Indexed OCR Text
Pages 341-360
١٧ - كتاب الصيام (٢٢) باب (٦١٨) حديث فقوله: ((كل العمل كفارة إلا الصيام))، أي: فإنه كفارة وزيادة ثواب على الكفارة بشرط خلوصه من الرياء والشوائب. العاشر: أن الصوم لا يظهر، فتكتبه الحفظة، كما تكتب سائر الأعمال، واستند قائله إلى حديث واهٍ جداً، أورده ابن العربي في ((المسلسلات)) ولفظه: ((قال الله عز وجل: الإخلاص سرٌّ من سري استودعتُه قلب من أُحِبُّ، لا يطلع ملك فيكتبه ولا شيطان فيفسده))، ويكفي في رد هذا القول الحديث الصحيح في كتابة ((الحسنة لمن يُهُمُّ بها وإن لم يعملها))، قال الحافظ: هذا ما وقفت عليه من الأجوبة . وقد بلغني: أن بعض العلماء بلَّغها إلى أكثر من هذا، وهو الطالقاني في (حظائر القدس)) له، ولم أقف عليه، انتهى. وقال أيضاً في ((التلخيص)) (١): بلَّغ بها أبو الخير الطالقاني إلى خمسة وخمسين قولاً، انتهى. قلت: والحادي عشر ما أفاده شيخ مشايخنا الدهلوي في ((حجة الله))(٢) إذ قال: وسِرُّ استثناء الصوم أن كتابة الأعمال في صحائفها إنما تكون بتصور صورة كل عمل في موطن من المثال، مختص بهذا الرجل بوجه يظهر منها صورة جزائه المترتب عليه عند تجرده عن غواشي الجسد، وقد شاهدنا ذلك مراراً، وشاهدنا أن الكتبة كثيراً ما تتوقف في إبداء جزاء العمل الذي هو من قبيل مجاهدة شهوات النفس، إذ في إبدائه دخل لمعرفة مقدار خلق النفس الصادر هذا العمل منه، وهم لم يذوقوه ذوقاً ولم يعلموه وجداناً، وهو سِرُّ اختصامهم في الكفارات والدرجات، على ما ورد في الحديث: ((فيوحي الله إليهم حينئذ أن اكتبوا العمل كما هو، وفَوّضُوا جزاءه إليّ))، وقوله: ((فإِنه يدعُ (١) ((تلخيص الحبير)) (٩٠/١). (٢) ((حجة الله البالغة)) (٥٠/٢، ٥١). ٣٤١ ١٧ - كتاب الصيام (٢٢) باب - (٦١٨) حديث شهوتَه لأجلي)) إشارةً إلى أنه من الكفارات التي لها نكايةٌ في نفسه البهيمية، انتھی . والثاني عشر: ما أفاده أيضاً أن الصوم حسنة عظيمة يقوي الملكية ويضعف البهيمية، ولا شيء مثله في صيقلة وجه الروح وقهر الطبيعة، ولذا قال تعالى: ((الصوم لي وأنا أجزي به))، فإن الإنسان إذا سعى في قهر النفس وإزالة رذائلها كانت لعمله صورة تقديسية في المثال، ومن أذكياء العارفين من يتوجّه إلى هذه الصورة فيمد من الغيب في علمه، فيصل إلى الذات من قبل التقديس والتنزيه، وهو معنى قوله وَير: ((الصوم لي وأنا أجزي به))، انتهى. والثالث عشر: ما قال ابن العربي في ((العارضة))(١): إن الصوم على أربعة أقسام؛ الأول: الصوم عن الطعام والشراب والوطء وهو صوم العوام. الثاني: صوم المرء عن المحظور من القول والفعل وهو من صوم العوام أيضاً، وبهذين الشرطين يصح له ثواب الصوم، ويسقط به عنه اللوم. --- الثالث: أن يصوم عن ذكر غير الله، وهو صوم أهل الخصوص، فلا يتكلم بشيء من أمر الدنيا، وهو نحو من الاعتكاف في بيت المولى. الرابع: صوم خصوص الخصوص، أن يصوم عن غير الله، فلا يفطر إلا برؤيته ولقائه، وإذا كان الصوم هكذا فهو الذي قال الله فيه: ((الحسنة بعشر أمثالها إلا الصيام فهو لي وأنا أجزي به))، انتهى. قلت: ولأجل هذا كان ◌َّه ومن تبعه من العُشَّاق كانوا يواصلون، كما تقدم في القول الثالث من الأقوال الواردة في قوله تعالى: ((يطعمني ربي ويسقيني))، قال الحافظ (٢): واتفقوا على أن المراد بالصيام ههنا صيام من سَلِم صيامه من المعاصي قولاً وفعلاً. (١) ((عارضة الأحوذي)) (٢٢٩/٣). (٢) ((فتح الباري)) (١٠٩/٤). ٣٤٢ ١٧ - كتاب الصيام (٢٢) باب (٦١٩) حديث ٥٩/٦١٩ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ عَمِّهِ أَبِي سُهَيْلِ بْنِ مَالِكِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّهُ قَالَ: إِذَا دَخَلَ رَمَضَانُ فُتْحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ، ونقل ابن العربي عن بعض الزهاد: أنه مخصوص بصيام خواص الخواص، فقال: إن الصوم على أربعة أنواع، صيام العوام: وهو الصوم عن المفطرات، وصيام خواص العوام: وهو هذا مع اجتناب المحرمات من قول أو فعلٍ، وصيام الخواص: وهو الصوم عن غير ذكر الله وعبادته، وصيام خواص الخواص: وهو الصوم عن غير الله، فلا فطر لهم إلى يوم القيامة، وهذا مقام عالٍ، لكن في حصر المراد من الحديث في هذا النوع نظر لا يخفى، وأقرب الأجوبة في ذلك إلى الصواب، الأول والثاني، ويقرب منهما الثامن والتاسع، انتهى . ٥٩/٦١٩ - (مالك، عن عمه أبي سهيل) مصغراً، نافع (بن مالك) بن أبي عامر الأصبحي التيمي (عن أبيه) مالك بن أبي عامر، (عن أبي هريرة؛ أنه قال) كذا وقع موقوفاً في ((الموطآت))، إلا ((موطأ معن بن عيسى)) فرفعه، وهو لا يكون إلا توقيفاً، قاله ابن عبد البر(١)، وقد رواه الشيخان وغيرهما من طريق إسماعيل بن جعفر والزهري كلاهما عن أبي سهيل المذكور عن أبيه عن أبي هريرة: أن رسول الله وَلّ قال: (إذا دخل) شهر (رمضان فتّحت) بتشديد الفوقية ويجوز تخفيفها، قاله الزرقاني، وقال القاري: بالتخفيف، وهو أكثر، كما في ((التنزيل)) وبالتشديد، لتكثير المفعول. (أبواب الجنة) حقيقةً لمن مات فيه، أو عمل عملاً لا يفسد عليه. وقال القاضي عياض: يحتمل أن يكون ذلك علامةً للملائكة لدخول الشهر، وتعظيماً لحرمته، وقيل: إن المراد بالفتح كثرة الطاعات في شهر (١) انظر: ((الاستذكار)) (٢٥١/١٠) و((التمهيد)) (١٤٩/١٦ - ١٥٢). ٣٤٣ ١٧ - كتاب الصيام (٢٢) باب (٦١٩) حديث وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ، رمضان، فإنها موصلة إلى الجنة، فكني بها عن ذلك، وقيل: المراد به ما فتح الله على العباد من الأعمال المستوجبة للجنة، كذا في ((العيني)). قال ابن العربي: فيه دليل على أن أبواب الجنة مغلقة وأبواب النار مفتحة، وقد غلط في ذلك بعض المتعدين على كتاب الله، فقال: إن قوله تعالى: ﴿حَتَّىَ إِذَا جَآءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَبُهَا﴾(١)، دليل على أن أبوابها مفتحة أبداً، إذ لم يجعل جواب الجزاء، وقوله تعالى في النار: ﴿حَتَّىَ إِذَا جَآءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَبُهَا﴾ دليل على أنها مغلقة، فقلب الحقيقة، وقال النبي ◌َّ: ((آتي باب الجنة فآخذ بحلقة الباب فأقرع، فيقول الخازن: من؟ فأقول: محمد، فيقول: بك أمرت أن لا أفتح لأحد قبلك))، انتهى. وهكذا وقع: ((أبواب الجنة))، في أكثر الروايات، وللبخاري: ((أبواب السماء))، وفي أخرى: «أبواب الرحمة))، فقيل: من تصرف الرواة، والأصل: ((أبواب الجنة))، بدليل ما يقابله، وهو غلق أبواب النار. وقال ابن العربي (٢): إذا فتحت أبواب الجنة التي فوق السموات وسقفها عرش الرحمن، فأولى وأحرى أن تفتح أبواب السماء وتحتها، والرحمة تقال بمعنيين، أحدهما: إرادة الله الإنعام والثواب لعباده، وتلك صفة من صفاته، وليست بجسم، ولا أنها باب حقيقة، والثاني: الجنة فإنها رحمة الله، وفي الحديث الصحيح: ((أنه تعالى قال للجنة: أنت رحمتي أرحم بك من أشاء)) الحدیث، انتھی. (وغلقت) قال القاري(٣): بالتشديد أكثر (أبواب النار) كذلك حقيقة أو (١) سورة الزمر: الآية ٧٣. (٢) انظر: ((عارضة الأحوذي)) (١٩٦/٣، ١٩٧). (٣) ((مرقاة المفاتيح)) (٢٣٠/٤). ٣٤٤ ١٧ - كتاب الصيام (٢٢) باب (٦١٩) حديث وَصُفِّدَتِ الشَّيَاطِينُ . كذا وقع هنا موقوفاً. وقد أخرجه موصولاً، البخاريّ في: ٣٠ - كتاب الصوم، ٥ - باب: هل يقال رمضان أو شهر رمضان. ومسلم في: ١٣ - كتاب الصيام، ١ - باب فضل شهر رمضان، حديث ١. مجازاً، وفيه دليل على أن الجنة والنار مخلوقتان، ورَدٌّ على القدرية الذين يقولون: إنهما لم تُخلقا بعد، قال ابن العربي: وقد بلغت من الاستفاضة حداً يقرب من التواتر، انتهى. (وصُفّدَت) بضم الصاد المهملة، وشد الفاء، أي غلقت (الشياطين) أي شدّت بالأصفاد، وهي الأغلال التي يُغَلُّ بها اليدان والرجلان، وتربط في العنق. وهي بمعنى رواية البخاري: ((وسلسلت الشياطين))، ثم ذلك على الحقيقة على الظاهر، ولا حاجة إلى حمله على التجوز، وقيل: مجازٌ عن تعجيزهم عن الإغواء وتزيين الشهوات، والشياطين خلق من خلق الله وهم ذرية إبليس، أجسام يأكلون ويشربون ويطؤون ويولدون ويموتون ويعذبون ولا ينعمون، وأنكرت ذلك القدرية لإضمارهم عقيدة الفلاسفة، كذا في ((العارضة))(١). قلت: والمسألة خلافية شهيرة، بسطها الحافظان: ابن حجر والعيني، فارجع إليهما لو شئت التفصيل، فإن قيل: كيف ترى الشرور والمعاصي واقعة في رمضان كثيراً، فلو صُفِّدَتِ الشياطين لم يقع ذلك؟ وأجيب عن ذلك بوجوه؛ الأول: أن المراد من الشياطين مسترقوا السمع منهم، فإنهم مُنِعُوا زمن نزول القرآن من استراق السمع، فزيدوا(٢) التسلسل مبالغة في الحفظ، والثاني: أن المراد أن الشياطين لا يخلصون من إفساد المسلمين إلى ما يخلصون إليه في غيره، لاشتغالهم بالصيام الذي فيه قمع الشيطان، وبقراءة القرآن والذكر، (١) انظر: ((عارضة الأحوذي)) (١٩٧/٣). (٢) كذا في الأصل، وفي ((العيني)) ((فزيد التسلسل)) وهو الصواب. انظر: ((عمدة القاري)) (٢٧/٨). ٣٤٥ ١٧ - كتاب الصيام (٢٢) باب (٦٢٠) حدیث ٦٠/٦٢٠ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ؛ أَنَّهُ سَمِعَ أَهْلَ الْعِلْم لَا يَكْرَهُونَ السِّوَاكَ لِلصَّائِم فِي رَمَضَانَ، فِي سَاعَةٍ مِنْ سَاعَاتِ النَّهَارِ، لَا فِي أَوَّلِهِ وَلَا فِي آخِرِهِ، والثالث: أن ذلك في حق الصائمين الذين حافظوا على شروط الصوم وراعوا آدابه. والرابع: أن المراد منها بعض الشياطين وهم المَرَدَةُ، كما ورد في بعض الروايات، فالمطلق من الأحاديث محمول على المقيد، وبذلك ترجم ابن خزيمة في ((صحيحه)) كذا في ((العيني))(١). والخامس: ما أشار إليه ابن العربي في الجواب: أنه ليس من شرط وسوسة الشيطان وإغوائِه اتصالُه، بل يحتمل أن يوجد كما يوجد الألم في جسد المسحور والمعيون عند تكلم الساحر أو العائن، فكذلك يوجد عند وسوسته من خارج، كذا في ((الزرقاني))، وقريب منه ما قال الباجي: إن المُصفَّدَ هو المغلول اليد إلى العنق يتصرف بالكلام والرأي وكثير من السعي، انتهى (٢). والسادس، وهو الأوجه عندي: أن صدور المعاصي في رمضان ليس من أثر الشيطان، بل من أثر النفس اللوَّامة التي تشرَّبَتْ من أثر الشيطان في سائر السنة، فإن النفس لما تصبَّغَتْ بلونه تَصْدُرُ منه أفعاله. والفائدة إذ ذاك في تصفيد الشيطان ضُعْفُ التأثير في ارتكاب المعاصي، فمن أراد التجنب عن ذلك يسهل عليه، وهذا أمر مشاهد. والسابع: ما أفاده شيخ مشايخنا الشاه محمد إسحاق: أن ذلك مختلف باختلاف الأشخاص، فيُصَفَّدُ الْمَرَدَةُ في حق الفسقة، والعامةُ في حق الصلحاء، وفيه سِرُّ لا يخفى. ٦٠/٦٢٠ - (مالك؛ أنه سمع أهل العلم لا يكرهون السواك للصائم في رمضان في ساعة من ساعات النهار، لا في أوله) وهو ما قبل الزوال ولا خلاف في استحبابه إذ ذاك (ولا في آخره)، أي: من بعد الزوال إلى الغروب، وهو (١) ((عمدة القاري)) (٢٧/٨). ٣٤٦ ١٧ - كتاب الصيام (٢٢) باب (٦٢٠) حديث ولَمْ أَسْمَعْ أَحَداً مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ يَكْرَهُ ذَلِكَ وَلا يَنْهَى عَنْهُ. مختلف عند الأئمة كما سيأتي (قال: ولم أسمع أحداً من أهل العلم يكره ذلك) أي: السواك في أول النهار أو آخره (ولا ينهى عنه) أحد من أهل العلم، بل يستحبونه . والمسألة خلافية شهيرة بين الأئمة، قال أحمد: لا بأس بالسواك للصائم، قال عامر بن ربيعة: ((رأيت رسول الله وَ ل يتسوك وهو صائم))، حسَّنه الترمذي(١)، قال زياد بن حدير: ((ما رأيت أحداً كان أدوم لسواك رطب، وهو صائم من عمر بن الخطاب، لكنه يكون عوداً ذاوياً))، ولم ير أهل العلم بالسواك أول النهار بأساً إذا كان عوداً يابساً، واستحب أحمد وإسحاق تركَ السواك بالعشي لحديث الخلوف. واختلفت الرواية عنه في التسوك بالعود الرطب، فرويت عنه الكراهية، وهو قول قتادة والشعبي والحكم وإسحاق ومالك(٢) في رواية، وروي عنه، أي أحمد: أنه لا يكره، وبه قال الثوري والأوزاعي وأبو حنيفة، وروي ذلك عن علي وابن عمر وعروة ومجاهد، لما روينا من حديث عمر وغيره كذا في ((المغني))(٣). وقال العيني(٤): اختلف العلماء فيه على ستة أقوال، الأول: لا بأس به للصائم مطلقاً قبل الزوال وبعده، ويروى عن علي وابن عمر: أنه لا بأس بالسواك الرطب للصائم، وروي ذلك أيضاً عن مجاهد وسعيد بن جبير وعطاء وإبراهيم النخعي ومحمد بن سيرين وأبي حنيفة وأصحابه والثوري والأوزاعي (١) ((سنن الترمذي)) (١٠٤/٣). (٢) قال ابن عبد البر: وكان مالك - رحمه الله - يكره السواك الرطب للصائم في أول النهار وآخره، ((الاستذكار)) (٢٥٥/١٠). (٣) انظر: ((المغني)) (٣٥٩/٤). (٤) ((عمدة القاري)) (١٤/١١). ٣٤٧ ١٧ - كتاب الصيام (٢٢) باب (٦٢٠) حديث وابن عُلَيّة، ورويت الرخصة في السواك للصائم عن عمر وابن عباس، قال ابن علية: السواك سنة للصائم والمفطر، والرطب واليابس سواء. الثاني: كراهيته للصائم بعد الزوال، واستحبابه قبله برطب أو يابس، وهو قول الشافعي في أصح قوليه، وأبي ثور، وقد روي عن علي - رضي الله عنه -، كراهة السواك بعد الزوال، رواه الطبراني. الثالث: كراهته للصائم بعد العصر فقط، ويروى عن أبي هريرة - رضي الله عنه -. الرابع: التفرقة بين صوم الفرض وصوم النفل، فيكره في الفرض بعد الزوال، ولا يكره في النفل، لأنه أبعد عن الرياء، وحكي عن أحمد بن حنبل، وحكاه صاحب ((المعتمد)) من الشافعي عن القاضي حسين. الخامس: يكره بالرطب دون غيره، سواء أول النهار وآخره، وهو قول مالك وأصحابه، وممن روي عنه كراهة السواك الرطب للصائم: الشعبي وزياد بن حدير وأبو ميسرة والحكم بن عتيبة وقتادة. السادس: كراهته للصائم بعد الزوال مطلقاً وكراهة الرطب للصائم مطلقاً، وهو قول أحمد وإسحاق بن راهويه، انتهى. وذكر في ((شرح الإحياء)) بعض المذاهب الأخر، منها: الكراهة في آخر النهار بدون التقييد بالزوال أو العصر، فهو المذهب السابع. ومنها: نفي استحبابه بعد الزوال، من غير استحباب(١) الكراهة، وهو الثامن، ثم قال: والمشهور عند أصحاب الشافعي: زوال الكراهة بغروب الشمس، وقال أبو حامد: لا تزول الكراهة حتى يفطر، فهذا مذهب آخر، انتهى، وهو التاسع. وفي ((الروض المربع)» (٢): التسوّك مسنون كل وقت لغير صائم بعد الزوال، فيكره فرضاً كان الصوم أو نفلاً، وقبل الزوال يستحب له بيابس ويباح برطب، انتهى. (١) كذا في الأصل، اهـ ((ش)). (٢) (١٩/١). ٣٤٨ -- ١٧ - كتاب الصيام (٢٢) باب (٦٢٠) حديث وفي ((التوشيح)) من فروع الشافعية: السواك مستحب في كل حال، إلا بعد الزوال للصائم، فرضاً أو نفلاً، واختار النووي عدم الكراهة مطلقاً، انتهى. وحكى الترمذي أن الشافعي - رضي الله عنه - قال: لا بأس بالسواك للصائم أول النهار وآخره، وهذا اختيار أبي شامة وابن عبد السلام والنووي، وقال: إنه قول أكثر العلماء، وتبعهم المزني، كذا في ((التلخيص))(١) للحافظ. وفي ((الشرح الكبير)) للدردير: ندب سواك كل النهار، قال الدسوقي: أي بما لا يتحلّل منه شيء، وكره بالرطب لما يتحلّل منه، انتهى. وفي ((الدر المختار)): ولا يكره سواك ولو عشياً أو رطباً، قال ابن عابدين لعموم قوله وَلجر: ((لولا أن أشقّ على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل وضوء وعند كل صلاة)) لتناوله الظهر والعصر والمغرب، وبؤَّب البخاري في (صحيحه)): ((سواك الرطب واليابس للصائم))، ثم قال: ويذكر عن عامر بن ربيعة قال: ((رأيت النبي وَ ل﴾ يستاك وهو صائم ما لا أحصي أو أعدُّ))، وقال أبو هريرة عن النبي ◌َّير: ((لولا أن أشق على أمتي))، الحديث، ويروى نحوه عن جابر وزيد بن خالد عن النبي 8ُّ# ولم يخص الصائم من غيره، وقالت عائشة عن النبي ◌ُّ: ((السواك مَظْهَرَة للفم مرضاةٌ للرب)»، وقال عطاء وقتادة: يبتلع ريقه، قال الحافظ (٢): أشار بهذه الترجمة إلى الرد على من كره للصائم الاستياك بالسواك الرطب كالمالكية والشعبي. ثم ذكر تخاريج هذه الروايات التي أشار إليها البخاري، وتقدم عن الإمام مالك: أنه لم يسمع أحداً من أهل العلم يكره السواك أو ينهى عنه، قال الزرقاني(٣): بل يستحبونه لظاهر الأدلة، كحديث: ((أفضل خصال الصائم (١) (تلخيص الحبير)) (٩١/١). (٢) ((فتح الباري)) (١٥٨/٤). (٣) (٢٠٢/٢). ٣٤٩ ١٧ - كتاب الصيام (٢٢) باب (٦٢٠) حديث السواك)) ولم يخص وقتاً، وقال عامر بن ربيعة: ((رأيت رسول الله وَل يستاك وهو صائم ما لا أعُدُّ ولا أحصي))، رواه أبو داود(١) وغيره، وبهذا قال عمر وابن عباس وجماعة من التابعين وأبو حنيفة والثوري والأوزاعي. وقال النووي في ((شرح المهذب)): إنه المختار، وقال بعضهم: السواك مطهرة للفم، فلا يكره، كالمضمضة للصائم، لا سيما وهي رائحة تتأذى بها الملائكة، فلا تترك هنالك، وإنما مدح الخلوف نهياً للناس عن تقذر مكالمة الصائم، لا نهياً له عن السواك، وهذا التأويل أولى، لأن فيه إكرام الصائم، ولا تعرض فيه للسواك فيُذْكر أو يتأوّل، ولذا قال ابن دقيق العيد: يحتاج إلى دليل خاص بهذا الوقت يخص به عموم ((عند كل صلاة أو عند كل وضوء))، وحديث الخلوف لا يخصصه، انتهى. قلت: المراد بقوله: قال بعضهم: السواك مطهرة، إلى آخره، هو القاضي سيف الدين، كما بسطه ابن العربي (٢)، إذ قال: قال علماؤنا: لم يصح في سواك الصائم حديث نفياً ولا إثباتاً، إلا أن النبي ◌َّليل حض عليه عند كل وضوء وعند كل صلاة مطلقاً من غير تفريق بين صائم وغيره، وندب يوم الجمعة إلى السواك، ولم يُفَرِّقْ بين صائم وغيره، وتعلق الشافعي بالحديث الصحيح: ((لخلوف فم الصائم))، الحديث، فصار ممدوحاً شرعاً فلم تجز إزالته بالسواك أصله دم الشهيد . قال علماؤنا: السواك لا يزيل الخلوف، وفيها كلام تردد عليه مراراً مع الأشياخ والأصحاب فلم ألمح فيه بارقةَ صواب، حتى أفادني شيخنا القاضي بحرم المسجد الأقصى أبو الحسن مكرم بن مرزوق قال: أفادنا