Indexed OCR Text

Pages 441-460

١٨ - كتاب الاعتكاف
(١) باب
(٦٣١) حديث
قَالَ مَالِكٌ: وَالِاعْتِكَافُ وَالْجِوَارُ سَوَاءٌ،
يشبه ذلك ولا حاجة إليه، فإن احتاج إليه فلا يعتكف، لأن ترك الاعتكاف
أولى من فعل المنهي عنه، قال أبو طالب: سألت أحمد عن المعتكف يعمل
عمله من الخياطة وغيره؟، قال: ما يعجبني أن يعمل، قلت: إن كان يحتاج؟
قال: إن كان يحتاج لا يعتكف، انتهى.
وفي (الروض المربع)) (١): ولا يعود مريضاً ولا يشهد جنازة حيث وجب
عليه متتابعاً ما لم يتعين عليه، إلا أن يشترط في ابتداء اعتكافه الخروج إليهما،
وكذا كل قربة لم تتعين عليه، وما له منه بُدُّ كعشاء، ومبيت بيته، لا الخروج
للتجارة، ولا التكسب بالصنعة في المسجد، ولا الخروج متى شاء، انتهى.
وتقدم في المتن إنكار الإمام مالك - رضي الله عنه - على الاشتراط، وهكذا
في ((الفروع))، ولم أجده في عامة فروع الحنفية، بل فيها ما يومئ إلى خلافه
إلا ما حكى صاحب ((الدر المختار)) وغيره عن الحجة: لو شرط وقت النذر أن
يخرج لعيادة مريض، وصلاة جنازة، وحضور مجلس علم، جاز ذلك،
فليحفظ .
قال ابن عابدين: ويشير إليه قوله في ((الهداية)) وغيرها عند قوله: ولا
يخرج لحاجة الإنسان؛ لأنه معلوم وقوعها، فلا بد من الخروج فيصير مستثنى،
والحاصل أن ما يغلب وقوعه يصير مستثنى حكماً وإن لم يشترطه، وما لا فلا
إلا إذا شرطه، انتهى.
(قال مالك: الاعتكاف والجوار) بكسر الجيم (سواء) قال الباجي(٢): يريد
الجوار الذي بمعنى الاعتكاف في التتابع يلزم فيه ما يلزم في الاعتكاف، وأما
الجوار الذي يفعله أهل مكة، فإنما هو لزوم المسجد بالنهار، والانقلاب
(١) (٤٥٠/١).
(٢) ((المنتقى)) (٨١/٢).
٤٤١

١٨ - كتاب الاعتكاف
(١) باب
(٦٣١) حديث
وَالِعْتِكَافُ لِلْقَرَوِيِّ وَالْبَدَوِيِّ سَوَاءٌ.
بالليل، فإن ذلك لا يمنع شيئاً، وله أن يخرج في حوائجه، ولعيادة مریض،
وشهود جنازة، ويطأ أهله وجاريته متى شاء، فهذا الجوار غير الجوار الذي عند
مالك، انتهى.
قلت: وبسط الدردير في ((الشرح الكبير)) على الجوار، وحقق أن مطلق
الجوار بمعنى الاعتكاف، والمقيد بالنهار مختَلَف عنه.
وقال العيني(١): قد اختلفوا: هل المجاورة الاعتكاف أو غيره؟ فقال
عمرو بن دينار: الجوار والاعتكاف واحدٌ، وسُئِل عطاء بن أبي رباح: أرأيت
الجوار والاعتكاف، أمختلفان هما أو شيء واحد؟ قال: بل هما مختلفان،
كانت بيوت النبي و18َّ في المسجد، فلما اعتكف في شهر رمضان خرج من
بيوته إلى بطن المسجد فاعتكف فيه، قلت له: فإن قال إنسان: عليّ اعتكاف
أيام، ففي جوفه لا بد؟ قال: نعم، وإن قال: عليّ جوارُ أيام في بابه أو في
جوفه، إن شاء. هكذا رواه عبد الرزاق في ((المصنف)): عنهما، قال شيخنا:
وقول عمرو بن دينار هو الموافق للأحاديث، ولما ذكر صاحب ((الإكمال)) حدّ
الاعتكاف قال: ويسمى جواراً، انتهى.
وقال أيضاً في حديث الوحي: ثم فرَّقَ بين المجاورة والاعتكاف بأن
المجاورة قد يكون خارج المسجد بخلاف الاعتكاف، وورد عند مسلم في
التفسير في حديث جابر: ((جاورت بحراء شهراً فلما قضيت جواري))،
الحديث، وفي ((الروض المربع))(٢): الاعتكاف لزوم المسجد لطاعة الله،
ويسمى جواراً. (والاعتكاف للقروي) أي الساكن في القرية وهي ذو الأبنية أعمُّ
من المدن، (والبدوي) أي: الساكن في البادية في الصحراء والبريّة بالخيام
وغيرها. (سواء)، أي في الأحكام، أي حكمهما فيما يحرم عليهما، ويباح
لهما في الاعتكاف سواءٌ، لكنهما يفترقان في أمر الجمعة.
(١) انظر: ((عمدة القاري) (٢٦٧/٨).
(٢) (٤٤٥/١).
٤٤٢
_-------.. ....--

