Indexed OCR Text

Pages 561-580

١٩ - كتاب الزكاة
(٣) باب
(٦٤٤) حديث
الموجود نصاباً، ولنا أن النصوص خالية عن اشتراط النصاب، فلا يجوز
اشتراطه بغير دليل سمعي، انتهى.
وفي ((شرح الإحياء)): ذكر قولين للشافعية في اشتراط النصاب وعدمه،
وقال: المذهب هو الأول أي اشتراطه، وقال الموفق (١) في نصاب المعادن:
هو ما يبلغ من الذهب عشرين مثقالاً، ومن الفضة مائتي درهم، أو قيمة ذلك
من غيرهما، وهذا مذهب الشافعي، وأوجب أبو حنيفة الخمس في قليله
وكثيره، من غير اعتبار نصاب، بناءً على أنه ركاز؛ لعموم الأحاديث التي
احتجُّوا بها، ولأنه لا يعتبر له حول، فلم يعتبر له نصاب كالركاز، انتهى.
والرابعة: اشتراط الحول، ونفاه المصنف في ((الموطأ))، قال الزرقاني:
وافقه الشافعي في القديم، وقال في الجديد كأبي حنيفة: لا زكاة حتى يحول
عليه الحول، انتهى.
قلت: لم يقل أبو حنيفة باشتراط الحول كما سيأتي وهو المرجح عند
الشافعية. ففي ((تحفة المحتاج)): لا يشترط له الحول على المذهب؛ لأنه إنما
اعتبر لأجل تكامل النماء، والمستخرج من المعدن نماء كله فأشبه الثمر
والزرع، انتهى.
وفي ((البدائع)) (٢) بعدما ذكر اشتراط النصاب والحول عند الشافعية فقال:
وأما عندنا فالواجب خمس الغنيمة في الكل لا يشترط في شيء منه شرائط
الزكاة. ثم استدل لذلك بعموم ما ورد بلا تفصيل.
وقال الموفق(٣): تجب الزكاة فيه حين يتناوله ويَكْمُلُ نصابه، ولا يعتبر له
(١) ((المغني)) (٤/ ٢٤١).
(٢) (١٩٣/٢).
(٣) («المغني)) (٢٤٣/٤).
٥٦١

١٩ - كتاب الزكاة
(٣) باب
(٦٤٤) حديث
حول، وهذا قول مالك والشافعي وأصحاب الرأي، وقال إسحاق وابن المنذر:
لا شيء في المعدن حتى يحول عليه الحول؛ لعموم قوله ◌َالر: ((لا زكاة في
مال حتى يحول عليه الحول))، ولنا أنه مال مستفاد من الأرض، فلا يعتبر في
وجوب حقه حول، كالزرع والثمار والركاز، ولأن الحول إنما يعتبر في غير
هذا لتكميل النماء، وهو يتكامل نماؤه دفعة واحدة، فلا يعتبر له حول
کالزروع، انتھی.
وأما المسألة الأولى: فقد اختلفت فيها الأئمة على ثلاثة أقوال. قال
الباجي(١): المعدن على ضربين: ضرب يتكلف به مؤنة عمل، فهذا لا خلاف -
أي عندهم - أنه لا تجب فيه غير الزكاة، وضرب لا يتكلف فيه مؤنة عمل،
وإنما يوجد نَدْرة، فهذا اختلف فيه قول مالك، فقال مرة: فيه الزكاة، وقال مرة
أخرى: فيه الخمس، وقال أحمد وإسحاق: لا تؤخذ من كل معدن إلا الزكاة،
قال أبو حنيفة: يؤخذ من كل معدن الخمس، والشافعي مثل الثلاثة الأقوال،
انتھی .
قال الموفق(٢): قدر الواجب فيه ربع العشر، وصفته أنه زكاة، وهذا قول
عمر بن عبد العزيز ومالك، وقال أبو حنيفة: الواجب فيه الخمس وهو فيء،
واختاره أبو عبيد، وقال الشافعي: هو زكاة، واختلف قوله في قدره
کالمذهبین، انتھی.
وفي ((تحفة المحتاج)): من استخرج ذهباً أو فضة من معدن لزمه ربع
عشره، وفي قولٍ: الخمسُ، قياساً على الركاز بجامع الإخفاء في الأرض،
وفي قول: إن حصل بتعب كطحن ومعالجة بنار فربع العشر، وإلا فخمسه،
(١) ((المنتقى)) (١٠٢/٢).
(٢) ((المغني)) (٢٣٩/٤).
٥٦٢

١٩ - كتاب الزكاة
(٣) باب
(٦٤٤) حدیث
انتهى. وذكرت هذه الأقوال الثلاثة في ((الإحياء)) وشرحه، ورجح الثالث، قال
العيني: كقول أبي حنيفة قال الثوري من أهل الكوفة والأوزاعي من أهل
الشام، انتهى.
قلت: وسيأتي أنه مذهب الزهري أيضاً، وقال الغزالي في (الإحياء)) (١):
الاحتياط أن يخرج الخمس من القليل والكثير، ومن غير النقدين أيضاً خروجاً
من شبهة الخلاف، انتهى.
قال الباجي(٢): فالنّدْرة التي لا يتكلف فيها عمل، روى ابن القاسم عن
مالك: فيها الخمس، وروى ابن نافع عن مالك: فيها الزكاة، وجه رواية
ابن القاسم قوله (18: ((وفي الركاز الخمس)) والركاز الموضوع في الأرض، وهو
دفن الجاهلية، والقطع الموجودة في الأرض من الذهب والفضة، ووجه قول
ابن نافع أن هذا مستفاد من الأرض، فوجبت فيه الزكاة دون الخمس، انتهى.
قلت: والعمدة في فروع المالكية رواية ابن القاسم، ففي ((الشرح
الكبير))(٣): وفي نَذْرته أي معدن العين، بفتح النون وسكون المهملة، وهي
القطعة من الذهب أو الفضة الخالصة التي لا تحتاج لتصفية الخمسُ مطلقاً،
سواء بلغت نصاباً أم لا كالركاز، انتهى.
فعُلم بذلك أن حديث الركاز يشمل المعدن أيضاً في رواية لمالك وقول
للشافعي، ثم حجة من أوجب في المعدن الخمسَ، الحديثُ المشهور المخرج
في الستة وغيرها بلفظ: ((وفي الركاز الخمس))، والركاز لغة يعم المعدن والكنز
كما سيأتي في الباب الآتي.
(١) (٢١١/١).
(٢) ((المنتقى)) (١٠٢/٢).
(٣) (٤٨٩/١).
٥٦٣

