها جاموس،
فيأخذ من كل تبيعاً، انتهى.
(قال يحيى: قال مالك: من أفاد) أي استفاد، قال المجد: أفدت المال
(١) ((المنتقى)) (١٣٣/٢).
٢١
١٩ - كتاب الزكاة
(١٢) باب
(٦٦٠) حديث
مَاشِيَةً مِنْ إِبل أَوْ بَقَرٍ أَوْ غَنَم فَلَا صَدَقَةَ عَلَيْهِ فِيهَا، حَتَّى يَحُولَ
عَلَيْهَا الْحَوْلُ مِنْ يَوْمَ أَفَادَهَا، إِلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ قَبْلَهَا نِصَابُ مَاشِيَةٍ.
وَالنِّصَابُ مَا تَجِبُ فِيهِ الصَّدَقَةُ، إِمَّا خَمْسُ ذَوْدٍ مِنَ الإِبِلِ وَإِمَّا
ثَلاثُونَ بَقَرَةً، وَإِمَّا أَرْبَعُونَ شَاةً. فَإِذَا كَانَ لِلرَّجُلِ خَمْسُ ذَوْدٍ مِنَ
الإِبل، أَوْ ثَلاثُونَ بَقَرَةً أَوْ أَرْبَعُونَ شَاةً، ثُمَّ أَفَادَ إِلَيْهَا إِلاً أَوْ بَقَراً أَوْ
غَنَمَاً، بِاشْتِرَاءٍ أَوْ هِبَةٍ أَوْ مِيرَاثٍ، فِإِنَّهُ يُصَدِّقُهَا مَعَ مَاشِيَتِهِ حِينَ
يُصَدِّقُهَا، وَإِنْ لَمْ يَحُلْ عَلَى الْفَائِدَةِ الْحَوْلُ،
استفدته وأعطيته، ضد، (ماشية) بالنصب (من إبل أو بقر أو غنم) بيان للماشية
(فلا صدقة عليه فيها، حتى يحول عليها الحول من يوم أفادها)، لأن وجوب
الزكاة بعد حولان الحول، (إلا أن يكون له قبلها نصاب ماشية)، ثم فسر
النصاب، فقال: (والنصاب ما تجب فيه الصدقة) أي نصاب كل شيء مقدار ما
تجب في ذلك المقدار الصدقة وهو لغة الأصل، واستعمل في العرف في أقل
ما تجب فيه الزكاة.
ثم بيّن تفصيل أقل النصاب في الماشية، فقال: (إما خمس ذود من
الإبل، وإما ثلاثون بقرة، وإما أربعون شاة، فإذا كان لرجل) مثلاً (خمس ذود من
الإبل، أو ثلاثون بقرة أو أربعون شاة، ثم أفاد إليها إبلاً أو بقراً أو غنماً) قليلاً أو
كثيراً (باشتراء أو هبة أو ميراث) أي أعم من أي سبب استفادها، (فإنه يصدقها)
أي يؤدي صدقة هذه المستفادة (مع ماشيته) التي كانت عنده قبل الاستفادة
(حين يصدقها) أي حين يؤدي صدقة الماشية الأولى (وإن لم يحل على الفائدة
الحول) .
قال الزرقاني(١): فحاصل مذهبه في فائدة الماشية إن لم يكن عنده
نصابها قبل ذلك، استأنف بالجميع حولاً، وإن كان له نصاب من نوع ما أفاد،
(١) انظر: ((شرح الزرقاني)) (١١٧/٢).
٢٢
---------
·مصديـ
-----
١٩ - كتاب الزكاة
(١٢) باب
(٦٦٠) حديث
وَإِنْ كَانَ مَا أَفَادَ مِنَ الْمَاشِيَةِ إِلَى مَاشِيَتِهِ، قَدْ صُدِّقَتْ قَبْلَ أَنْ يَشْتَرِيَهَا
بِيَوْمٍ وَاحِدٍ، أَوْ قَبْلَ أَنْ يَرِثَهَا بِيَوْمٍ وَاحِدٍ، فَإِنَّهُ يُصَدِّقُهَا مَعَ مَاشِيَنِهِ
حِينَ يُصَدِّقُ مَاشِيَتَهُ.
قَالَ يَحْيَى: قَالَ مَالِكٌ: وَإِنَّمَا مَثَلُ ذُلِكَ،
زكى الفائدة على حول النصاب، ولو استفادها قبل الحول بيوم، وبه قال
أبو حنيفة، وقال الشافعي وأبو ثور: لا تضم الفوائد، ويزكى كل على حوله إلا
نتاج الماشية، فتزكى مع أمهاتها إن كانت نصاباً، انتهى بتغير.
قلت: ولا يذهب عليك أن المذكور ههنا حكم فائدة الماشية، والمذكور
سابقاً قبيل الزكاة في المعدن فائدة العين، فرق المالكية في الفائدتين، ففي
((الشرح الكبير)) (١): وضمت الفائدة من النعم للنصاب من جنسه، وإن حصلت
قبل تمام حول النصاب بلحظة، لا لأقل من نصاب، بل تضم الأولى للثانية،
وهذا بخلاف فائدة العين، فإنها لا تضم نصاب قبلها بل يستقبل بها، ويبقى
كل مال على حوله، والفرق أن زكاة الماشية موكولة للساعي، فلو لم تضم
الثانية للأول لأدى إلى خروجه مرتين، وفيه مشقة واضحة، بخلاف العين فإنها
موكولة لأربابها، انتهى.
(وإن كان ما أفاده) أي استفاده (من الماشية) بيان لـ((ما))، (إلى ماشيته قد
صدقت) بتشديد الدال ببناء المجهول، أي صدقها مالكها البائع أو الواهب أو
المورث، (قبل أن يشتريها) المستفيد، أو قبل أن يقبل الهدية (بيوم واحد، أو
قبل أن يرثها بيوم واحد، فإنه) أي المستفيد (يصدقها مع ماشيته)، ولو زكاه
المالك الأول أيضاً، فهذا مال زكي مرتين، (حين يصدق ماشيته) التي كانت
عنده من قبل الاستفادة.
(قال يحيى: قال مالك: وإنما مثل ذلك) بفتح الميم والمثلثة، قال
(١) (١/ ٤٣٢).
