Indexed OCR Text

Pages 641-660

١٩ - كتاب الزكاة
(٩) باب
(٦٥٦) حدیث
عَرْضاً، بَزَّا أَوْ رَقِيقاً أَوْ مَا أَشْبَهَ ذُلِكَ، ثُمَّ بَاعَهُ قَبْلَ أَنْ يَحُولَ عَلَيْهِ
الْحَوْلُ؛ فَإِنَّهُ لا يُؤَدِّي مِنْ ذُلِكَ الْمَالِ زَكَاةً، حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ
مِنْ يَوْمَ صَدَّقَهُ، وَأَنَّهُ إِنْ لَمْ يَبِعْ ذُلِكَ الْعَرْضَ سِنِينَ، لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ
فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ الْعَرْضِ زَكَاةٌ، وَإِنْ طَالَ زَمَانُهُ، فَإِذَا بَاعَهُ، فَلَيْسَ
فِيهِ إِلَّا زَكَاةٌ وَاحِدَةٌ.
قَالَ مَالِكٌ: الأَمْرُ عِنْدَنَا فِي الرَّجُلِ يَشْتَرِي بِالذّهَبِ أَوِ الْوَرِقِ،
حِنْظَةً أَوْ تَمْراً أَوْ غَيْرَهُمَا لِلنِّجَارَةِ، ثُمَّ يُمْسِكُهَا
(عرضاً، بزأ) بفتح الموحدة والزاي المعجمة، قال المجد: البز: الثياب أو
متاع البيت من الثياب ونحوها، وفي ((المجمع)): ضرب من الثياب. (أو رقيقاً
أو ما أشبه ذلك) من الأمتعة بنية التجارة.
(ثم باعه) أي ما اشتراه (قبل أن يحول عليه الحول من يوم أخرج زكاته،
فإنه لا يؤدي من ذلك المال زكاة) لأنه قد أدّى زكاته مرة، ولا زكاة في السنة
مرتين، (حتى يحول عليه الحول من يوم صدقه) بتشديد الدال أي حتى يتم
الحول من يوم أدّى زكاته، فإنه يؤدي حينئذ أخرى لتمام السنة .
(وأنه من لم يبع ذلك العرض) الذي اشتراه في الصورة المقدمة (سنين) أي
عدة أعوام (لم تجب عليه في شيء من ذلك العرض زكاة) بالرفع فاعل ((لم تجب))
والتنوين للتعميم، (وإن طال زمانه، فإذا باعه، فليس عليه) وفي بعض النسخ لفظ :
((فيه)) بدل ((عليه)) أي في المال أو على الرجل، (إلا زكاة واحدة) لأنه صار محتكراً،
وتقدم أن المحتكر لا زكاة عليه عند الإمام مالك إلا مرة واحدة خلافاً للجمهور.
(قال مالك: الأمر عندنا في الرجل يشتري بالذهب أو الورق) ليس ذكرهما
على الاحتراز بل على العادة، قال الباجي(١): سواء اشترى بالذهب أو
العروض (حنطة أو تمراً أو غيرهما) من الحبوب والثمار (للتجارة، ثم يمسكها)
(١) ((المنتقى)) (١٢٣/٢).
٦٤١

١٩ - كتاب الزكاة
(٩) باب
(٦٥٦) حديث
حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهَا الْحَوْلُ، ثُمَّ يَبِيعُهَا: أَنَّ عَلَيْهِ فيها الزَّكَاةَ حِينَ
يَبِيعُهَا، إِذَا بَلَغَ ثَمَنُهَا مَا تَجِبُ فِيه الزَّكَاةُ، وَلَيْسَ ذُلِكَ مِثْلَ الْحَصَادِ
يَحْصُدُهُ الرَّجُلُ مِنْ أَرْضِهِ، وَلَا مِثْلَ الْجِدَادَ.
قَالَ مَالِكٌ: وَمَا كَانَ مِنْ مَالٍ عِنْدَ رَجُلِ يُدِيرُهُ لِلتِّجَارَةِ، وَلَا
يَنْضُّ لِصَاحِبِهِ مِنْهُ شَيءٌ تَجِبُ عَلَيْهِ فِيهِ الزَّكَاةُ، فَإِنَّهُ
ولا يبيعها (حتى يحول عليها الحول ثم يبيعها) بعد حولان الحول بمدة يسيرة
أو كثيرة.
(أن عليه فيها الزكاة حين يبيعها) لأنه محتكر، وزكاته على البيع عند
مالك، خلافاً للجمهور إذ قالوا: يُقَوِّمُ في كل سنة ويُؤَدِّي زكاته، (إذا بلغ
ثمنها) مقدار (ما تجب فيه الزكاة) لأنه لا زكاة على أقل من النصاب، (وليس
ذلك) أي شراء الحبوب والثمار (مثل الحصاد) بكسر الحاء وفتحها (يحصده)
بكسر الصاد وضمها (الرجل من أرضه) وأصل الحصد قطع الزرع، وزمن
الحَصاد والحِصاد، كقولك: زمن الجداد، قال تعالى: ﴿وَءَاتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ
حَصَادِهِ﴾(١) (ولا مثل الجداد) بجيم ودالين مهملتين، قطع الثمار من أصولها
کالنخل .
عدد
وحاصله: أن الذي اشترى من الحبوب والثمار للتجارة، لا يجب فيهما
الزكاة عند الأخذ معاً بل بعد الحول، كأموال التجارة، بخلاف العشر فيما
يخرجه الأرض، إذ يجب بمجرد الحِصاد والقطع، ولا ينتظر فيه الحول.
(قال مالك: وما كان من مال عند رجل يديره للتجارة ولا ينض) بكسر
النون أي يحصل (لصاحبه) أي مالكه (منه شيء تجب عليه فيه الزكاة) بل يكثر
بيعه، فكل ما يجيء مشترٍ يبيعه، ويشتري بالثمن مالاً آخر توفيةً، ولا ينتظر
سوق نفاق يبيع فيه، ولا سوق كساد يشتري فيه، وهذا هو الذي يقال له:
(١) سورة الأنعام: الآية ١٤١.
---------
٦٤٢
----
.... ..---------