١٨ - كتاب الاعتكاف
(٢) باب
(٦٣٢) حديث
(٢) باب ما لا يجوز الاعتكاف إلا به
٤/٦٣٢ - حَدَّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكٍ؛ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ الْقَاسِمَ بْنَ
مُحَمَّدٍ، وَنَافِعاً مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، قَالا: لا امْتِكَافَ إِلَّا
ـحِيَامِ، بِقَوْلِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي بِتَابِهِ: ﴿وَعْلُواْ وَأَشْرَيُؤْ حَتَّ بِينَ
◌ُ أَخَيْظُ اُلْأَبْنَضُ مِن أْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَنِمُواْ الصََّامِ إِلَى
البُلِّ وَلَا تُبَشِرُوهُنَ .....
(٢) ما لا يجوز الاعتكاف إلا به
أي: بيان الشرط للاعتكاف، وهو الصوم، فإنه شرط للاعتكاف عند
المالكية مطلقاً، والمسألة خلافية كما ستأتي.
٤/٦٣٢ - (مالك، أنه بلغه أن القاسم بن محمد) بن أبي بكر الصديق من
شيوخ مشايخ مالك (ونافعاً مولى عبد الله بن عمر) وهو شيخ مالك، وكأنه لم
يسمعه منه، فأورده بلاغاً، (قالا: لا اعتكاف إلا بصيام بقول) أي بسبب (قول الله
تبارك وتعالى في كتابه) المجيد: (﴿وَكُلُوا وَأَشْرَبُواْ حَتَّى يَبَيَّنَ لَكُمْ الْخَيْظُ الْأَنْيَشَ﴾)
أي بياض الصبح (﴿مِنَ الْخَيْطِ الْأَنْوَدِ﴾﴾ أي سواد الليل (﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾) بيان
الخيط الأبيض (﴿إِنَّ أَنِعُواْ الْصِّيَامَ إِلَىَ أَلَيْلَّ وَ الِبَيْرُوهُرَ﴾﴾(١) أي لا تجامعوهن،
وقيل: معناه: لا تلامسوهن بشهوة.
وفي ((شرح الإحياء)): أن مماسة المعتكف النساء ومماستهن له إذا كان
من غير شهوة لا ينافي اعتكافه، وهو كذلك بلا خلاف، فإن كان بشهوة فهو
حرام، وهل يبطل به الاعتكاف؟ قال مالك: نعم وإن لم ينزل، ومذهب
الشافعي وأبي حنيفة وأحمد وغيرهم: إن اقترن به إنزالٌ بطل وإلا فلا، وأما
الجماع فحرام مفسد بالإجماع مع التعمد، فإن كان ناسياً يفسد عند الثلاثة
بخلاف الشافعي، انتهى مختصراً.
(١) سورة البقرة: الآية ١٨٧.
٤٤٣

١٨ - كتاب الاعتكاف
(٢) باب
(٦٣٢) حديث
قال الموفق (١): الوطء في الاعتكاف محرَّمٌ بالإجماع لقوله تعالى: ﴿وَلَا
تُبَشِرُوهُنَ﴾ الآية، فإن وطئ في الفرج متعمداً أفسد اعتكافه بإجماع أهل العلم،
حكاه ابن المنذر عنهم، وإن كان ناسياً فكذلك عند إمامنا وأبي حنيفة ومالك،
وقال الشافعي: لا يفسُدُ. ولا كفارة بالوطء في ظاهر المذهب وهو ظاهر كلام
الخرقي، وقول عطاء والنخعي، وأهل المدينة، ومالك، وأهل العراق،
والثوري، وأهل الشام، والأوزاعي، ونقل حنبل عن أحمد: أن عليه كفارةً،
وهو قول الحسن والزهري واختيار القاضي.
وأما المباشرة دون الفرج إن كانت بغير شهوة فلا بأس بها، مثل أن
تغسل رأسه أو تفلي رأسه، لأنه * يُدْني إلى عائشة رأسه، فتُرجِّلُه وهو
معتكف، وإن كانت عن شهوة فهي محرَّمة لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُبَشِرُوهُنَ﴾ (٢)،
ولقول عائشة: ((السنة للمعتكف أن لا يعود مريضاً ولا يمسّ امرأة ولا
يباشرها))، رواه أبو داود(٣)، ولأنه لا يأمن إفضاءها إلى إفساد الاعتكاف، وما
أفضى إلى الحرام حرام، فإن فعل فأنزل فسد اعتكافه، وإن لم ينزل لم يفسد،
وبهذا قال أبو حنيفة، والشافعي في أحد قوليه، وقال في الآخر: يفسد في
الحالین، وهو قول مالك، انتهى.
قال ابن رشد(٤): أجمعوا على أن المعتكف إذا جامع عامداً بطل
اعتكافه، إلا ما روي عن ابن لبابة في غير المسجد، واختلفوا فيما إذا جامع
ناسياً، واختلفوا أيضاً في فساد الاعتكاف بما دون الجماع من القبلة واللمس،
فرأى مالك أن جميع ذلك يفسد الاعتكاف، وقال أبو حنيفة: ليس في المباشرة
(١) ((المغني)) (٤/ ٤٧٣).
(٢) سورة البقرة: الآية ١٨٧.
(٣) ((سنن أبي داود)) (٥٧٥/١) من كتاب الصيام.
(٤) (بداية المجتهد)) (٣١٦/١).
٠٠
٤٤٤
--

١٨ - كتاب الاعتكاف
(٢) باب
(٦٣٢) حديث
+
فساد إلا أن ينزل، وللشافعي قولان؛ أحدهما مثل مالك، والثاني مثل
أبي حنيفة.
وسبب اختلافهم هل الاسم المتردد بين الحقيقة والمجاز، له عموم أم
لا؟ فمن ذهب إلى العموم قال: المباشرة في قوله تعالى ينطلق على الجماع
وعلى ما دونه، من لم ير له عموماً - وهو الأشهر الأكثر -، قال: يدل إما على
الجماع وإما على ما دونه، فإذا قلنا: إنه يدل على الجماع بالإجماع بطل أن
يدل على غير الجماع، ومن أجرى الإنزال بمنزلة الوقاع فلأنه في معناه، ومن
خالف فلأنه لا ينطلق عليه الاسم حقيقةً، انتهى.
قال العيني(١): نقل ابن المنذر الإجماع على أن المراد بالمباشرة في
الآية الجماع، انتهى. وكذا قال الحافظ(٢)، وقال أيضاً: وفي المباشرة أقوال؛
ثالثها: إن أنزل بطل وإلا لا، انتهى.
قال الدسوقي: والحاصل أنه إذا قَبَّلَ وقصد اللذة أو لمس أو باشر
بقصدها أو وجدها بطل اعتكافه واستأنفه من أوله، فلو قَبَّلَ صغيرة لا تشتهى،
أو زوجته لوداع أو رحمة، ولم يقصد لذة، ولا وجدها لم يبطل اعتكافه،
انتھی .
وفي ((شرح الإقناع))(٣): والمباشرة فيما دون الفرج كلمس وقبلة فتبطله إن
أنزل وإلا فلا، انتهى.
وفي ((نيل المآرب)): ويبطل الاعتكاف بالوطء في الفرج ولو ناسياً،
وبالإنزال بالمباشرة دون الفرج، فإن باشر دون الفرج بغير شهوة فلا بأس،
وبشهوة حرم، انتهى. وفي ((الهداية)): يحرم على المعتكف الوطء لقوله تعالى،
(١) ((عمدة القاري)) (٢٦٨/٨).
(٢) (فتح الباري)) (٤/ ٢٧٤).
(٣) (٤٧٠/٢).
٤٤٥