٢٣
١٩ - كتاب الزكاة
(١٢) باب
(٦٦٠) حديث
مَثَلُ الْوَرِقِ، يُزَكِّيهَا الرَّجُلُ ثُمَّ يَشْتَرِي بِهَا مِنْ رَجُلِ آخَرَ عَرْضاً، وَقَدْ
وَجَبَتْ عَلَيْهِ فِي عَرْضِهِ ذَلِكَ، إِذَا بَاعَهُ، الصَّدَقَةُ؛ فَيُخْرِجُ الرَّجُلُ
الآخَرُ صَدَقَتَهَا هُذَا الْيَوْمَ، وَيَكُونُ الآخَرُ قَدْ صَدَّقَهَا مِنَ الْغَدِ.
قَالَ مَالِكٌ، فِي رَجُلِ كَانَتْ لَه غَنَمْ لَا تَجِبُ فِيهَا الصَّدَقَةُ،
فَاشْتَرَى إِلَيْهَا غَنَماً كَثِيرَةً تَجِبُ فِي دُونِهَا الصَّدَقَةُ، أَوْ وَرِثَهَا: إِنَّهُ لَا
تَجِبُ عَلَيْهِ
الزرقاني: أي قياسه، (مثل الورق يزكيها الرجل ثم يشتري بها) أي بتلك الورق
من (رجل آخر عرضاً، وقد وجبت عليه) أي على البائع (في عرضه ذلك إذا
باعه، الصدقةُ) بالضم فاعل وجبت، وذلك لما تقدم في محله من مذهب مالك
أن المحتكر يزكي ماله بعد البيع.
(فيخرج الرجل الآخر) أي البائع (صدقتها هذا اليوم) لما قد وجبت
الصدقة على عرضه بعد البيع وقد باع (فيكون الأول) أي المشتري (قد صدّقها)
بتشديد الدال أي أدى الصدقة، (هذا اليوم) لما قد وجبت الصدقة على الورق
عنده، (ويكون الآخر) أي البائع (قد صدقها من الغد)، للنص عنده بالتجارة في
الغد، ولا ضير في ذلك، فإن العين قد تجري فيه الزكاة في عام واحد مرات
لاختلاف الملاك.
واستثنى الحنفية بعض الصور كما سيأتي من ((الدر المختار))، وقد وقع
في بعض النسخ المصرية اختصار في هذا السياق، كما في نسخة الزرقاني
و ((التنوير))، وسياقهما: فيخرج الرجل الآخر صدقتها هذا اليوم، ويكون الآخر
قد صدقها من الغد، انتهى. وبقية النسخ المصرية والهندية كلها متظافرة على
السياق الذي اخترته.
(قال مالك في رجل كانت له غنم) مثلاً بمقدار (لا تجب فيها الصدقة)
لنقصها عن النصاب كعشرين مثلاً (فاشترى إليها غنماً كثيرة) ألفاً مثلاً (تجب في
دونها) أي في أقل منها، (الصدقة، أو ورثها) أو وهبت له؛ (إنه لا تجب عليه
٢٤
---
١٩ - كتاب الزكاة
(١٢) باب
(٦٦٠) حديث
فِي الْغَنَمِ كُلِّهَا الصَّدَقَةُ، حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهَا الْحَوْلُ مِنْ يَوْمَ أَفَادَهَا،
بِاشْتِرَاءٍ أَوْ مِيرَاتٍ، وذُلِكَ أَنَّ كُلَّ مَا كَانَ عِنْدَ الرَّجُلِ مِنْ مَاشِيَةٍ لَا
تَجِبُ فِيهَا الصَّدَقَةُ، مِنْ إِبِلِ أَوْ بَقَرِ أَوْ غَنَمِ، فَلَيْسَ يُعَدُّ ذُلِكَ نِصَابَ
مَالٍ، حَتَّى يَكُونَ فِي كُلِّ صِنْفٍ مِنْهَا مَا تُجِبُ فِيهِ الصَّدَقَةُ، فَذْلِكَ
النِّصَابُ الَّذِي يُصَدِّقُ مَعَهُ مَا أَفَادَ إِلَيْهِ صَاحِبُهُ، مِنْ قَلِيلِ أَوْ كَثِيرٍ مِنَ
المَاشِيَةِ .
في الغنم كلها) أي الألف والعشرين كلها (صدقة) بالتنكير في النسخ الهندية
والتعريف في المصرية (حتى يحول عليها الحول من يوم أفادها) أي حتى يحول
الحول من يوم استفاد الألف (باشتراء أو ميراث) أو هبة.
(وذلك) أي ووجهه (أن كل ما كان عند الرجل من ماشية لا تجب فيها
الصدقة) لقلتها عن النصاب، والجملة صفة لماشية (من إبل أو بقر أو غنم) بيان
الماشية (فليس يعد) ببناء المضارع المجهول، من العداد، كما في جميع النسخ
المصرية والشروح، وفي النسخ الهندية بلفظ: ((بعد)) بموحدة في أوله وسكون
العين، (ذلك) الموجود عنده (نصاب مال) لقلته عن النصاب، بل هو معفوٌ
عنه، فلا تجب الزكاة في كل نوع منها (حتى يكون في كل صنف منها) أي من
الأنواع الثلاثة (ما تجب فيه الصدقة) اسمٌ ليكون، فإذا صار عنده مقدار تجب
فيه الزكاة.
(فذلك) مبتدأ (النصاب الذي يصدق) أي يزكي، والموصول مع صلته
صفة للنصاب، وهو خبر، (معه) أي مع النصاب (ما أفاد) أي استفاد (إليه
صاحبه)، ولفظة ((صاحبه)) فاعل ((يصدق)) و((ما أفاد إليه)) مفعوله (من قليل أو
كثير) بيان لما (من الماشية) بيان لقليل أو كثير، والحاصل: أن المستفاد إذا
استفيد إلى غير النصاب لا يجب فيه الزكاة، حتى يحول الحول بعد تكميل
النصاب، وبه قالت الحنفية.