١٩ - كتاب الزكاة
(٩) باب
(٦٥٦) حدیث
يَجْعَلُ لَهُ شَهْراً مِنَ السَّنَةِ يُقَوِّمُ فِيهِ مَا كَانَ عِنْدَهُ مِنْ عَرْضٍ لِلتَّجَارَةِ،
وَيُحْصِي فِيهِ مَا كَانَ عِنْدَهُ مِنْ نَقْدٍ أَوْ عَيْنِ، فَإِذَا بَلَغَ ذَلِكَ كُلُّهُ مَا
نَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ فِنَّهُ يُزَكِّيهِ .
المدير (فإنه يجعل له) أي لماله (شهراً من السنة) معينة (١) (يقوّم) من التقويم
(فيه ما كان عنده من عرض التجارة) بقيمة عدل.
واختلف أهل العلم في كيفية التقويم، وفي ((الهداية)): يُقَوِّمها بما هو أنفع
للمساكين، وهو رواية عن أبي حنيفة، وفي الأصل خَيَّره، وعن أبي يوسف:
يُقَوِّمُها بما اشترى إن كان الثمن من النقود، وإن اشتراها بغير النقود، قَوَّمَها
بالنقد الغالب، وعن محمد: يُقَوِّمُها بالنقد الغالب على كل حال.
قال العيني في ((البناية)): في التقويم أربعة أقوال، أحدها: التقويم بما هو
أنفع، وقوله: في الأصل أي في ((المبسوط)) خَيَّرَه أي خَيَّرَ أبو حنيفة المالك في
التقويم بما شاء من النقدين، وهذا هو القول الثاني، وعن أبي يوسف: يُقَوِّمُها
بما اشترى، وبه قال الشافعي في وجه، وهذا هو القول الثالث، والرابع: قول
محمد، وبه قال الشافعي في وجه، انتهى مختصراً .
وقال الخرقي(٢): تقوم السِّلَع إذا حال الحول بالأحظ للمساكين من عين
أو ورق، ولا يعتبر ما اشتُرِیَتْ به، انتهى.
(ويحصي) أي يعد (فيه ما كان عنده من نقد) أي الدراهم والدنانير (أو
عين) أي ذهب وفضة (فإذا بلغ ذلك كله) أي بلغ مجموع ما عنده من الأمتعة
والأموال مقدار (ما تجب فيه الزكاة) أي النصاب (فإنه يزكيه) وبه قالت الأئمة
الثلاثة أيضاً، إلا أنهم لم يخصوا هذا الحكم بالمدير فقط، بل جعلوا المدير
والمحتكر سواء كما تقدم.
(١) كذا في الأصل، والظاهر : معيناً.
(٢) انظر: ((المغني)) (٢٥٣/٤).
٦٤٣

١٩ - كتاب الزكاة
(٩) باب
(٦٥٦) حديث
وأما ضم قيمة العروض إلى النقدين، الذي أفاده الإمام مالك في هذا
القول، فقال الموفق(١): إن عروض التجارة تضم إلى كل واحد من الذهب
والفضة، ويكمُلُ به نصابُه، لا نعلم فيه اختلافاً، قال الخطابي: لا أعلم
عامتهم اختلفوا فيه، وذلك؛ لأن الزكاة إنما تجب في قيمتها، فتقوم بكل واحد
منهما، فتضم إلى كل واحد منهما، ولو كان له ذهب وفضة وعروض، وجب
ضم الجميع بعضه إلى بعض في تكميل النصاب؛ لأن العرض مضموم إلى كل
واحد منهما، فيجب ضمهما إليه وجمع الثلاثة.
فأما إن كان له من كل واحد من الذهب والفضة ما لا يبلغ نصاباً
بمفرده، أو كان له نصابٌ من أحدهما وأقَلُّ من نصابٍ من الآخر، فقد توقف
أحمد عن ضم أحدهما إلى الآخر، في رواية الأثرم وجماعة، وقطع في رواية
حنبل، أنه لا زكاة عليه حتى يبلغ كل واحد منهما نصاباً .
وذكر الخرقي فيه روايتين: إحداهما: لا يضم، وهو قول ابن أبي ليلى،
والحسن بن صالح، وشريك، والشافعي، وأبي عبيد، وأبي ثور؛ لقوله مليار:
(ليس فيما دون خمس أواق صدقة))، ولأنهما مالان يختلف نصابهما فلا يضم
كأجناس الماشية .
والثانية: يضم أحدهما إلى الآخر في تكميل النصاب، وهو قول الحسن،
وقتادة، ومالك، والأوزاعي، والثوري، وأصحاب الرأي؛ لأن أحدهما يضم
إلى ما يضم إليه الآخر، فيضم إلى الآخر. كأنواع الجنس، ولأن نفعهما
واحد، والأصول فيهما متحدة، فإنها قيم المتلفات، وأروش الجنايات، وأثمان
البياعات، والحديث مخصوص بعرض التجارة، فإذا قلنا بالضم، فإن أحدهما
يضم إلى الآخر بالأجزاء، وهو قول مالك وأبي يوسف ومحمد والأوزاعي.
(١) انظر: ((المغني)) (٢١٠/٤ - ٢١٢).
٦٤٤
..--
-.
--

