Indexed OCR Text
Pages 601-620
١٩ - كتاب الزكاة (٧) باب (٦٥٢) حديث وَأَرَاهَا بِمَنْزِلَةِ الدَّيْنِ عَلَيْهِ، فَلِذَلِكَ رَأَيْتُ أَنْ تُبَدَّى عَلَى الْوَصَايَا. قَالَ: وَذُلِكَ إِذَا أَوْصَى بِهَا الْمَيِّتُ، قَالَ: فَإِنْ لَمْ يُوصِ بِذْلِكَ الْمَيِّتُ فَفَعَلَ ذُلِكَ أَهْلُهُ، فَذْلِكَ حَسَنٌ، وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ ذُلِكَ أَهْلُهُ، لَمْ يَلْزَمْهُمْ ذُلِكَ. الثلث، وضاق عن جميعها، قُدِّمَ فكُّ أسير، ثم مُدْبِرُ صحة، ثم صداقُ مريض، ثم زكاةٌ بعينٍ أو غيرها أوصى بإخراجها، إلى آخر ما قاله. وعند الحنفية كما في (الدر المختار)): إذا اجتمع الوصايا قدّم الفرض وإن أخّره الموصي، وإن تساوت قدّم ما قدّم ــ أي الموصي - إذا ضاق الثلث عنها (وأراها) أي الزكاة (بمنزلة الدين عليه) أي في التأكد والتقديم على الوصايا لا في الإخراج من الثلث، فلا يرد عليه ما قاله الزرقاني: ليس على ظاهره، لأن الدين من رأس المال إجماعاً، انتهى. ولذا قال: (فلذلك) أي لكونها بمنزلة الدين في التأكد (رأيت أن تُبَدَّى) ببناء المجهول أي يقدم إخراجها (على الوصايا) المتفرقة . (قال: وذلك) أي إيجاب إخراج الزكاة (إذا أوصى بها الميت، قال: فإن لم يوص بذلك) أي بإخراجها الميت (ففعل ذلك أهله) أي أخرجوا الزكاة عنه (فذلك حسن) أي تبرع منهم للميت، (وإن لم يفعل ذلك أهله لم يلزمهم ذلك) . قلت: هكذا قالت الحنفية، كما صرح به ابن عابدين إذ قال: ظاهر كلامهم أنه لو كان عليه زكاة لا تسقط عنه بدون وصية لتعليلهم لعدم وجوبها، بأن وصيته باشتراط النية فيها؛ لأنها عبادة فلا بد فيها من الفعل حقيقة أو حكماً بأن يوصي بإخراجها، فلا يقوم الوارث مقامه في ذلك، ثم رأيت في صوم ((السراج)) التصريح بجواز تبرع الوارث بإخراجها، انتھی . ٦٠١ ١٩ - كتاب الزكاة (٧) باب (٦٥٢) حديث قَالَ: وَالسُّنَّةُ عِنْدَنَا الَّتِي لَا اخْتِلَافَ فِيهَا، أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَى وَارِثِ زَكَاةٌ، فِي مَالٍ وَرِثَهُ فِي دَيْنٍ، وَلَا عَرْضٍ، وَلَا دَارٍ، وَلَا عَبْدٍ، وَلَا وَلِيدَةٍ، حَتَّى يَحُولَ، عَلَى ثَمَنِ مَا بَاعَ مِنْ ذُلِكَ، أَوِ اقْتَضَى الْحَوْلُ، مِنْ يَوْمَ بَاعَهُ وَقَبَضَهُ. وأما اختلاف الأئمة في ذلك، فقال ابن رشد في ((البداية)) (١): إذا مات بعد وجوب الزكاة عليه، فإن قوماً قالوا: يخرج من رأس ماله، وبه قال الشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور، وقوم قالوا: إن أوصى بها أخرجت عنه من الثلث وإلا فلا شيء عليه، ومن هؤلاء من قال: يبدأ بها إن ضاق الثلث، ومنهم من قال: لا يبدأ بها، وعن مالك القولان جميعاً، ولكن المشهور أنها بمنزلة الوصية، انتهى. (قال يحيى: قال مالك: والسنة عندنا التي لا اختلاف فيها) بالمدينة المنورة (أنه لا تجب على وارث زكاة في مال ورثه) بصيغة الماضي، وضمير المفعول الراجع إلى المال على ما في النسخ المصرية، وأما على النسخ الهندية فبلفظ: ((ورثة)) على المصدرية، ففي ((مختار الصحاح)): ورثه يرثه ورثا وورثة ووراثة، بكسر الواو في الثلاثة، انتهى. ثم ذكر بعض أنواع المال تمثيلاً فقال: (في دين، ولا عرض، ولا دار، ولا عبد، ولا وليدة) أي أمة (حتى يحول على ثمن ما باع من ذلك) المذكور (أو اقتضى) أي قبض، وهذا يتعلق بالدين، فإن ديون الميراث يستقبل بها الحول عند الإمام مالك، صرح به ابن رشد وغيره من أصحابه، (الحول) فاعل يحول، (من يوم باعه) أي ابتداء الحول من يوم بيع المال الموروث (أو قبضه) أي قبض الدین. والمعنى: أن المال الذي وصل إلى أحد في الميراث لا يجب فيه (١) ((بداية المجتهد)) (٢٤٩/١). ٦٠٢ .---- ---- ------------ .--------- ١٩ - كتاب الزكاة (٧) باب (٦٥٢) حديث ۔ الزكاة، حتى يصير مال تجارة، ومال التجارة لا يكون حتى يتصل به الفعل من البيع والشراء، وهذا إذا كان المال مما لا يجب الزكاة في عينه كالعرض، وإن كان مما يجب في عينه، كالذهب والفضة، فيجب الزكاة بعد الحول من يوم القبض . قال في ((الشرح الكبير))(١): العين الموروثة فائدة يستقبل بها حولاً بعد قبضها، وحاصل ما قال الدسوقي بعد ذكر الاختلاف: أن المعتمد ما في (المدونة)): أنه لا زكاة في تلك العين إلا إذا قبضت، فإذا قبضت استقبل بها حولاً، ولا زكاة لما مضى من الأعوام، ولا عبرة للقسم، بل العبرة للقبض بخلاف الزرع والماشية، ففي الحرث تفصيلٌ، وفي الماشية زكاة في كل عام من يوم موت المورث ولو لم يقبضها، انتهى. وذكر الشيخ في ((المسوّى))(٢) بعد ذلك: وفي ((المنهاج)): إنما يصير العرض للتجارة إذا اقترنت نيتها بكسبه بمعاوضة كشراء، وكذا المهر والخلع في الأصح لا بالهبة والاحتطاب. وفي ((العالمكيرية)): وما ملكه بعقد ليس بمبادلة كالهبة، أو بعقد هو مبادلة مال بغير مال، فإنه لا يصح فيه نية التجارة على الأصح، انتهى. يعني لا يتحقق نية التجارة في المذكور إلا بالعمل، وكذلك لو ورث عرضاً وهي مسألة المتن . ففي (الدر المختار))(٣): ما اشتراه للتجارة كان لها، لمقارنة النية لعقد التجارة، لا ما ورثه ونواه لها لعدم العقد، إلا إذا تصرف فيه ناوياً - للتجارة - فتجب الزكاة لاقتران النية بالعمل، انتهى. (١) (٤٥٩/١). (٢) (٢٦٩/١). (٣) (٢٢٩/٣). ٦٠٣ ١٩ - كتاب الزكاة (٧) باب (٦٥٢) حديث وقَالَ مَالِكٌ: السُّنَّةُ عِنْدَنَا أَنَّهُ لَا تَجِبُ عَلَى وَارِثٍ، فِي مَالٍ وَرِثَّهُ، الزَّكَاةُ، حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ. قلت: وهذا في العروض، وأما إذا ورث ديناً فهو في حكم الدين المتوسط عند أبي حنيفة - رضي الله عنه - وسيأتي حكم الديون في الباب الآتي، ففي ((الدر المختار)) (١): ومثله أي مثل الدين المتوسط ما لو ورث ديناً علی رجل، انتهى. (قال مالك: والسنة عندنا أنه لا تجب على وارث في مال ورثه) أي حصل له في الميراث (الزكاة) بالرفع فاعل ((لا تجب)» (حتى يحول عليه الحول) أي بعد القبض كما تقدم، والظاهر أن المراد بالمال لههنا ما يجب في عينه الزكاة، كالنقدين بخلاف ما تقدم، فكان المراد فيه المال الذي تجب الزكاة في قيمته فلا تكرار، فالمال الذي لا تجب في عينه الزكاة لا تجب فيه على الوارث حتى يحول عليه الحول. قال الزرقاني(٢): لأنه فائدة يستقبل به الحول من يوم يقبض، قال أبو عمر(٣): هذا إجماع لا خلاف فيه إلا ما جاء عن ابن عباس ومعاوية وقد تقدم، قال الزرقاني: لكن الذي جاء عنهما إنما هو في العطاء تنزيلاً له منزلة المال المشترك؛ لأن له حقاً في بيت المال بخلاف الإرث فلا شركة، انتهى. قلت: وما حكى ابن عبد البر من الإجماع مشكل، فإن فيه خلاف الحنفية في بعض صوره، وهي ما إذا كان عند الوارث نصاب قبل ذلك، فيجب عندهم فيه الزكاة إذا تم حول الأصل، وهي مسألة المال المستفاد، كما تقدم قبل ذلك مفصّلاً، إلا أن يقال: إن مراده من الإجماع إذا لم يكن عند الوارث مال نفسه . (١) (٢٨٣/٣). (٢) ((شرح الزرقاني)) (١٠٥/٢). (٣) ((الاستذكار)) (٨٩/٩). ۔ ٦٠٤ ۔۔ ----. .-------------- ٠٠٠ ١٩ - كتاب الزكاة (٨) باب (٦٥٣) حديث (٨) باب الزكاة في الدين ١٧/٦٥٣ - حَدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ؛ أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّنَ كَانَ يَقُولُ: هَذَا شَهْرُ زَكَاتِكُمْ، فالمسألة حينئذ إجماعية لا تجب فيه الزكاة حتى يحول الحول. لكن قال أبو الفرج في ((الشرح الكبير)): لا يبني الوارث حوله على حول الموروث، وهو أحد القولين للشافعي، لأنه تجديد ملك، والقول الثاني: أنه يبني على حول موروثه، لأن ملكه مبني على ملك الموروث، بدليل أنه لو اشترى شيئاً معيباً، ثم مات، قام الوارث مقامه في الرد بالعيب والأوّل أولى، انتهى. (٨) الزكاة في الدين اختلفت الأئمة في أنواع الديون وتفاريعها، ووجوب الزكاة فيها، ووقت وجوبها على أقوال كثيرة لا يسع تمامها هذا المختصر، نعم سيأتي شيءٌ منه. ١٧/٦٥٣ - (مالك، عن ابن شهاب) الزهري (عن السائب بن يزيد) الكندي صحابي صغير (أن عثمان بن عفان) - رضي الله عنه - (كان يقول) وفي رواية للبيهقي من طريق شعيب عن الزهري: أخبرني السائب بن يزيد أنه سمع عثمان بن عفان - رضي الله عنه - خطيباً على منبر رسول الله مَ له يقول: ((هذا شهر زكاتكم))، الحدیث. وقال البيهقي في آخره: رواه البخاري في ((الصحيح)) عن أبي اليمان، وتعقبه النووي في ((شرح المهذب)) بأن البخاري لم يذكره في (صحيحه)) هكذا، وإنما ذكر عن السائب أنه سمع عثمان على منبر النبي ◌َّ﴾. لم يزد على هذا، قال: وكان البيهقي أراد: روى البخاري أصله لا كله، قاله الحافظ (١). (هذا شهر زكاتكم) زاد البيهقي في الرواية المذكورة: ولم يُسَمِّ لي (١) انظر: ((تلخيص الحبير)) (٧٤٢/٢). ٦٠٥ ١٩ - كتاب الزكاة (٨) باب (٦٥٣) حديث السائب الشهر ولم أسأله. قال الباجي (١): يحتمل أن يقول هذا لمن عرف حاله في الحول، ويحتمل أن يريد أنه الشهر