١٨ - كتاب الاعتكاف
(٢) باب
(٦٣٢) حديث
وَأَنْتُمْ عَكِّفُونَ فِىِ الْمَسَجِدِّ﴾ فَإِنَّمَا ذَكَرَ اللَّهُ الإِعْتِكَافَ مَعَ الصِّيَامِ.
وكذا اللمس والقبلة لأنه دواعيه، فإن جامع ليلاً أو نهاراً عامداً أو ناسياً بطل
اعتكافه، ولو جامع دون الفرج، فأنزل أو قَبَّلَ أو لمس فأنزل يبطل اعتكافه؛
لأنه في معنى الجماع، انتهى.
ثم اختلفوا فيما يجب على المجامع، فقال الجمهور: لا شيء عليه،
وقال قوم: عليه كفارة، فبعضهم قالوا: كفارة المجامع في رمضان، وبه قال
الحسن، وقال قوم: يتصدق بدينارين، وبه قال مجاهد، وقال قوم: يُعْتِقُ رقبةً،
فإن لم يجد أهدى بدنة، فإن لم يجد تَصَدَّق بعشرين صاعاً من تمر، وأصل
الخلاف هل يجوز القياس في الكفارة أم لا؟ والأظهر أنه لا يجوز، انتهى.
كذا في ((البداية))(١).
وقال الموفق (٢): اختلف موجبو الكفارة فيها، فقال القاضي: يجب كفارة
الظهار، وهو قول الحسن والزهري، وظاهر كلام أحمد في رواية حنبل. قال
أبو عبد الله: إذا كان نهاراً وجبت عليه الكفارة، فيحتمل أن أبا عبد الله إنما
أوجب عليه الكفارة إذا فعل ذلك في رمضان، لأنه اعتبر ذلك في النهار لأجل
الصوم، ولو كان لمجرد الاعتكاف لما اختصّ الوجوب بالنهار، وحكي عن
أبي بكر: أن عليه كفارة يمين، ولم أر هذا عن أبي بكر في كتاب ((الشافي))،
ولعله إنما أوجب في موضع تضَمَّن الإفسادُ الإخلالَ بالنذر، انتهى.
(﴿وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ﴾) أي معتكفون (﴿فِى الْمَسَجِدُ﴾) ثم ذكر وجه الاستدلال
بالآية بقوله: (فإنما ذكر الله الاعتكاف مع الصيام) فيفيد أنه لا اعتكاف إلا به،
وتُعُقِّب هذا الاستدلال بأنه ليس في الآية ما يدل على التلازم، وإلا لكان لا صوم
إلا باعتكاف، ولا قائل به، ورُدَّ بأن القاسم ونافعاً لم يدعيا التلازم، بل مفاد
(١) (بداية المجتهد)) (٣١٦/١).
(٢) («المغني)) (٤٧٤/٣).
٤٤٦
---
---------

١٨ - كتاب الاعتكاف
(٢) باب
(٦٣٢) حديث
قَالَ مَالِكٌ: وَعَلَى ذَلِكَ، الْأَمْرُ عِنْدَنَا. أَنَّهُ لا أَعْتِكَافَ إِلَّا
بِمِيَامٍ.
كلامهما ملزومية الاعتكاف للصائم، واللازم إذا كان أعمَّ ينفرد عن الملزوم،
قاله الزرقاني(١). وقال الباجي(٢): وجه الدليل أن الخطاب في قوله تعالى:
﴿وَلَا تُبَشِرُوهُنَ﴾ للصائمين لقوله تعالى في أول الآية: ﴿ثُمَّ أَتِقُواْ الْصِيَامَ إِلَى
الَیَلِ﴾، انتهى.
(قال مالك: وعلى ذلك) الذي بلغني عنهما (الأمر) المحقق (عندنا) وهو
(أنه لا اعتكاف إلا بصيام) والمسألة خلافية عند الأئمة، قال أبو البركات بن
تيمية الحنبلي: قالت الأئمة الأربعة وأتباعهم: الصّوم من شرط الاعتكاف
الواجب، وهو مذهب علي وابن عمر وابن عباس وعائشة والشعبي والنخعي
ومجاهد والقاسم بن محمد ونافع وابن المسيب والأوزاعي والزهري والثوري
والحسن بن حي، وقال ابن مسعود وطاووس وعمر بن عبد العزيز وأبو ثور
وداود وإسحاق وأحمد في رواية: إن الصوم ليس بشرط في الواجب والنفل،
وبه قال الشافعي وأحمد، وما ذكره أبو البركات قول قديم للشافعي، كذا في
(العيني))(٣).
قال الحافظ (٤): وباشتراط الصيام قال ابن عمر وابن عباس، أخرجه عبد
الرزاق عنهما بإسناد صحيح وعن عائشة نحوه، وبه قال مالك والأوزاعي
والحنفية، واختلف عن أحمد وإسحاق، واحتج عياض بأنه وَّ لم يعتكف إلا
بصوم، انتهى.
(١) ((شرح الزرقاني)) (٢٠٨/٢).
(٢) ((المنتقى)) (٨١/٢).
(٣) ((عمدة القاري)) (٢٦٥/٨ - ٢٦٦).
(٤) ((فتح الباري)) (٢٧٥/٤).
٤٤٧