١٩ - كتاب الزكاة
(٣) باب
(٦٤٤) حديث
.
واحتجوا أيضاً بما الشافعي وأبي عبيد والحاكم من طريق عمرو بن
شعيب عن أبيه عن جده رفعه، في كنز وجده رجل: ((إن كنت وجدته في قرية
مسكونة، أو سبيل ميتاء فَعَرِّفْه، وإن كنت وجدته في خربة جاهلية، أو في قرية
غير مسكونة، ففيه وفي الركاز الخمس))، قال الحافظ: رواته ثقات، كذا في
((الدراية)) .
..-
وفي ((شرح الإحياء)): إن هذه الرواية تدفع الجواب الذي ذكر البيهقي أن
الشافعي - رضي الله عنه - أشار إليه، وهو أنه ورد فيما يوجد ظاهراً فوق
الأرض، لأن الكنز على ما ذكره الجوهري وغيره هو المال المدفون، وقال
الطحاوي في ((أحكام القرآن)): وقد كان الزهري وهو راوي حديث الركاز
يذهب إلى وجوب الخمس في المعادن، انتهى.
وقال الموفق(١): احتجّ من أوجب في المعدن الخمسَ بقول النبي وَيّ
((ما لم يكن في طريق مَأْتِيٍّ ولا في قرية عامرة ففيه وفي الركاز الخمس))، رواه
النسائي والجوزجاني وغيرهما. وفي رواية: ((ما كان في الخراب ففيها وفي
الركاز الخمس)). وروى سعيد والجوزجاني بإسنادهما عن أبي هريرة؛ قال:
قال رسول الله وَالر: ((الركاز هو الذهب الذي ينبت من الأرض)) وفي حديث
عن النبي ◌َّ أنه قال: ((في الركاز الخمس)) قيل: يا رسول الله ما الرِّكاز؟
قال: ((هو الذهب والفضة المخلوقان في الأرض يوم خلق الله السموات
والأرض))، وهذا نص، وفي حديث: أنه رَّ قال: ((وفي السيوب الخمس))
قال: والسيوب: عروق الذهب والفضة التي تحت الأرض، ولأنه مال مظهور
عليه في الإسلام، أشبه الركاز، انتهى.
قال ملك العلماء(٢): إن رسول الله ◌َل سئل عما يوجد من الكنز
(١) («المغني)) (٢٣٩/٤).
(٢) (بدائع الصنائع)) (١٩٤/٢).
٥٦٤

١٩ - كتاب الزكاة
(٣) باب
(٦٤٤) حديث
٠.
العادي، فقال: ((فيه وفي الركاز الخمس))، عطف الركاز على الكنز، والشيء
لا يعطف على نفسه، هو الأصل، فدل أن المراد منه المعدن، انتهى.
وقال محمد في ((موطئه))(١): الحديث المعروف أن النبي ◌َّلل قال: ((في
الركاز الخمس))، قيل: يا رسول الله وما الركاز؟ قال: ((المال الذي خلقه الله
تعالى في الأرض يوم خلق السموات والأرض في هذه المعادن))، ففيها
الخمس، انتهى. وكون الحديث مشهوراً عند الإمام محمد يكفي حجة سيما
لمتبعيه .
قال العيني (٢): وروى البيهقي في ((المعرفة)) بسنده عن أبي هريرة مرفوعاً:
((الركاز الذهب الذي ينبت بالأرض))، ثم قال: وروي عن أبي هريرة قال: قال
رسول الله وَاللّه: ((في الركاز الخمس))، قيل: وما الركاز يا رسول الله؟ قال:
((الذهب الذي خلقه الله تعالى في الأرض يوم خلقت)).
وهذا ينادي بأعلى صوته أن الركاز هو المعدن، وذكر حميد بن زنجويه
النسائي في ((كتاب الأموال)) عن علي: أنه جعل المعدن ركازاً، وأوجب فيه
الخمس، ومثله عن الزهري، وروى البيهقي من حديث مكحول: أن عمر بن
الخطاب - رضي الله عنه - جعل المعدن بمنزلة الركاز فيه الخمس، انتهى.
وفي ((هامش رد المحتار)): (٣) قال أبو يوسف في كتابه ((الخراج)):
حدثني عبد الله بن سعيد بن أبي سعيد الخدري قال: كان أهل الجاهلية إذا
عطب الرجل، الحديث. وفيه: ((في الركاز الخمس)) قيل: وما الركاز
يا رسول الله؟ فقال: ((الذهب والفضة الذي خلقه الله تعالى في الأرض يوم
خلقت))، انتهى.
(١) ((موطأ محمد مع التعليق الممجد)) (١٥٧/٢).
(٢) ((عمدة القاري)) (٦/ ٥٦٧).
(٣) (٢٥٨/٢). طبع الهند الجديد.
٥٦٥