الذي جرت عادة أكثرهم بإخراج الزكاة فيه، قال الزرقاني(٢): قيل: الإشارة إلى رجب، وأنه محمول على أنه كان تمام حول المال، لكن يحتاج إلى نقل، انتهى. وقال الحافظان(٣) ابن حجر والعيني: أخرجه أبو عبيد في ((كتاب الأموال))، ونقل فيه عن إبراهيم بن سعد أنه أراد شهر رمضان، وقال أبو عبيد: وجاء من وجه آخر أنه شهر الله المحرم، انتهى. وقال الحافظ في ((التلخيص))(٤): حديث عثمان أنه قال في المحرم: هذا شهر زكاتكم، الحديث. مالك في ((الموطأ)) والشافعي عنه إلى آخره. قلت: لكن لم أجد لفظ المحرم في ((الموطأ)) ولا في (مسند الشافعي))، وأخرج محمد في ((كتاب الآثار))(٥): أبو حنيفة حدثنا أبو بكر عن عثمان أنه كان يقول إذا حضر شهر رمضان: أيها الناس إن هذا شهر زكاتكم قد حضر، فمن كان عليه دين فليقضه، ثم ليزكٌ ما بقي. وقال السرخسي في ((المبسوط)): ولنا حديث عثمان - رضي الله عنه - حيث قال في خطبته في رمضان: ألا إن شهر زكاتكم قد حضر، فمن كان له مال وعليه دين، فليحتسب ماله بما عليه، ثم ليزك بقية ماله، انتهى. وأشار شيخنا الدهلوي في ((المصفّى)) إلى أن المراد بالشهر: الشهر الذي يعطون فيه العطاء. (١) ((المنتقى)) (١١٢/٢). (٢) (١٠٥/٢). (٣) ((فتح الباري)) (٣١٠/١٣)، و((عمدة القاري)) (٥٤٧/١٦). (٤) (٧٤١/٢). (٥) (ص٦٠). ٦٠٦ ..... ----- ١٩ - كتاب الزكاة (٨) باب (٦٥٣) حديث فَمَنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَلْيُؤَدِّ دَيْنَهُ، حَتَّى تَحْصُلَ أَمْوَالْكُمْ، فَتُؤَدُّونَ مِنْهُ الزَّكَاةَ . دقيقة. قال صاحب ((القوت)): قد استحب بعض أهل الورع أن يُقَدِّم في كل سنة بشهر، لئلا يكون مؤخراً عن رأس الحول؛ لأنه إذا أخرج في شهر معلوم، ثم أخرج القابل في مثله، فإن ذلك الشهر يكون الثالث عشر، وهذا تأخير، فقالوا: إذا أخرج في رجب فليخرج من القابلة في جمادى الآخرة ليكون آخر سنة بلا زيادة، هكذا في ((شرح الإحياء)). (فمن كان عليه دين) لأحد (فليؤد) أولاً (دينه حتى تحصل أموالكم) أي تبقى الأموال خالصاً لكم غير مشغول بحق الغير، (فتؤدون منها) بضمير التأنيث في النسخ الهندية، أي من الأموال الباقية بعد أداء الدين، وبضمير التذكير في المصرية، أي مما يحصل بعد أداء الدين (الزكاة) . اعلم أولاً أن الأئمة مختلفة في وجوب الزكاة على المديون، قال ابن رشد(١): المالكون الذين عليهم الديون التي تستغرق أموالهم، أو تستغرق ما تجب فيه الزكاة من أموالهم، وبأيديهم أموال تجب فيها الزكاة، فإنهم اختلفوا في ذلك، فقال قوم: لا زكاة في مال حَبّاً كان أو غيره حتى تخرج منه الديون، فإن بقي ما تجب فيه الزكاة زكّى وإلا فلا، وبه قال الثوري وأبو ثور وابن المبارك وجماعة. وقال أبو حنيفة وأصحابه: الدين لا يمنع زكاة الحبوب ويمنع ما سواها، وقال مالك: الدين يمنع زكاة الناض فقط، إلا أن يكون له عروض فيها وفاءٌ من دينه، فإنه لا يمنع، وقال قوم بمقابل القول الأول، وهو أن الدين لا يمنع الزكاة أصلاً، انتهى. وقال الموفق(٢): قال أحمد: من استدان ما أنفق على زرعه واستدان ما (١) ((بداية المجتهد)) (٢٤٦/٢). (٢) انظر: ((المغني)) (٢٠٠/٤). ٦٠٧ ١٩ - كتاب الزكاة (٨) باب (٦٥٣) حديث أنفق على أهله، احتسب ما أنفق على زرعه دون ما أنفق على أهله؛ لأنه من مؤونة الزرع، وبهذا قال ابن عباس، وقال ابن عمر - رضي الله عنهما -: يحتسب بالدينين جميعاً، ثم يخرج مما بعدهما، وحكي عن أحمد: أن الدين كله يمنع الزكاة في الأموال الظاهرة. فعلى هذه الرواية يحسب كل دين عليه، ثم يخرج العشر مما بقي إن بلغ نصاباً، وإن لم يبلغ فلا عشر فيه؛ لأن الواجب زكاة، فمنع الدين وجوبها، كزكاة الأموال الباطنة، ولأنه دين فمنع وجوب العشر، كالخراج وما أنفقه على زرعه، والفرق بينهما على الرواية الأولى أن ما كان من مؤونة الزرع، فالحاصل في مقابلته يجب صرفه، فكأنه لم يحصل، انتھی. وقال أيضاً (١): إن الدَيْن يمنع وجوب الزكاة في الأموال الباطنة رواية واحدة، وهي الأثمان وعروض التجارة، وبه قال عطاء، وسليمان بن يسار، وميمون بن مهران، والحسن، والنخعي، والليث، ومالك، والثوري، والأوزاعي، وإسحاق، وأبو ثور، وأصحاب الرأي، وقال ربيعة، وحماد بن أبي سليمان، والشافعي في الجديد: لا يمنع الزكاة؛ لأنه حر مسلم ملك نصاباً حولاً، فوجبت عليه الزكاة، كمن لا دين عليه. ولنا: ما روى أبو عبيد في ((الأموال)) بسنده إلى عثمان فذكر أثر الباب، ثم قال: وقال ذلك بمحضر من الصحابة، ولم ينكروه، فدل على اتفاقهم، وروى أصحاب مالك، عن عمير بن عمران، عن شجاع، عن نافع، عن ابن عمر، مرفوعاً: ((إذا كان لرجل ألف درهم، وعليه ألف درهم، فلا زكاة عليه))، ولأن النبي وَ ل* قال: ((أمرت أن آخذ الصدقة من أغنيائكم فأردها في فقرائكم))، فدل على أنها إنما تجب على الأغنياء، ولا تدفع إلا إلى الفقراء، وهذا ممن يحل له أخذ الزكاة، فيكون فقيراً، فلا تجب عليه الزكاة؛ لأنها لا تجب إلا (١) (٢٦٣/٤). ٦٠٨ .