١٨ - كتاب الاعتكاف
(٢) باب
(٦٣٢) حديث
قلت: لا خلاف في أن الصوم شرط عند الإمام مالك، والنفل والواجب
في ذلك سواء، وحدُّه في ((الشرح الكبير)) وغيره بلزوم مسجد، يصوم يوماً وليلة
أو أكثر، وفي ((الشرح الكبير)) أيضاً: لا يصح من مفطر ولو لعذر، فمن لا
يستطيع الصوم لا يصح اعتكافه، انتهى.
وفي ((الروض المربع))(١) وغيره من فروع الحنابلة عدم شرطه مطلقاً لا في
المندوب ولا في المنذور، نعم لو نذر الاعتكاف صائماً يجب، وبه جزم
الخرقي إذ قال: يجوز بلا صوم إلا أن يقول في نذره بصوم.
قال الموفق(٢): المشهور في المذهب أنه يصح بغير صوم، روي ذلك
عن علي وابن مسعود وابن المسيب والحسن والشافعي وإسحاق، وعند أحمد
رواية أخرى: أن الصوم شرط في الاعتكاف، روي ذلك عن ابن عمر
وابن عباس وعائشة، وبه قال الزهري ومالك وأبو حنيفة والليث والثوري
والحسن بن حي، انتهى.
قلت: ولا يجب عند الشافعية مطلقاً على ما في ((شرح الإقناع)) وغيره إذ
قال: يسَنُّ للمعتكف الصوم للاتباع، وللخروج من خلاف من أوجبه، ولا يضر
الفطر، بل يصح اعتكاف اللیل وحده، انتهى.
وعند الحنفية فيه تفصيل، وهو أن الاعتكاف على ثلاثة أنحاءٍ: المنذور
الواجب، والصوم شرط له، رواية واحدة، والمندوب، وليس بشرط له على
ظاهر الرواية، ورواية الحسن أنه شرط للتطوع أيضاً، والمرجح الأول،
والثالث سنّة مؤكدة، والمتون ساكتة عن اشتراط الصوم فيه، وبحث فيه ابن
عابدين، ورجح الاشتراط، حتى لو اعتكفه أحد بلا صوم لمرض أو سفر ينبغي
(١) (١/ ٤٤٥).
(٢) ((المغني)) (٤٥٩/٤).
٤٤٨
--
-----------
-- ----

١٨ - كتاب الاعتكاف
(٢) باب
(٦٣٢) حديث
أن يكون نفلاً ولا تحصل به إقامة سنة الكفاية، ورجح ابن نجيم في ((البحر))
عدم اشتراط الصوم في ذلك النوع لتقييدهم الصوم بالواجب.
قال العيني(١): فإن قلت: روى البخاري أن عمر - رضي الله عنه - سأل
النبي ◌َّ قال: (كنت نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام؟))
قال: ((فأوفِ بنذرك))، فهذا يدل على جواز الاعتكاف بغير صوم، لأن الليل لا
يصلح ظرفاً للصوم، قلت: عند مسلم ((يوماً)) بدل ليلة، وأيضاً روى النسائي
بلفظ: ((فأمره رسول الله وَ ليل أن يعتكف ويصوم))، فهو محمول على أنه كان نذر
يوماً وليلة بدليل لفظ مسلم، وقال ابن بطال: أصل الحديث: قال عمر -
رضي الله عنه -: ((إني نذرت أن أعتكف يوماً وليلة في الجاهلية)). فاختصر
الرواة، وفي ((الذخيرة)): أن الصوم كان في أول الإسلام بالليل، ولعل ذلك
کان قبل نسخه.
وقال النووي: قد تقرّر أن النذر الجاري في الكفر لا ينعقد على
الصحيح، فلم يكن ذلك شيئاً واجباً عليه، وقال المهلب: كل ما كان في
الجاهلية يهدمه الإسلام، فيكون الأمر بذلك أمر استحباب كي لا يكون خلفاً
في الوعد، وقال ابن بطال: محمول عند الفقهاء على الندب والحض، لأن
الإسلام يَجُبّ ما قبله، انتهى. قلت: وإذا صار ندباً فلا حاجة إلى الجواب
لمن لم يشترط الصوم في الاعتكاف المندوب.
قال الحافظ(٢): جمع ابن حبان وغيره بين الروايتين بأنه نذر اعتكاف يوم
وليلة، وقد ورد الأمر بالصوم في رواية عمرو بن دينار عن ابن عمر صريحاً،
لكن إسناده ضعيف، أخرجه أبو داود والنسائي، من طريق عبد الله بن بديل
(١) ((عمدة القاري)) (٢٦٦/٨).
(٢) انظر: ((فتح الباري)) (٢٧٤/٤).
٤٤٩

١٨ - كتاب الاعتكاف
(٢) باب
(٦٣٢) حديث
وهو ضعيف، وذكر الدارقطني وابن عدي أنه تفرّد بذلك عن عمرو بن دينار،
وروایة من روی یوماً شادٌّ، انتهى.
قال العيني(١): عبد الله بن بديل قد وُثّقَ، وعلّق له البخاري، فإن قلت:
قال ابن حزم: لا يعرف هذا الخبر من مسند عمرو بن دينار أصلاً، ولا يعرف
لعمرو بن دينار عن ابن عمر حديث مسند إلا ثلاث، ليس هذا منها، قلت:
لعمرو بن دينار في ((الصحيح)) نحو عشرة أحاديث عن ابن عمر، فما هذا
الكلام؟ انتهى.
وقال الزرقاني(٢): إن كان في رواية أبي داود والنسائي راوٍ ضعيفٌ فقد
انجبر بظاهر الآية، ودعوى أن رواية ((يوماً)) شاذةٌ لا تُسْمَعُ مع إمكانِ الجمع،
انتھی .
وقال الشيخ في ((البذل)»(٣) في عبد الله بن بديل: قال ابن معين: صالح،
وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وفي ((الجوهر النقي)): ذكر البيهقي عن
الدارقطني أنه قال: تفرد به ابن بديل، وهو ضعيف الحديث، قال الدارقطني:
سمعت أبا بكر النيسابوري: هذا حديث منكر؛ لأن الثقات من أصحاب عمرو
لم يذكروه.
-٠٠عسـ
قال ابن التركماني: إنما ضعفه هذان الرجلان وهما متأخران، وفي
((الميزان)): غمزه الدارقطني، ومشّاه غيره، وقال ابن عدي: لا أعلم للمتقدمين
فيه كلاماً فأذكره، وذكر ابن أبي حاتم عن ابن معين أنه قال فيه: مكي صالح،
وذكره أبو حفص بن شاهين في ((كتاب الثقات))، وقال: مكيّ صالحٌ، وذكره
(١) ((عمدة القاري)) (٢٧٤/٨).
(٢) (٢٠٨/٢).
(٣) ((بذل المجهود)) (٣٦١/١١).
-----
٤٥٠
------
-- - -