١٩ - كتاب الزكاة
(٣) باب
(٦٤٤) حديث
واستدل من قال بوجوب الزكاة في المعادن بحديث بلال المذكور قبل،
وأجاب عنه الآخرون بوجوه: الأول: ما تقدم عن كلام الحافظ أن زيادة
وجوب الزكاة لا توجد في الروايات الموصولة.
والثاني: ما تقدم عن كلام الإمام الشافعي: أن ليس هذا مما يثبته أهل
الحديث، ولم يكن فيه رواية عن النبي وَلّ إلا إقطاعه، وأما الزكاة في المعادن
دون الخمس فليست مروية عن النبي (مَلآد .
الثالث: ما أشار إليه الإمام محمد في ((موطئه)) إذ قال بعد ذكر حديث
الباب: قال محمد: الحديث المعروف أن النبي و سلم قال: ((في الركاز ... ))
الحديث تقدم قريباً، وهو إشارة إلى أن حديث الباب يخالف الحديث
المعروف، فهو شاٌ.
والرابع والخامس: ما في الزيلعي: قال أبو عبيد في ((كتاب الأموال)):
حديث منقطع، ومع انقطاعه ليس فيه أن النبي ◌َ ◌ّ أمر بذلك، وإنما قال:
((يؤخذ منها الزكاة إلى اليوم))، قال ابن الهمام: يعني فيجوز كون ذلك من أهل
الولايات اجتهاداً منهم.
والسادس: ما أجاب به صاحب ((البدائع)) بأنه يحتمل أنه إنما لم يأخذ منه
ما زاد على ربع العشر لما علم من حاجته. وذلك جائز عندنا .
والسابع والثامن: ما في ((المسوّى))(١)، إذ قال بعدما حكى كلام الشافعي
- رضي الله عنه - المتقدم: ليس هذا مما يثبته أهل الحديث، ولو أثبتوه لم يكن
فيه رواية عن النبي وقليل إلا إقطاعه، وأما الزكاة فليست مروية عنه وَليل، أقول:
ولو كانت الزكاة مروية فليس ذلك نصّاً في ربع العشر، بل يحتمل معنيين
آخرين، أحدهما: يؤخذ منه الخمس وهو زكاته، وهو قول للشافعي، والحصر
(١) (٢٧٦/١).
٥٦٦
------
----

١٩ - كتاب الزكاة
(٤) باب
(٤) باب زكاة الركاز
بالنسبة إلى الكل، والثاني: إذا ملكه وحال عليه الحول تؤخذ منه الزكاة وهو
قول جمع من المحدثين، انتهى.
قلت: ويؤيد المعنى الأول منهما أن في رواية الحاكم لفظ الصدقة بدل
الزكاة، وأيضاً المصنف بوّب على الحديث الآتي ((زكاة الركاز)) فإطلاق الزكاة
على الخمس شائع عند المصنف أيضاً، وكذلك في ((فروع الشافعية)) وغيرهم
أطلق عليه الزكاة.
(٤) زكاة الركاز
هكذا في جميع النسخ الهندية وبعض المصرية، وفي أكثر المصرية: زكاة
الشركاء، وليس بوجيه، والركاز بكسر الراء، وتخفيف الكاف، وآخره زاي،
مأخوذ من الركز، قال الباجي(١): اختلف الناس في معنى الركاز، فاختلف
قول مالك في ذلك، فمعنى ما روى عنه ابن القاسم: أن الركاز ما وجد في
الأرض من قطع الذهب والورق مخلصاً، لا يحتاج في تصفيته إلى عمل، سواء
كان مما دفن في الأرض أو مما أنبته الأرض، ومعنى ما روى ابن نافع: أن
الركاز ما وضع في الأرض، انتهى.
وفي ((العيني)) (٢): قال ابن بطال: ذهب أبو حنيفة والثوري إلى أن المعدن
كالركاز، واحتج لهم بقول العرب: أركز الرجل إذا أصاب ركازاً، وهي قطع
من الذهب تخرج من المعادن، وهو قول صاحب ((العين)) وأبي عبيد، وفي
(مجمع الغرائب)): الركاز المعادن. وفي ((النهاية)) لابن الأثير: المعدن والركاز
واحد، انتهى.
(١) ((المنتقى)) (١٠٤/٢).
(٢) ((عمدة القاري)) (٦/ ٥٦٣).
٥٦٧

١٩ - كتاب الزكاة
(٤) باب
وفي ((المجمع)) (١): الركاز عند أهل الحجاز كنوز الجاهلية المدفونة في
الأرض، وعند أهل العراق المعادن؛ لأن كلاً منهما مركوز في الأرض أي
ثابت، انتهى.
وقال الموفق(٢): الركاز: المدفون في الأرض، واشتقاقه من رَكَزَ يَرْكِزُ
مثل غَرَزَ يَغْرِزُ: إذا خفي، يقال: ركز الرمح، إذا غرز أسفله في الأرض، ومنه
الركز، وهو الصوت الخفي، قال تعالى: ﴿أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا﴾(٣)، قال
المجد: الركاز ما ركزه الله تعالى في المعادن، أي أحدثه، ودفين أهل
الجاهلية، وقِطَع الذهب والفضة من المعدن، وأركز: وجد الركاز، والمعدنُ:
صار فيه ركاز، وارتكز: ثبت، انتهى.
قال ابن عابدين: وفي ((المنح)) عن ((المغرب)): هو المعدن أو الكنز؛ لأن
كلاً منهما مركوز في الأرض وإن اختلف الراكز، انتهى.
قال ملك العلماء(٤): هو اسم للمعدن حقيقةً، وإنما يطلق على الكنز
مجازاً لدلائل.
- -
٠
أحدها: أنه مأخوذ من الركز، وهو الإثبات، وما في المعدن هو المثبت
في الأرض لا الكنز؛ لأنه وضع مجاوراً للأرض.
والثاني: أن رسول الله وَّل سئل عما يوجد من الكنز العادي، فقال: ((فيه
وفي الركاز الخمس))، عطف الركاز على الكنز، والشيء لا يعطف على نفسه،
هو الأصل، فدل أن المراد منه المعدن.
(١) «مجمع بحار الأنوار)) (٣٧١/٢).
(٢) («المغني)) (٢٣١/٤).
(٣) سورة مريم: الآية ٩٨.
(٤) (بدائع الصنائع)) (١٩٤/٢).
٥٦٨