--.. ..----- ١٩ - كتاب الزكاة (٨) باب (٦٥٣) حديث ٠٠ على الأغنياء، للخبر، ولقوله وَله: ((لا صدقة إلا عن ظهر غنى)). وأما الأموال الظاهرة وهي السائمة، والحبوب، والثمار، فروي عن أحمد: أن الدين يمنع الزكاة فيها أيضاً، قال أحمد في رواية إسحاق بن إبراهيم: يبتدئ بالدين فيقضيه، ثم ينظر ما بقي عنده بعد إخراج النفقة، فيزكي ما بقي، وهو قول عطاء، والحسن، وسليمان، وميمون بن مهران، والنخعي، والثوري، والليث، وإسحاق، لعموم ما ذكرنا، ورُوِي، أنه لا يمنع [الزكاة] فيها، وهو قول مالك، والأوزاعي، والشافعي. وروي عن أحمد أنه قال: قد اختلف ابن عمر وابن عباس، فقال ابن عمر: يخرج ما استدان أو أنفق على ثمرته وأهله، ويزكي ما بقي، وقال الآخر: يخرج ما استدان على ثمرته، ويزكي ما بقي، وإليه أذهب، فعلى هذه الرواية، لا يمنع الدين الزكاة في الأموال الظاهرة، إلا في الزرع والثمار، فيما استدانه للإنفاق عليها خاصة، وهذا ظاهر قول الخرقي، انتهى. قلت: وتوضيح مسالك الأئمة في ذلك، كما في فروعهم ما في ((الشرح الكبير)) (١): ولا زكاة في مال مدين، إن كان المال عيناً، كان الدين عيناً أو عرضاً، حالاً أو مؤجلاً، وليس عنده من العروض ما يجعله فيه، قال الدسوقي: قوله: ((إن كان المال عيناً)) أي بخلاف ما إذا كان حرثاً أو ماشية أو معدناً فإن الزكاة في أعيانها، فلا يسقطها الدين، وقوله: ((ما يجعله فيه)) أي ما يجعله في مقابلة الدين الذي عليه، أما لو كان عنده من العروض ما يجعله في مقابلة الدين الذي عليه، ولو كانت كتباً، فإنه يزكي تلك العين، انتهى، هذا عند المالكية. وأما عند الشافعية، فقال الشيخ في ((المسوّى)) (٢): للشافعي في المسألة (١) (٤٥٩/١). (٢) (٢٦٧/١). ٦٠٩ ١٩ - كتاب الزكاة (٨) باب (٦٥٣) حديث ثلاثة أقوال؛ أظهرها: لا يمنع مطلقاً، والثاني: يمنع، والثالث: يمنع في النقد والعروض، ولا يمنع في الماشية والثمر، انتهى. وهكذا في ((تحفة المحتاج)»، وبسط في ((شرح الإحياء)) اختلاف أقوال الشافعية في زكاة الدين. وفي ((نيل المآرب)): ويمنع وجوب الزكاة دين ينقص النصاب، سواء كان النصاب من الأموال الباطنة، كالأثمان وقيم عروض التجارة، أو من الأموال الظاهرة، كالمواشي والحبوب، انتهى. وفي ((الدر المختار))(١): ولا على مديون للعبد بقدر دينه، فيزكي الزائد إن بلغ نصاباً، قال ابن عابدين: قوله: مديون للعبد، الأولى ومديون بدين يطالبه به العبد، ليشمل دين الزكاة والخراج، لأنه لله تعالى، مع أنه يمنع، لأن له مطالباً من جهة العبد، انتهى. وفي (الدر))(٢) أيضاً في (باب العشر)): ويجب مع الدين، انتهى. فإذا عرفت ذلك تحقق لك أن الدين يمنع الزكاة مطلقاً عند الحنابلة، ولا يمنع مطلقاً في أظهر أقوال الشافعي على قول ((المسوّى))، ويمنع غير زكاة الحرث فقط عند الحنفية، ويمنع غير زكاة الحرث والمعدن والماشية عند المالكية، وإذا تحقق ذلك، فقد عُلِمَ أن قول عثمان - رضي الله عنه - يوافق الجمهور بالجملة، خلافاً لأظهر أقوال الإمام الشافعي - رضي الله عنه -. قال صاحب ((التمهيد))، على ما حكاه ابن التركماني: قول عثمان - رضي الله عنه - يدل على أن الدين يمنع زكاة العين، وأنه لا يجب الزكاة على من عليه دين، وبه قال سليمان بن يسار، وعطاء، والحسن، وميمون بن مهران، والثوري، والليث، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، انتهى. (١) (٢١٥/٣). (٢) ((الدر المختار)) (٣١٤/٣). ٦١٠ ١٩ - كتاب الزكاة (٨) باب (٦٥٤) حديث ١٨/٦٥٤ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ أَيُّوبَ بْنِ أَبِي تَمِيمَةَ السَّخْتِيَانِيّ؛ أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدَ الْعَزِيزِ، كَتَبَ ولما كان أثر الباب مخالفاً لقول الشافعي أوَّلَه، كما حكاه البيهقي إذ قال بعد أن ذكر أثر حماد: يزكي ماله وإن كان عليه من الدين مثله، وهو قول الشافعي في الجديد، وكان يقول: يشبه أن يكون عثمان إنما أمر بقضاء