١٩ - كتاب الزكاة
(١٠) باب
(٦٥٦) حديث
وَقَالَ مَالِكٌ: وَمَنْ تَجَرَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَمَنْ لَمْ يَتْجُرْ سَوَاءٌ،
◌َيْسَ عَلَيْهِمْ إِلَّا صَدَقَةُ وَاحِدَةٌ فِي كُلِّ عَامِ، تَجَرُوا فِيهِ أَوْ لَمْ
يَتْجُرُوا.
(١٠) باب ما جاء في الكنز
وقال أبو الخطاب: ظاهر كلام أحمد، في رواية المروذي، أنها تضم
بالأحوط من القيمة والأجزاء، ومعناه: أنه يُقَوَّمُ الغالي منهما بقيمة الرخيص،
وهو قول أبي حنيفة في تقويم الدنانير بالفضة، انتهى.
وفي ((الهداية)): يضم الذهب إلى الفضة بالقيمة عند أبي حنيفة، وعندهما
بالأجزاء وهو رواية عنه، انتهى.
(قال يحيى: وقال مالك: من تجر من المسلمين ومن لم يتجر سواء) في
أنه (ليس عليهم إلا صدقة واحدة في كل عام)، ولا يكرّر الزكاة بتكرر النماء،
مثلاً إن ربحوا في السنة مرات، فلا يكون فيه إلا صدقة واحدة على تمام
السنة، (تجروا فيه أو لم يتجروا)، فإن كان عندهم من أموال الصدقة شيء،
كالعين وغيره يؤخذ منها الزكاة وإن لم يتجروا، بخلاف غير المسلمين من أهل
الذمة، فإنهم إن تجروا يؤخذ من أموالهم نصف العشر أيضاً، وإذا لم يتجروا
فليس عليهم العشر، بل الجزية فقط.
ذكر في ((المدونة))(١): أن عمر - رضي الله عنه - قال لأهل الذمة الذين
كانوا يتجرون إلى المدينة: إن تجرتم في بلادكم فليس عليكم في أموالكم
زكاة، وليس عليكم إلا جزيتكم التي فرضنا عليكم، وإن خرجتم وضربتم في
البلاد وأدرتم أموالكم أخذنا منكم، وفرضنا عليكم كما فرضنا جزيتكم.
(١٠) ما جاء في الكنز
قال ابن جرير: هو كل شيء جمع بعضه على بعض في بطن الأرض أو
(١) (٢٤١/١).
٦٤٥

١٩ - كتاب الزكاة
(١٠) باب
--
ظهرها، وقال ابن دريد: هو كل شيء غمسته بيدك أو رجلك في وعاء أو
أرض، وقال الراغب: هو جعل المال بعضه على بعض وحفظُه، وأصله من:
كنزتُ التمرَ في الوعاء، انتهى.
وقال العيني(١): وفي (المغيث)): الكنز اسم للمال المدفون، وقال
القرطبي: أصله الضم والجمع، ولا يختص بالذهب والفضة، ألا يُرى إلى
قوله وقال: ((ألا أخبركم بخير ما يكنزه المرء، المرأة الصالحة))، أي يضمه لنفسه
ويجمعه، انتهى.
وغرض المصنف بيان مصداق الكنز الذي ورد الشرع بذمه والوعيد عليه
في الآيات والأحاديث، قال عز اسمه: ﴿وَالَّذِينَ يَكْثِرُونَ الذَّهَبَ وَاَلْفِضَّةَ
وَلَا يُفِقُونَهَا فِى سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرُهُم بِعَذَابٍ أَلِمٍ﴾، إلى قوله: ﴿فَذُوقُوْ مَا كُمْ
تَكْتِزُونَ﴾(٢)، واختلفوا في تفسير الآية، فقيل: كان هذا في ابتداء الإسلام،
ثم جعل الله الزكاة طهارة.
قال النووي(٣): فعلى هذا الكنز المذكور عن أهل اللغة، لكن الآية
منسوخة. وقيل: نزلت في أهل الكتاب، روى البخاري عن أبي ذر: كنت
بالشام فاختلفت أنا ومعاوية في الآية، قال معاوية: نزلت في أهل الكتاب،
الحديث. وقيل: كل ما زاد على أربعة آلاف فهو كنز، وإن أديت زكاته،
وقيل: هو ما فضل عن الحاجة، حكاهما النووي، وقيل: نزلت في اليهود
كتموا صفته وَّيلة، وقيل: فيمن له قرابة لا يصلهم، قاله الزرقاني(٤).
(١) ((عمدة القاري)) (٣٤١/٦).
(٢) سورة التوبة: الآية ٣٤، ٣٥.
(٣) ((شرح مسلم)) للنووي (٦٨/٤).
(٤) (شرح الزرقاني)) (١١٠/٢).
٦٤٦
۔
أ
-----

١٩ - كتاب الزكاة
(١٠) باب
(٦٥٧) حديث
٢١/٦٥٧ - حَدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ؛
أَنَّهُ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ وَهُوَ يُسْأَلُ
وقال الحافظ في ((الفتح))(١): قال ابن عبد البر: وردت عن أبي ذر آثار
كثيرة تدل على أنه كان يذهب إلى أن كل مال مجموع يفضل عن القوت وسداد
العيش، فهو كنز يُذَمُّ فاعلُه، وأن آية الوعيد نزلت في ذلك، وخالفه جمهور
الصحابة ومن بعدهم، وحملوا الوعيد على مانعي الزكاة، وأصح ما تمسكوا
حديث طلحة وغيره في قصّة الأعرابي: هل علي غيرها؟ قال: ((لا إلا أن
تطوع»، انتهى.
قال النووي: اتفق أهل الفتوى على هذا القول، وهو الصحيح،
لقوله وَالر: ((ما من صاحب كنز لا يؤدي زكاته))، الحديث، وفي الحديث
الآخر: ((من كان عنده مال لم يؤدِّ زكاته مُثِّلَ له شجاعاً أقرع))، وفي آخره: ((أنا
کنزك»، انتهى.
قال الشيخ في ((المسوّى)) (٢): هو الصحيح، فمعنى ((لا ينفقونها)) لا
ينفقون منها القدر الذي أوجبه الله تعالى، ومعنى ((ما بخلوا به)) البخل الذي هو
منع الزكاة المفروضة، انتهى.
قال ابن رشد: ما لا تجب فيه الزكاة لا يسمى كنزاً؛ لأنه معفو عنه. فما
أخرجت زكاته كذلك، لأنه عفي بإخراج الواجب فيه فلا يسمى كنزاً، قال أبو
عمر (٣): لا أعلم خلافاً في تفسير الكنز بذلك، إلا ما روي عن علي وأبي ذر
والضحاك وقوم من أهل الزهد، قاله الزرقاني.
٢١/٦٥٧ - (مالك، عن عبد الله بن دينار) المدني مولى ابن عمر (أنه
قال: سمعت عبد الله بن عمر وهو يسأل) ببناء المجهول من المضارع في جميع
(١) ((فتح الباري)) (٢٧٣/٣).
(٢) (٢٥٦/١).
(٣) انظر: ((الاستذكار)) (١٢٢/٩).
٦٤٧

