Indexed OCR Text
Pages 521-540
١٩ - كتاب الزكاة (٢) باب (٦٤٣) حديث قَالَ مَالِكٌ: السُّنَّةُ الَّتِي لا اخْتِلَافَ فِيهَا عِنْدَنَا، أَنَّ الزَّكَاةَ تَجِبُ فِي عِشْرِينَ دِينَاراً عَيْناً، كَمَا تَجِبُ فِي مِائَتَيْ دِرْهَمٍ . المشتركة يجري فيها الحول في حال اشتراكها، وأما أبو بكر وعمر وعثمان - رضي الله عنهم - فلم يكونوا يأخذون منها الزكاة؛ لأنها لم يتحقق ملك من أُعْطِيَها إلا بعد الإعطاء والقبض، لأن للإمام أن يصرفها إلى غيرهم إذا أدَّاه اجتهاده إلى ذلك، فوجب أن يراعى الحول فيها من وقت قبضهم لها وصحة ملكهم إياها، وعلى هذا فقهاء الأمصار، انتهى. قال ابن عبد البر(١): يريد أخذ زكاتها نفسها منها لا أنه أخذ منها عن غيرها مما حال عليه الحول، قال: ولا أعلم من وافقه إلا ابن عباس، ولم يعرفه الزهري، فلذا قال: إن معاوية أول من أخذ، قال: وهذا شذوذ، لم يعرج عليه أحد من العلماء، ولا قال به أحد من أئمة الفتوى، وقال الباجي: قال ابن مسعود وابن عامر مثل قولهما، ثم انعقد الإجماع على خلافه، قاله (٢) الزرقاني (٢) . قلت: وحمله الموفق وغيره على المستفاد من جنس النصاب، كما سيأتي في بيان المستفاد. (قال يحيى: قال) الإمام (مالك: السنة) أي الطريقة المسلوكة (التي لا اختلاف فيها عندنا) بالمدينة المنورة وغيرها (أن الزكاة تجب في عشرين ديناراً عيناً) خالصاً (كما تجب في مائتي درهم) وتقدم الكلام على نصاب الورق والدرهم. قال الباجي(٣): وهذا كما قال: إن نصاب الذهب عشرون ديناراً من (١) انظر: ((الاستذكار)) (٣٢/٩). (٢) ((شرح الزرقاني)) (٢/ ٩٧). (٣) ((المنتقى)) (٩٥/٢). ٥٢١ ١٩ - كتاب الزكاة (٢) باب (٦٤٣) حديث الدنانير الشرعية، وهو كل عشرة دراهم سبعة دنانير، ولا خلاف في ذلك بين فقهاء الأمصار، إلا ما رُوي عن الحسن البصري أنه قال: لا زكاة في الذهب حتى يبلغ أربعين ديناراً فيكون فيه دينار، والدليل على صحة ما ذهب إليه الجمهور أن الإجماع انعقد بعد الحسن على خلافه، وهذا من أقوى الأدلة على أن الحق في خلافه. ودليلنا من جهة السنة ما روى عاصم بن ضمرة والحارث الأعور عن علي عن النبي وَ لّ أنه قال: ((وليس عليك شيء، يعني في الذهب، حتى يكون لك عشرون ديناراً، وحال عليها الحول ففيها نصف دينار)). وهذا الحديث ليس إسناده هناك، غير أن اتفاق العلماء على الأخذ به دليل على صحة حكمه، ودليلنا من جهة المعنى: أن المائتي درهم نصاب الورق، ولا خلاف في ذلك، والدينار كان صرفه في وقت فرض الزكاة عشرة دراهم، فَوِزان المائتي درهم عشرون مثقالاً، فكان ذلك نصاب الذهب، انتهى. وفي ((شرح الإحياء)): نصاب الذهب عشرون ديناراً خالصة بالإجماع، ووقع في ((المنهاج)) مثقالاً بدل ديناراً، ومآلهما واحد، لأن كل دينار زنة مثقال، انتهى. وكذا حكى الإجماع على ذلك الموفق(١)، وقال: إلا ما حُكي عن الحسن أنه قال: لا زكاة فيها حتى تبلغ أربعين، وأجمعوا على أنه إذا كان أقلّ من عشرين مثقالاً ولا يبلغ مائتي درهم فلا زكاة فيه، وقال عامة الفقهاء: نصاب الذهب عشرون مثقالاً من غير اعتبار قيمتها، إلا ما حكي عن عطاء وطاووس والزهري وسليمان بن حرب وأيوب السختياني؛ أنهم قالوا: هو معتبر بالفضة، فما كان قيمته مائتي درهم ففيه الزكاة وإلا فلا، لأنه لم يثبت عن النبي ◌َّ تقدير في نصابه، فثبت حمله على الفضة. (١) ((المغني)) (٢١٢/٤). ٥٢٢ ١٩ - كتاب الزكاة (٢) باب (٦٤٣) حديث ولنا: ما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعاً: ((ليس في أقل من عشرين مثقالاً من الذهب، ولا في أقل من مائتي درهم صدقة)) رواه أبو عبيد(١)، وروى ابن ماجه(٢) عن [ابن] عمر، وعائشة: أن النبي ◌ّ كان يأخذ من كل عشرين ديناراً فصاعداً نصفَ دينار، ومن الأربعين ديناراً [ديناراً]، وروى سعيد والأثرم عن علي - رضي الله عنه -: على كل أربعين ديناراً ديناراً، وفي كل عشرين ديناراً نصف دينار، ورواه غيرهما مرفوعاً إلى النبي وَّ، انتهى. وقال ابن رشد في ((البداية))(٣): أما اختلافهم في نصاب الذهب، فإن أكثر العلماء على أن الزكاة تجب في عشرين ديناراً وزناً، وهذا مذهب مالك والشافعي وأبي حنيفة وأصحابهم وأحمد وجماعة فقهاء الأمصار، وقالت طائفة، منهم: الحسن البصري وأكثر أصحاب داود بن علي: ليس في الذهب شيء حتى يبلغ أربعين ديناراً ففيها ربع عشرها دينار واحد. وقالت طائفة ثالثة: ليس في الذهب زكاة حتى يبلغ صرفها مائتي درهم أو قيمتها، فإذا بلغت ففيها ربع عشرها كان وزن ذلك من الذهب