١٨ - كتاب الاعتكاف
(٢) باب
(٦٣٢) حديث
ابن حبان في ((الثقات))، وزيادة الثقة مقبولة، ومن لم يذكر الشيء ليس بحجة
على من ذكره، انتهى.
وقال الزيلعي(١): أخرج الدارقطني والبيهقي عن سويد بن عبد العزيز، ثنا
سفيان بن حسين عن الزهري عن عروة عن عائشة، قالت: قال رسول الله وَل:
((لا اعتكاف إلا بصوم))، قال البيهقي: هذا وهم من سفيان بن حسين أو من
سويد، وسويد ضعيف لا يقبل ما تفرّد به، وقد روي عن عطاء عن عائشة
موقوفاً، ورواه الحاكم في ((المستدرك))(٢) وقال: الشيخان لم يحتجّا بسفيان بن
حسين، وسويد ضعفه جماعة.
وفي ((الكمال)): قال علي بن حجر: سألت هشيماً فأثنى عليه خيراً،
وأخرج أبو داود في ((سننه)) عن عبدالرحمن بن إسحاق عن الزهري عن عروة
عن عائشة قالت: ((السنة على المعتكف أن لا يعود مريضاً))، الحديث. وفيه:
((ولا اعتكاف إلا بصوم))، قال أبو داود: غير عبد الرحمن لا يقول فيه:
((قالت: السنة))، قال المنذري في ((مختصره)): وعبد الرحمن بن إسحاق أخرج
له مسلم، ووثقه يحيى بن معين، وأثنى عليه غيره وتكلم فيه بعضهم، انتهى.
قال الزيلعي: رواه البيهقي في ((شعب الإيمان)) عن الليث عن عقيل عن
ابن شهاب به، وفيه: قالت: ((السنة في المعتكف أن يصوم))، انتهى.
قلت: فيه أمور، الأول: عبد الرحمن ثقة فلا بأس بتفرده، والثاني: له
متابعة عقيل، والثالث: لو سُلِّم وقفه على عائشة فمرفوع حكماً؛ لأنها ما لا
يدرك بالقياس، قال الزيلعي: وأخرج الدارقطني عن إبراهيم بن معشر ثنا
عبيدة بن حميد نا القاسم بن معين عن ابن جريج عن الزهري عن سعيد بن
(١) انظر: ((نصب الراية)) (٤٨٦/٢).
(٢) (٤٤٠/١).
٤٥١

١٨ - كتاب الاعتكاف
(٣) باب
(٣) باب خروج المعتكف للعيد
المسيّب وعروة عن عائشة أنّها أخبرتهما: ((أن رسول الله وَلَه كان يعتكف العشر
الأواخر)»، الحديث. وفيه: ((يأمر من اعتكف أن يصوم))، وفي لفظ: ((وسنة من
اعتكف أن يصوم))، قال الدارقطني: يقال: إن قوله: السنة للمعتكف ليس من
قول النبي ◌ّ، وإنه من كلام الزهري، ومن أدرجه في الحديث فقد وهم،
وأعلّه ابن الجوزي بإبراهيم بن معشر، انتهى.
قلت: لو سُلِّم كونه من كلام الزهري فلا أقل من كونه مرسلاً، فهو حجة
مع ما له من المتابعات، وروى عبد الرزاق في ((مصنفه)) بسنده عن ابن عباس
قال: من اعتكف فعليه الصوم، وأخرج البيهقي عن ابن عباس وابن عمر أنهما
قالا: ((المعتكف يصوم))، وأخرج عبد الرزاق عن عروة والزهري: ((لا اعتكاف
إلا بصوم))، كذا في الزيلعي(١) مختصراً.
:
أ
قال ابن القيم: لم ينقل عن النبي ◌َّ أنه اعتكف مفطراً قط، بل قالت
عائشة: لا اعتكاف إلا بصوم، ولم يذكر الله تعالى الاعتكاف إلا مع الصوم،
ولا فعله رسول الله وير إلا مع الصوم، فالقول الراجح في الدليل الذي عليه
جمهور السلف أن الصوم شرط في الاعتكاف، وهو الذي كان يرجحه شيخ
الإسلام أبو العباس بن تيمية.
(٣) خروج المعتكف إلى العيد
قال ابن عبد البر(٢): من ههنا إلى آخر كتاب الاعتكاف لم يسمعه يحيى
الأندلسي عن مالك، أو شكّ في سماعه، فرواه عن زياد بن عبد الرحمن،
انتهى. قلت: قد تقدم في المقدمة أن يحيى أخذ ((الموطأ)» لأول نشأته من زياد بن
عبد الرحمن ثم رحل إلى المدينة المنورة في السنة التي توفي فيها الإمام مالك
:
(١) انظر: ((نصب الراية)) (٤٨٧/٢).
(٢) انظر: ((التمهيد)) (١٨٩/١١)، و((الاستذكار)) (٢٩٤/١٠).
٤٥٢
-،
--

١٨ - كتاب الاعتكاف
(٣) باب
(٦٣٣) حديث
٥/٦٣٣ - حَدَّثني يَحْبَى عَنْ زِيَادِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمْنِ، قَالَ:
◌َلَّثَنَا مَالِكٌّ، عَن سُمَيٍّ مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمُنِ؛ أَنَّ أَبَا
بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمُنِ اعْتَكَفَ، فَكَانَ يَذْهَبُ لِحَاجَتِهِ تَحْتَ سَقِيفَةٍ، فِي
حُسْرَةٍ مُعَلَقَةٍ،
- رضي الله عنه - وسمع عنه ((الموطأ)) إلا ثلاثة أبواب من كتاب الاعتكاف،
وقيل: شكّ في سماعها فحدث عن زياد.
٥/٦٣٣ - (عن زياد بن عبد الرحمن) هكذا مفتتح السند في جميع النسخ
المصرية من المتون والشروح، وترك هذه الزيادة من النسخ الهندية، بل فيها
على سرد سائر الكتاب: مالك عن سمي إلى آخره، والصواب وجود ذلك لما
تقدم أن يحيى لم يسمع هذه الأبواب الثلاثة عن مالك، وزياد بن عبد الرحمن
هذا الأندلسي القرطبي المعروف بشبطون - بشين معجمة فموحدة فطاء مهملة -
تقدم بيانه في ((المقدمة)).
(قال) زياد: (حدثنا مالك) الإمام (عن سُمَيّ) بضم السين المهملة وفتح
الميم وشد الياء (مولى أبي بكر بن عبد الرحمن؛ أن أبا بكر بن عبد الرحمن)
ابن الحارث بن هشام المخزومي أحد الفقهاء (اعتكف فكان يذهب) في زمان
الاعتكاف (لحاجته) من حوائج الإنسان (تحت سقيفة) وتقدم أنه جائز خلافاً
لبعض (في حجرة مغلقة) بغين معجمة ساكنة أي مقفلة، وفي نسخة بعين مهملة
مفتوحة وشدّ اللام أي عالية، قاله الزرقاني(١).
قال الباجي(٢): يريد أنها كانت غير منزله، ويستحب للمعتكف أن يكون
موضع حاجته في غير داره، لأن في رجوعه إلى داره ودخوله إليه ذريعة إلى
الاشتغال ببعض ما يظهر إليه فيه ويراه منه، قال ابن كنانة في ((المدنية)): لا
(١) (٢٠٩/٢).
(٢) (٨٢/٢).
٤٥٣

--
١٨ - كتاب الاعتكاف
(٣) باب
(٦٣٣) حديث
فِي دَارٍ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ، ثُمَّ لَا يَرْجِعُ حَتَّى يَشْهَدَ الْعِيدَ مَعَ
الْمُسْلِمِينَ.
يدخل بيته ولا يرجع إليه لشيء ولا يتوضأ إلا في غيره، وليس النبي وَ ال
كغيره، ويستحب أن يكون ذلك في أقرب المواضع يمكنه إلى موضع معتكفه،
قال عيسى عن ابن القاسم: إنما يقصد إلى أقرب المواضع إليه وإن كان منزله
لم يتعدّه إلى غيره مما هو أبعد منه، انتهى.
وقال ابن عابدين من فقهاء الحنفية: لا يلزمه أن يأتي بيت صديقه
القريب، انتهى.
(في دار خالد بن الوليد) بن المغيرة بن عبد الله المخزومي وأمه لبابة
الصغرى، وقيل: الكبرى، والأكثر الأول، بنت الحارث أخت ميمونة زوج
النبي ◌َّلة، شهد موتة وسمّاه رسول الله ﴿ يومئذ الموتة، وكان أميراً على قتال
الردة وغيرها إلى أن مات سنة ٢١هـ، وقيل: سنة ٢٢هـ، ويروى أنه لما حضرته
الوفاة بكى، وقال: لقيت كذا وكذا زحفاً وما في جسدي شبراً إلا وفيه ضربة
بسيف أو طعن برمح، وها أنا أموت على فراشي كما يموت العَيْر (ثم لا
يرجع) أي أبو بكر من معتكفه إلى بيته بعد ختم رمضان أيضاً (حتى يشهد)
صلاة (العيد مع المسلمين).
قال الباجي(١): يريد أنه كان يقيم في معتكفه ليلة الفطر. حتى يغدو من
معتكفه إلى صلاة العيد، وروى ابن القاسم: ((يخرج من معتكفه ليلة الفطر))،
فإذا قلنا بالقول الأول، ففعل ذلك على الوجوب أو على الاستحباب، قال
القاضي أبو محمد: على الاستحباب، وقال سحنون: على الوجوب، فإن خرج
ليلة الفطر بطل اعتكافه، وقاله ابن الماجشون. وجه القول الأول أن كل واحدة
من العبادتين يصح إفرادها، فلم تكن إحداهما من شرط صحة الأخرى كالصوم
(١) ((المنتقى)) (٢/ ٨٢).
٤٥٤
--
- --- -
---
------
------
-

١٨ - كتاب الاعتكاف
(٣) باب
(٦٣٤) حديث
٦٣٤/ ٦ - حدّثني يَحْيَى، عَنْ زِيَادٍ، عَنْ مَالِكِ؛ أَنَّهُ رَأَى
بَعْضَ أَهْلِ الْعِلْمِ، إِذَا اعْتَكَفُوا الْعَشْرَ الأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ، لَا
يَرْجِعُونَ إِلَى أَهَالِيهِمْ، حَتَّى يَشْهَدُوا الْفِطْرَ مَعَ النَّاسِ.
والصلاة، ولذلك جاز الاعتكاف في زمن لا يتصل بليلة الفطر، ووجه قول
سحنون ما احتجّ به ابن الماجشون بأن كل عبادتين جرى في عرف الشرع
باتصالهما فاتصالهما على الوجوب، انتهى.
قال ابن عبد البر(١): لم يقل بهذا أحد فيما علمته، وفي ((الشرح
الكبير)) (٢) الدردير: ندب مكثه في المسجد ليلة العيد إذا اتصل اعتكافه بها،
وكان آخر اعتكافه آخر يوم من رمضان، ليمضي من معتكفه إلى المصلى
لإيصال عبادة بعبادة، فإن كانت ليلة العيد أثناء اعتكافه فظاهر ((المدونة))
الوجوب وهو الراجح، انتهى.
قال الباجي: وهذا لمن شهد العيد مع الناس، فأما من لم يشهدها من
مريض يقدر على الاعتكاف، ولا يقدر على المشي إلى موضع صلاة العيد،
فلم أر فيه نصّاً لأصحابنا، انتهى.
٦/٦٣٤ - (وحدثني يحيى، عن زياد، عن مالك) هكذا في النسخ
الهندية، واختلفت النسخ المصرية في تعبير هذا الكلام، ففي ((الزرقاني)): حدثنا
زياد عن مالك، وفي ((الباجي)): يحيى عن زياد عن مالك، وغير ذلك،
والمؤدى واحد، وكتب في هامش الهندية عن ((المحلّى)): من هذا الموضع إلى
آخر الكتاب لم يسمع يحيى عن مالك، انتهى. (أنه رأى بعض أهل العلم إذا
اعتكف) بصيغة الإفراد في النسخ الهندية، وفي المصرية بصيغة الجمع (العشر
الأواخر من رمضان، لا يرجعون إلى أهليهم، حتى يشهدوا الفطر مع المسلمين).
(١) ((الاستذكار)) (٢٩٦/١٠).
(٢) (٥٥٠/١).
٤٥٥