القاضي سيف (١) ((سنن أبي داود)) (٢٣٦٤). (٢) انظر ((عارضة الأحوذي)) (٢٥٦/٣). ٣٥٠ ١٧ - كتاب الصيام (٢٢) باب (٦٢٠) حديث ٠٠ الدين بها فقال: السواك مطهرة للفم، فلم يكره للصائم كالمضمضة، لا سيما وهي رائحة تتأذى بها الملائكة، فلم تترك هنالك. وأما الخبر ففائدته عظيمة بديعة فيما أفادنا عن سيف الدين، وهي أن النبي ◌َّ إنما مدح الخلوف نهياً للناس عن تقذر مكالمة الصائمين بسبب الخلوف لا نهياً للصائم عن السواك، والله غني عن وصول الروائح الطيبة إليه، فعلمنا يقيناً أنه لم يرد بالنهي استبقاء الرائحة، وإنما أراد نهي الناس عن كراهيتها، وهذا التأويل أولى لأن فيه إكراماً للصائم. وأما دم الشهيد فإنما أبقى وأثنى عليه لأنه قتل مظلوماً، ويأتي خصماً، ومن شأن حجة الخصم أن تكون بادية، وشهادته ظاهرة غير خفية، لا سيما وفي إزالة الخلوف بالسواك إخفاء الصيام وهو أبعد من الرياء، انتهى. ثم قال الزرقاني(١): وتُعُقِّبَ قياسه على دم الشهيد بأن الصائم مناجٍ لربه فندب له تطييب فمه، والشهيد ليس بمناج، وهو جيفة أشدّ من الدم، فزواله لا يؤثر شيئاً، بل بقاؤه يوجب مزيد الرحمة له، ولأنه أثر الظلم الذي ينتصف به من خصمه، وسبيل الخصومة الظهور، ولأنه بعد الموت، فيأمن فيه الرياء. ولا يرد أن مناجاة الصائم لربه مع دوام الخلوف أولى، لقوله: ((أطيب عند الله من ريح المسك)) لأن مدحه يدل على فضله لا على أفضليته على غيره، فهذا الوتر أفضل من الفجر، وفي الحديث: ((ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها))، وكم من عبادة أثنى عليها مع فضل غيرها عليها، وهذه المسألة من قاعدة ازدحام المصالح التي يتعذّرُ الجمع بينها، فالسواك إجلالاً لله حال مناجاته في الصلاة، لأن تطهير الفم للمناجاة تعظيم لها، والخلوف منافٍ لذلك، فقدم السواك، انتهى ما قاله الزرقاني مختصراً. (١) (٢٠٢/٢). ٣٥١ ١٧ - كتاب الصيام (٢٢) باب (٦٢٠) حديث وقال الحافظ في ((التلخيص)) (١): في استدلال الأصحاب بهذا الحديث على كراهية الاستياك بعد الزوال نظر، وقال أيضاً في موضع آخر (٢): روى الطبراني بإسناد جيد عن عبد الرحمن بن غنم، قال: سألت معاذ بن جبل: أأتسوَّك وأنا صائم؟ قال: نعم، قلت: أي النهار؟ قال: غدوة أو عشية، قلت: إن الناس يكرهونه عشية، ويقولون: إن رسول الله وَ ل وقال: «لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك))، قال: سبحان الله، لقد أمرهم بالسواك، وما كان بالذي يأمرهم أن يببسوا بأفواههم عمداً ما في ذلك من الخير شيء، بل فيه شرٌّ. وقال القاري(٣): لنا ما روى ابن ماجه والدارقطني من حديث عائشة مرفوعاً: ((من خير خصال الصائم السواك))(٤)، والخلوف تغير رائحة الفم من خلو المعدة، وذلك لا يزال بالسواك، قال ابن الهمام: بل إنما يزيل أثره الظاهر عن السن من الاصفرار، ولذا روي عن معاذ مثل ما قلنا، روى الطبراني عن عبد الرحمن بن غنم سألت معاذ بن جبل: أتَسَوَّكُ وأنا صائم؟ قال: نعم، قلت: أيَّ النهار؟ الحديث تقدم قريباً. وفي آخره: سبحان الله، لقد أمرهم بالسواك، وهو يعلم أنه لا بد بفي الصائم خلوف وإن استاك، وما كان بالذي يأمرهم أن يُنْتِنُوا أفواههم عمداً، ما في ذلك من الخير شيء بل فيه شر، إلا من ابتلي ببلاء لا يجد منه بداً، قال: وكذا الغبار في سبيل الله، لقوله عليه السلام: ((من اغبرَّتْ قدماه في سبيل الله حرَّمه الله على النار))، إنما يُؤْجَرُ عليه من اضطرَّ إليه ولم يجد عنه محيصاً، فأما من ألقى نفسه عمداً فما له في ذلك من الأجر شيء. (١) انظر: ((تلخيص الحبير)) (٩١/١). (٢) ((تلخيص الحبير)) (٢/ ٨٠١). (٣) (مرقاة المفاتيح)) (٢٦٧/٤). (٤) أخرجه الدار قطني (٢٠٣/٢). ٣٥٢ ١٧ - كتاب الصيام (٢٢) باب (٦٢٠) حديث قَالَ يَحْيَى: وَسَمِعْتُ مَالِكاً يَقُولُ فِي صِيَامِ سِتَّةِ أَيَّامِ بَعْدَ الْفِطْرِ مِنْ رَمَضَانَ: إِنَّهُ لَمْ يَرَ قيل: ويدخل في ذلك من تكلف الدوران تكثيراً للمشي إلى المساجد نظراً إلى قوله وَله: ((وكثرة الخطا إلى المساجد))، ومن تصنع في طلوع الشيب لقوله وَلّ: ((من شاب شيبة في الإسلام))، إنما يؤجر عليهما من بُلِيَ بهما، وفي المطلوب أيضاً أحاديث مضعفة نذكر منها شيئاً للاستشهاد والتقوية، وإن لم يحتج إليه في الإثبات. منها: ما رواه البيهقي(١) عن إسحاق الخوارزمي سألت عاصماً الأحول أيستاك الصائم بالسّواك الرطب؟ قال: نعم، أتراه أشد رطوبة من الماء؟ قلت: أول النهار أو آخره؟ قال: نعم، قلت: عمّن - رحمك الله _؟ قال: عن أنس عن النبي ◌ُّ، وروى ابن حبان عن ابن عمر قال: كان النبي وَلّ يستاك آخر النهار، وهذا هو الصحيح عن ابن عمر من قوله، قلنا: كفى ثبوته عن ابن عمر مع تعدد الضعيف فيه مع عمومات الأحاديث الواردة في فضل السواك، الشاملة لما قبل الزوال وما بعده، فلا يحتاج الحنفية والمالكية إلى دليل خصوصاً إذا ورد عن الصحابة فعلهم وإفتاؤهم على جوازه بعد الزوال. وكيف يصلح بعد هذا كله أن يكون حديث الخلوف دليلاً للشافعي - رضي الله عنه -، ومن تبعه على منعه بعد الزوال وصرف الإطلاق إلى ما قبل الزوال من غير دليل صريح أو تعليل صحيح؟ وهل هو إلا مبالغة في فضيلة الصوم؟ كما يبالغ أحد ويقول: لعَرَقُ فلانٍ الذي يحصل حال كدّه في آخر النهار عندي أحسن من ماء الورد، فيكون فيه دلالة على كراهة إزالة العرق بالاغتسال، انتهى. (قال يحيى: وسمعت مالكاً) - رضي الله عنه - (يقول في صيام ستة أيام) من شوال (بعد الفطر من) صيام (رمضان: إنه لم ير) هكذا في جميع النسخ (١) ((السنن الكبرى)) (٢٧٢/٤). ٣٥٣ ١٧ - كتاب الصيام (٢٢) باب (٦٢٠) حديث أَحَداً مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْفِقْهِ يَصُومُهَا، وَلَمْ يَبْلُغْنِي ذُلِكَ عَنْ أَحَدٍ مِنَ السَّلَفِ، وَإِنَّ أَهْلَ الْعِلْم يَكْرَهُونَ ذُلِكَ، ويَخَافُونَ بِدْعَتَهُ، وَأَنْ يُلْحِقَ، بِرَمَضَانَ مَا لَيْسَ مِنْهُ، أَهْلُ الْجَهَالَةِ وَالْجَفَاءِ، لَوْ رَأَوْا فِي ذُلِكَ رُخْصَةَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَرَأَوْهُمْ يَعْمَلُونَ ذُلِكَ. المصرية والهندية إلا في نسخة ((المنتقي)) ففيها: إني لم أر. (أحداً من أهل العلم والفقه) ممن رآهم وهم التابعون (يصومها و) يقول أيضاً: (لم يبلغني ذلك) أي صوم ست من شوال (عن أحد من السلف)، أي: الذين لم أدركهم وهم الصحابة وكبار التابعين. ! (وإن أهل العلم) هذا ترقٍ مما قال أولاً، (يكرهون ذلك) الصيام (ويخافون بدعته)، أي: يخافون من أن يدخل في الدين ما ليس منه (و) يخافون أيضاً (أن يُلْحِقَ) بضم الياء وكسر الحاء ببناء الفاعل، وسيأتي فاعله، (برمضان ما ليس منه)، مفعول لقوله: يلحق، (أهل الجهالة) بالرفع، فاعله، (والجفاء) أي الغلظة والفظاظة، (لو رأوا في ذلك) أي في هذه الستة (رخصة) بالنصب، مفعول، وفي نسخة ((المنتقى)) بدله: خفة، يعني أهل الجهالة لو رأوا أهل العلم أنهم لا يشددون في ترك هذه الصيام لأدخلوها في رمضان، كما زاد أهل الكتاب في صيامهم (عند أهل العلم) ظرف لرخصة (ورأوهم) أي أهل العلم (يعملون ذلك) أي صيام هذه الأيام. اعلم أن صوم ست من شوال مختلف عند الأئمة، قال الخرقي: من صام شهر رمضان وأتبعه بست من شوال وإن فرّقها فكأنه صام الدهر، قال الموفق(١): وجملة ذلك أن صوم الستة مستحب عند كثير من أهل العلم، روي ذلك عن كعب الأحبار والشعبي وميمون بن مهران، وبه قال الشافعي، وكرهه مالك، وقال: ما رأيت إلى آخر ما تقدم في ((الموطأ)). (١) ((المغني)) (٤٣٨/٤). ---. ٣٥٤ .-- ١٧ - كتاب الصيام (٢٢) باب (٦٢٠) حديث ولنا ما روى أبو أيوب مرفوعاً: ((من صام رمضان)) ... الحديث، وقال أحمد: روي هذا عن النبي ◌َل﴿ بثلاثة أوجهٍ، وروى ثوبان مرفوعاً: ((من صام رمضان، شَهْرٌ بعشرة أشهر))، الحديث. ولا يجري هذا مجرى التقديم لرمضان لأن يوم الفطر فاصل. فإن قيل: فلا دليل في هذا الحديث على الفضيلة؛ لأنه وَل شبّه صيامها بصيام الدهر وهو مكروه. قلنا: إنما كره صوم الدهر لما فيه من الضعف والتشبه بالتبتل، لولا ذلك لكان ذلك فضلاً عظيماً، لاستغراقه بالعبادة والطاعة، والمراد بالخبر التشبيه في حصول العبادة به على وجه عَرِيٍّ عن المشقة، كما قال ◌َ: ((من صام ثلاثة أيام من كل شهر، كان كمن صام الدهر))، ذكر ذلك حثاً على صيامها وبيان فضلها، ولا خلاف في استحبابها . وإذا ثبت هذا فلا فرق بين كونها متتابعةً أو مفرقةً في أول الشهر أو في آخره، لأن الحديث ورد بها مطلقاً من غير تقييد، ولأن فضيلتها لكونها تصير مع الشهر ستة وثلاثين يوماً، والحسنة بعشر أمثالها، وهذا المعنى يحصل مع التفريق، انتهى. قال النووي: مذهب الشافعي وأحمد وداود وموافقيهم استحباب صوم هذه الستة، وقال مالك وأبو حنيفة: یکره ذلك، انتهى. قلت: لا خلاف في استحبابها عند الشافعية، بل يتأكد عندهم كما في فروعهم، ففي ((شرح الإقناع)): يتأكد