٢٥
١٩ - كتاب الزكاة
(١٢) باب
(٦٦٠) حديث
قَالَ مَالِكٌ: وَلَوْ كَانَتْ لِرَجُلٍ إِلٌ أَوْ بَقَرٌ أَوْ غَنَمٌ، تَجِبُ فِي
كُلِّ صِنْفٍ مِنْهَا الصَّدَقَةُ، ثُمَّ أَفَادَ إِلَيْهَا بَعِيراً أَوْ بَقَرَةً أَوْ شَاةً، صَدَّقَهَا
مَعَ مَاشِيَتِهِ حِينَ يُصَدِّقُهَا .
قَالَ يَحْيَى: قَالَ مَالِكٌ: وَهُذَا أَحَبُّ مَا سَمِعْتُ إِلَيَّ فِي هَذَا.
(قال مالك: ولو كانت لرجل إبل أو بقر أو غنم) بمقدار (تجب في كل
صنف منها الصدقة)، لبلوغ النصاب (ثم أفاد إليها بعيراً أو بقرة أو شاة، صدقها)
أي زكاها (مع ماشيته) التي كانت عنده قبل الاستفادة، (حين يصدقها)، وذلك
لأن المستفاد إلى النصاب يزكى مع الأصل كما تقدم، وقد وقع التكرار في ذكر
هذه الفروع، والحنفية موافقة لهم في ذلك.
-.... .
ففي ((الدر المختار))(١): والمستفاد ولو بهبةٍ أو إرث وسط الحول يُضَمّ
إلى نصاب من جنسه، فيزكيه بحول الأصل، ولو أدى زكاة نقده ثم اشترى به
سائمة لا تضم، قال ابن عابدين: قوله: يضم إلى نصاب، قيد به لأنه لو كان
النصاب ناقصاً وكمل بالمستفاد، فإن الحول ينعقد عليه عند الكمال.
(قال يحيى: قال مالك: وهذا أحب ما سمعت إليّ في هذا) قال
الباجي(٢): هذا يحتمل معنيين: أحدهما: أنه يحب هذا القول دون غيره من
الأقوال، وعلى هذا يقال: زيد أحق بماله وإن كان لا حق للغير فيه، وعلى
هذا المعني بيت حسان - رضي الله عنه -:
.....
أتهجوه ولست له بكفؤ
فشرُّكما لخيركما الفداء
فقال: شركما، ولا شر في النبي ◌ّ، ويحتمل أن يريد أن سائر الأقوال
لها عنده وجه، ودليل صحة يقتضي محبته لها لأجل ذلك الدليل، إلا أن دليل
هذا القول أبين وأرجح، فتكون أفعل على بابها في المشاركة، انتهى.
(١) (٢٥٤/٣).
(٢) ((المنتقى)) (١٣٥/٢).
٢٦
. -
-------
١٩ - كتاب الزكاة
(١٢) باب
(٦٦٠) حديث
قَالَ مَالِكٌ، فِي الْفَرِيضَةِ تَجِبُّ عَلَى الرَّجُلِ، فَلَا تُوجَدُ عِنْدَهُ:
إِنَّهَا إِنْ كَانَتِ ابْنَةَ مَخَاضٍ، فَلَمْ تُوجَدْ، أُخِذَ مَكَانَهَا ابْنُ لَبُونٍ ذَكَرٌ،
(قال مالك في الفريضة) أي السن المعين الذي يجب فيه الزكاة (تجب
على الرجل فلا توجد عنده: إنها) أي الفريضة (إن كانت بنت مخاض فلم
توجد، أخذ) ببناء المعلوم في النسخ الهندية أي المصدق، وببناء المجهول في
المصرية، (مكانها) أي بدل بنت المخاض (ابن لبون ذكراً) بألف النصب في
النسخ الهندية، فهو مع موصوفه مفعول لـ((أخذ))، وبدون الألف في النسخ
المصرية فهو نائب فاعل.
قال الباجي: هذا كما قال: من وجبت عليه بنت مخاض ولم توجد
عنده، ووجد ابن لبون فإنه يؤخذ منه وتجزئ، ولا خلاف في ذلك، انتهى.
قال الزرقاني(١): وإن كان أقل قيمة منها، وهذا الحكم متفق عليه، كذا حكى
الإجماع على إجزاء ابن اللبون ابن رشد في ((البداية))، والموفق في ((المغني)).
وما قال الزرقاني: وإن كان أقل قيمة منها، وحكى عليها الإجماع،
مشكل، فإن المدار عند الحنفية على القيمة، وعليه يحمل الحديث، قال الإمام
السرخسي في ((المبسوط)): إذا وجب عليه في إبله بنت مخاض ووجد
ابن اللبون، فعندنا لا يتعين أخذه، وعند الشافعي يتعين، وهو رواية عن
أبي يوسف في ((الأمالي))، واستدلا في ذلك بهذا القول.
ولكنا نقول: إنما اعتبر رسول الله ◌َلاول بهذا المعادلة في المالية معنى، فإن
الإناث من الإبل أفضل قيمة من الذكور، والمسنة أفضل قيمة من غير المسنة،
فأقام رسول الله ◌ّ زيادة السن في المنقول إليه مقام زيادة الأنوثة في المنقول
عنه، ونقصان الذكورة في المنقول إليه مقام نقصان السن في المنقول عنه،
ولكن هذا يختلف باختلاف الأوقات والأمكنة، فلو عينا أخذ ابن اللبون من
(١) ((شرح الزرقاني)) (١١٨/٢).
٢٧
١٩ - كتاب الزكاة
(١٢) باب
(٦٦٠) حديث
وَإِنْ كَانَتْ بِنْتَ لَبُونٍ، أَوْ حِقَّةَ، أَوْ جَذَعَةً، وَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ، كَانَ
عَلَى رَبِّ الإِبِلِ أَنْ يَبْتَاعَهَا لَهُ حَتَّى يَأْتِيَهُ بِهَا ،
غير اعتبار القيمة أدى إلى الإضرار بالفقراء، أو الإجحاف بأرباب الأموال،
انتهى، كذا في ((البذل))(١).