الدين قبل حلول الصدقة، وقوله: هذا شهر زكاتكم، أي الذي إذا مضى حلت، قال ابن التركماني(١): هذا تأويل مخالف للظاهر، وقد أخرج الطحاوي في ((أحكام القرآن)) كلام عثمان، ولفظه: فمن كان عليه دين فليقضه وأدوا زكاة بقية أموالكم، إلى آخر ما قاله. قلت: وهذا موافق لما تقدم عن السرخسي، زاد السرخسي: ولم ينكر عليه أحد من الصحابة، فكان إجماعاً منهم على أنه لا زكاة في القدر المشغول بالدین، انتهى. وأخرج ابن أبي شيبة برواية الزهري عن السائب بلفظ: فمن كان عليه دين فليقضه وزكوا بقية أموالكم، وأخرج أيضاً عن طاووس: إذا كان عليك دين فلا تزكه، وعن إبراهيم قال: إذا كان حين يزكي الرجل ماله نظر ما للناس عليه فيعزله، وعن فضيل قال: لا تُزَكِّ ما للناس عليك، وعن الحسن قال: للزكاة حد معلوم، فإذا جاء ذلك حسب ماله الشاهد والغائب، فيؤدي عنه إلا ما كان من دين. وغير ذلك من الآثار(٢). ١٨/٦٥٤ - (مالك، عن أيوب بن أبي تميمة) واسمه كيسان (السختياني) نسبة إلى السختيان، بفتح السين، الجلد لبيع أو عمل، وفي (نصب الراية))(٣): أن فيه انقطاعاً بين أيوب وعمر، انتهى. (أن عمر بن عبد العزيز كتب) أي (١) انظر ((الجوهر النقي)) على هامش ((السنن الكبرى)) للبيهقي (١٤٩/٤). (٢) انظر ((مصنف ابن أبي شيبة)) (٣/ ٨٤) كتاب الزكاة (٩٧). (٣) (٣٣٤/٢). ٦١١ ١٩ - كتاب الزكاة (٨) باب (٦٥٤) حديث فِي مَالٍ قَبَضَهُ بَعْضُ الْوَلَاةِ ظُلْماً، يَأْمُرُ بِرَدِّهِ إِلَى أَهْلِهِ، وَيُؤْخَذُ زَكَاتُهُ لِمَا مَضَى مِنَ السِّنِينَ، ثُمَّ عَقَّبَ بَعْدَ ذُلِكَ بِكِتَابِ، أَنْ لَا يُؤْخَذَ مِنْهُ إِلَّا زَكَاةٌ وَاحِدَةٌ، فَإِنَّهُ كَانَ ضِمَاراً. مكتوباً إلى بعض عُمَّاله على الظاهر، وسيأتي عن كلام صاحب ((المجمع)): أن المكتوب كان إلى ميمون بن مهران، وكان على خراج الجزيرة وقضائها لعمر بن عبد العزيز، كما في ((تهذيب الحافظ)). (في مال قبضه بعض الولاة) أي أخذه عن المالك (ظلماً يأمره) أي يأمر عمر بن عبد العزيز عامله (برده) أي المال المقبوض ظلماً (إلى أهله) ومالكه (وتؤخذ) ببناء المجهول أي كتب أيضاً أن يؤخذ (زكاته لِما مضى من السنين) نظراً إلى أنه في ملك صاحبه في هذه الأعوام، وبه قال الثوري وزفر والشافعي، قاله الزرقاني(١). (ثم عقّب بعد ذلك) أي أرسل بعد الكتاب الأول (بكتاب) آخر، ورجع عما كتبه أولاً، فكتب في هذا المكتوب الثاني (ألا تؤخذ منه) أي من ذلك المال (إلا زكاة واحدة) نظراً على أن الزكاة تجب في العين بأن يتمكن من تنميته، وهذا المال منع عن تنميته، فلم يجب فيه إلا زكاة واحدة، وبه قال مالك والأوزاعي، وقال الليث والكوفيون: يستأنف به حولاً، ونقله ابن حبيب عن مالك، وهو أحد قولي الشافعي، قاله الزرقاني. ولا يذهب عليك أن قوله: ((إلا زكاة واحدة)) بلفظ الاستثناء في جميع النسخ المصرية وأكثر الهندية والمتون والشروح، فما في بعض النسخ الهندية من سقوط ((إلا)) غلط من الناسخ، فإن المعروف من مذهب عمر بن عبد العزيز إيجاب الزكاة الواحدة (فإنه) أي هذا المال (كان ضماراً) بكسر الضاد المعجمة، أي غائباً عن ربه لا يقدر على أخذه. (١) (١٠٦/٢). ٦١٢ ١٩ - كتاب الزكاة (٨) باب (٦٥٤) حديث قال ابن عبد البر(١): وقيل: الضمار الذي لا يدري صاحبه أيَخْرُجُ أَمْ لا، وهو أصح، وفي ((المجمع)) (٢): حديث ابن عبد العزيز: كتب إلى ميمون بن مهران في مظالم كانت في بيت المال أن يردها على أربابها، ويأخذ منها زكاة عامها، فإنها كانت مالاً ضماراً هو الغائب الذي لا يرجى، مِنْ ((أضمرته)) إذا غَيِّبْتَه، فعال بمعنى فاعل، أو مُفعل، انتهى. وأخرج ابن أبي شيبة (٣) عن عمرو بن ميمون قال: أخذ الوليد بن عبد الملك مال رجل من أهل الرقة، يقال له: أبو عائشة، عشرين ألفاً، فألقاها في بيت المال، فلما ولي عمر بن عبد العزيز أتاه ولده، فرفعوا إليه المظلمة، فكتب إلى ميمون: أن ادفع إليهم مالهم، وخذ زكاة عامهم هذا، فإنه لولا أنه كان مالاً ضماراً أخذنا منه زكاة ما مضى، كذا في ((الدراية)). وكتب شيخنا الدهلوي في ((المسوّى))(٤): أظهر قولي الشافعي في الدين الحال على مليء وفيّ أن فيه الزكاة بالفعل، وفي الضمار، والدين المؤجل، والمتعذر أخذه أن يجب فيه إذا وجد للأحوال كلها، وقال مالك: عليه زكاة حول واحد، كقول عمر بن عبد العزيز، وعند أبي حنيفة لا تجب في الضمار، انتھی . وفي «المصفَّى))، ما حاصله مُعَرَّباً: الضمار ما يتعذر وصوله، كالمغصوب، والضال، والمجحود، وفيه