عشرين ديناراً أو أقل أو أكثر، هذا فيما كان منها دون الأربعين ديناراً، فإذا بلغت أربعين ديناراً كان الاعتبار بها نفسها لا بالدراهم لا صرفاً ولا قيمة. وسبب اختلافهم أنه لم يثبت في ذلك شيء عن النبي 18 كما ثبت في نصاب الفضة، وما روى الحسن بن عمارة عن علي فليس عند الأكثر مما يجب العمل به لانفراد الحسن بن عمارة به، فمن لم يصح عنده هذا الحديث اعتمد في ذلك على الإجماع، وهو اتفاقهم على وجوبها في الأربعين. (١) في: الأموال (٤٠٩) كما أخرجه الدار قطني (٩٢/٢). (٢) ((سنن ابن ماجه)) (١ / ٥٧١). (٣) ((بداية المجتهد)) (٢٥٥/١). ٥٢٣ ١٩ - كتاب الزكاة (٢) باب (٦٤٣) حديث وأما مالك فاعتمد في ذلك على العمل كما قال في ((الموطأ)): ((السنة التي لا اختلاف فيه عندنا)) إلى آخره، وأما الذين جعلوا الزكاة فيما دون الأربعين تبعاً للدراهم، فإنه لما كانا من جنس واحد جعلوا الفضة هي الأصل إذ كان النص قد ثبت فيها، وجعلوا الذهب تابعاً لها في القيمة لا في الوزن، وذلك فيما دون موضع الإجماع، انتهى. قال ابن عبد البر(١): لم يثبت عن النبي ◌ّ في نصاب الذهب شيء إلا ما روى الحسن بن عمارة عن علي، وابنُ عمارة أجمعوا على ترك حديثه لسوء حفظه وكثرة خطئه، ورواه الحفاظ موقوفاً على علي - رضي الله عنه - لكن عليه الجمهور، وما زاد على العشرين فبحسابه قلَّ أو كثر، سواء كانت قيمتها مائتي درهم أو أقل أو أكثر، وإليه ذهب الأئمة الأربعة وغيرهم، إلا أن أبا حنيفة مع جماعة من أهل العراق جعلوا في العين أوقاصاً كالماشية، قاله الزرقاني. قال العيني(٢): قال صاحب ((التمهيد)): هو قول ابن المسيب والحسن ومكحول وعطاء وطاووس وعمرو بن دينار والزهري، وبه يقول أبو حنيفة والأوزاعي، وذكر الخطابي: الأوزاعي منهم (٣)، ثم بسط الكلام على دلائلهم، وقال صاحبا أبي حنيفة، ومالك، والليث، والثوري، والشافعي، وابن أبي ليلى، وعامة أهل الحديث: إن فيما زاد من الذهب والفضة ربع العشر في قليله وكثيره، ولا وقص، وروي ذلك عن علي وابن عمر - رضي الله عنهم -، انتھی . (١) انظر: ((الاستذكار)) (٣٤/٩). (٢) ((عمدة القاري)) (٣٥٦/٦). (٣) هكذا في الأصل، وفي ((عمدة القاري)): ذكر الخطابي الشعبي معهم. ٥٢٤ --- . -..--- --- ---- ١٩ - كتاب الزكاة (٢) باب (٦٤٣) حديث قَالَ مَالِكٌ: لَيْسَ فِي عِشْرِينَ دِيناراً، نَاقِصَةً بَيِّنَةَ النُّقْصَانِ، زَكَاةٌ، فَإِنْ زَادَتْ حَتَّى تَبْلُغَ بِزِيَادَتِهَا عِشْرِينَ دِينَاراً، وَازِنَةً، فَفِيهَا الزَّكَاةُ، وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ عِشْرِينَ دِينَاراً عَبْناً، الزَّكَاةُ، وَلَيْسَ فِي مِأنَّتَيَّ دِرْهَمِ نَاقِصَةً بَيِّنَةَ النُّقْصَانِ، زَكَاةٌ. فَإِنْ زَادَتْ حَتَّى تَبْلُغَ بِزِيَادَتِهَا مِانَتَيُّ دِرْهَم وَافِيَةً، فَفِيهَا الزَّكَاةُ ، (قال يحيى: قال مالك: وليس في عشرين ديناراً ناقصة) في الوزن (بينة النقصان زكاة) لعدم بلوغ النصاب (فإن زادت) أي الدنانير الناقصة إذا زادت على عشرين ديناراً (حتى نبلغ بزيادتها) بالباء الجارة في أوله، فضمير الفاعل من (تبلغ)) يرجع إلى الدنانير، وبدون الباء في النسخ المصرية فيكون فاعل ((تبلغ)) (عشرين ديناراً وازنة) أي كاملة الوزن (ففيها الزكاة) واجبة لبلوغها النصاب. (قال مالك) وهذا بمنزلة الدليل للمسألة المتقدمة (وليس فيما دون) أي أقل من (عشرين ديناراً عيناً) خالصاً (الزكاة) يعني إذا كانت العشرون ديناراً ناقصة الوزن فلا تجب فيها الزكاة، لأن نصاب الدنانير عشرون ديناراً كاملة، ولا زكاة في أقل منها، فلا تجب في ناقصة الوزن، لأنها أقل من النصاب. قال الباجي(١): وذلك لما دَلَّلْنَا عليه من أن النصاب في الذهب عشرون مثقالاً، والمراعى في ذلك الوزنُ دون العدد، فإذا زادت حتى تبلغ بزيادتها عشرين ديناراً وازنة، فقد بلغت النصاب، فوجبت فيه الزكاة. (قال مالك) كما أن العبرة في الدنانير للوزن كما تقدم، فكذلك في الدراهم (وليس في مائتي درهم ناقصة) الوزن (بينة النقصان الزكاة، فإن زادت) الدراهم الناقصة (حتى تبلغ بزيادتها مائتي درهم وافية) كاملة الوزن (ففيها الزكاة) لبلوغها النصاب. (١) ((المنتقى)) (٩٥/٢). ٥٢٥ ١٩ - كتاب الزكاة (٢) باب (٦٤٣) حديث والحاصل: أن النقصان البيّن في النصابين يمنع وجوب الزكاة عند الإمام مالك، وتقدم ما قال الحافظ في قوله: ((ليس فيما دون خمسة أواقٍ صدقة)) استدل به على عدم الوجوب فيما إذا نقص من النصاب ولو حبةً واحدةً خلافاً لمن