ثم لو لم يجد واحداً منهما لا بنت مخاض ولا ابن لبون، فقال مالك
وأحمد وغيرهما: يتعين عليه شراء بنت المخاض، والأصح عند الشافعية: له
أن يشتري أيهما شاء، قاله الزرقاني، وتقدم كلام الموفق في ذلك مفصلاً،
قلت: وعلى أصول الحنفية لا يحتاج إلى شراء شيء منها، بل يعطي قيمة
الواجب كيفما شاء، كما سيأتي قريباً في كلام السرخسي.
(وإن كانت) الفريضة الواجبة عليه (بنت لبون أو حقة أو جذعة، ولم تكن)
أي التي وجبت عليه (عنده كان على رب المال أن يبتاعها) أي الناقة الواجبة من
الأنواع المذكورة (له حتى يأتيه بها) أي يعطيها المصدق ولا يكفي ههنا الحِقُّ
محل بنت اللبون، ولا الجذع محل الحقة، وبه قال الجمهور من الحنابلة.
قال الموفق(٢) بعدما أثبت جواز ابن اللبون محل بنت المخاض: ولا
يخير بعض الذكورية بزيادة سن في غير هذا الموضع، ولا يجزئه أن يخرج عن
بنت لبون حقاً، ولا عن الحقة جذعاً لعدمهما ولا وجودهما.
وقال القاضي، وابن عقيل: يجوز ذلك مع عدمهما، لأنهما أعلى
وأفضل، فيثبت الحكم فيهما بطريق التنبيه، ولنا: أنه لا نص فيهما، ولا يصح
قياسهما على ابن لبون مكان بنت مخاض؛ لأن زيادة سن ابن لبون على بنت
مخاض يمتنع بها من صغار السباع، ويرعى الشجر بنفسه، ويرد الماء، ولا
يوجد هذا في الحِقِّ مع بنت لبون، لأنهما يشتركان في هذا، فلم يبق إلا مجرد
السن، فلم يقابل إلا بتوجيه، انتهى.
(١) انظر: ((بذل المجهود)) (٣٦/٨).
(٢) ((المغني)) (١٨/٤).
٢٨
٠٠
١٩ - كتاب الزكاة
(١٢) باب
(٦٦٠) حديث
وَلَا أُحِبُّ أَنْ يُعْطِيَهُ قِيمَتَهَا .
(ولا أُحِبُّ له) زاد في النسخ الهندية قبل ذلك ((قال مالك)) وليس هذا في
المصرية، والأولى حذفه؛ لأنه من تتمة الكلام السابق، (أن يعطيه) أي
المصدق (قيمتها)، قال الباجي(١): كان عليه أن يأتي بها، ولم يؤخذ منه قيمتها
من الإبل ولا من غيرها، هذا هو المشهور من مذهب مالك؛ أنَّه لا يجوز
إخراج القيم في الزكاة، وقال القاضي أبو محمد: إنه يتخرج على مذهب أن
إخراج القيم في الزكاة جائز، وبه قال أبو حنيفة، وحكاه ابن المواز عن
ابن القاسم وأشهب، انتهى.
وقال السرخسي في ((المبسوط)): إذا وجبت الفريضة في الإبل، ولم يوجد
ذلك السن، ووجد أفضل منه، أو دونه أخذ المصدق قيمة الواجب إن شاء،
وإن شاء أخذ ما وجد، ورَدّ فضل القيمة إن كان أفضل، وإن كان دونه أخذ
فضل القيمة دراهم.
والكلام في ذلك في فصول: أحدها: أن جبران ما بين السنين غير مقدر
عندنا، ولكنه بحسب الغلاء والرخص، وعند الشافعي يتقدر بشاتين، أو
بعشرين دراهم، واستدل بالحديث المعروف: أن النبي وَلّه قال: ((من وجب في
إبله بنت لبون، فلم يوجد إلا حقة أخذها، وردّ شاتين، أو عشرين درهماً))
الحديث .
ولكنا نقول: إنما قال النبي مَّ ذلك؛ لأن تفاوت ما بين السنين في
زمانه كان ذلك القدر، لا أنه تقدير شرعي بدليل ما روي عن علي - رضي الله
عنه - أنه قَدَّر جُبْران ما بين السنين بشاة أو عشرة دراهم، وهو كان مصدق
رسول الله ®، فما كان يخفى عليه هذا النص، ولا يظن به مخالفة
رسول الله وَالر، ولأنا لو قدرنا تفاوت ما بين السنين بشيء، أدى إلى الإضرار
بالفقراء، أو الإجحاف بأرباب الأموال، انتهى.
(١) ((المنتقى)) (١٣٥/٢).
٢٩
١٩ - كتاب الزكاة
(١٢) باب
(٦٦٠) حديث
وفي ((العيني))(١): قال ابن المنذر: اختلف في المال الذي لا يوجد فيه
السن الذي يجب، ويوجد دونها. فكان النخعي يقول بظاهر الحديث، وهو
حديث أنس في كتاب أبي بكر - رضي الله عنه - عند البخاري بلفظ: ((من
بلغت عنده صدقة الجذعة وليست عنده جذعة وعنده حقة، فإنها تقبل منه
الحقة، ويجعل معها شاتين إن استيسرتا له أو عشرين درهماً))، الحديث.
..
وهو قول الشافعي وأبي ثور، وروي عن علي - رضي الله عنه -: يرد
عشرة دراهم أو شاتين. وهو قول الثوري، وقال ابن حزم: هو قول عمر بن
الخطاب، وقال القرطبي: هو قول عبيدة، وهو أحد قولي إسحاق، وقوله
الثاني كالشافعي، وقيل: تؤخذ فيها قيمة السن الذي يجب عليه، وهو قول
مكحول والأوزاعي، وقيل: تؤخذ قيمة السن الذي وجب عليه، وإن شاء أخذ
الفضل منها، وردّ عليه فيه دراهم، وإن شاء أخذ دونها، وأخذ الفضل دراهم،
ولم يعين عشرين درهماً ولا غيرها، وهو قول أبي حنيفة.
وقال مالك: على رب المال أن يبتاع للمصدق السن الذي يجب عليه،
ولا خير في أن يعطي بنت مخاض عن بنت لبون، ويزيد ثمناً، أو يعطي بنت
لبون عن بنت مخاض ويأخذ ثمناً، انتهى.