١٩ - كتاب الزكاة
(١٠) باب
(٦٥٨) حديث
----
عَنِ الْكَنْزِ مَا هُوَ؟ فَقَالَ: هُوَ الْمَالُ الَّذِي لَا تُؤَدَّى مِنْهُ الزَّكَاةُ.
٢٢/٦٥٨ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ
أَبِي صَالِحِ السَّمَّانِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ:
النسخ المصرية، وبلفظ: ((وهو سئل)) ببناء المجهول من الماضي في جميع
النسخ الهندية (عن الكنز) أي مصداقه في الآية المذكورة (ما هو؟ فقال: هو
المال الذي لا تؤدى منه الزكاة) فما أدي زكاته فليس بكنز.
وقد أخرج الطبراني والبيهقي وابن مردويه بطريقين عن ابن عمر مرفوعاً،
قال البيهقي: ليس بمحفوظ، والمشهور وقفه، قال ابن عبد البر: ويشهد له
حديث أبي هريرة مرفوعاً: ((إذا أدَّيت زكاة مالك، فقد قضيت ما عليك))،
أخرجه الترمذي، وقال: حسن غريب، وصححه الحاكم.
ولأبي داود(١) عن أم سلمة: ((كنت ألبس أوضاحاً من ذهب فقلت: يا
رسول الله، أكنز؟ فقال: ((ما بلغ أن تُؤَدَّى زكاته فزكي فليس بكنز))، صححه
الحاكم وابن القطان، وقال ابن عبد البر(٢): في سنده مقال، وقال العراقي:
سنده جيد، وروى ابن أبي شيبة عن ابن عباس: ((ما أدّي زكاته فليس بكنز))،
وغير ذلك من الآثار.
٢٢/٦٥٨ - (مالك، عن عبد الله بن دينار، عن أبي صالح السمان) ذكوان
(عن أبي هريرة؛ أنه كان يقول) موقوفا، ورواه عبد الرحمن بن عبد الله بن
دينار عن أبيه، أخرجه البخاري، وتابعه زيد بن أسلم عن أبي صالح عند
البخاري، وسهيل بن أبي صالح عن أبيه عند مسلم، والقعقاع بن حكيم عن
أبي صالح عند النسائي، وخالفهم عبد العزيز بن أبي سلمة، فرواه عن
عبد الله بن دينار عن ابن عمر - رضي الله عنهما - عن النبي وَلّر، أخرجه
النسائي ورجحه.
(١) رواه أبو داود (١٥٦٤).
(٢) انظر: ((شرح الزرقاني)) (١١٠/٢).
٦٤٨
--
-----------------

١٩ - كتاب الزكاة
(١٠) باب
(٦٥٨) حديث
مَنْ كَانَ عِنْدَهُ مَالٌ لَمْ يُؤَدِّ زَكَاتَهُ، مُثِّلَ لَهُ، يَوْمَ الْقِيَامَةِ، شُجَاعاً
أَقْرَعَ، لَهُ زَبِبَتَانِ،
لكن قال ابن عبد البر(١): رواية عبد العزيز خطأٌ بَيّنٌ في الإسناد؛ لأنه لو
كان عند ابن دينار عن ابن عمر ما رواه عن أبي صالح أصلاً.
قال الحافظ(٢): وفي هذا التعليل نظر، وما المانع أن له فيه شيخين؟
نعم، الذي على طريقة أهل الحديث أن رواية عبد العزيز شاذَّة؛ لأنه سلك
طريق الجادة، ومن عدل عنها دل على مزيد حفظه، انتهى.
قال العيني(٣): وفي الباب عند الترمذي من حديث ابن مسعود مثله،
وقال: حسن صحيح، وعند مسلم وغيره من حديث أبي الزبير عن جابر: أن
رسول الله و # قال: ((ما من صاحب إبل))، الحديث. (من كان عنده مال لم يؤد
زكاته) ولفظ البخاري: ((من آتاه الله مالاً فلم يؤد زكاته)).
(مثل) بضم الميم وتشديد المثلثة، مبنياً للمفعول أي صُوِّرَ وجُعِلَ (له يوم
القيامة شجاعا) بضم الشين ويكسر، منصوب على أنه مفعول ثان لمثل،
والضمير فيه يرجع إلى مال، وقد ناب عن المفعول الأول.
وقال الطيبي: نصب لجريه مجرى المفعول الثاني، وضمن ((مثِّل)) معنى
التصيير، أي صير ماله على صورة شجاع، وقال الدماميني: نصب على الحال،
وقال ابن قرقول: وبالرفع ضبطناه، وهي رواية الطرابلسي في ((الموطأ))، قاله
العيني (٤)، وهو الحية الذكر، وقيل: الذي يقوم على ذنبه ويواثب الفارس
والراجل، وربما بلغت وجه الفارس، تكون في الصحارى.
(أقرع) وهو ما برأسه بياض، وكلما كثر سُمُّه ابْيَضَّ رأسُه (له زبيبتان)
(١) انظر: ((الاستذكار)) (١٣١/٩).
(٢) ((فتح الباري)) (٢٦٩/٣).
(٣) ((عمدة القاري)) (٣٤٦/٦).
(٤) ((عمدة القاري)) (٣٤٦/٦).
٦٤٩