صوم ستة من شوال، وتتابعها عقب العيد أفضل، انتهى. وكذلك سنة عند الحنابلة كما في ((نيل المآرب)) وغيره. وأما الإمام مالك - رضي الله عنه - فالمشهور في شروح الحديث وكتب الخلافيات كـ((البداية)) وغيره الكراهة عنده مطلقاً، مخافة أن يلحق الناس ٣٥٥ ١٧ - كتاب الصيام (٢٢) باب (٦٢٠) حديث برمضان ما ليس منه، أو لعله لم يبلغه الحديث(١)، أو لم يصح عنده. قال ابن رشد (٢): وهو الأظهر، لكن قال الدردير في ((الشرح الكبير))(٣): ستة من شوال تُكْره لمقتدى به متصلة برمضان متتابعة، وأظهرها معتقداً سنة اتصالها، قال الدسوقي: فالكراهة مقيدة بهذه الأمور الخمسة، فإن انتفى قيد منها فلا كراهة، ثم ذكر الكلام على هذه القيود، إلا أن شُرَّاح الحديث المالكيين أطلقوا الكراهة، وأجابوا عما يرد من الروايات، فالظاهر هو المذهب المختار عندهم. وأما الحنفية فاختلفت النقول عنهم، واختلف أهل فروعهم في ذلك، ففي ((البحر الرائق)): ومن المكروه صوم ستة من شوال عند أبي حنيفة متفرقاً كان أو متتابعاً، وعن أبي يوسف كراهته متتابعاً لا متفرقاً، لكن عامة المتأخرين لم يروا به بأساً، انتهى. وعدّها في ((نور الإيضاح)) وشرحه ((مراقي الفلاح)) من المندوبات. وفي ((البدائع)) (٤): ومنها - أي المكروهات - إتباع رمضان بست من شوال، كذا قال أبو يوسف: كانوا يكرهون أن يُتْبعوا رمضان صوماً، خوفاً أن يلحق ذلك بالفرضية، وكذا روي عن مالك، ثم قال: والإتباع المكروه هو أن يصوم يوم الفطر ويصوم بعده خمسة أيام، فأما إذا أفطر يوم العيد ثم صام بعده ستة أيام فليس بمكروه، بل هو مستحب وسنة، انتهى. (١) قال ابن عبد البر: ما أظن أن مالكاً جهل الحديث - والله أعلم - لأنه حديث مَدَنيُّ انفرد به عمر بن ثابت، وقد قيل: روى عنه مالك، ولولا علمه به ما أنكره .. وقد يمكن أن يكون جَهِلَ الحديثَ، ولو علمه لقال به، والله أعلم. انظر: ((الاستذكار)) (٢٥٩/١٠). (٢) ((بداية المجتهد)) (٣٠٩/١). (٣) (٥١٧/٢). (٤) ((بدائع الصنائع)) (٣١٥/٢). ٣٥٦ - -- -- .-- --- ١٧ - كتاب الصيام (٢٢) باب (٦٢٠) حديث وفي ((الدر المختار)) (١): ندب تفريق الست من شوال، ولا يكره التتابع على المختار، خلافاً للثاني - أي أبي يوسف - والإتباع المكروه أن يصوم الفطر وخمسة بعده، فلو أفطر الفطر لم يكره بل يستحب ويسن، ((ابن كمال))، انتهى . وبسط ابن عابدين في نصوص أهل المذهب في عدم الكراهة، ثم قال: وتمام ذلك في رسالة ((تحرير الأقوال في صوم الست من شوال)) للعلامة قاسم، وقد ردّ فيها على ما في منظومة التّاني(٢) وشرحها من عزوه الكراهة مطلقاً إلى أبي حنيفة، وأنه الأصح بأنه على غير رواية الأصول، وأنه صحح ما لم يسبقه أحد إلى تصحيحه، وأنه صحّح الضعيف، وعمد إلى تعطيل ما فيه الثواب الجزيل بدعوى كاذبة بلا دليل، ثم ساق كثيراً من نصوص كتب المذهب، فراجعها، انتهى. فعُلِم بذلك كله أن المرجح عند الحنفية هو الندب، وما حُكي عنهم خلاف ذلك إما مرجوح غير رواية الأصول أو محمول على صوم يوم العيد، واستدل من قال: بندب ذلك بحديث أبي أيوب - رضي الله عنه - عن رسول الله ◌َ﴾ قال: ((من صام رمضان ثم أتبعه ستاً من شوال فذاك صيام الدهر))، رواه الجماعة إلا البخاري والنسائي، كذا في ((المنتقى))(٣)، وزاد المنذري في ((الترغيب)): والنسائي والطبراني، وقال: رواته رواة الصحيح. وقال الحافظ في ((التلخيص))(٤): وجمع الدمياطي طرقه، وفي الباب عن (١) (٤٨٥/٣). (٢) انظر: ((كشف الظنون)) (١٨٦٧/٢). (٣) (٣١٩/٣). (٤) (٨١٩/٢). ٣٥٧ ١٧ - كتاب الصيام (٢٢) باب (٦٢٠) حديث جابر، رواه أحمد بن حنبل وعبد بن حميد والبزار، وعن ثوبان أخرجه النسائي وابن ماجه وأحمد والدارمي والبزار. وقال المنذري: وابن خزيمة وابن حبان في ((صحيحيهما))، وعن أبي هريرة رواه البزار من طريق زهير بن محمد عن العلاء عن أبيه عنه، ومن طريق زهير أيضاً عن سهيل عن أبيه عنه، وأخرجه أبو نعيم من طريق المثنى بن الصباح أحد الضعفاء عن المحرر بن أبي هريرة عن أبيه، ورواه الطبراني في ((الأوسط)) من أوجه أخرى ضعيفة. وقال المنذري(١): رواه البزار، وأحد طرقه عنده صحيح(٢)، ورواه الطبراني بإسناد فيه نظر، وعن ابن عباس أخرجه الطبراني في ((الأوسط)) أيضاً، وعن البراء بن عازب أخرجه الدارقطني، انتهى. قال المنذري: وروي عن ابن عمر - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله ◌َ: ((من صام رمضان وأتبعه ستاً من شوال خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه))، رواه الطبراني في ((الأوسط))، انتهى. قلت: وما أورد على بعضها من الضعف منجبر بكثرة الطرق على أن مثل ذلك مُغتفر في الفضائل. ثم قال شارح ((الإحياء)): وفي ((كتاب الشريعة)): جعلها الشارع سناً، ولم يجعلها أكثر أو أقل، وبيَّن أن ذلك صوم الدهر، لقوله تعالى: ﴿مَنْ جَآءَ بِالْحَسَنَةِ﴾ الآية، على هذا أكثر العلماء، وهذا فيه حدٌّ مخصوص، وهو أن يكون عدد رمضان ثلاثين يوماً، فإن نقص نزل هذه الدرجة، وعندنا أنه تجبر، فهذه الستة من صيام الدهر ما نقصه بالفطر في الأيام المحرم صومها، وهي ستة أيام: يوم الفطر ويوم النحر وثلاثة أيام التشريق ويوم السادس عشر من (١) ((الترغيب والترهيب)) (١١١/٢). (٢) في الأصل صحيحة، وهو تحريف. ٣٥٨ ١٧ - كتاب الصيام (٢٢) باب (٦٢٠) حديث وقَالَ يَحْبَى: سَمِعْتُ مَالِكاً يَقُولُ: لَمْ أَسْمَعْ أَحَداً مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْفِقْهِ، وَمَنْ يُقْتَدَى بِهِ، يَنْهَى عَنْ صِيَامٍ يَوْمِ الجُمُّعَةِ، وَصِيَامُهُ حَسَنٌّ، شعبان، فجبر بهذه الستة الأيام ما نقص بأيام تحريم الصوم فيها، والاعتبار الآخر، وهو المعتمد عليه في صوم هذه الأيام من كونها ستة لا غير، لأن الله تعالى خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام، وإنا نحن المقصود بذلك الخلق، فأظهر في هذه الستة الأيام من أجلنا ما أظهر من المخلوقات، فكان سبحانه لنا في تلك الأيام فجعل لنا صوم هذه الستة الأيام في مقابلة تلك؛ لأن نكون فيها متصفين بما هو له وهو الصوم كما اتصف هو بما هو لنا وهو الخلق، انتهى. قلت: والعمدة من هذه الوجوه هو الأول، وما قال بتحديده بثلاثين يوماً لا يرد بعدما ورد ((شهرا عيد لا ينقصان، رمضان وذو الحجة))، ولا يذهب عليك أن ما عَدَّه في الوجه الثاني من صوم السادس عشر من شعبان هو مبنيٌّ على ما حققه في موضع آخر من كتابه، من أن النهي في قوله عليه السلام: ((إذا انتصف شعبان فلا تصوموا)) أن المراد منه نهي اليوم السادس عشر منه. وأفاد شيخ مشايخنا الدهلوي في ((حجة الله))(١): أن السِّرَّ في مشروعيتها أنها بمنزلة السنن الرواتب في الصلاة تكمل فائدتها بالنسبة إلى أمزجة لم تتم فائدتها بهم، وإنما خص الست للتشبه بصوم الدهر، انتهى مختصراً. (قال يحيى: وسمعت مالكاً يقول: لم أسمع أحداً من أهل العلم والفقه، ومن يقتدى به)، ببناء المجهول، أي: يُتَّبَعُ بقوله وفعله، عطف على أهل العلم، (نهى) بصيغة الماضي في النسخ الهندية، وينهى بصيغة المضارع في المصرية، (عن صيام يوم الجمعة، وصيامُه) بالرفع، مبتدأ، و (حسن) خبره، (١) ((حجة الله البالغة)) (٥٥/٢). ٣٥٩ ١٧ - كتاب الصيام (٢٢) باب (٦٢٠) حديث وَقَدْ رَأَيْتُ بَعْضَ أَهْلِ الْعِلْمِ يَصُومُهُ، وَأُرَاهُ كَانَ يَتَحَرَّاهُ. يعني مستحب، (وقد رأيت بعض أهل العلم) قال أبو عمر: قيل: إنه محمد بن المنكدر، وقيل: صفوان بن سليم (يصومه) أي يوم الجمعة، (وأراه) بضم الهمزة (كان يتحراه) أي يقصده ولم يكن صومه ذاك اتفاقياً، كلام ظاهر المصنف: أنه ندب إلى صوم الجمعة. لكن قال الباجي: أتى به إخباراً لا اختياراً لفعله، لرواية ابن القاسم كراهة صوم يوم موقَّت أو شهر، وقال عياض: لعل قول مالك يرجع إلى قول الجمهور بالكراهة، وإنما حكي صومه عن غيره، وظنه أنه كان يتحراه، ولم يقل عن نفسه: وأنا أراه وأحبه، قاله الزرقاني(١). قلت: لكن نص فروع المالكي الندب، ورواية القاسم لا تنافيه، فإن كراهة التوقيت أمر آخر، وكراهة الجمعة للتخصيص بها أمر آخر، واعلم أن الروايات في صوم يوم الجمعة مختلفة جداً، ولذا اختلفت الأئمة فيه على أقوال. قال العيني(٢): اختلفوا فيه على خمسة أقوال؛ أحدها: كراهته مطلقاً، وهو قول النخعي والشعبي والزهري ومجاهد، وقد روي ذلك عن علي، وقد حكى أبو عمر عن أحمد وإسحاق كراهته مطلقاً، ونقل ابن المنذر وابن حزم منع صومه عن علي، وأبي هريرة، وسلمان، وأبي ذر، وشَبَّهوه بيوم العيد، ففي الحديث الصحيح: أن النبي ◌َّ﴿و قال: ((إن هذا يوم جعله الله عيداً))، وروى النسائي من حديث أبي سعيد الخدري مرفوعاً: ((لا صيام يوم عيد)). القول الثاني: الإباحة مطلقاً من غير كراهة، وروي ذلك عن ابن عباس ومحمد بن المنكدر، وهو قول مالك وأبي حنيفة ومحمد بن الحسن. (١) ((شرح الزرقاني)) (٢٠٣/٢). (٢) ((عمدة القاري)) (١٠٤/١١). ٣٦٠ --