قلت: وقول أحمد مثل قول الشافعي، إلا أنه قال: ويجزئ شاة واحدة
وعشرة دراهم أيضاً، قال الخرقي: من وجبت عليه حقة وليست عنده، وعنده
ابنة لبون أخذت منه ومعها شاتان أو عشرون.
قال الموفق(٢): المذهب في هذا: أنه متى وجبت عليه سن وليست
عنده، فله أن يخرج سناً أعلى منها، ويأخذ شاتين أو عشرين درهماً، أو سناً
(١) ((عمدة القاري)) (٤٤٩/٦).
(٢) ((المغني)) (٢٣/٤).
٣٠
-------- --
٠٠٠.
---------
-------
١٩ - كتاب الزكاة
(١٢) باب
(٦٦٠) حديث
أنزل منها ومعها شاتين أو عشرين درهماً، إلا ابنة مخاض ليس له أن يخرج
أنزل منها؛ لأنها أدنى سن تجب في الزكاة، أو جذعة، ولا يخرج أعلى منها،
إلا أن يرضى رب المال بإخراجها لا جبران معها، والاختيار في الصعود
والنزول، والشياه والدراهم، إلى رب المال، وبهذا قال النخعي، والشافعي،
وابن المنذر، واختلف عن إسحاق، وقال الثوري: يخرج شاتين أو عشرة
دراهم؛ لأن الشاة في الشرع متقومة بخمسة دراهم، بدليل أن نصابها أربعون،
ونصاب الدراهم مائتان. وقال أصحاب الرأي: يدفع قيمة ما وجب عليه، أو
دون السن الواجبة وفضل ما بينهما من دراهم، انتهى.
وفي ((الروض المربع))(١): من وجبت عليه بنت لبون مثلاً وعدمها، أو
كانت معيبة، فله أن يعدل إلى بنت مخاض، ويدفع جبراناً، أو إلى حقة
ويأخذه، وهو شاتان، أو عشرون درهماً، ويجزئ شاة وعشرة دراهم، ولا
دخل لجبران في غير الإبل، انتهى.
ولا يذهب عليك أن من وجبت عليه بنت لبون مثلاً، ولا توجد عنده،
فههنا أربعة أبحاث خلافية بين الأئمة: أحدها: هل يجوز محلها الحِقّ الذكر،
كما جاز ابن اللبون محل بنت المخاض أم لا يجوز؟ والثاني: هل يجوز محلها
الحقة. ويأخذ المالك من المصدق الفضل، أو لا يجوز؟ والثالث: هل يجوز
محلها الحقة، ولا يأخذ بالفضل شيئاً؟
والرابع: هل يعطي محلها القيمة أم لا؟ ولا يجوز عند المالكية منها، إلا
الثالث صرح بجوازه الدردير، وحكى الموفق الإجماع على جوازه، وأما غير
الثالث من الصور الأربع، فلا يجوز شيء منها، بل يتعين على المالك أن
يشتري الواجب، وكل الصور جائز عندنا الحنفية إذا تساوت قيمة ما يؤدي
بالواجب عليه، وتقدم المذاهب في جواز القيمة قبيل زكاة العروض.
(١) (٣٦٨/١).
٣١
١٩ - كتاب الزكاة
(١٢) باب
(٦٦٠) حديث
•
واستدل الزرقاني تبعاً للباجي لعدم جواز إخراج القيمة في الزكاة بقوله
عليه السلام لمعاذ: ((خذ الحب من الحب، والشاة من الغنم، والبعير من
الإبل، والبقر من البقر))، وأنت خبير بأن الحديث على أنه مرسل، فإن عطاء
لم يدرك معاذاً، مخصوص منه البعض إجماعاً؛ لأخذ الغنم من البعير فيما دون
خمس وعشرين بعيراً، على أن مفهوم المخالف لا يعتبر عندنا الحنفية.
وأيضاً الأصح عند المالكية إجزاء البعير عن الشاة إن وفت قيمته بقيمتها،
صرح به في ((الشرح الكبير))، وكذا عند الشافعية كما تقدم، وهو اعتبار
بالقيمة، ووافق الحنفية البخاري في هذه المسألة. وبوّب في ((صحيحه)) باب
العرض في الزكاة، وذكر فيه أثر معاذ - رضي الله عنه - أنه قال لأهل اليمن:
ائتوني بعرض ثياب خميص، أو لبيس في الصدقة، مكان الشعير والذرة أهون
عليكم، وخَيَّرَ لأصحاب النبيِ وَّر بالمدينة.
قال العيني(١): احتج به أصحابنا في جواز دفع القيم في الزكاة، ولذا
قال ابن رشيد: وافق البخاري في هذه المسألة الحنفية مع كثرة مخالفته لهم،
لكن قاده إلى ذلك الدليل، وما أول الشافعية أثر معاذ أجاب عنه العيني
مفصّلاً .
وأيضاً استدل البخاري بقوله وَالر: ((أما خالد فقد احتبس أدراعه في
سبيل الله)). وبقوله وَله: ((تصدقن ولو من حليكن)، فلم يستثن صدقة الفرض من
غيرها، ولم يخص الذهب والفضة من العروض، وبكتاب أبي بكر - رضي الله
عنه - في الصدقة بلفظ: ((من بلغت عنده صدقة بنت مخاض وليست عنده، وعنده
بنت لبون، فإنها تقبل منه ويعطيه المصدق عشرين درهماً أو شاتين))، الحديث.
قال العيني(٢): الأصل أن دفع القيمة جائز علينا، وكذا في الكفارة،
(١) ((عمدة القاري)) (٤٣٣/٦).
(٢) ((عمدة القاري)) (٤٣٨/٦).
٣٢
----
------
1
٠ -
١٩ - كتاب الزكاة
(١٢) باب
(٦٦٠) حديث
وصدقة الفطر، والعشر، والخراج، والنذر، وهو قول عمر وابنه عبد الله
وابن مسعود وابن عباس ومعاذ وطاووس، وقال الثوري: يجوز إخراج
العروض في الزكاة إذا كانت بقيمتها، وهو مذهب البخاري، وإحدى الروايتين
عن أحمد. ولو أعطى عرضاً عن ذهب وفضة، قال أشهب: يجزئه، وقال
الطرطوشي: هذا قول بيّن في جواز إخراج القيم في الزكاة، قال: وأجمع
أصحابنا على أنه لو أعطى فضة عن ذهب أجزأه، وكذا إذا أعطى درهماً عن
فضة عند مالك، وقال سحنون: لا يجزئه، وهو وجه للشافعية، وأجاز
ابن حبيب دفع القيمة إذا رآه أحسن للمساكين، انتهى.