١٩ - كتاب الزكاة
(١١) باب
(٦٥٨) حديث
يَطْلُبُهُ حَتَّى يُمْكِنَهُ، يَقُولُ: أَنَا كَنْزُكَ.
قال ابن عبد البرّ: هذا الحديث موقوف في ((الموطأ)).
وقد أخرجه، موصولاً، البخاريّ في: ٢٤ - كتاب الزكاة، ٣ - باب إثم مانع
الزكاة.
(١١) باب صدقة الماشية
-----
بفتح الزاي وموحدتين هما الزبدتان اللتان في الشدقين، يقال: تكلم فلان حتى
زبب شدقاه أي خرج الزبد منهما، وقيل: هما النكتتان السوداوان فوق عينيه،
وهي علامة الذكر المؤذي، وقيل: نقطتان يكتنفان فاه، وقيل: هما في حلقه،
وقيل: لحمتان على رأسه مثل القرنين، وقيل: نابان يخرجان من فيه.
(يطلبه حتى يمكنه) وفي ((المشكاة)) عن ((البخاري)): يُطَوَّقه يوم القيامة
ثم يأخذ بلهزمتيه أي شدقيه (يقول: أنا كنزك) وفائدة هذا القول زيادة الحسرة
في العذاب، زاد في رواية البخاري: ثم تلا: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾
الآية، وتلاوته ◌َ ﴾ تدل على أنها نزلت في مانعي الزكاة، لا تنافي بين هذا
وبين رواية مسلم مرفوعاً: ((ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها
حقها، إلا إذا كان يوم القيامة صفحت له صفائح من نار، فأحمي عليها في
نار جهنم، فتكوى بها جبهته وجنبه وظهره))؛ لأنه يحتمل أن يجمع له
الأمران.
فحديث الباب يوافق قوله تعالى: ﴿سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِ، يَوْمَ الْقِيَمَةُ﴾(١)،
ورواية مسلم توافق الآية: ﴿فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمَّ ) الآية .
(١١) صدقة الماشية
تقع على الإبل والغنم، والأخير أكثر، كذا في ((المجمع)) أي إطلاقها
(١) سورة آل عمران: الآية ١٨٠.
٦٥٠
- -

١٩ - كتاب الزكاة
(١١) باب
(٦٥٩) حديث
٢٣/٦٥٩ - حَدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ؛ أَنَّهُ قَرَأْ كِتَابَ عُمَرَ بْنِ
الْخَطَّابِ فِي الصَّدَقَةِ.
على الغنم أكثر، وفي ((لسان العرب)): المشاء: النماء، ومنه قيل: الماشية،
وكل ما يكون سائمة للنسل والقنية من إبل وشاء وبقر فهي ماشية، وأصل
المشاء النماء والكثرة والتناسل، وقال ابن السكيت: الماشية تكون من الإبل
والغنم، انتھی.
قال ابن رشد(١): أما ما تجب فيه الزكاة من الأموال، فإنهم اتفقوا
منها على أشياء، واختلفوا في أشياء، أما ما اتفقوا عليه، فثلاثة أصناف
من الحيوان: الإبل والبقر والغنم، وأما ما اختلفوا فيه من الحيوان، فمنه
ما اختلفوا في نوعه، ومنه ما اختلفوا في صنفه، أما الأول: فالخيل، قال
الجمهور: لا زكاة فيه، وقال أبو حنيفة: إذا كانت سائمة، وقصد بها
النسل أنّ فيه الزكاة، وأما الثاني: فهي السائمة من الإبل والبقر والغنم من
غير السائمة منها، فإن قوماً أوجبوا الزكاة فيها مطلقاً، وبه قال الليث
ومالك، وقال سائر فقهاء الأمصار: لا زكاة في غير السائمة منها، انتهى
ملخصاً .
٢٣/٦٥٩ - (مالك، أنه قرأ كتاب عمر بن الخطاب في الصدقة) المروي
عند أحمد وأبي داود والترمذي وحسنه، والحاكم (٢) من طريق سفيان بن
حسين عن الزهري عن سالم عن ابن عمر قال: كتب رسول الله وَلّ كتاب
الصدقة، فلم يخرجه إلى عمّاله، وقرنه بسيفه حتى قُبِض، فعمل به أبو بكر
حتى قبض، ثم عمل به عمر حتى قبض، فذكره، قال الترمذي: حديث
(١) ((بداية المجتهد)) (٢٥١/١).
(٢) ((المستدرك)) (٣٩١/١) وأخرجه الترمذي في كتاب الزكاة (٦٢١)، وأبو داود
(١٥٦٨).
٦٥١

١٩ - كتاب الزكاة
(١١) باب
(٦٥٩) حديث
قَالَ: فَوَجَدْتُ فِيهِ :
بسم الله الرحمن الرحيم
حسن، ورواه يونس وغير واحد عن الزهري عن سالم، ولم يرفعه، وإنما
رفعه سفیان بن حسین.
قال الحافظ(١): هو ضعيف في الزهري، وقد خالفه من هو أحفظ منه في
الزهري فأرسله، أخرجه الحاكم من طريق يونس عنه، وقال: إن فيه تقوية
الرواية سفيان بن حسين، فتحسين الترمذي له باعتبار شاهده، وهو حديث أنس
عند البخاري وأبي داود والنسائي وابن ماجه.
ثم قال ابن العربي في كتابه ((المسالك شرح موطأ مالك)): ثبت عن
النبي 18َّ في الماشية ثلاثة كتب، كتاب أبي بكر - رضي الله عنه -، وكتاب آل
عمرو بن حزم، وكتاب عمر بن الخطاب، وعليه عوّل مالك، لطول مدة خلافته
وسعة بيضة الإسلام في أيامه، وكثرة مصدِّقيه، وما من أحد اعترض عليه فيه،
ولأنه استقر بالمدينة، وجرى عليه العمل مع أنه رواية سائر أهل المدينة، وقال
أبو الحارث: قال أحمد بن حنبل: كتاب عمرو بن حزم في الصدقات صحيح،
وإليه أذهب، قاله العيني في ((شرح البخاري))(٢).
- -- -
وقال في ((شرح الهداية)) بعد ذكر حديث عمرو بن حزم: يناسب هذا من
مذهبنا .
(قال) مالك: (فوجدت فيه) أي في كتاب عمر بن الخطاب، (بسم الله
الرحمن الرحيم) فيه طلب البسملة أول الكتاب، قال الحافظ(٣): ولم تجر
(١) انظر: ((شرح الزرقاني)) (٣١٤/٢).
(٢) ((عمدة القاري)) (٤٤٩/٦).
(٣) انظر: ((شرح الزرقاني)) (١١٢/٢).
٦٥٢