ثلاثة أقوال مشهورة: الأول: تجب الزكاة لجميع السنين الماضية إذا رجّع إلى صاحبه، والثاني: لا تجب مطلقاً، (١) ((الاستذكار)) (٩٥/٩). (٢) ((مجمع بحار الأنوار)) (٤١٦/٣). (٣) ((المصنف)) (٥٣/٣). (٤) (٢٦٨/١). ٦١٣ ١٩ - كتاب الزكاة (٨) باب (٦٥٤) حدیث والثالث: تجب لسنة واحدة، قال: ومنظور الأول ظهور الملك، ومنظور الثاني تعطل النماء، ومنظور الثالث خوف الإجحاف إذا وجبت لجميع السنن، انتهى. قال الموفق (١): الدين على ضربين: أحدهما: دين على معترفٍ به باذلٍ له، فعلى صاحبه زكاته، إلا أنه لا يلزمه إخراجها حتى يقبضه، فيؤدي لما مضى، روي ذلك عن علي - رضي الله عنه -، وبهذا قال الثوري، وأبو ثور، وأصحاب الرأي. وقال عثمان، وابن عمر، وجابر، وطاوس، والنخعي، وجابر بن زيد، والحسن، وميمون بن مهران، والزهري، وقتادة، وحماد بن أبي سليمان، والشافعي، وإسحاق، وأبو عبيد: عليه إخراج الزكاة في الحال وإن لم يقبضه؛ لأنه قادر على أخذه والتصرف فيه، فلزمه إخراج زكاته، كالوديعة. وقال عكرمة: ليس في الدين زكاة، وروي ذلك عن عائشة وابن عمر، وروي عن سعيد بن المسيب، وعطاء بن أبي رباح، وعطاء الخراساني، وأبي الزناد: يزكيه إذا قبضه لسنة واحدة، ولنا، أنه دين ثابت في الذمة، فلم يلزمه الإخراج قبل قبضه، كما لو كان على معسر. والضرب الثاني: أن يكون على معسر، أو جاحد، أو مماطل به، فهل تجب فيه الزكاة؟ على روايتين، إحداهما: لا يجب، وهو قول قتادة وإسحاق وأبي ثور وأهل العراق؛ لأنه غير مقدور على الانتفاع به، أشبه مال المكاتب، والرواية الثانية: يزكيه إذا قبضه لما مضى، وهو قول الثوري وأبي عبيد؛ لما روي عن علي - رضي الله عنه - في الدين المظنون، قال: إن كان صادقاً فليزكِّه إذا قبضه لما مضى، وروي نحوه عن ابن عباس. رواهما أبو عبيد، وللشافعي قولان كالروايتين، وعن عمر بن عبد العزيز، والحسن، والليث، والأوزاعي ومالك: يزكيه إذا قبضه لعام واحد، انتهى. (١) ((المغني)) (٢٦٩/٤). ٦١٤ ۔ ١٩ - كتاب الزكاة (٨) باب (٦٥٥) حديث ١٩/٦٥٥ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ خُصَيْفَةَ؛ . وقال أيضاً(١): الحكم في المسروق والمغصوب والمجحود والضال واحد، وفي الجميع روايتان، إحداهما: لا زكاة فيه، نقلها الأثرم والميموني. ومتى عاد صار كالمستفاد، يستقبل به حولاً. وبهذا قال أبو حنيفة، والشافعي في قديم قوليه، والثانية: عليه زكاته، وعلى كلتا الروايتين لا يلزمه إخراج زكاته قبل قبضه، وقال مالك: إذا قبضه زَكّاه لحولِ واحدٍ، انتهى. وفي ((الهداية)): لنا: قول علي - رضي الله عنه -: لا زكاة في مال الضمار، قال الزيلعي (٢): غريب، وفي ((البناية)): أراد أنه لم يثبت مطلقاً، وقال السروجي: روي هذا موقوفاً ومرفوعاً إلى النبي وَل بنقل الأصحاب، كصاحب ((المبسوط)) و((المحيط))، و((البدائع))، وقال الزيلعي: وروى أبو عبيد القاسم بن سلام: حدثنا يزيد بن هارون ثنا هشام بن حسان عن الحسن البصري قال: إذا حضر الوقت الذي يؤدي فيه الرجل زكاته أدى عن كل مال، وعن كل دين، وإلا ما كان منه ضماراً لا يرجوه، انتهى. وقال القاري في (شرح النقاية)): ولنا ما ذكره سبط ابن الجوزي في ((آثار الإنصاف)) عن عثمان وابن عمر: لا زكاة في مال الضمار، انتهى. ١٩/٦٥٥ - (مالك، عن يزيد) بالمثناة التحتية، فزاي معجمة، (ابن خصيفة) بخاء معجمة، ثم صاد مهملة، وقد وقع التصحيف في بعض النسخ، فذكره بفائين بينهما ياء، وهو غلط من الناسخ، والصواب بصاد فياء ففاء مصغراً، منسوب إلى جده، فهو يزيد بن عبد الله بن خصيفة بن يزيد الكندي المدني، ثقة من رجال الستة، زعم ابن عبد البر، أنه ابن أخي السائب بن یزید . (١) ((المغني)) (٢٧٢/٤). (٢) ((نصب الراية)) (٣٣٤/٢) الضّمار: المحبوس عن صاحبه. ٦١٥ ١٩ - كتاب الزكاة (٨) باب (٦٥٥) حديث أَنَّهُ سَأَلَ سُلَيْمَانَ بْنَ يَسَارِ، عَنْ رَجُلِ لَهُ مَالٌ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ مِثْلُهُ، أَعَلَيْهِ زَكَاةٌ؟ فَقَالَ: لَا. قَالَ مَالِكٌ: الأَمْرُ الَّذِي لَا اخْتِلَافَ فِيهِ عِنْدَنَا فِي الدَّيْنِ، أَنَّ صَاحِبَهُ لَا يُزَكِّيهِ حَتَّى يَقْبِضَهُ، وَإِنْ أَقَامَ عِنْدَ الَّذِي هُوَ عَلَيْهِ سِنِينَ ذَوَاتِ عَدَدٍ، ثُمَّ قَبَضَهُ صَاحِبُهُ، لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ إِلَّا زَكَاةٌ وَاحِدَةٌ، فَإِنْ قَبَضَ مِنْهُ شَيْئاً، لَا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ، فَإِنَّهُ إِنْ كَانَ لَهُ مَالٌ، سِوَى الَّذِي قُبِضَ، تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ، فَإِنَّهُ يُزَكَّى (أنه سأل سليمان بن يسار) أحد الفقهاء (عن رجل له مال وعليه دين مثله) يعني كان له مال بمقدار الدين ولا مال له زائداً عن مقدار الدين (أعليه زكاته؟) أي زكاة هذا المال المشغول بالدين، وفي النسخ المصرية بدون الضمير بلفظ: زكاة، والمؤدى واحد. (فقال: لا) زكاة عليه، وبه قال الجمهور كما تقدمت أقوالهم، خلافاً لأظهر أقوال الشافعي - رضي الله عنه -. (قال مالك: الأمر الذي لا اختلاف فيه عندنا في) مسألة (الدين) إذا كان لأحد (أن صاحبه) أي مالكه (لا يزكيه حتى يقبضه وإن أقام) أي المال الذي هو دين (عند الذي هو عليه) أي عند المديون (سنين ذوات عدد) أي إن أقام عنده عدة سنين (ثم قبضه صاحبه، لم يجب عليه إلا زكاة واحدة) نظراً على أنه لو وجب لكل سنة، فربما أجحفته الزكاة، لكن عدم الزكاة في الدين عند المالكية مقيد بأربعة شروط، ذكرت في الفروع كـ ((الشرح الكبير)) وغيره. ثم ذكر المصنف حكم الدين إذا استوفى متفرقاً، فقال: (فإن قبض) صاحبه (منه) أي المديون أو الدين (شيئاً لا تجب فيه الزكاة) أي قبض منه شيئاً لا يبلغ حد النصاب، فقوله ((شيئاً)) موصوف، وجملة ((لا تجب)) صفة له، (فإنه إن كان له) أي المالك (مال) آخر (سوى الذي قبض) من الدين، ويكون هذا المال مما (تجب فيه الزكاة) والجملة صفة للمال (فإنه يزكى) هكذا في جميع النسخ ٦١٦ ------------.. ----- ١٩ - كتاب الزكاة (٨) باب (٦٥٥) حديث سَعَ مَا قَبَضَ مِنْ دَيْنِهِ ذَلِكَ . قَالَ: وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ نَاضٌّ غَيْرُ الَّذِي اقْتَضَى مِنْ دَيْنِهِ، وَكَانَ الَّذِي أَقْتَضَى مِنْ دَيْنِهِ لَا نَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ، فَلَا زَكَاةَ عَلَيْهِ فِيهِ، وَلَكِنْ لِيَحْفَظْ عَدَدَ مَا اقْتَضَى، فَإِنِ أَقْتَضَى بَعْدَ ذُلِكَ عَدَدَ مَا تَتِمُّ بِهِ الزَّكَاةُ، مَعَ مَا قَبَضَ قَبْلَ ذُلِكَ، فَعَلَيْهِ فِيهِ الزَّكَاةُ . المصرية، وفي الهندية بزيادة ضمير المفعول بلفظ: يزكيه، قال الزرقاني(١): ولا بن وضّاح: یزکیه، انتھی. وهذا يدل على أن لفظ يحيى بدون الضمير، ثم اللفظ ببناء الفاعل، ويحتمل البناء للمفعول، وما تقدم عن ابن وضاح ((يزكيه)) بهاء الضمير يؤيد الأول، والجملة جزاء للشرط، (مع ما قبض) واستوفى (من دينه ذلك) قال الزرقاني: وكذا إن كان ما عنده أقل من نصاب قد حال عليه الحول، ثم قبض ما إذا أضافه إليه تم به نصاب، فإنه يزكي يوم القبض عنهما، فإن لم يحل الحول على ما بيده، لم يزك ما قبض من دينه حتى يبلغ نصاباً . (قال: وإن لم يكن له ناضّ) قال في ((المجمع))(٢): ناض المال هو ما كان ذهباً وفضة عيناً أو ورقاً، نض المال إذا تحول نقداً بعد ما كان متاعاً، ومنه حديث ((صدقة ما نضّ)) أي حصل وظهر من أثمان أمتعتهم وغيرها، انتهى. (غير الذي اقتضى من دينه) أي لم يكن له مال سوى الذي استوفى من دينه (وكان الذي اقتضى من دينه لا تجب فيه الزكاة) لقلته عن النصاب، وجملة ((لا تجب)) خبر لكان. (فلا زكاة عليه فيه) أي في هذا المال الذي استوفى من دينه (ولكن ليحفظ عدد ما اقتضى) ليضمه مما يستوفي بعد ذلك (فإن اقتضى بعد ذلك عدد) أي مقدار (ما يتم بد الزكاة، مع ما قبض) من الدين (قبل ذلك، فعليه فيه الزكاة) (١) ((شرح الزرقاني)) (١٠٦/٢). (٢) ((مجمع بحار الأنوار)) (٧٢٢/٤) وفيه حديث: ((خذ صدقة ما قد نضّ)). ٦١٧ ١٩ - كتاب الزكاة (٨) باب (٦٥٥) حديث قَالَ: فَإِنْ كَانَ قَدِ اسْتَهْلَكَ مَا اقْتَضِى أَوَّلاً، أَوْ لَمْ يَسْتَهْلِكْهُ، فَالزَّكَاةُ وَاجِبَةٌ عَلَيْهِ مَعَ مَا اقْتَضَى مِنْ دَيْنِهِ. فَإِذَا بَلَغَ مَا اقْتَضَى عِشْرِينَ دِينَاراً عَيْنَاً، أَوْ مِائَتَيْ دِرْهَم، فَعَلَيْهِ فِيهِ لأنه تم النصاب بضمه بما كان مستوفى قبل ذلك. (قال: فإن كان قد استهلك ما اقتضى أولاً) بفعله (أو لم يكن يستهلكه) بل هلك بنفسه، أو لم يهلك أصلاً بل كان موجوداً، أما على الثاني فلا ريب أنه يضم، وأما على الأول يعني إذا هلك بنفسه، فالمسألة خلافية عند الموالك. قال الباجي(١): لو اقتضى عشرة من دينه، فتلفت بأمر من السماء، ثم قبض أخرى، فقال محمد بن المواز: ليس عليه زكاة ما تلف، وقال سحنون، في ((المجموعة)): سواء تلفت بسببه