١٨ - كتاب الاعتكاف
(٣) باب
(٦٣٤) حديث
قَالَ يَحْيَى: قَالَ زِيَادُ: قَالَ مَالِكٌ: وَبَلَغَنِي ذُلِكَ عَنْ أَهْل
الْفَضْلِ الَّذِينَ مَضَوْا، وَهُذَا أَحَبُّ مَا سَمِعْتُ إِلَيَّ فِي ذَلِكَ.
(قال يحيى: قال زياد: قال مالك: وبلغني ذلك عن أهل العلم والفضل
الذين مضوا) يعني أنه كما رأى بعض أهل العلم من أهل زمانه يفعلون ذلك،
كذلك بلغ إليه الخبر عن أهل العلم والفضل من السلف يفعلون ذلك، ولفظ
((المدونة)): قال: وبلغني ذلك عن بعض أهل الفضل الذين مضوا؛ أنهم لا
يرجعون حتى يشهدوا العيد مع الناس، وهو الذي أرى، فقيل لمالك: أيذهب
إلى بيته فيلبس ثيابه؟ قال: لا، ولكن يؤتى بثيابه إلى المسجد، انتهى. قلت:
وسيأتي بعض أسماء السلف في كلام الموفق.
(قال يحيى: قال زياد: قال مالك(١): وهذا) أي مكثه في المسجد ليلة
الفطر (أحبُّ ما سمعت إليّ في ذلك) وهذا يدل على أنه سمع الخلاف في ذلك
أيضاً، وهذا أحبُّ ما سمع، فقول سحنون: إنه سنة مجمع عليها، ليس بوجيه.
قال ابن رشد(٢): أما وقت خروجه فإن مالكاً رأى أن يخرج المعتكف
من المسجد إلى صلاة العيد على جهة الاستحباب، فإن خرج بعد الغروب
أجزأ، وقال سحنون وابن الماجشون: إن رجع إلى بيته قبل صلاة العيد فسد
اعتكافه، وقال الشافعي وأبو حنيفة: بل يخرج بعد غروب الشمس، وسبب
الاختلاف هل الليلة الباقية هي من حكم العشر أم لا؟ انتهى.
وقال العيني(٣): هل يبيت ليلة الفطر في معتكفه حتى يخرج منه إلى صلاة
العيد أو يجوز له أن يخرج عند الغروب من آخر يوم من شهر رمضان؟ قولان
للعلماء، الأول قول مالك وأحمد وغيرهما، وسبقهم أبو قلابة وأبو مِجْلز،
(١) هكذا في نسخة ((الأوجز)).
(٢) ((بداية المجتهد)) (٣١٥/١).
(٣) ((عمدة القاري)) (٢٧٧/٨).
٤٥٦

١٨ - كتاب الاعتكاف
(٤) باب
(٤) باب قضاء الاعتكاف
واختلف أصحاب مالك إذا لم يفصل هل يبطل اعتكافه أم لا؟ قولان، وذهب
الشافعي والليث والزهري والأوزاعي في آخرين: إلى أنه يجوز خروجه ليلة
الفطر، ولا يلزمه شيء، انتهى.
قال الموفق(١): من اعتكف العشر الأواخر من رمضان استُحِبَّ أن يبيت
ليلة العيد في معتكفه نص عليه أحمد، وروي عن النخعي وأبي مجلز وأبي بكر
بن عبد الرحمن والمطلب بن حنطب وأبي قلابة: أنهم كانوا يستحبون ذلك،
وروى الأثرم بإسناده عن أيوب عن أبي قلابة: أنه كان يبيت في المسجد ليلة
الفطر ثم يغدو كما هو إلى العيد، وقال إبراهيم: كانوا يحبون لمن اعتكف
العشر الأواخر من رمضان أن يبيت ليلة الفطر في المسجد، ثم يغدو إلى
المصلى من المسجد، انتهى.
وهذه الآثار كلها صريحة في أن الخروج إلى العيد يعدونه مندوباً، ويؤيد
الجمهور ما في البخاري بلفظ: ((فإذا كان حين يمسي من عشرين ليلة تمضي،
ويستقبل إحدى وعشرين ليلة رجع إلى مسكنه))، الحديث. هو نص على أن
اعتكاف العشر الأوسط ينتهي إلى استقبال الليلة لإحدى وعشرين، فما بال
العشر الأُخر لا يمضي عند استقبال ليلة الفطر.
(٤) قضاء الاعتكاف
قال الموفق(٢): إن نوى اعتكاف مدة لم تلزمه، فإن شرع فيها فله إتمامها
وله الخروج منها متى شاء، وبهذا قال الشافعي، وقال مالك: تلزمه بالنية مع
الدخول فيه، فإن قطعه لزمه قضاؤه، وقال ابن عبد البر: لا يختلف في ذلك
الفقهاء، ويلزمه القضاء عند جميع العلماء، قال: وإن لم يدخل فيه فالقضاء
(١) ((المغني)) (٤٩٠/٤).
(٢) («المغني)) (٤٥٧/٤).
٤٥٧