١٩ - كتاب الزكاة
(١١) باب
(٦٥٩) حديث
كتاب الصدقة
فِي أَرْبَعِ وَعِشْرِينَ مِنَ الإِبِلِ، فَدُونَهَا الْغَنَّمُ،
العادة الشرعية ولا العرفية بابتداء المراسلات بالحمد، وقد جمعت كتبه ◌َبية إلى
الملوك وغيرهم فلم يقع في واحد منهما البداءة بالحمد بل بالبسملة (هذا كتاب
الصدقة) هكذا وجدت في هذا الحديث المنقطع عند البيهقي وغيره، وفي
حديث يونس عن ابن شهاب عند أبي داود ((هذه نسخة كتاب رسول الله وَالاله
الذي كتبه في الصدقة)).
(في أربع وعشرين من الإبل) لفظة ((من)) بيانية، وبدأ بالإبل؛ لأنها جل
أموالهم، سميت الإبل؛ لأنها تبول على أفخاذها كما في ((الدر المختار)).
(فدونها) الفاء بمعنى أو، وفي نسخة ((المنتقى)): فما دونها (الغنم) بالضم مبتدأ
مؤخر، خبره ((في أربع وعشرين))، قدّم الخبر؛ لأن الغرض بيان المقادير التي
تجب فيها الزكاة، وإنما تجب بعد وجود النصاب فحسن التقديم(١).
ثم فيه بحثان فقهيان:
الأول: ما قال الباجي: قوله: ((في أربع وعشرين)) يقتضي أن الغنم
مأخوذة من أربع وعشرين، وإن كانت الأربع الزائدة على العشرين وقصاً، وقد
اختلف قول مالك في ذلك، فمرة قال: إن ما يؤخذ من الصدقة فإنما هو على
الجملة، ومرة قال: إنما هو على ما تلزم به تلك الصدقة، وما زاد فهو وقص،
لا یجب فيه شيء، انتھی.
وفي ((البناية)): الزكاة عند أبي حنيفة وأبي يوسف في النصاب دون
العفو، وبه قال الشافعي في الجديد ومالك وأحمد واختاره المزني، وقال
محمد وزفر: في النصاب والعفو جميعاً، وبه قال الشافعي في القديم، وفي
(١) انظر: ((فتح الباري)) (٣١٩/٣).
٦٥٣

١٩ - كتاب الزكاة
(١١) باب
(٦٥٩) حديث
((الذخيرة)): لمالك والشافعي فيه قولان، والأصح عندهما تعلقها بالنصاب دون
الوقص، وقال البويطي في كتبه الجديدة: يتعلق بالجميع.
وقال في ((مغني الحنابلة)) (١): يتعلق بالنصاب دون الوقص عند
أصحابنا، ومعناه: إذا كان عنده أكثر من الفريضة، مثل أن يكون عنده
ثلاثون من الإبل، فالزكاة تتعلق بخمسة وعشرين، دون الخمسة الزائدة
عليها، فعلى هذا لو وجبت الزكاة فيها، وتلفت الخمس الزائدة قبل التمكن
من أدائها، وقلنا: إنّ تَلَفَ النصابِ قبل التمكن يسقط الزكاة، لم يسقط ههنا
منها شيء، لأن التالف لم تتعلق الزكاة به، وإن تلف منها عشر سقط من
الزكاة خمسها؛ لأن الاعتبار بتلف جزء من النصاب، وأما من قال: لا تأثير
لتلف النصاب في إسقاط الزكاة، فلا فائدة في الخلاف عنده في هذه
المسألة، انتهى.
وعُلِم مما سبق أنه اختلف فيه الحنفية أيضاً، فقال محمد وزفر: إن
الزكاة في النصاب والعفو معاً، وقال الشيخان أبو حنيفة وأبو يوسف: الزكاة
في النصاب، والعفو عفو، وأثر الخلاف يظهر فيمن ملك تسعاً من الإبل فهلك
بعد الحول منها أربعة، لم يسقط شيء على الثاني، وعلى الأول يسقط أربع
أتساع شاة، قاله ابن عابدين.
واستدل الشيخان بقوله ◌َّ# في حديث عمرو بن حزم: وليس في الزيادة
شيء حتى تكون عشراً، وتكلم العيني في ((البناية)) على هذه الزيادة، قال
الحافظ في ((الدراية)): لم أجده، وقد ذكره أبو إسحاق الشيرازي في ((المهذب))
وأبو يعلى الفراء في كتابه.
وقد يستأنس له بحديث محمد بن عبد الرحمن الأنصاري، أن في كتاب
(١) ((المغني)) (٢٩/٤).
٦٥٤
***

١٩ - كتاب الزكاة
(١١) باب
(٦٥٩) حديث
النبي ◌ّ في الصدقات: أن الإبل إذا زادت على عشرين ومائة، فليس فيما
دون العشر شيء، أخرجه أبو عبيد، انتهى.
وقال القاري في ((شرح النقاية)): ولهما قوله ◌ّر في الإبل: ((في خمسٍ
شاة، وفي عشر شاتان، وفي الغنم إذا زادت على ثلاثمائة، ففي كل مائة
شاة))، وهذا ظاهر في أن الزكاة في النصاب فقط، انتهى.
والبحث الثاني: ما قال الزرقاني(١): إن فيه تعيين إخراج الغنم، فلو
أخرج بعيراً عن الأربع وعشرين بعيراً لم يجزئه، وهو قول مالك وأحمد،
وقال الشافعي والجمهور: يجزئه إن وفت قيمته بقيمة أربعة شياه، لأنه يجزئ
عن خمس وعشرين فأولى ما دونها، ولأن الأصل أن تجب الزكاة من جنس
المال، وإنما عدل عنه رِفْقاً بالمالك، ورُدَّ بأنه قياس في معرض النص،
انتھی .
قلت: ما حكي عن مالك هو المصرح في فروعه، قال الدسوقي بعد ذكر
الاختلاف في إجزاء البعير عن شاة واحدة: أما عن شاتين فأكثر فلا يجزئ
قولاً واحداً، ولو زادت قيمته على قيمتها، انتهى. وما حكي من القيد في
مذهب الشافعي - رضي الله عنه - يأباه كتب فروعه، ففي ((شرح الإقناع)) (٢):
ويجزئ بعير الزكاة عن دون خمس وعشرين عوضاً عن الشاة الواحدة أو الشياه
المتعددة، وإن لم يساو قيمة الشاة؛ لأنه يجزئ عن خمس وعشرين فعما دونها
أولی، انتھی.
ويجوز عند الحنفية إذ يساوي قيمة المؤدى قيمة الواجب، كما بسط في
فروعه فأولی إذ یزید.
(١) (١١٢/٢).
(٢) (٣٢٣/٢).
٦٥٥