أو بغير سببه يزكيها، وهو قول ابن القاسم وأشهب، انتهى. قلت: وذكر الخلاف الدسوقي أيضاً. واقتصر الدردير في ((الشرح الكبير)) (٢) على القول الثاني فقط، إذ قال: فيمن قبض عشرة، ثم عشرة يزكيهما عند قبض الثانية إذا بقيت الأولى لقبض الثانية، بل ولو تلف المتم، قال الدسوقي: اسم مفعول أي حيث قبض نصاباً، فإنه يزكيه ولو تلف بعضه قبل كماله، خلافاً لابن المواز، حيث قال: إذا تلف المتم من غير سببه سقطت زكاته وسقطت زكاة باقي الدين إن لم يكن فيه نصاب، وأما إذا تلف بسببه فالزكاة اتفاقاً، ورده المصنف بـ(لَوْ)) واستظهره ابن رشد، انتهى. (فالزكاة واجبة عليه) إذا تم النصاب (مع ما اقتضى من دينه) أولاً ولو أتلفه (فإذا بلغ ما اقتضى) أي بلغ جملة ما استوفى من الدين، ولو متفرقاً (عشرين ديناراً عيناً، أو مائتي درهم) أي بلغ نصاب الذهب أو الفضة (فعليه فيه (١) ((المنتقى)) (١١٥/٢). (٢) (٤٦٧/١). ٦١٨ - ---- .. ----- ١٩ - كتاب الزكاة (٨) باب (٦٥٥) حدیث الزَّكَاةُ، ثُمَّ مَا اقْتَضَى بَعْدَ ذُلِكَ مِنْ قَلِيلِ أَوْ كَثِيرٍ، فَعَلَيْهِ الزَّكَاةُ بِحَسَبِ ذُلِكَ. الزكاة) لتمام النصاب (ثم ما اقتضى) وفي النسخ المصرية: ثم ما اقتضاه (بعد ذلك) أي بعد استيفاء النصاب (من قليل أو كثير، فعليه الزكاة) عند القبض ولا ينظر النصاب بعد ذلك إذا كمل النصاب مرة (بحساب ذلك) أي بحساب ما قبض ولو ديناراً أو درهماً. وحاصل ذلك كله أن الدين إذا استوفى متفرقاً، فلا تجب عليه الزكاة حتى يتم النصاب، فإن استوفى في المُحَرَّم مثلاً عشرة دينار، ثم في رجب عشرة أخرى، فلا تجب الزكاة إلا في رجب، ولو تلف العشرة التي استوفى في المحرم إلا أن يكون عند الاستيفاء الأول عنده من النصاب مقداراً يجب فيه الزكاة، فتضم هذه العشرة إلى ذلك النصاب ويزكي معه، ثم إذا تم النصاب في رجب، فكلما يستوفي بعد ذلك من قليل وكثير، فتجب زكاته عند القبض، ولا ينتظر النصاب بعد ذلك. وفي ((المسوّى))(١): أظهر قولي الشافعي في الدين الحال على مليء وفيّ أن فيه الزكاة بالفعل، وفي الضمار والدين المؤجل والمتعذر أخذه أن يجب فيه إذا وجد للأحوال كلها، انتهى. وعند أبي حنيفة - رضي الله عنه - الديون ثلاثة أنواع: دين قويّ: كقرض وبدل مال تجارة، فكلما قبض أربعين درهماً يلزمه درهم، وقيد بأربعين؛ لأن الزكاة لا تجب في الكسور من النصاب الثاني عنده ما لم يبلغ أربعين للحرج، فكذلك لا يجب الأداء ما لم يبلغ أربعين للحرج، والثاني: دين متوسط: وهو بدل مال لغير التجارة، كالسائمة وعبيد الخدمة، فيجب عند قبض مائتين منه، والثالث: دين ضعيف: وهو بدل غير مال، كمهر ودية وبدل كتابة وخلع، فلا تجب إلا عند قبض مائتين منه مع حولان الحول بعد القبض. (١) (٢٦٨/١). ٦١٩ ١٩ - كتاب الزكاة (٨) باب (٦٥٥) حدیث قَالَ مَالِكٌ: وَالدَّلِيلُ عَلَى الدَّيْنِ يَغِيبُ أَعْوَاماً، ثُمَّ يُقْتَضى فَلَا يَكُونُ فِيهِ إِلَّا زَكَاةٌ وَاحِدَةٌ، أَنَّ الْعُرُوضَ تَكُونُ عِنْدَ الرَّجُلِ ولا خلاف في أن حول الدين القوي هو حول الأصل، واختلفت الروايات عنه في حول الدين المتوسط هل يلحق بالدين القوي أو الضعيف، وهذا كله عند الإمام، وعند صاحبيه: الديون كلها سواء تجب زكاتها، ويؤدي متى قبض شيئاً قليلاً أو كثيراً، إلا دين الكتابة والسعاية في رواية، كذا في (الدر المختار)) (١) وهامشه. وفي ((الروض المربع)) (٢): ومن كان له دين أو حق - من مغصوب أو مسروق - من صداق وغيره كثمن مبيع على مليء أو غيره أدى زكاته إذا قبض لما مضى، انتهى. وأنت خبير بأن الأوفق بالأصول قول من فَرَّق بين الديون بالقوة والضعف، فإن الديون كلها ليست بسواسية، فالدين القوي أشبه بالوديعة، وتقدم أن الزكاة في الودائع لكل سنة إجماعي، وقد أخرج ابن أبي شيبة عن ابن عمر - رضي الله عنهما - قال: زكّوا زكاة أموالكم حولاً إلى حول، وما كان من دين ثقة فَزَكِّه، وإن كان من دين مظنون، فلا زكاة فيه حتى يقبضه صاحبه . ------- (قال مالك) شرع المصنف من ههنا بيان الدليل لما قاله أولاً من أن المال إذا بقي عند المديون عدة سنين، فلا تجب فيه الزكاة إلا لسنة واحدة، فقال: (والدليل) مبتدأ وخبره ((أن العروض)) إلى آخره (على أن الدين) إذا ما (يغيب أعواماً) أي سنين (ثم يقتضى) أي يستوفى (فلا يكون فيه إلا زكاة واحدة) أي لسنة واحدة لا لكل السنين، (أن العروض) أي الأمتعة (تكون عند الرجل) (١) انظر: (٢٨١/٣). (٢) (٣٦١/١). ٦٢٠ - -- - --