وقال السرخسي في ((المبسوط)): ولنا: قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَلِهِمْ
صَدَفَّةً﴾(١) الآية، تنصيص على أن المأخوذ مال، وبيانه وَّ للتيسير على أرباب
المواشي، لا لتقييد الواجب به، فإن أرباب المواشي تعِزُّ فيهم النقود والأداء
مما عندهم أيسر، ألا ترى أنه قال: ((في خمس من الإبل شاة))، وكلمة ((في))
حقيقة للظرف، وعين الشاة لا توجد في الإبل، فعرفنا أن المراد قدرها من
المال، ورأى رسول الله وَ ﴿ في إبل الصدقة ناقة كَوْمَاء، فغضب على
المصدق، وقال: ((ألم أنهكم عن أخذ كرائم أموال الناس؟»، فقال الساعي:
أخذتها ببعيرين من إبل الصدقة، وفي رواية: ارتجعتها، فسكت رسول الله وَ لـ
وأخذُ البعير ببعيرين إنما يكون باعتبار القيمة. إلى آخر ما قاله.
قال العيني(٢): وفي رواية البخاري: يجعل معها شاتين أو عشرين
درهماً، دليل على أن دفع القيمة في الزكاة جائز، وأيضاً فإن قوله تعالى: ﴿خُذْ
مِنْ أَمَّوَلِهِمْ صَدَفَّةً﴾ جعل محل الأخذ ما يسمى مالاً، ثم التقييد بأنها شاة أو
نحوها زيادة على كتاب الله، فلا يجوز بخبر الواحد، قال الخطابي: فيه دليل
(١) سورة التوبة: الآية ١٠٣.
(٢) ((عمدة القاري)) (٤٤٩/٦).
٣٣
١٩ - كتاب الزكاة
(١٢) باب
(٦٦٠) حديث
قَالَ مَالِكٌ فِي الإِبِلِ النَّوَاضِحِ، وَالْبَقَرِ السَّوَانِي، وَبَقَرِ الْحَرْثِ:
إِنِّي أَرَى أَنْ يُؤْخَذَ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ، إِذَا وَجَبَتْ فِيهِ الصَّدَقَةُ.
على أن كل واحد من الشاة والعشرين درهماً أصل في نفسه ليست ببدل، وذلك
أنّه خَيَّره بحرفِ ((أو))، قال العيني: لا دليل عليه، بل التخيير يدل على أن
الأصل قدرها من المال، انتهى.
(قال مالك في الإبل النواضح) جمع ناضحة، وهي التي تحمل الماء من
نهر أو بئر ليسقي الزرع، سميت بذلك لأنها تنضح العطش أي تبلّه بالماء،
(والبقر السواني) جمع سانية، وقال المجد (١): السانية الغرب وأداته، والناقة
يُسْقَى عليها (وبقر الحرث: إني أرى أن يؤخذ) الواجب (من ذلك كله، إذا
وجبت فيه الصدقة). لأن الأحاديث الصحيحة وردت بالعموم، ولم يخص
النواضح وغيرها .
قال الباجي (٢): وتجمع هذه كلها العوامل، فإن الزكاة واجبة فيها
كالسائمة، هذا قول مالك، وقال أبو حنيفة والشافعي: لا زكاة في شيء من
ذلك، انتھی.
---------
قال العيني(٣): وهو قول أكثر أهل العلم، كعطاء، والحسن، والنخعي،
وابن جبير، والثوري، والليث، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور، وأبي عبيد،
وابن المنذر، ويروى عن عمر بن عبد العزيز، وعن علي، ومعاذ، وقال قتادة،
ومكحول، ومالك: تجب في المعلوفة والنواضح بالعمومات، وهو مذهب
معاذ، وجابر بن عبد الله، وسعيد بن عبد العزيز، والزهري، وروي عن علي
ومعاذ: أنه لا زكاة فيهما .
(١) انظر: ((القاموس المحيط)) مادة: س ن ی.
(٢) ((المنتقى)) (١٣٦/٢).
(٣) ((عمدة القاري)) (٣٥٦/٦).
٣٤
------
١٩ - كتاب الزكاة
(١٢) باب
(٦٦٠) حديث
وحجة من اشترطه كتاب الصديق، وحديث عمرو بن حزم مثله، وشرط
في الإبل حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده مرفوعاً: ((في كل سائمة من
كل أربعين من الإبل بنت لبون)) رواه أبو داود، والنسائي، والحاكم، وقال:
صحيح الإسناد، ثم بسط في الدلائل، وبنحو ذلك استدل الموفق.
وقال السرخسي: ولنا: قوله عليه الصلاة والسلام ((في خمس من الإبل
السائمة شاة))، والصفة متى قرنت باسم العلم يتنزل منزلة العلم الإيجاب
الحكم، والمطلق في هذا الباب بمنزلة المقيد؛ لأنها في حادثة واحدة، وحكم
واحد، وعن ابن عباس: أن النبي ◌َّل قال: ((ليس في الحوامل والعوامل
صدقة))، وفي الحديث المعروف أن النبي ◌َّل قال: ((ليس في الجبهة ولا في
النُّخَّةِ ولا في الكُسْعَةِ صدقة)) وفسر عبد الوارث بن سعيد الجبهة بالخيل والنخة
بالإبل العوامل، وقال الكسائي: النخة بضم النون وفسرها بالبقر العوامل،
انتھی .
قال الزيلعي (١): في العوامل أحاديث، منها ما رواه أبو داود في ((سننه))
من حديث زهير: ثنا أبو إسحاق عن عاصم بن ضمرة والحارث عن علي قال
زهير: وأحسبه عن النبي ◌َّ أنه قال: ((هاتوا ربع العشور، من كل أربعين
درهماً درهم))، الحديث. وفيه: ((ليس على العوامل شيء))، ورواه الدارقطني
مجزوماً ليس فيه: قال زهير: وأحسبه، قال ابن القطان في ((كتابه)): هذا سند
صحيح، وكل من فيه ثقة معروف، ولا أعني رواية الحارث، إنما أعني رواية
عاصم، انتهى .