١٩ - كتاب الزكاة
(١١) باب
(٦٥٩) حديث
فِي كُلِّ خَمْسٍ شَاةٌ .
ے
ويمكن الاستدلال عليه بما في أبي داود من حديث أبيّ بن كعب قال:
((بعثني رسول الله وَّل مصدِّقاً، فمررت برجل، فلما جمع لي ماله لم أجد عليه
إلا ابنة مخاض، فقلت له: أو ابنة مخاض؟ فإنها صدقتك، قال: ذاك ما لا
لبن فيه ولا ظهر، ولكن هذه ناقة فتية عظيمة سمينة، فخذها، فقلت له: ما أنا
بآخذ ما لم أؤمر به، وهذا رسول الله وَ ﴿ منك قريب))، الحديث، وفيه أن
المؤدى ههنا من جنس الواجب، وفي مسألتنا من غير جنسه.
(في كل خمس شاة) مبتدأ وخبر، بيان للجملة المتقدمة، أي الواجب في
أربع وعشرين إبلاً من كل خمس إبل شاة، وهذا يقتضي أن فيها أربع شياه،
لأن ما فوق العشرين عدد ليس فيها خمس، قال الباجي: وهذا يقتضي أن
الغنم هي الواجبة فيها، فإن أخرج عن خمس من الإبل واحداً منها لم يجزئه،
وإنما يجزئه أن يخرج ما وجب عليه وهي شاة.
قلت: لكنه خلاف المرجح عند المالكية، ففي ((الشرح الكبير)) (١):
الأصح إجزاء البعير عن الشاة إن وَفَتْ قيمته قيمتها، قال الدسوقي خلافاً
للباجي وابن العربي القائلين بعدم الإجزاء: وتعبيره بالإجزاء يفيد أنه غير جائز
ابتداءً، انتهى.
وتقدم عن ((شرح الإقناع)) من فروع الشافعية: أنه يجزئ عندهم، نعم لا
يجزئ عند الحنابلة، ففي ((الروض المربع)) (٢): في كل خمس شاة، ولا يجزئ
بعیر ولا بقرة ولا نصفا شاتین، انتهى.
وقال الموفق(٣): إن أخرج عن الشاة بعيراً لم يجزئه، سواء كانت قيمته
(١) (١/ ٤٣٣).
(٢) (٣٦٧/١).
(٣) (المغني)) (١٥/٤).
٦٥٦

١٩ - كتاب الزكاة
(١١) باب
(٦٥٩) حديث
أكثر من قيمة الشاة أو لم يكن، وحكي ذلك عن مالك وداود، وقال الشافعي
وأصحاب الرأي: يجزئه البعير عن العشرين فما دونها، انتهى. قلت: ويجوز
عند الحنفية باعتبار القيمة.
ثم قال الباجي(١): والشاة التي تؤخذ في صدقة الإبل، قال مالك: تؤخذ
من غالب غنم ذلك البلد، فإن كان الغالب على غنمهم الضأن، أخذ منها، وإن
كان الغالب المعز، أخذ منها، وروى ابن نافع عن مالك: من أيهما أدى أجزأ
عنه، انتھی.
وفي ((الشرح الكبير))(٢) للدردير: في كل خمس منها ضأن، إن لم يكن
جُلُّ غنم البلد المعزَ بأن كانت جلها ضأناً أو تساويا، فإن غلب المعز وجب
منه إلا أن يتطوع المالك بدفع الضأن، انتهى.
وفي ((شرح الإقناع))(٣): لا يتعين غالب غنم البلد، بل يجوز الإخراج من
غير الغالب، لكن لا يجوز الانتقال إلى غنم بلد أخرى إلا بمثلها في القيمة أو
خیر منها، انتهى.
وقال الموفق(٤): لا يجزئ في الغنم المخرجة في الزكاة إلا الجذع من
الضأن، والثني من المعز، وكذلك شاة الجُبْران، وأيهما أخرج أجزأه، ولا
يعتبر كونها من جنس غنمه، ولا جنس غنم البلد؛ لأن الشاة مطلقة في الخبر
الذي ثبت به وجوبها، وليس غنمه ولا غنم البلد سبباً لوجوبها. فلم يتقيد
بذلك، وتكون أنثى، فإن أخرج ذكراً لم يجزئه؛ لأن الغنم الواجبة في نُصُبِها
(١) ((المنتقى)) (١٢٧/٢).
(٢) (٤٣٢/١).
(٣) (٣٢٣/٢).
(٤) ((المغني)) (١٤/٤).
٦٥٧

١٩ - كتاب الزكاة
(١١) باب
(٦٥٩) حديث
وَفِيمَا فَوْقَ ذْلِكَ، إِلَى خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ،
إناث، ويحتمل أن يجزئه؛ لأن النبي ◌َلّ أطلق لفظ الشاة، فدخل فيه الذكر
والأنثى، ولأن الشاة إذا تعلقت بالذمة دون العين أجزأ فيها الذكر كالأضحية،
انتھی .
(وفيما فوق ذلك) أي من خمس وعشرين ولا خلاف في ذلك بين فقهاء
الأمصار أن ابنة مخاض من خمس وعشرين، إلا ما روي عن علي مرفوعاً
وموقوفاً: أن في خمس وعشرين خمس شياه، ومن ست وعشرين بنت
مخاض، قال العيني في ((شرح الهداية)): وروي ذلك عن الشعبي وشريك بن
عبد الله، وبه قال ابن أبي المطيع البلخي.
وقال الحافظ في ((الفتح)): المرفوع ضعيف، وقال السرخسي في
((المبسوط)): أجمع العلماء إلا ما روي شاذّاً عن علي - رضي الله عنه -، وقال
الثوري: وهذا غلط وقع من رجال علي - رضي الله عنه -، أما علي - رضي الله
عنه - فإنه كان أفقه من أن يقول هكذا، لأن في هذا موالاة بين الواجبين بلا
وقص بينهما، وهو خلاف أصول الزكاة، فإن مبنى الزكاة على أن الوقص يتلو
الواجب، وعلى أن الواجب يتلو الوقص، انتهى.
وحجة الجمهور كتاب أبي بكر لأنس لما وجّهه إلى البحرين: ((هذه
فريضة الصدقة التي فرض رسول الله رقم18 على المسلمين والتي أمر الله بها
رسوله))، الحديث، أخرجه البخاري وغيره، وفيه: «فإذا بلغت خمساً وعشرين
إلى خمس وثلاثين، ففيها بنت مخاض))، (إلى خمس وثلاثين) استدل به على
أنه لا يجب فيما بين العددين شيء غير بنت مخاض، خلافاً لمن قال،
كالحنفية: تستأنف الفريضة، فيجب في كل خمس من الإبل شاة مضافة إلى
بنت المخاض، كذا في ((الفتح)) (١).
(١) ((فتح الباري)) (٣١٩/٣).
٦٥٨