١٩ - كتاب الزكاة
(٤) باب
٠٠٠
والثالث: ما روي أن النبي ◌َّه لمّا قال: ((المعدن جبار والقليب جبار
وفي الركاز الخمس))، قيل: وما الركاز يا رسول الله؟ فقال: ((هو المال الذي
خلقه الله تعالى في الأرض يوم خلق السموات والأرض))، فدل على أنه اسم
للمعدن حقیقة، انتهى.
وفي ((الشرح الكبير))(١) الدردير: هو مدفون جاهلي أي غير مسلم وذمي،
والمراد ماله ولو لم يكن مدفوناً، وأورد عليه الدسوقي أولاً بأن ما في الأرض
لا يسمى ركازاً، وإن كان يخمس قياساً على الركاز، وثانياً بأنه لا يشتمل ما
وجد في الأرض من ذهب وفضة مخلصاً من غير دفن بل من أصل خلقته، وهو
المسمى بالندرة، فإنه من جملة أفراد الركاز عند ابن القاسم، والتعريف لا
یشمله، انتهى .
وفي ((الدر المختار))(٢): هو لغة من الركز أي الإثبات، بمعنى المركوز،
وشرعاً مال مركوز تحت أرض أعم من معدن خلقي، ومن كنز مدفون دفنه
الكفار، قال ابن عابدين: قوله: ((شرعاً)) ظاهره أنه ليس معنى لغوياً، وفي
((المنح)) عن ((المغرب)): هو المعدن أو الكنز؛ لأن كلاً منهما مركوز في
الأرض، وإن اختلف الراكز، انتهى. يعني أن الراكز في المعدن الخالقُ، وفي
الكنز المخلوقُ.
قال في ((النهر)): ولا يجوز أن يكون حقيقة في المعدن، مجازاً في
الكنز، لامتناع الجمع بينهما بلفظ واحد، قال ابن عابدين: وقوله: كنز، من
كَنَزَ المال كنزاً، من باب ضرب، جمعه. تسمية بالمصدر، والكنز في الأصل
اسم للمثبت في الأرض بفعل إنسان، وهو يعم المؤمن أيضاً، لكن خصّه
(١) (٤٨٩/١) .
(٢) (٣٠٠/٣).
٥٦٩

١٩ - كتاب الزكاة
(٤) باب
(٦٤٥) حدیث
٩/٦٤٥ - حَدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ
سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ؛ وَعَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمُنِ، عَنْ أَبِي
هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ الِهِ قَالَ: ((فِي الرِّكَازِ الْخُمُسُ)).
أخرجه البخاريّ في: ٢٤ - كتاب الزكاة، ٦٦ - باب في الركاز الخمس.
الشارح بالكافر؛ لأن كنزه هو الذي يخمَّس، أما كنز المسلم فلقطة، انتهى.
قلت: وتقدم في الباب السابق الآثار الدالة على أن الركاز يعمُّ المعدن.
٩/٦٤٥ - (مالك، عن ابن شهاب) الزهري (عن سعيد بن المسيب؛ وعن
أبي سلمة بن عبد الرحمن) كلاهما (عن أبي هريرة) بسط العيني(١) في
الاختلافات في سند هذا الحديث، وحكى عن الدارقطني في ((العلل)):
الصحيح عن الزهري عن سعيد وأبي سلمة. فارجع إليه إن شئت التفصيل.
(أن رسول الله وَّ قال: في الركاز الخمس) أورده المصنف ههنا
مختصراً، وأتم سياقه في ((كتاب الديات)) في ((جامع العقل))، بهذا السند إلى
أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله وَّل قال: ((جرح العجماء جبار،
والبئر جبار، والمعدن جبار، وفي الركاز الخمس)). وبسط العلامة الباجي في
فروع الركاز باعتبار دافنه، وموضعه، وصفة الواجد له، وغير ذلك، لا يليق
بهذا «الأوجز».
نعم ههنا عدة مسائل لا بد لناظر الحديث العبور عليها .
الأولى: ما قال الموفق(٢): الأصل في صدقة الركاز ما روي عن أبي
هريرة مرفوعاً: ((العجماء جبار وفي الركاز الخمس)) متفق عليه، وهو أيضاً
مجمع عليه، قال ابن المنذر: لا نعلم أحداً خالف هذا الحديث إلا الحسن،
فإنه فرق بين ما يوجد في أرض الحرب وأرض العرب، فقال: فيما يوجد في
(١) انظر: ((عمدة القاري)) (٥٦٤/٦).
(٢) ((المغني)) (٢٣١/٤).
٥٧٠