وهذا منه توثيق لعاصم، ورواه ابن أبي شيبة في ((مصنفه)): حدثنا أبو بكر
بن عياش عن أبي إسحاق به مرفوعاً، ووقفه عبد الرزاق في ((مصنفه)): أخبرنا
(١) انظر: ((نصب الراية)) (٣٦٠/٢).
٣٥
١٩ - كتاب الزكاة
(١٣) باب
(١٣) باب صدقة الخلطاء
الثوري ومعمر، عن أبي إسحاق، عن عاصم بن ضمرة، عن علي قال: ليس
في العوامل البقر صدقة، انتهى.
ثم ذكر أحاديث أخر، وتكلم عليها .
وأخرج ابن أبي شيبة عن علي - رضي الله عنه - قال: ليس في البقر
العوامل صدقة، وعن معاذ: ((أنه كان لا يأخذ من البقر العوامل صدقة))، وعن
عمر بن عبد العزيز قال: ليس في البقر العوامل صدقة، وذكر في ذلك آثاراً
كثيرة .
قال ابن الهمام: العوامل تصدق على الحوامل والمثيرة، فالنفي عنها نفي
عنهما، انتهى.
ثم الإسامة معتبرة عند الإمام أبي حنيفة وأحمد في أكثر السنة،
وقال الشافعي: إن لم تكن سائمة في جميع السنة فلا زكاة فيه، كذا في
((المغني))(١).
(١٣) صدقة الخلطاء
جمع خليط. قال المجد: الخليط الشريك أو المشارك في حقوق الملك
كالشرب والطريق، ومنه الحديث: ((الشريك أولى من الخليط، والخليط أولى
من الجار)) جمعه خلط وخلطاء، انتهى.
وذكر في ((شرح الإحياء)): أن الخلطة على نوعين: خلطة اشتراك وخلطة
جوار، وقد يُعَبَّرُ عن الأول بخلطة الأعيان وبخلطة الشيوع، وعن الثاني بخلطة
الأوصاف، والمراد بالأول: أن لا يتميز نصيب أحد الرجلين أو الرجال عن
نصيب غيره، كماشية ورثها قوم أو ابتاعوها معاً، وبالثاني: أن يكون مال كل
واحد معيناً متميزاً، انتهى.
(١) (٤/ ٣٢).
٣٦
٠ ٠ . ... -----
-------- ---
------.
---- -
١٩ - كتاب الزكاة
(١٣) باب
٠٠
وتقدم الاختلاف في أن للخلطة أثراً في الزكاة أم لا؟ فقالت الأئمة
الثلاثة: لها تأثير في الزكاة، ثم اختلفوا فقالت الشافعية: تؤثر في كل شيء،
وقالت المالكية، والحنابلة: لا تأثير لها في غير الماشية، وقالت الحنفية: لا
تأثير لها مطلقاً .
وإليه يظهر ميل البخاري إذ بوّب في ((صحيحه)): باب ما كان من خليطين
فإنهما يتراجعان بالسوية(١)، وذكر فيه الأثرين عن طاووس وعطاء: إذا علم
الخليطان أموالهما فلا يجمع، وهذا نص منهما في أن خلطة الجوار ليس
بشيء، ثم ذكر، وقال سفيان: لا تجب حتى يتم لهذا أربعون شاة، ولهذا
أربعون شاة، قال العيني: ورواه عبد الرزاق عنه، وقال التيمي: كان سفيان لا
يرى للخلطة تأثيراً كما لا يراه أبو حنيفة، انتهى.
قلت: وعلى هذا الاختلاف يتفرع اختلافهم في قوله {وَل: ((ما كان من
خليطين فإنهما يتراجعان بالسوية))، قال العيني(٢): اختلف في المراد بالخليط
فذهب أبو حنيفة إلى أنه الشريك، لأن الخليطين في اللغة التي بها خاطبنا
رسول الله وَ هما الشريكان اللذان اختلط مالهما ولم يتميز، كالخليطين من
النبيذ، قاله ابن الأثير، وما لم يختلط مع غيره فليسا بخليطين، هذا ما لا شك
فيه، وإذا تميز مال كل واحد منهما من مال الآخر فلا خلطة، فعلى قول
أبي حنيفة: لا يجب على أحد الشريكين أو الشركاء، إلا مثل الذي كان يجب
عليه لو لم يكن خلط، انتهى.
قال الباجي(٣): ذهب أبو حنيفة إلى أن الخليط الشريك، وذكر مالك أن
(١) ((صحيح البخاري مع فتح الباري)) (٣١٥/٣).
(٢) ((عمدة القاري)) (٤٤١/٦).
(٣) ((المنتقى)) (١٣٦/٢).
٣٧
١٩ - كتاب الزكاة
(١٣) باب
الخليط غير الشريك، وأن الخليط هو الذي يعرف ماشيته، وأن الذي لا يعرف
ماشيته هو الشريك، وحكم الخليطين عند مالك أن تصدق ماشيتهما، كأنهما
على رجل واحد.
قال ابن رشد (١): أكثر الفقهاء على أن للخلطة أثراً في الزكاة، واختلفوا
هل لها تأثير في قدر النصاب؟ وأما أبو حنيفة وأصحابه فلم يروا للخلطة تأثيراً
لا في قدر الواجب ولا في قدر النصاب، وتفسير ذلك أن أكثر الفقهاء اتفقوا
على أن الخلطاء يزكون زكاة المالك الواحد، واختلفوا من ذلك في موضعين،
أحدهما: في نصاب الخلطاء، هل يعدّ نصاب مالك واحد، سواء كان لكل
واحد منهم نصاب، أو لم يكن، أم إنما يزكون زكاة الرجل الواحد إذا كان
لكل واحد منهم نصاب.