١٩ - كتاب الزكاة
(١١) باب
(٦٥٩) حديث
ابْنَةُ مَخَاضٍ .
. . . . . ..
فَإِنْ لَمْ تَكُنِ ابْنَةُ مَخَاضٍ،
قلت: النسبة إلى الحنفية ليست بصحيحة فإن كل فروعهم متفقة على أنه
لا شيء من خمس وعشرين إلى خمس وثلاثين غير بنت مخاض، ولعله توهم
بما فوق العشرين ومائة.
(بنت) وفي رواية: ابنة، قاله الزرقاني، واختلفت نسخ ((الموطأ)) على
هاتين الروايتين، فالنسخ الهندية بإسقاط الألف في سائر المواضع، والمصرية
بإثباتها في جميعها، (مخاض) بفتح الميم والمعجمة الخفيفة، هي التي أتى
عليها حول، ودخلت في الثانية، سميت بذلك لأن أمها تكون حاملاً، ومخض
بطنها أي تحركت أو دخلت في الحوامل وإن لم تحمل هي، فالمخاض
الحوامل من النوق، لا واحد لها من لفظها بل واحدها خلفة، وإنما أضيفت
إلى المخاض، والواحدة لا تكون بنت نوق؛ لأن أمها تكون في نوق حوامل
تجاورهن، تضع حملها معهن، فنسبتها إلى الجماعة باعتبار مجاورتها أمها،
ويمكن أن يقال: إن المخاض وجع الولادة فيكون التقدير: ذات مخاض، كذا
في ((المرقاة))(١) و((المجمع)).
وقال الموفق(٢): سميت بذلك لأن أمها قد حملت غيرها، والماخض
الحامل، وليس كون أمها ماخضاً شرطاً فيها، وإنما ذكر تعريفاً لها بغالب
حالها، انتهى. (فإن لم تكن) عنده (بنت مخاض) بأن فقدها حساً أو شرعاً،
قال ابن الملك: يحتمل معناه ثلاثة أوجه، بأن لا يكون عنده أصلاً، أو تكون
مريضة، فهي كالمعدومة، أو لا تكون متوسطة، قالِهِ القاري.
قال الباجي(٣): ولا يجوز إخراج ابن لبون مع وجود بنت مخاض عند
(١) ((مرقاة المفاتيح)) (١٤٢/٤).
(٢) ((المغني)) (١٦/٤).
(٣) ((المنتقى)) (١٢٧/٢).
٦٥٩

١٩ - كتاب الزكاة
(١١) باب
(٦٥٩) حديث
فَابْنُ لَبُونٍ ذَكَرٌ .
مالك، وقال أبو حنيفة: يجوز، وبناه على مذهبه في إخراج القيم في الزكاة،
انتهى. بقول مالك قال الإمام أحمد والشافعي، كما سيأتي في كلام الموفق.
(فابن لبون) وهو ما تمت له السنتان، ودخل في الثالثة، سُمِّي بذلك لأن
أمه تكون ذات لبن ترضع به أخرى غالباً، (ذكر) وصفه به وإن كان ابن لبون لا
يكون إلا ذكراً زيادة في البيان، أو لأن بعض الحيوان يطلق على ذكره وأنثاه
لفظ الابن، كابن عرس وابن آوى، فرفع هذا الاحتمال، أو لِيُنَبِّه على نقصه
بالذكورة حتى يعدل بنت المخاض، قاله ابن زرقون، قال الحافظ(١): أو ليُنَبِّه
ربُّ المال ليطيب نفساً بالزيادة، وقيل: احترز بذلك من الخنثى، وفيه بُعْدٌ.
ثم كفاية ابن اللبون محل بنت المخاض عند عدمها إجماعي عند الأئمة،
صرح بذلك جمع من الشراح، إلا أنهم اختلفوا ههنا في أن ذلك تقدير شرعي،
فيتعين ذلك، أو باعتبار القيمة، فإن الإناث من الإبل أفضل قيمة من الذكور،
وسيأتي البسط في ذلك قريباً، ويأتي أيضاً أنهم اختلفوا في أن الحكم مطّردٌ في
كل سن تجب، ولا توجد، كبنت لبون، وحِقَّة، ويوجد الذكر أكبر منها سناً،
أو يختص هذا الحكم بابن لبون وبنت مخاض فقط.
--
نعم، بقي فيه شيء آخر، وهو ما قال الموفق(٢)، تحت قول الخرقي: إن
لم يكن ابنة مخاض فابن لبون، أراد إن لم يكن في إبله ابنة مخاض أجزأه
ابن لبون، ولا يُجزئه مع وجود ابنة مخاض؛ لقوله وَّل: ((فإن لم يكن فيها ابنة
مخاض)) إلى آخره. شرط في إخراجه عَدَمَها في الحديث الذي رويناه، فإن
اشتراها وأخرجها جاز، وإن أراد إخراج ابن لبون بعد شرائها لم تجز، لأنه
صار في إبله بنت مخاض، فإن لم يكن في إبله ابن لبون، وأراد الشراء لزمه
(١) ((فتح الباري)) (٣١٩/٣).
(٢) ((المغني)) (١٧/٤).
٦٦٠