سامح بنقصٍ يسيرٍ، كما نقل عن بعض المالكية، انتهى. قال الموفق(١): إن نصاب الفضة مائتا درهم، كل عشرة منها سبعة مثاقيل، ولا فرق في ذلك بين التبر والمضروب، ومتى نقص النصاب عن ذلك فلا زكاة فيه، سواء كان كثيراً أو يسيراً، هذا ظاهر كلام الخرقي، ومذهب الشافعي، وإسحاق، وابن المنذر، لظاهر قوله وَ الر: ((ليس فيما دون خمس أواق صدقة)) والأوقية أربعون درهماً بغير خلاف، فيكون ذلك مائتي درهم. وقال غير الخرقي من أصحابنا: إن كان النقص يسيراً كالحبة والحبتين وجبت الزكاة؛ لأنه لا يضبط غالباً، فهو كنقص الحول ساعة أو ساعتين، وإن كان نقصاناً بيناً كالدانق والدانقين، فلا زكاة فيه. وعن أحمد: أن نصاب الذهب إذا نقص ثلث مثقال زكّاه، وهو قول عمر بن عبد العزيز وسفيان، وإن نقص نصفاً لا زكاة فيه، وقال أحمد في موضع آخر: إن نقص ثُمْناً لا زكاة فيه، اختاره أبو بكر، وقال مالك: إذا نقصت نقصاً يسيراً يجوز جواز الوازنة، وجبت الزكاة، لأنها تجوز جواز الوازنة، أشبهت الوازنة، والأول ظاهر الخبر، فينبغي أن لا يعدل عنه، انتهى. قال القسطلاني: الاعتبار بوزن مكة تحديداً حتى لو نقص بعض حبة أو في بعض الموازين دون بعض لم تجب، انتهى. وفي ((البناية)): للشافعية وجهان؛ أصحهما - وبه قطع المحاملي والماوردي وآخرون -: لا تجب، وعنه: لا تمنع الحبة والحبتان، وعنه: لو (١) انظر: ((المغني)) (٢٠٩/٤). ٥٢٦ ١٩ - كتاب الزكاة (٢) باب (٦٤٣) حديث فَإِنْ كَانَتْ تَجُوزُ بِجَوَازِ الْوَازِنَةِ، رَأَيْتُ فِيهَا الزَّكَاةَ، دَنَانِيرَ كَانَتْ أَوْ دَرَاهِمَ . نقصت دانقاً أو دانقين تجب الزكاة، وبه قال أحمد، انتهى. وفي ((شرح الإحياء)) عن ((الروضة)) للشافعية: وإن نقص من النصاب حبة أو بعض حبة، فلا زكاة فيه، وإن راج رواج التام أو زاد على التام لجودة نوعه، ولو نقص في بعض الموازين وتم في بعضٍ فوجهان، الصحيح أنه لا زكاة فيه، وبه قطع المحاملي وغيره، انتهى. قلت: وهكذا عند الحنفية، ففي ((المحيط البرهاني)): إذا نقص نقصاناً يسيراً يدخل بين الوزنين لا تجب الزكاة، وإن كان كاملاً في حق غيره، هكذا ذكره القدوري في كتابه، انتهى . . وفي (البدائع)) (١): لا زكاة فيها حتى تبلغ مائتي درهم وزناً وزن سبعة، وإنما اعتبرنا الوزن في الدراهم دون العدد، لأن الدراهم اسم للموزون، لأنه عبارة عن قدر من الموزون مشتمل به على جملة موزونة من الدوانيق والحبات، حتى لو كان وزنها دون المائتين، وعددها مائتان، أو قيمتها لجودتها، وصياغتها تساوي مائتين، فلا زكاة فيها، ولو نقص النصاب عن المائتين نقصاناً يسيراً يدخل بين الوزنين، قال أصحابنا: لا تجب الزكاة فيه؛ لأنه وقع الشك في كمال النصاب، فلا نحكم بكماله مع الشك، انتهى. وفي ((البناية)) عن ((الينابيع)): إذا كانت المائتان في العدد، ونقصت في الوزن، لاتجب وإن قل النقص، انتهى. (فإن كانت تجوز بجواز الوازنة) أي الكاملة والوافية (رأيت فيها الزكاة دنانير كانت أو دراهم) قال الباجي(٢): يريد إن كانت الناقصة تجوز بجواز (١) (بدائع الصنائع)) (١٠١/٢). (٢) ((المنتقى)) (٩٦/٢). ٥٢٧ ١٩ - كتاب الزكاة (٢) باب (٦٤٣) حديث الوازنة ففيها الزكاة، وقال أبو حنيفة والشافعي: لا زكاة فيها، والدليل على صحة ما يقول مالك أنه يملك من الذهب مقداراً يجوز لوزنه جواز عشرين ديناراً، فوجب فيه الزكاة كالعشرين ديناراً، انتهى. وفي ((الحاشية)) عن ((المحلى)): قال الشافعي: لسنا نقول بهذا، قال النبي وَ الر: ((ليس فيما دون خمسة أواق صدقة))، وفي ((شرح الإحياء)): إن نقص من النصاب حبة أو بعض حبة، فلا زكاة فيه، وإن راج رواج التام، أو زاد على التام لجودته، ولو نقص في بعض الموازين وتم في بعضها فوجهان، الصحيح لا زكاة فيه، وبه قطع المحاملي وغيره، كذا في ((الروضة))، انتهى. ثم قال الباجي(١): اختلف أصحابنا في تفسير قوله: ((يجري مجرى الوازنة)) فحكى أبو الحسن القصّار وأبو بكر الأبهري: أن معنى ذلك أن تكون في ميزان وازنة، وفي ميزان ناقصة، فإذا نقصت في جميع الموازين فلا زكاة فيها، وقال القاضي أبو محمد: إنه أراد بذلك النقص اليسير في جميع الموازين كالحبة والحبتين، وما جرت عادة الناس أن يتسامحوا به في الساعات(٢) وغيرها، وعلى هذا جمهور أصحابنا، قال الباجي: وهو الأظهر عندي، لأن اختلاف الموازين ليس بنقص، ولا بد من ميزان يقع الاعتماد عليه، فيعتبر به الزيادة والنقص. قال الزرقاني(٣): وعلى هذا جمهور أصحابنا وهو الأظهر، ويحتمل وجهاً ثالثاً، وهو أن يكون