والثاني: في صفة الخلطة التي لها تأثير، أما اختلافهم في: هل للخلطة
تأثير في النصاب أم لا؟ فسبب اختلافهم، اختلافهم في مفهوم ما ثبت في
كتاب الصدقة من قوله بَلجر: ((لا يجمع بين متفرق ولا يفرَّق بين مجتمع خشية
الصدقة، وما كان من خليطين، فإنهما يتراجعان بالسوية))، فإن كل واحد من
الفريقين أنزل مفهوم هذا الحديث على اعتقاده، وذلك أن الذين رأوا للخلطة
تأثيراً قالوا: إن في قوليه و # المذكورين دلالة واضحة أن ملك الخليطين كملك
رجل واحد، فهذا الأثر مخصص لقوله وَر: ((ليس فيما دون خمس ذود من
الإبل صدقة)).
وأما الذين لم يقولوا بالخلطة، فقالوا: إن الشريكين قد يقال لهما:
خليطان، فيحتمل أن يكون قوله عليه السلام: ((لا يجمع بين متفرق ولا يفرق
بين مجتمع))، إنما هو نهي للسُّعاة أن يقسم ملك الرجل الواحد قسمة توجب
(١) ((بداية المجتهد)) (١/ ٢٦٣).
٣٨
----
---
-------
١٩ - كتاب الزكاة
(١٣) باب
(٦٦١) حديث
٢٥/٦٦١ - قَالَ يَحْيَى: قَالَ مَالِكٌ، فِي الْخَلِيطَيْنِ إِذَا كَانَ
الرَّاعِي وَاحِداً، وَالْفَحْلُ وَاحِداً، وَالْمُرَاحُ وَاحِداً، وَالدَّلْوُ وَاحِداً:
فَالرَّجُلَانِ خَلِيطَانِ، وَإِنْ عَرَفَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَالَهُ مِنْ مَالٍ
صَاحِبهِ .
قَالَ: وَالَّذِي لا يَعْرِفُ مَالَهُ مِنْ مَالِ صَاحِبِهِ لَيْسَ بَخَلِيطِ، إِنَّمَا
هُوَ شَرِيكٌ.
كثرة الصدقة، وإذا كان هذا الاحتمال في الحديث وجب أن لا يخصص به
الأصول الثابتة المجمع عليها، انتهى مختصراً.
ثم الذين قالوا بتأثير الخلطة اختلفوا في ثلاثة مواضع، الأول: هل تأثير
الخلطة يعم الأشياء كلها أو يختص بالماشية؟ وتقدم بيانه، والثاني: في صفة الخلطة
التي لها تأثير، والثالث: هل يعدّ نصاب الخلطاء نصاب مالك واحد، سواء كان
لكل واحد منهم نصاب أو لا؟ أم إنما يزكون زكاة الرجل الواحد إذا كان لكل واحد
منهم نصاب كامل؟ وذكر المصنف مسلكه في هذين الاختلافين فقال.
٢٥/٦٦١ - (قال يحيى: قال مالك، في) صفة الخلطة التي تؤثر في
الزكاة أن (الخليطين إذا كان الراعي) لماشيتهما (واحداً، والفحل) أي ذكر
الماشية (واحداً، والمراح) بضم الميم على الأشهر، وتفتح، محل اجتماع
الماشية للمبيت أو للقائلة (واحداً، والدلو) أي آلة الاستقاء، وقيل: كناية عن
المياه. (واحداً: فالرجلان) مبتدأ (خليطان) خبره، وبقي فيه شرطان، أحدهما:
نية الخلطة، والثاني: ما ذكره بقوله: (وإن عرف) بالواو في جميع النسخ، (كل
واحد منهما ماله من مال صاحبه) قال الزرقاني (١): الواو للحال لا للمبالغة
بدليل قوله: (قال) مالك: (والذي لا يعرف ماله من مال صاحبه ليس بخليط،
إنما هو شريك) فقط لا خليط، انتهى ما قاله الزرقاني.
(١) ((شرح الزرقاني)) (١١٩/٢).
٣٩
١٩ - كتاب الزكاة
(١٣) باب
(٦٦١) حديث
وإذا كان الواو حالية فلفظة: ((أن)) بفتح الهمزة، وظاهر كلامه أن الخليط
والشريك متقابلان، وهو ظاهر كلام «الموطأ))، وهو نص كلام الباجي، إذ
قال: ذهب أبو حنيفة إلى أن الخليط الشريك، وذكر مالك - رحمه الله - أن
الخليط غير الشريك، وأن الخليط هو الذي يعرف ماشيته، وأن الذي لا يعرف
ماشيته هو الشريك، انتهى.
لكن لم أجد قيد المعرفة في فروع المالكية من قيود الخلطة، والظاهر
عندي أنه ليس بقيد، بل الخليط أعم من الشريك وغيره، وعلى هذا فتأويل
كلام ((الموطأ)): أن الواو فيه وصلية، ولفظة: ((إن) بكسر الهمزة، والمعنى أن
الخليطين من وجد في مالهما الشرائط المذكورة، ولو عرفا مالهما، وأما الذي
لا يعرف ماله فليس بخليط فقط، بل هو شريك أيضاً، فتقابل الخليط والشريك
في كلام ((الموطأ)) تقابل العام والخاص.
ووجه ذلك أن الشريكين يجب في ماشيتهما الزكاة، وإن لم يتميز
ماشيتهما، ففي ((المدونة)) (١) في الورثة التي ورثوا الماشية، وحال عليها
الحول: إذا مر بها الساعي، وهي عند من ورثها لم يفرقوها أخذ منها الصدقة
عنهم، وكانوا بمنزلة الخلطاء يترادون فيها إذا كان الورثة غير واحد، فمن كان
شاؤه تجب فيها الصدقة، فهو خليط لمن تجب عليه الصدقة، ولمن هو أكثر
غنماً منه، ومن لم يكن شاؤه تجب فيها الصدقة فليس بخليط ولا غرم عليه،
انتھی.
وقال الدسوقي: وأما الماشية فتزكى كل عام من يوم موت المورث، ولو
لم يقبضها الوارث إلا بعد أعوام، سواء علم بها الوارث أم لا، انتهى. ويؤيده
ما قاله الزرقاني في آخر البحث، ومما يدل على أن الخليط لا يستلزم أن يكون
(١) (٢٧٣/١).
٤٠
----