١٩ - كتاب الزكاة
(٤) باب
(٦٤٥) حديث
أرض الحرب الخمس، وفيما يوجد في أرض العرب الزكاة، انتهى.
قال العيني(١): وجوب الخمس فيه إجماع العلماء، إلا ما روي عن
الحسن، قلت: وأخرج البخاري أثر الحسن تعليقاً، قال الزرقاني: سواء كان
في دار الإسلام أو الحرب عند الجمهور، ومنهم الأئمة الأربعة خلافاً للحسن
البصري في قوله: فيه الخمس في أرض الحرب، وفي أرض الإسلام فيه
الزكاة، قال ابن المنذر: لا أعلم أحداً فرق هذه التفرقة غيره، انتهى.
والثانية: استدل بهذا اللفظ من قال: إن الركاز غير المعدن، إذ قال ◌َله:
((المعدن جبار وفي الركاز الخمس))، فغاير بينهما بالعطف، ولو كانا واحداً
لقال: وفيه الخمس، ولا يرد ذلك إلا على من قال: إن الركاز هو المعدن،
ولم أجد القائل به، بل قالت الحنفية: الركاز يعم المعدن والكنز، والمغايرة
بين العام والخاص مما لا يخفى، فلو قال: فيه الخمس، يعلم حكم المعدن
دون الكنز، ولو سلم، فوضع المظهر محل المضمر، مما لا ينكر على أن
الروايات مختلفة.
ففي ((شرح الإحياء)): أن لفظ الصحيح: البئر جبار وفي الركاز الخمس،
فلو قال: وفيه الخمس، لحصل الالتباس باحتمال عود الضمير إلى البئر،
انتھی .
والثالثة: ما قال الزرقاني(٢): لا فرق عند مالك والجمهور بين قليله
وكثيره خلافاً لقول الشافعي في الجديد: لا يجب الخمس حتى يبلغ النصاب.
قال الحافظ(٣): في قليله وكثيره الخمس، نقله ابن المنذر عن مالك
(١) ((عمدة القاري)) (٥٦٦/٦).
(٢) (١٠١/٢).
(٣) ((فتح الباري)) (٣٦٤/٣).
٥٧١

١٩ - كتاب الزكاة
(٤) باب
(٦٤٥) حديث
كذلك، وفيه عند أصحابه عنه اختلاف، وهو قول الشافعي في القديم، كما
نقله ابن المنذر واختاره، وأما في الجديد فقال: لا يجب الخمس حتى يبلغ
نصاب الزكاة، والأول قول الجمهور، انتهى. وفي ((تحفة المحتاج)): وشرطه
النصاب على المذهب، انتهى.
قلت: ولا يشترط النصاب عند الحنابلة ولا الحنفية، كما صرح في
فروعهم، قال الخرقي: ما كان من الركاز، وهو دفن الجاهلية، قل أو كثر،
ففيه الخمس، انتهى.
قال الموفق(١): الخمس يجب في قليله وكثيره في قول إمامنا، ومالك،
وإسحاق، وأصحاب الرأي، والشافعي في القديم، وقال في الجديد: يعتبر
النصاب فيه؛ لأنه حق مال، ولنا عموم قوله وقّير: ((في الركاز الخمس))، ولأنه
مال مخموس، فلا يعتبر له النصاب كالغنيمة، انتهى.
٠
والرابعة: ما قال الحافظ (٢): اتفقوا على أنه لا يشترط فيه الحول، بل
يجب إخراج الخمس في الحال، وأغرب ابن العربي في ((شرح الترمذي))،
فحكى عن الشافعي الاشتراط، ولا يُعْرف ذلك في شيء من كتبه، ولا من كتب
أصحابه، انتهى. وفي ((تحفة المحتاج)): لا يشترط الحول إجماعاً، انتهى.
والخامسة: في صفة الركاز، قال الحافظ: خصه الشافعي بالذهب
والفضة، وقال الجمهور: لا يختص.
قال الموفق: الركاز الذي فيه الخمس: هو كل ما كان مالاً على اختلاف
أنواعه من الذهب والفضة والحديد والرصاص والصفر والنحاس والآنية وغير
ذلك، وهو قول إسحاق، وأبي عبيد، وابن المنذر، وأصحاب الرأي، وإحدى
1
(١) ((المغني)) (٢٣٥/٤).
(٢) ((فتح الباري)) (٣٦٥/٣).
٥٧٢

١٩ - كتاب الزكاة
(٤) باب
(٦٤٥) حديث
الروايتين عن مالك، وأحد قولي الشافعي. والقول الآخر: لا تجب إلا في
الأثمان، ولنا عموم الحديث، ولأنه مال مظهور عليه من مال الكفار، فوجب
فيه الخمس مع اختلاف أنواعه كالغنيمة، انتهى.
وقال الزرقاني(١): لا فرق بين النقدين وغيرهما، كنحاس، وحديد،
وجواهر، وبه قال أحمد وغيره، وعن مالك أيضاً رواية باشتراط كونه أحد
النقدين، وظاهر الحديث العموم وهو المشهور، انتهى.
قال الباجي(٢): وأما غير النقدين من النحاس واللؤلؤ والطيب، فاختلف
فيه قول مالك فقال مرة: لا خمس فيه، وبه قال ابن القاسم وابن المواز، وقال
مرة: فيه الخمس، واختاره أيضاً ابن القاسم، وبه قال مطرف وابن الماجشون
وابن نافع، انتهى.
قال الدسوقي: يخمس الركاز وإن كان عرضاً كنحاس وحديد وجوهر
ورخام، وهذا هو المشهور خلافاً؛ لما روي عن مالك من أنه لا خمس في
العرض، انتهى.
وفي ((الروض المربع))(٣): والركاز ما وجد من دفن الجاهلية، فيه الخمس
في قليله وكثيره ولو عرضاً، وفي ((تحفة المحتاج)): شرطه النصاب والنقد أي
الذهب والفضة على المذهب، انتهى.
وفي ((الدر المختار)) (٤): الحاصل أن الكنز يخمس كيف كان، والمعدن
إن كان ينطبع، قال ابن عابدين: قوله: ((كيف كان)) أي سواء كان من جنس
(١) ((شرح الزرقاني)) (١٠١/٢).
(٢) ((المنتقى)) (١٠٦/٢).
(٣) (٣٧٩/١).
(٤) (٣٠٦/٣).
٥٧٣