١٨ - كتاب الاعتكاف
(٤) باب
مستحب، ومن العلماء من أوجبه وإن لم يدخل فيه، واحتجّ بما روي عن
عائشة فذكر حديث الأخبية، وقوله وَله: ((آلبرَّ أردتُنَّ؟ ما أنا بمعتكف))، فرجع
فلما أفطر اعتكف عشراً من شوال، متفق على معناه، ثم تعقب الموفق على
قول ابن عبد البر وحكايته الإجماع بخلاف الشافعي رحمه الله وغيره.
قال الترمذي(١): اختلف أهل العلم في المعتكِف إذا قطع اعتكافه قبل أن
يتمه على ما نوى، فقال بعضهم: وجب عليه القضاء، واحتجّوا بالحديث أن
النبي وَلّ خرج من اعتكافه فاعتكف عشراً من شوال. وهو قول مالك، وقال
بعضهم: إن لم يكن عليه نذر اعتكاف أو شيء أوجبه على نفسه، وكان متطوعاً
فخرج، فليس عليه أن يقضي، إلا أن يُحِبَّ ذلك اختياراً منه، ولا يجب ذلك
عليه وهو قول الشافعي، قال الشافعي: وكل عمل لك أن لا تدخل فيه، فإذا
دخلت فيه فخرجت منه فليس عليك أن تقضي إلا الحج والعمرة، انتهى.
قلت: وهكذا في فروع الشافعية من ((الأنوار)) و ((شرح الإقناع)) وغيرهما .
وهكذا مسلك الحنابلة ففي ((نيل المآرب)): وحيث بطل الاعتكاف وجب
استئناف النذر المتتابع غير المقيد بزمن ولا كفارة، وإن كان مقيداً بزمن معين
استأنفه وعليه كفارة يمين لفوات المحل، انتهى. ثم ذكر تفصيلاً في ذلك،
وحاصله: أن المتطوع بالخيار في الإبقاء والترك.
وفي ((الشرح الكبير)) (٢) للدردير: ولزم منويه أي: ما نواه من العدد، فمن
نوى في التطوع عشرة أيام مثلاً لزمه حين دخوله المعتكف ما نواه، قال
الدسوقي قوله: حين دخوله المعتكف، أي: لأن النفل يلزم إتمامه بالشروع
فیه، فإن لم يدخل معتكفه فلا يلزم ما نواه، انتهى.
(١) جامع الترمذي (١٦٦/٣) باب ما جاء في الاعتكاف إذا خرج منه.
(٢) (٥٤٦/١).
٤٥٨

١٨ - كتاب الاعتكاف
(٤) باب
وفي ((الدر المختار))(١): لو شرع في نفله ثم قطعه لا يلزمه قضاؤه؛ لأنه
لا يشترط له الصوم على الظاهر من المذهب، وما في بعض المعتبرات: أنه
يلزم بالشروع مفرع على الضعيف، قال ابن عابدين: قوله: لأنه لا يشترط له
الصوم، الأولى التعليل بأنه غير مقدَّر بمدة، لما علمت أن الاختلاف في
اشتراط الصوم مبني على الاختلاف في تقديره بيوم وعدمه، وقوله: وما في
بعض المعتبرات، أي كـ((البدائع))، وتبعه ابن كمال. وقوله: مفرع على
الضعيف، أي على رواية الحسن أنه مقدر بيوم.
لكن بعدما صرح صاحب (البدائع))(٢) بلزومه بالشروع، ذكر رواية الحسن
ووجّهها، وهو أن الشروع في التطوع موجب للإتمام على أصل أصحابنا صيانةً
للمؤدى عن البطلان، ثم ذكر رواية الأصل أنه غير مقدر بيوم، وأجاب عن
رواية الحسن بأن الشروع فيه مُوجِبٌ مسلَّمٌ، لكن بقدر ما اتصل به الأداء،
ولما خرج فما وجب إلا ذلك القدر فلا يلزمه أكثر من ذلك، فعلم أن معنى
قول ((البدائع)): أنه يلزم بالشروع، مراده به لزوم ما اتصل به الأداء لا لزوم
يوم.
وقوله: أما النفل، أي الشامل للسنة المؤكدة، ثم بحث في ذلك بأنه لما
يكون مقدراً بالعشر، فينبغي أن يجب القضاء إذا أفسد، ثم على أصل
أبي يوسف - رحمه الله - ينبغي قضاء ما بقي من العشر، كما لو نذر العشر
يلزمه كله متتابعاً، ولو أفسد بعضه قضى باقيه، وعلى أصلهما يقتضي قضاء يوم
أفسده لاستقلال كل يوم بنفسه بمنزلة كل شفع من النافلة، وإن كان المسنون
هو اعتكاف العشر بتمامه، انتهى.
(١) (٤٨٨/٢).
(٢) ((بدائع الصنائع)) (٢٨٥/٢).
٤٥٩

-
١٨ - كتاب الاعتكاف
(٤) باب
(٦٣٥) حديث
٧/٦٣٥ - حَدّثني زِيَادٌ، عَنْ مَالِكِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ
عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمنِ، عَنْ عَائِشَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ إَِ
٧/٦٣٥ - (حدثني يحيى عن زياد) وفي النسخ المصرية بلفظ التحديث:
بين يحيى وزياد (عن مالك عن ابن شهاب) قال ابن عبد البر(١): هكذا الحديث
ليحيى، وهو غلط وخطأ مفرط، لا أدري هل هو من يحيى أم من زياد؟ ولم
يتابعه أحد عليه من رواة ((الموطأ)) على قوله: عن ابن شهاب، ولا يعرف هذا
الحديث لابن شهاب لا من حديث مالك ولا غيره، وإنما الحديث لجميع رواة
((الموطأ)): مالك عن يحيى بن سعيد الأنصاري، إلا أن رواة ((الموطأ)) اختلفوا
في قطعه وإسناده، انتهى. كذا في ((التنوير))(٢) وغيره.
قلت: ثم هو كذلك عن ابن شهاب في جميع نسخ ((الموطأ))، إلا في
((المنتقى)) ففيه بدله ابن هشام، وهو غلط، لا يوجد في نسخة غيره.
(عن عمرة بنت عبد الرحمن أن رسول الله (18) هكذا في النسخ الهندية
و ((المصفّى)) و((شرح التنوير))، وأما في متنه والنسخ المصرية: عن عمرة عن
عائشة أن رسول الله وَله. قال ابن عبد البر: إن رواة ((الموطأ)) اختلفوا في
قطعه وإسناده، فمنهم من يرويه عن مالك عن يحيى بن سعيد: ((أن
رسول الله وَية))، لا يذكر عمرة، ومنهم من يذكر عمرة ولا يذكر عائشة، ومنهم
من يرويه عن يحيى عن عمرة عن عائشة فيصله ويسنده، انتهى.
قال الزرقاني(٣): وبهذا يُتَعقب قول الحافظ: إنه مرسل عن عمرة في
((الموطآت)) كلها، انتهى. قلت: الحديث أخرجه البخاري عن مالك عن يحيى
عن عمرة عن عائشة موصولاً، قال الحافظ(٤): وقع في أكثر الروايات: عن
(١) ((الاستذكار)) (٣٠٢/١٠).
(٢) ((تنوير الحوالك)) (٢٩٥/١).
(٣) ((شرح الزرقاني)) (٢٠٩/٢).
(٤) ((فتح الباري)) (٢٧٧/٤).
٤٦٠
-