الغرض فيها غالباً غرض الوازنة، وهو المشهور عن مالك، وما سواه تأويل، وهذا قول أصحابنا العراقيين، انتهى. (١) ((المنتقى)) (٩٦/٢). (٢) هكذا في الأصل، والظاهر الصاعات. (٣) ((شرح الزرقاني)) (٩٨/٢). ٥٢٨ ----------- - ١٩ - كتاب الزكاة (٢) باب (٦٤٣) حديث قَالَ مَالِكٌ، فِي رَجُلٍ، كَانَتْ عِنْدَهُ سِتُّونَ وَمِائَةُ دِرْهَم وَازِنَةً، وَصَرْفُ الذَّرَاهِم بِبَلَدِهِ ثَمَانِيَةُ دَرَاهِمَ بِدِينَارِ: إِنَّهَا لَا تَجِبُ فِيهَا الزَّكَاةُ، وَإِنَّمَا تَجِبُ الزَّكَاةُ فِي عِشْرِينَ دِينَاراً عَيْناً، أَوْ مَاتِنَيْ دِرْهَم . قلت: لكن المؤيد من الفروع هو القول الثاني، ففي ((الشرح الكبير)) (١): وإن نقصت العين في الوزن نقصاً لا يحُظُها عن الرواج، كحبة أو حبتين، أو نقصت في الصفة برداءة معدنها، وراجت ككاملة، فتجب الزكاة، قال الدسوقي قوله: ((كحبة أو حبتين)) أي من كل دينار بشرط رواجها رواج الكاملة بأن تكون السلعة التي تشترى بدينار كامل تشترى بذلك الدينار الناقص لاتحاد صرفهما، وليس المراد أن كلا يشترى به السلعة وإن اختلف الصرف، وقوله: ((كحبة أو حبتين أو ثلاثة)) فالمدار على الرواج ككاملة قلَّ نقص الوزن أو كثر، انتهى. (قال يحيى: قال مالك في رجل كانت عنده ستون ومائة درهم وازنة) أي وافية وكاملة (وصرف الدراهم) أي قيمتها (ببلده ثمانية دراهم بدينار) حتى صار مجموع صرف الدراهم عشرين ديناراً (إنَّهَا لا تجب فيها الزكاة) وإن بلغت قيمة الدراهم نصاب الذهب (وإنما تجب الزكاة في عشرين ديناراً عيناً) أي بأنفسها (أو مائتي درهم) أي بأنفسها، ولا يحسب قيمة أحدهما من الآخر. قال الباجي(٢): وهذا كما قال: إن من كانت عنده فضة لا تبلغ النصاب، فإنه لا زكاة عليه فيها، وإن كانت قيمتها من الذهب ما تبلغ النصاب؛ لأن ما تجب فيه الزكاة من الأموال، فإنما نصابه في نفسه دون غيره، انتهى. يعني أن المال إنما يعتبر بنصاب نفسه لا بقيمته، فلا تعتبر الفضة بقيمتها من الذهب ولا عكسه، كما لو كان له ثلاثون شاة قيمتها عشرون ديناراً، فلا زكاة فيها، (١) (١ / ٤٥٥). (٢) ((المنتقى)) (٢/ ٩٧). ٥٢٩ ١٩ - كتاب الزكاة (٢) باب (٦٤٣) حديث قَالَ مَالِكٌ، فِي رَجُلِ كَانَتْ لَهُ خَمْسَةُ دَنَانِيرَ مِنْ فَائِدَةٍ، أَوْ غَيْرِهَا وفي ((الحاشية)) عن ((المحلى)): به قال أبو حنيفة والشافعي، قال عياض: وعن بعض السلف وجوب الزكاة في الذهب، إذا كانت قيمته مائتي درهم، وإن كان دون عشرين مثقالاً . قال الموفق(١): نصاب الذهب عشرون مثقالاً من غير اعتبار قيمتها، إلا ما حكي عن عطاء، وطاووس، والزهري، وسليمان بن حرب، وأيوب السختياني؛ أنهم قالوا: هو معتبر بالفضة، فما كان قيمته مائتي درهم، ففيه الزكاة، وإلا فلا؛ لأنه لم يثبت عن النبي ◌ّ تقدير في نصابه، فثبت أنه حمله على الفضة. ولنا ما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي وَلّ أنه قال: ((ليس في أقل من عشرين مثقالاً من الذهب، ولا في أقل من مائتي درهم صدقة))، رواه أبو عبيد، انتهى. (قال مالك، في رجل كانت له خمسة دنانير) مثلاً، كما زاده في ((المنتقى)) وليست هذه الزيادة في بقية النسخ لكنها مرادة، والمراد أقل من النصاب (من فائدة أو غيرها) ذكر في ((الشرح الكبير))(٢): أن نماء العين على ثلاثة أنواع: ربح، وغّة، وفائدة، والربح كما قال ابن عرفة: زائد ثمن مبيع تجر على ثمنه الأول ذهباً أو فضة، قال الدسوقي: وأما الغلة فإنها ما تجدد من سلع التجارة قبل بيع رقابها، كغلة العبد ونجوم الكتابة، وأما الفائدة فما تجدد لا عن مال أو عن مال غير مزكى، كعطية وميراث وثمن عرض القنية، انتهى. قلت: واختلفت الروايات عن المالكية في ضم هذه الأنواع الثلاثة إلى الأصل كما بسطها الباجي وشارح ((الكبير)) ليس هذا محلها . (١) ((المغني)) (٢١٢/٤). (٢) (٤٦١/١). ٥٣٠ ---- ---- ٠٠ -- - .--- -------- ۔ ---- ----- ---- --- ١٩ - كتاب الزكاة (٢) باب (٦٤٣) حديث فَتَجَرَ فِيهَا. فَلَمْ يَأْتِ الْحَوْلُ حَتَّى بَلَغَتْ مَا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ: إِنَّهُ ◌ُزَكِّیھا ، (فتجر) فعل من المجرد في جميع النسخ الموجودة من المصرية والهندية إلا في نسخة ((المصفّى)) و ((الباجي)) ففيهما: فاتجر، قال الراغب (١): التجارة: التصرف في رأس المال طلباً للربح، يقال: تَجَرَ يَتجُرُ، وتاجِرٌ وتَجْر كصاحِب وصَحْب، وليس في كلامهم تاء بعدها جيم غير هذا اللفظ (فيها) أي في تلك الدنانير الخمسة (فلم يأت الحول حتى بلغت) تلك الدنانير مقدار (ما تجب فيه الزكاة) أي بلغت حد النصاب فحكمها (إنه يزكيها) عند تمام الحول. يعني أن المعتبر في النصاب عند الإمام مالك - رضي الله عنه - آخر الحول، ويعتبر ابتداء الحول عنده بابتداء التجارة وإن لم يكن إذ ذاك نصاباً، لكن لا يجب الزكاة عند تمام الحول بدون النصاب، فلو تمّ الحول وقد بلغ المال نصاباً ولو قبل الحول بيوم يجب الزكاة، ولو لم يبلغ نصاباً عند تمام الحول لا تجب إذ ذاك، بل تجب إذا بلغ نصاباً ولو صار في الغد، والمسألة خلافية عند الأئمة. قال الخرقي (٢): من كانت له سلعة للتجارة، ولا يملك غيرها، وقيمتها دون مائتي درهم، فلا زكاة عليه حتى يحول عليه الحول من يوم ساوت مائتي درهم، قال الموفق: وجملة ذلك أنه يعتبر الحول في وجوب زكاة التجارة، ولا ينعقد الحول حتى يبلغ نصاباً، فلو ملك سلعة قيمتها دون النصاب، فمضى نصف الحول وهي كذلك، ثم زادت قيمة النماء بها، أو تغيرت الأسعار فبلغت نصاباً، أو باعها بنصاب، أو ملك في أثناء الحول عرضاً آخر أو أثماناً تم بها النصاب، ابتدأ الحول من حينئذ فلا يحتسب بما مضى، هذا قول الثوري وأهل العراق والشافعي وإسحاق وأبي عبيد وأبي ثور وابن المنذر. (١) ((مفردات ألفاظ القرآن)) (ص ١٦٤). (٢) («المغني)) (٢٥١/٤). ٥٣١ ١٩ - كتاب الزكاة (٢) باب (٦٤٣) حدیث وَإِنْ لَمْ تَتِمَّ إِلَّا قَبْلَ أَنْ يَحُولَ عَلَيْهَا الْحَوْلُ بِيَوْمٍ وَاحِدٍ، أَوْ بَعْدَمَا يَحُولُ عَلَيْهَا الْحَوْلُ بِيَوْمٍ وَاحِدٍ، ثُمَّ لَا زَكَاةَ فِيهَا حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهَا الْحَوْلُ، مِنْ يَوْمَ زُكِّيَتْ. ولو ملك للتجارة نصاباً فنقص عن النصاب في أثناء الحول، ثم زاد حتى بلغ نصاباً استأنف الحول عليه لكونه انقطع بنقصه في أثنائه، وقال مالك: ينعقد الحول على ما دون النصاب، فإذا كان في آخره نصاباً زكّاه، وقال أبو حنيفة: يعتبر في طرفي الحول دون وسطه، انتهى. (وإن لم تتم) وصلية (إلا قبل أن يحول عليها الحول بيوم واحد) مثلاً (أو بعد ما يحول عليها) وفي النسخ الهندية: عليه، بضمير المذكر بتأويل الموجود (الحول بيوم واحد) مثلاً، فيزكي إذ ذاك وليس اليوم الواحد قيد احتراز في كلا الموضعين . ۔۔ ويوضح كلام المصنف ما في ((الشرح الكبير)) (١) إذ قال: وضم الربح لأصله، أي لحول أصله، ولو أقل من نصاب، ولا يستقبل به من حين ظهوره، فمن عنده دينار أول المحرم، فتاجر فيه فصار بربحه عشرين، فحولها المحرم، فإن تم النصاب بالربح بعد الحول زكى حينئذ، قال الدسوقي: يعني كما لو ملك ديناراً وأقام عنده أحد عشر شهراً، ثم اشترى به سلعة باعها بعد شهرين بعشرين، فإنه يزكي الآن، وصار حوله فيما يأتي من يوم التمام، انتهى. وإليه أشار المصنف بقوله: (ثم لا زكاة فيها) فيما سيأتي من الأيام (حتى يحول عليها الحول من يوم زُكْيت) وهو آخر شهر صفر في الصورة التي حكاها الدسوقي . قال الباجي: يعني أنّ من كانت له دنانير أقل من النصاب، فتجر فيها، فحال الحول، وقد أكملت بربحها النصاب، فإن الزكاة واجبة فيها، لأن حول (١) (٤٦١/١). ٥٣٢ ١٩ - كتاب الزكاة (٢) باب (٦٤٣) حديث الربح حول الأصل، سواء كان الأصل نصاباً أو دونه، وقال أبو حنيفة: إن كان الأصل أقلّ من النصاب، فإنه يستأنف حولاً من يوم كمُل النصاب، وقال الشافعي: لا يُضَمُّ الربح إلى أصله، وإن كان الأصل نصاباً، انتهى. قلت: ومذهب الحنابلة في الربح موافق للحنفية، كما في ((الروض المربع)) وغيره: إن حول الربح حول أصله إذا كان الأصل نصاباً، وإن لم يكن الأصل نصاباً فحول الجميع من كماله نصاباً، انتهى. وقال ابن رشد(١): أما اعتبار حول ربح المال، فإنهم اختلفوا فيه على ثلاثة أقوال، فرأى الشافعي أن حوله يعتبر من يوم استفيد، سواء كان الأصل نصاباً أو لم يكن، وقال مالك: حول الربح هو حول الأصل، أي إذا كمل للأصول حول زُكِّيَ الربح معه، سواء كان الأصل نصاباً أو أقل من نصاب إذا بلغ الأصل مع ربحه نصاباً، قال أبو عبيد: ولم يتابعه عليه أحد من الفقهاء إلا أصحابه، وفَرَّق قوم بين أن يكون رأس المال الحائل عليه الحول نصاباً أو لا يكون، فقالوا: إن كان نصاباً زكي الربح مع رأس ماله، وإن لم يك نصاباً لم يزك، وممن قال بهذا الأوزاعي وأبو ثور وأبو حنيفة. وسبب اختلافهم تردد الربح بين أن يكون حكمه حكم المال المستفاد أو حكم الأصل، فمن شبَّهَه بالمال المستفاد ابتداءً قال: يستقبل به الحول، ومن شَبَّهَه بالأصل وهو رأس