١٩ - كتاب الزكاة
(٤) باب
(٦٤٥) حديث
الأرض أو لا، بعد أن كان مالاً متقوِّماً، ويستثنى منه كنز البحر، انتهى.
والسادسة: ما قال الحافظ(١): اختلفوا في مصرفه، فقال مالك وأبو حنيفة
والجمهور: مصرفه مصرف خمس الفيء، وهو اختيار المزني، وقال الشافعي
في أصح قوليه: مصرفه مصرف الزكاة، وعن أحمد روايتان، ويبنى على ذلك
ما إذا وجده ذمي، فعند الجمهور يخرج منه الخمس، وعند الشافعي لا يؤخذ
منه شيء، انتهى.
وقال الشيخ في ((المسوّى))(٢): مصرفه مصرف الزكاة عند الشافعي -
رضي الله عنه - ومصرفه خمس الفيء عند أبي حنيفة.
قال الموفق(٣): أما مصرفه؛ فاختلفت الرواية عن أحمد مع ما فيه من
اختلاف العلماء، فقال الخرقي: هو لأهل الصدقات، ونصَّ عليه أحمد في
رواية حنبل، وهذا قول الشافعي لرواية عن علي تدل على ذلك، والرواية
الثانية: مصرفه مصرف الفيء، نقله محمد بن الحكم عن أحمد، وهذه الرواية
أصح وأقيس على مذهبه، وبه قال أبو حنيفة والمزني؛ لما روى أبو عبيد بسنده
إلى الشعبي: أن رجلاً وجد ألف دينار مدفونة خارجاً من المدينة، فأتى بها
عمرَ بنَ الخطاب، فأخذ منها الخمس مائتي دينار، ودفع إلى الرجل بقيتها،
وجعل عمر - رضي الله عنه - يقسم المائتين بين من حضره من المسلمين إلى
أن فضل منها فضلة، فقال: أين صاحب الدنانير؟ فقام إليه، فقال عمر: خذ
هذه الدنانير، فهي لك، ولو كانت زكاة خصَّ بها أهلها، ولم يردّه على
واجده، ولأنه يجب على الذمي، والزكاة لا تجب عليه، ولأنه مال مخموس
زالت عنه يد الكافر، أشبه خمس الغنيمة، انتهى.
(١) ((فتح الباري)) (٣٦٥/٣).
(٢) (٢٧٥/١).
(٣) ((المغني)) (٢٣٦/٤).
٥٧٤
-------
۔۔۔۔

١٩ - كتاب الزكاة
(٤) باب
(٦٤٥) حدیث
قَالَ مَالِكٌ: الأَمْرُ الَّذِي لا اخْتِلَافَ فِيهِ عِنْدَنَا، وَالَّذِي سَمِعْتُ
أَهْلَ الْعِلْمِ يَقُولُونَ: إِنَّ الرِّكَازَ إِنَّمَا هُوَ دِفْنٌ يُوجَدُ مِنْ دِفْنِ الْجَاهِلِيَّةِ،
والسابعة: اختلفوا في أربعة أخماس باعتبار اختلاف الواجد والمحل،
من كونه مملوكاً، أو غير مملوك، دار حرب، أو دار إسلام، وغير ذلك، ليس
ههنا محله، بسط الموفق في ((المغني)) وملك العلماء في ((البدائع)).
لطيفه (١) وقع في زمن الشيخ عز الدين بن عبد السلام أن رجلاً رأى
النبي ◌َّ﴾ في النوم فقال: اذهب إلى موضع كذا، فاحفره، فإن فيه ركازاً
فخذه، ولا خمس عليك فيه، فلما أصبح ذهب إلى ذلك الموضع، فحفره
فوجد الركاز، فاستفتى علماء عصره، فأفتوه بأنه لا خمس عليه لصحة الرؤيا،
وأفتى الشيخ المذكور بأن عليه الخمس، وقال: أكثر ما نُنَزِّلُ منامَه منزلةَ حديث
روي بإسناد صحيح، وقد عارضه ما هو أصح منه، وهو الحديث المخرج في
الصحيحين: ((في الركاز الخمس)) فيقدم عليه، انتهى.
(قال مالك: الأمر الذي لا اختلاف فيه عندنا) بالمدينة المنورة (والذي
سمعت أهل العلم) وفي ((موطأ يحيى بن بكير)) على ما حكاه الحافظ: مالك
عن بعض أهل العلم (يقولون) وفي المصرية: يقولونه، (إن الركاز إنما هو دفن)
بكسر الدال وسكون الفاء، أي شيء مدفون كذبح بمعنى مذبوح، وأما بالفتح
فالمصدر، ولا يراد ههنا، قاله الحافظ، وكذا الزركشي، وردّه الدماميني بأنه
يصح الفتح على أنه مصدر، أريد به المفعول مثل هذا الثوب نسج اليمن.
(يوجد من دفن الجاهلية) قال الموفق (٢): الركاز الذي يتعلق به وجوب
الخمس ما كان من دفن الجاهلية، هذا قول الحسن، والشعبي، ومالك،
والشافعي، وأبي ثور. ويعتبر ذلك بأن ترى عليه علاماتهم، كأسماء ملوكهم،
(١) انظر: ((شرح الزرقاني)) (١٠١/٢).
(٢) ((المغني)) (٢٣٢/٤).
٥٧٥

١٩ - كتاب الزكاة
(٤) باب
(٦٤٥) حدیث
مَا لَمْ يُظْلَبْ بِمَالٍ، وَلَمْ يُتَكَلَّفْ فِيهِ نَفَقَةٌ، وَلَا كَبِيرُ عَمَلٍ، وَلا
مَؤُونَةٌ. فَأَمَّا مَا ظُلِبَ بِمَالٍ، وَتُكُلِّفَ فِيهِ كَبِيرُ عَمَلٍ، فَأُصِيبَ مَرَّةً،
وَأُخْطِىءَ مَرَّةً، فَلَيْسَ بِرِكَازٍ .
وصورهم وصُلُبِهم، وصور أصنامهم، ونحو ذلك. فإن كان عليه علامة
الإسلام، أو اسم النبي، أو وال لهم فهو لقطة؛ لأنه ملك مسلم لم يعلم زواله
عنه، وإن كان على بعضه علامة الإسلام، وعلى بعضه علامة الكفر، فكذلك.
نصَّ عليه أحمد في رواية ابن منصور؛ لأن الظاهر أنه صار إلى مسلم، ولم
يعلم زوال ملكه، فأشبه ما على جميعه علامة المسلمين، انتهى.
وفي ((البدائع)) (١): فإن وجد في دار الإسلام في أرض غير مملوكة،
كالجبال والمفاوز، وغيرها، فإن كان به علامة الإسلام فهو بمنزلة اللقطة، وإن
كان به علامة الجاهلية ففيه الخمس، وأربعة أخماس للواجد بلا خلاف، وإن
لم يكن به علامة الإسلام ولا علامة الجاهلية، ففيه اختلاف، بسطه.
(ما لم يطلب) قال الزرقاني: أي مدة كونه لم يطلب، انتهى. قلت:
والأوجه عندي موصولة. (بمال) أي ينفق على إخراجه، قاله الزرقاني،
والأوجه عندي بعوض مال أي لم يشتر، (ولم يتكلف) وفي النسخ الهندية :
ولم يكلف. (فيه نفقة) عطف تفسير عند الزرقاني، والمراد عندي لم ينفق على
إخراجه بنفقة .
(ولا كبير عمل ولا مؤونة) بالرفع أي لم يتكلف له كبير عمل ولم يتكلف
له مؤونة أيضاً، (فأما ما) أي المال الذي (طُلب) ببناء المجهول (بمالٍ وتُكُلِّف)
ببناء المجهول (فيه كبير عمل، فأصيب مرة وأخطئ مرة) أخرى (فليس بركاز)
حكماً أي يؤخذ منه الزكاة، ولا يخمس، وإلا فاسم الركاز باق عليه، قاله
الزرقاني(٢).
(١) (١٩٠/٢).
(٢) (١٠٢/٢).
٥٧٦
---
--
------ ------

١٩ - كتاب الزكاة
(٥) باب
(٥) باب ما لا زكاة فيه من الحلي والتبر والعنبر
وخالفه الباجي في شرح هذا القول، فقال: ومعنى ذلك أن دفن الجاهلية
هو الذي لا يطلب بمال ولا يتكلف فيه كبير عمل؛ لأنه لا سيمة عليه، فيطلب
في الغالب، وأما ما طلب بمال وتكلف فيه عمل، كالمعدن الذي له سيمة
وعلامة، يطلب لها، وينفق في طلبه الأموال، ويتكلف فيه كبير العمل من
التصفية وطلب النيل وغيرهما، وربما أصيب، وربما أخطئ، فليس بركاز،
ونحوه رأيت لمحمد بن سلمة في تفسير هذا القول لمالك، انتهى(١).
قلت: وحاصل قولهما أن قول المصنف: ما لم يطلب، إلى آخره،
احتراز عن أحد نوعي الركاز عند الزرقاني، واحتراز عن المعدن عند الباجي،
والأوجه ما قاله الزرقاني؛ لأنه مؤيد بفروع المالكية.
ففي ((الشرح الكبير)) (٢): في ندرة المعدن الخمس كالركاز، إلا لكبير نفقة
حيث لم يعمل بنفسه، أو كبير عمل حيث عمل بنفسه أو عبيده في تخليصه أي
إخراجه من الأرض، وفي نسخة: تحصيله وهو أظهر فالزكاة.
قال الدسوقي: أي الركاز فيه الخمس، إلا في هاتين الحالتين، وهما ما
إذا توقف إخراجه من الأرض على كبير نفقة أو عمل، وأما فيهما، فالواجب
إخراج ربع العشر، وقوله: ((وهو أظهر)) أي من قوله: ((تخليصه))؛ لأن المتبادر
تخليصه بالتصفية، ولا معنى لها في الركاز لعدم احتياجه لها، وقوله: ((فالزكاة))
أي فالواجب ربع العشر من غير اشتراط بلوغ النصاب ولا غيره من شروط
الزكاة، انتهى.
(٥) ما لا زكاة فيه من الحلي والتبر والعنبر
ذكر المصنف فيها ثلاث مسائل :
الأولى: زكاة الحَلْي بفتح حاء مهملة وسكون لام على الإفراد، وبضم
(١) انظر: ((المنتقى)) (١٠٦/٢).
(٢) (٤٨٩/١).
٥٧٧

١٩ - كتاب الزكاة
(٥) باب
الحاء وكسر اللام وشدة ياء على الجمع، قال الراغب(١): الحُلِيُّ جمع حَلْي
كثَدْي وتُدِيّ، قال تعالى: ﴿مِنْ حُلِّيِّهِمْ عِجْلًا﴾(٢) الآية. قال المجد: الحلي
بالفتح: ما يُزيَّن به من مصوغ المعدنيات أو الحجارة، جمعه حلى كدلى، أو
هو جمع والواحد حلية كظبية، انتهى.
قال العيني: أما مسألة الحليّ - أي من العين -، ففيها خلاف بين
العلماء، فقال أبو حنيفة وأصحابه والثوري: تجب فيها الزكاة، وروي ذلك عن
عمر بن الخطاب، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس
- رضي الله عنهم -. وبه قال سعيد بن المسيب، وسعيد بن جبير، وعطاء،
ومحمد بن سيرين، وجابر بن زيد، ومجاهد، والزهري، وطاووس، وميمون بن
مهران، والضحاك، وعلقمة، والأسود، وعمر بن عبدالعزيز، وذر الهمداني،
والأوزاعي، وابن شبرمة، والحسن بن حي، وقال ابن المنذر وابن حزم:
الزكاة واجبة بظاهر الكتاب والسنة.
وقال مالك، وأحمد، وإسحاق، والشافعي في أظهر قوليه: لا تجب فيها
الزكاة، وروي ذلك عن ابن عمر، وجابر بن عبد الله، وعائشة، والقاسم بن
محمد، والشعبي، وكان الشافعي يقول بها في العراق وتوقف بمصر، وقال:
هذا مما أستخير الله فيه، وقال الليث: ما كان من حلي يُلْبس ويُعار، فلا زكاة
فيه، وإن اتخذ للتحرز عن الزكاة، ففيه الزكاة، وقال أنس: يزكي عاماً واحداً
لا غير، انتهى.
وفي ((الجوهر النقي))(٣) عن ((المعالم)) للخطابي: الظاهر من الكتاب يشهد
(١) انظر: ((مفردات القرآن)) (ص٢٥٤).
(٢) سورة الأعراف: الآية ١٤٨.
(٣) ((الجوهر النقي على السنن الكبرى)) (١٤٠/٤).
٥٧٨
--
٠-٠
--- - -
-- ------ -
.--