المال، قال: حكمه حكم رأس المال، إلا أن من شروط هذا التشبيه أن يكون رأس المال قد وجبت فيه الزكاة، وذلك لا يكون إلا إذا كان نصاباً، ولذلك يضعف قياس الربح على الأصل في مذهب مالك، ويشبه أن يكون الذي اعتمده مالك في ذلك هو تشبيه ربح المال بنسل الغنم لكن نسل الغنم مختلف فيه أيضاً، وقد روي عن مالك مثل قول الجمهور، انتھی . (١) (بداية المجتهد)) (١/ ٢٧١)، وانظر: ((بدائع الصنائع)) (٥١/٢) و((المجموع)) (٥١/٢). ٥٣٣ ١٩ - كتاب الزكاة (٢) باب (٦٤٣) حديث وقَالَ مَالِكٌ، فِي رَجُلِ كَانَتْ لَهُ عَشَرَةُ دَنَانِيرَ فَتَجَرَ فِيهَا فَحَالَ عَلَيْهَا الْحَوْلُ، وَقَدْ بَلَغَتْ عِشْرِينَ دِينَاراً: إِنَّهُ يُزَكِّيهَا مَكَانَهَا، وَلَا يَنْتَظِرُ بِهَا أَنْ يَحُولَ عَلَيْهَا الْحَوْلُ، مِنْ يَوْمَ بَلَغَتْ مَا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ ، قال الزرقاني(١): هذا مذهب مالك - رحمه الله - أن حول الربح حول أصله، إن لم يكن أصله نصاباً قياساً على نسل الماشية، ولم يتابعه غير أصحابه، وقاسه على ما لا يشبهه في أصله ولا في فرعه، وهما أصلان، والأصول لا يرد بعضها إلى بعض، وإنما يرد الفرع إلى أصله، انتهى. قلت: ولا يذهب عليك أن ما حكوا من مسلك الشافعية هذا هو المشهور في شروح الحديث، لكن في كتب فروعهم تفصيل في ذلك، ففي ((شرح الإقناع))(٢): يضم ربح حاصل في أثناء الحول لأصل في الحول إن لم يَنَضَّ بما يُقَوَّمُ به، فلو اشترى عرضاً بمائتي درهم فصارت قيمته في الحول ثلاثمائة، زكّاها، أما إذا نضَّ دراهم أو دنانير بما يُقَوَّمُ به، وأمسكه إلى آخر الحول، فلا يضم إلى الأصل، بل يُزَكَّى الأصل بحوله ويُفْرَدُ الربحُ بحولٍ، انتهى. (وقال مالك، في رجل كانت له) أي عنده (عشرة دنانير) مثلاً، (فتجر) بالمجرد في النسخ الهندية، وبلفظ: ((فاتّجر)) بالمزيد في المصرية، (فيها فحال عليها الحول) أي تمت له السنة (وقد بلغت عشرين ديناراً) أي بلغت حد النصاب عشرين ديناراً أو أكثر (إنه يزكيها مكانه) وفي النسخ المصرية: مكانها، أي يزكيها حين تمت لها السنة، (ولا ينتظر لها) وفي المصرية: بها (أن يحول عليها الحول من يوم بلغت) مقدار (ما تجب فيه الزكاة) أي لا ينتظر أن يتم لها السنة من وقت بلوغها نصاباً، كما قال به الشافعي وأحمد مطلقاً، والحنفية إذا (١) (شرح الزرقاني)) (٩٨/٢)، وانظر: ((الاستذكار)) (٤٦/٩). (٢) (٣٤٥/١). ٥٣٤ ١٩ - كتاب الزكاة (٢) باب (٦٤٣) حديث لأَنَّ الْحَوْلَ قَدْ حَالَ عَلَيْهَا، وَهِيَ عِنْدَهُ عِشْرُونَ، ثُمَّ لَا زَكَاةَ فِيهَا حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهَا الْحَوْلُ، مِنْ يَوْمَ زُكِّيَتْ . قَالَ مَالِكٌ: الأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا فِي إِجَارَةِ الْعَبِيدِ وَخَرَاجِهِمْ، وَكِرَاءِ الْمَسَاكِنِ، وَكِتَابَةِ الْمُكَاتَبِ: أَنَّهُ لَا تَجِبُ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، لم يكن في أول الحول نصاباً، (لأن الحول قد حال) وتم (عليها وهي عنده عشرون) هكذا في جميع النسخ المصرية من المتون والشروح، ووقع في جميع النسخ الهندية، وكذا في ((المصفى)) بلفظ: عشرة، وبه فسره الشيخ في ((المصفَّى)). لكن الظاهر عند هذا العبد الحقير الفقير أنه هو وهم من الناسخ، لا وجه له ههنا، والصواب الأول، والمعنى قد تم له الحول، والحال أن الدنانير إذ ذاك عشرون أي مقدار النصاب، فقد وجد عند المصنف شرطا النصاب حينئذ، وهما النصاب والحول. (ثم لا زكاة فيها حتى يحول عليها الحول من يوم زكيت) يعني يعتبر ابتداء الحول الثاني من يوم كمل النصاب، ووجبت الزكاة، فإذا انقضى الحول من ذلك اليوم وجبت الزكاة مرة أخرى، قال الزرقاني(١): وهذا بمعنى ما قبله، غايته أنه فرضها في الأولى في خمسة، وفي الثانية في عشرة، بحسب سؤاله عن ذلك، وأجاب فيهما بحكم واحد، وهو ضم الربح لأصله وإن لم يكن نصاباً، انتهى. قلت: هكذا في عبارة ((الموطأ)) إذ مآل الصورتين واحد، لكن صاحب ((المدونة)) فرَّق بين الصورتين، فصوَّر خمسة دنانير في الفائدة وعشرة دنانير في الربح، فتأمل. (قال مالك: الأمر المجتمع عليه عندنا) بالمدينة المنورة (في إجارة العبيد وخراجهم، وكراء المساكن، وكتابة المكاتب: أنه لا تجب في شيء من ذلك (١) ((شرح الزرقاني)) (٩٩/٢). ٥٣٥ ١٩ - كتاب الزكاة (٢) باب (٦٤٣) حديث الزَّكَاةُ، قَلَّ ذُلِكَ أَوْ كَثُرَ، حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ، مِنْ يَوْمَ يَقْبِضُهُ صَاحِبُهُ. الزكاة، قَلَّ ذلك أو كثُر، حتى يحول عليه الحول من يوم يقبضه صاحبه) أي رب المال بشرط أن يكون نصاباً أيضاً، لأنها فوائد تجددت، لا عن مال فيستقبل بها، قاله الزرقاني. . قال الباجي(١): وهذا كما قال: إن الأمر المجتمع عليه عند فقهاء الأمصار أنه لا زكاة في شيء من الفوائد، حتى يحول عليه الحول من يوم يقبضها صاحبها، وإنما كان فيه خلاف روي عن معاوية وابن مسعود وابن عباس. وقد وقع الاتفاق لعدمه على ما ذكر مالك، فغلة العبيد وكراء المساكن وكتابة المكاتب كلها فوائد، فلا زكاة في شيء منها، إلا بعد أن يحول عليه الحول من يوم يقبضها ربها أو من يقوم مقامه، انتهى. قال الموفق(٢): من أَجَّرَ داره، فقبض كِراها، فلا زكاة عليه فيه حتى يحول عليه الحول، وعن أحمد: أنه يزكيه إذا استفاده، والصحيح الأول؛ لقوله وَليقول: ((لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول))، ولأنه مال مستفاد بعقد معاوضة، فأشبه ثمن المبيع، وكلام أحمد في الرواية الأخرى محمول على من أَجَّرَ داره سنة، وقبض أجرتها في آخرها، فأوجب عليه زكاتها، ولأنه قد ملكها من أول الحول، فصارت كسائر الديون إذا قبضها بعد حول زكّاها حين يقبضها، انتهى. وقال أيضاً(٣): لو أَجَّرَ داره سنتين بأربعين ديناراً ملك الأجرة من حين العقد، وعليه زكاة جميعها إذا حال عليه الحول، لأن ملك المكري عليه تامٌّ بدليل جواز التصرف فيها بأنواع التصرفات، وقال أبو حنيفة ومالك: لا يزكيها (١) ((المنتقى)) (١٠٣/٢). (٢) ((المغني)) (٢٤٧/٤). (٣) (٢٧١/٤). ٥٣٦ ------ - - ----- ------ ١٩ - كتاب الزكاة (٢) باب (٦٤٣) حديث حتى يقبضها، ويحول عليه الحول بناء على أن الأجرة لا تستحق بالعقد، وإنما تستحق بانقضاء مدة الإجارة، انتهى. وقال ابن عابدين: وملك المكاتب ليس بتام لوجود المنافي، ولأنه دائر بينه وبين المولى، فإن أَدَّى مال الكتابة سُلِّم له، وإن عجز سُلِّم للمولى، فكما يجب على المولى فيه شيء، فكذا المكاتب، انتهى. يعني حتى يقبضه المولى ويحول عليه الحول، وكذا الحوانيت وغيرها صرحوا بأن لا زكاة فيها، إلا أن تكون للتجارة حتى يقبض من كرائها النصاب ويحول عليه الحول. ووجوب الزكاة في مال العبد مختلف فيه، قال الموفق(١): اختلفت الرواية عن أحمد - رحمه الله - في زكاة مال العبد الذي ملكه إياه، فروي عنه: زكاتُه على سيده، وهذا مذهب سفيان وإسحاق وأصحاب الرأي، وروي عنه: لا زكاة في ماله لا على العبد ولا على سيده، قال ابن المنذر: وهذا قول ابن عمر وجابر - رضي الله عنهم - والزهري وقتادة ومالك وأبي عبيد، وللشافعي قولان كالمذهبين . قال أبو بكر: المسألة مبنيّةٌ على الروايتين في ملك العبد إذا ملكه سيده، إحداهما: لا يملك، قال أبو بكر: هو اختياري، وهو ظاهر كلام الخرقي، ووجهه أن العبد مال فلا يملك المال كالبهائم، والثانية: يملك، لأنه آدمي يملك النكاح، فيملك المال. ومَنْ بعضُه حُرُّ(٢)، عليه زكاة ماله؛ لأنه يملك بجزئه الحر، ويُورَثُ عنه، وملكه کامل فيه. ولا زكاة على مكاتب، فإن عجز استقبل سيده بما في يده من المال (١) («المغني)) (٤/ ٧١). (٢) انظر: ((المغني)) (٧٢/٤). ٥٣٧ ١٩ - كتاب الزكاة (٢) باب (٦٤٣) حديث وَقَالَ مَالِكٌ، فِ الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ يَكُونُ بَيْنَ الشُّرَكَاءِ: إِنَّ مَنْ بَلَغَتْ حِصَّتُهُ مِنْهُمْ عِشْرِينَ دِينَاراً عَيْناً، أَوْ مِائَتَيْ دِرْهَم، فَعَلَيْهِ فِيهَا الزَّكَاةُ، وَمَنْ نَقَصَتْ حِصَّتُهُ عَمَّا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ، فَلَا زَكَاةَ عَلَيْهِ، وَإِنْ بَلَغَتْ حِصَصُهُمْ جَمِيعاً، مَا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ، وَكَانَ بَعْضُهُمْ فِي ذَلِكَ أَفْضَلَ نَصِيباً مِنْ بَعْض، أُخِذَ مِنْ كُلِّ إِنْسَانٍ مِنْهُمْ بِقَدْرِ حِصَّتِهِ، إِذَا كَانَ فِي حِصَّةِ كُلِّ إِنْسَانٍ مِنْهُمْ مَا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ، وَذُلِكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَلِ قَالَ: (لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسٍ أَوَاقٍ مِنَ الْوَرِقِ صَدَقَةٌ)) .. حولاً وزكاه، إن كان نصاباً، ولا أعلم خلافاً بين أهل العلم في أنه لا زكاة على المكاتب ولا على سيده في ماله إلا قول أبي ثور، وحكي عن أبي حنيفة أنه أوجب العشر في الخارج من أرضه بناءً على أصله في أن العشر مؤنة الأرض وليس بزكاة، انتهى. (قال يحيى: وقال مالك في الذهب والورق يكون) كل واحد منهما أو المجموع مشتركاً (بين الشركاء: إن من بلغت حصته منهم) أي من الشركاء (عشرين ديناراً عيناً) أي بلغت حصته نصاب الذهب (أو) بلغت (مائتي درهم) يعني نصاب الورق (فعليه فيها الزكاة، ومن نقصت حصته مما) كذا في النسخ الهندية، وفي المصرية عما (تجب فيه الزكاة) أي عن مقدار النصاب (فلا زكاة عليه) لعدم ملكه نصاباً . (وإن بلغت حصصهم جميعاً، ما تجب فيه الزكاة) أي بلغت حصة كل شريك نصاباً (وكان بعضهم في ذلك أفضل) وفي بعض النسخ: أقل، والمؤدى واحد، فإنهما متلازمان، إذا كان أحدهما أفضل فالآخر لا بد أن يكون أقل (نصيباً من بعض) بأن كان لواحد عشرون ديناراً مثلاً، ولآخر أربعون، ولثالث ستون، (أخذ من كل إنسان) وفي بعض النسخ المصرية: من مال كل إنسان، (منهم بقدر حصته، إذا كان في حصة كل إنسان منهم) مقدار (ما تجب فيه الزكاة، وذلك) أي شرط كون نصيبه نصاباً لا أقل منه (أن رسول الله وَلّ قال: ليس فيما دون خمس أواق من الورق صدقة) ولم يفرق بين الشركاء وغيره، ٥٣٨ ١٩ - كتاب الزكاة (٢) باب (٦٤٣) حديث قَالَ مَالِكٌ: وَهُذَا أَحَبُّ مَا سَمِعْتُ إِلَيَّ فِي ذُلِكَ. فاقتضى أنه إنما يعتبر ملك كل واحدة على حدة، فاستدل بعموم قوله وَّر في الشركاء وغيره على أن الزكاة لا تجب منهم على من عنده أقل من نصاب. قال الباجي(١): وهذا كما قال: إن الشركاء وغيرهم في اعتبار النصاب سواء، فمن كان عنده عشرون ديناراً وجب عليه فيها الزكاة، سواء كانت متميزة من مال غيره أو مختلطة؛ لأن مخالطة غيره بماله لا يدخل في ملكه من الجملة أكثر من مقدار ماله، وإذا انفرد ماله من مال غيره، فلا زكاة عليه في أقل من النصاب، فكذلك إذا شاركه غيره، فإذا كان المال لجماعة وكان لكل واحد منهم نصاب، واختلفت سهامهم، فإن على كل واحد منهم من الزكاة بمقدار ما يكون عليه منها لو انفرد، انتهى. (قال مالك: وذلك أحب ما سمعت إليّ في ذلك). يدل على أنه سمع خلافه أيضاً(٢) وذلك أن عمر، والحسن البصري، والشعبي قالوا: إن الشركاء في العين والماشية والزرع إذا لم يعلم أحدهم ماله بعينه أنهم يزكون زكاة الواحد قياساً على الخلطاء في الماشية، وبه قال الشافعي في الجديد، ووافق مالكاً أبو حنيفة وأبو ثور، قاله الزرقاني. قلت: ولا أثر للخلطة في غير الماشية عند الحنابلة، كما صرح به في ((الروض المربع)). وذكر الموفق(٣) فيه رواية أخرى: أنها تؤثر في غير الماشية أيضاً، لكن جعل المذهب الأول. وجملة ما قال: إن الخُلْطة في السائمة تجعل مال الرجلين كمال الرجل الواحد في الزكاة، سواء كانت خُلْطَةَ أعيانٍ: وهي أن تكون الماشية مشترِكَة (١) ((المنتقى)) (١٠٠/٢). (٢) انظر: ((الاستذكار)) (٥١/٩). (٣) ((المغني)) (٤/ ٥١). ٥٣٩ ١٩ - كتاب الزكاة (٢) باب (٦٤٣) حديث بينهما بنصيب مُشَاع، مثل أن يشتريا نصاباً أو يرثاه فيُبْقياه على حاله، أو خُلطة أوصاف بأن يكون مال كل واحد منهما مميزاً، فخلطاه واشتركا في الأوصاف التي نذكرها، وهو قول عطاء والأوزاعي والشافعي والليث وإسحاق، وقال مالك: إنما تؤثر الخُلْطة إذا كان لكل واحد من الشركاء نصاب، وحكي ذلك عن الثوري وأبي ثور، واختاره ابن المنذر. وقال أبو حنيفة: لا أثر لها بحال. فإن اختلطوا في غير السائمة(١) كالذهب والفضة وعروض التجارة والزروع والثمار لم تؤثر خُلْطَّتهم شيئاً، وكان حكمهم حكم المنفردين، وهذا قول أكثر أهل العلم، وعن أحمد رواية أخرى: أن شركةَ الأعيان تؤثر في غير الماشية، فإذا كان بينهم نصابٌ يشتركون فيه، فعليهم الزكاة، وهذا قول إسحاق والأوزاعي في الحَبِّ والثمر، والمذهبُ الأولُ، وأما خلطة الأوصاف فلا مدخل لها في غير الماشية بحالٍ، لأن الاختلاط لا يحصل. وخرَّج القاضي وجهاً آخر: أنها تُؤَثِّر، لأن المؤنة تخفّ إذا كان المُلْقِحُ(٢) واحداً، والصَّعاد، والناطور(٣)، والجرين، وكذلك أموال التجارة، والدكان واحد، والمخزن والميزان والبائع، فأشبه الماشية، ومذهب الشافعي على نحو مما حكيناه من مذهبنا، والصحيح أن الخلطة لا تؤثر في غير الماشية الرواية الدارقطني (٤) بإسناده إلى سعد بن أبي وقاص مرفوعاً: ((الخليطان ما اجتمعا في الحوض والفحل والراعي)) فدل على أن ما لم يوجد فيه ذلك لا يكون خلطة مؤثرة، انتهى. (١) هو تحريف والصواب الماشية. (٢) أي الفحل الذي يلقحها . (٣) الناطور: حافظ الزرع. (٤) ((سنن الدار قطني)) (١٠٤/٢). ٥٤٠ --- ----- - - --