١٩ - كتاب الزكاة
(٥) باب
لقول من أوجبها، والأثر يؤيده والاحتياط أداؤها، انتهى. وزاد المنذري في
((الترغيب)) فيمن أوجب زكاة الحلي عبد الله بن عمرو وعبد الله بن شداد، وزاد
الترمذي عبد الله بن المبارك، وسيأتي عن الرازي أنه قال: الصحيح عندنا
وجوب الزكاة.
وقال الخرقي: ليس في حلي المرأة زكاة إذا كان مما تلبسه أو تُعِيْره.
قال الموفق(١): هذا ظاهر المذهب، وذكر ابن أبي موسى رواية أخرى: أن فيه
الزكاة لعموم قوله بَ ل#: ((وفي الرقة ربع العشر)).
وقال مالك: يزَّى عاماً واحداً، وقال الحسن، وعبد الله بن عتبة،
وقتادة: زكاته عاريته، قال أحمد: خمسة من أصحاب رسول الله وَل* يقولون:
ليس في الحلي زكاة، ويقولون: زكاته عاريته.
وقول الخرقي: إذا كان مما تلبسه يعني إنما تسقط عنه الزكاة إذا كان
كذلك أو معداً له، أما المعدُّ للكِرَاء والنفقة إذا احتيج إليه ففيه الزكاة؛ لأنها
إنما تسقط عما أعدّ للاستعمال لصرفه عن جهة النماء، ففيما عداه يبقى على
الأصل، وكذلك ما اتخذ حلية فراراً من الزكاة لا يسقط عنه، ولا فرق بين
كون الحلي المباح مملوكاً لامرأة تلبسه أو تعيره، أو لرجل يُحَلِّي به أهله أو
يعيره أو يعده لذلك، وقليل الحَلْي وكثيره سواء في الإباحة والزكاة، وقال
ابن حامد: يباح ما لم يبلغ ألف مثقال، فإن بلغها حرم، وفيه الزكاة.
الثانية: زكاة التبر، ذكر في ((شرح الإحياء)): هو ما كان من الذهب
والفضة غير مضروب، فإن ضرب دنانير فهو عين، وقال ابن فارس: هو ما كان
منهما غير مصوغ، وقال الزجاج: هو كل جوهر قبل استعماله كالنحاس
والحديد، كل ذلك في ((المصباح))، لكن المتعارف في الإطلاق، هو من
الذهب ما أخرج من الأرض، ولم يخلص من التراب، انتهى.
(١) انظر: ((المغني)) (٢٢٠/٤).
٥٧٩

١٩ - كتاب الزكاة
(٥) باب
ثم ظاهر ما في ((الموطأ)): أن التبر والحلي المكسور إذا أراد صاحبه
إصلاحه ولبسه، فلا زكاة فيه، وإلا ففيه الزكاة. وسكت الشارحان الزرقاني
والباجي عن مسألة التبر، وظاهر ما في فروع المالكية: إيجاب الزكاة في التبر
مطلقاً .
ففي ((الشرح الكبير)) (١): لا زكاة في حلي جائز اتّخاذه وإن تكسَّر إن لم
يتهشم، فإن تهشم بحيث لا يمكن إصلاحه إلا بسبكه وجبت فيه لحول بعد
تهشمه؛ لأنه صار كالتبر، سواء نوى إصلاحه أم لا، فالزكاة في خمس صور
في المتهشم مطلقاً، وفي المنكسر إذا نوى عدم الإصلاح أو لا نية له، أما إذا
نوی إصلاحه، فلا زكاة فيه، انتهى بتغير.
وقال الموفق: لا فرق في ذلك بين التبر والمضروب، انتهى.
وأما عند الحنفية ففي ((الهداية)): وفي تبر الذهب والفضة وحليهما
وأوانيهما الزكاة، انتهى.
الثالثة: الزكاة في العنبر، وهو بفتح المهملة، وسكون النون، وفتح الباء
الموحدة، ضرب من الطيب، قاله العيني(٢)، وفي ((المحيط الأعظم)): يقال له
بالفارسية: (شاه بو)).
واختلفوا في حقيقته، ففي ((الفتح))(٣) للحافظ. قال الشافعي في ((الأم)):
أخبرني عدد ممن أثق بخبره أنه نبات يخلقه الله في جنبات البحر، وقيل: إنه
يأكله حوت فيموت فيلقيه البحر، فيؤخذ فيشق بطنه فيخرج منه.
وحكي عن محمد بن الحسن: أنه ينبت في البحر بمنزلة الحشيش في
(١) (٤٦٠/١).
(٢) انظر: ((عمدة القاري)) (٥٥٧/٦).
(٣) ((فتح الباري)) (٣٦٢/٣).
--
--------- -
٥٨٠
-. ..