Indexed OCR Text
Pages 321-340
١٧ - كتاب الصيام (٢٢) باب (٦١٦) حديث وَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَ اسْتَكْمَلَ صِيَامَ شَهْرٍ قَظْ إِلَا رَمَضَانَ، وَمَا رَأَيْتُهُ فِي شَهْرٍ أَكْثَرَ صِيَاماً مِنْهُ فِي شَعْبَانَ. أخرجه البخاريّ في: ٣٠ - كتاب الصوم، ٥٢ - باب صوم شعبان. ومسلم في: ١٣ - كتاب الصيام، ٣٤ - باب صيام النبيّ ◌َّ في غير رمضان، حديث ١٧٥ . داوم عليها))، وفي رواية أخرى: ((وكان عمله ديمة))، لأن المراد بذلك ما اتخذه راتباً لا مطلق النافلة، فهذا وجه الجمع بين الحديثين، وإلا فظاهرهما التعارض، انتهى. (وما رأيت رسول الله مَّل استكمل صيام شهر قط). هذا بمنزلة الاستثناء من الكلام السابق (إلا رمضان) وإنما لم يستكمل صيام غير رمضان لئلا يُظَنَّ وجوبه (وما رَأَيته) وَّ (في شهر أكثر) بالنصب، ثاني مفعولي رأيت (صياماً) بالنصب، على التمييز، وروي بالخفض، قال السهيلي: وهو وهم، كأنه كتب بلا ألف على لغة من يقف على المنصوب المنون بدون ألف، فتوهمه مخفوضاً، أو ظن بعض الرواة أنه مضاف إليه، لأن صيغة أفعل تضاف كثيراً، فتوهمها مضافة، وهي ممتنعة ههنا قطعاً، (منه) وَّر (في شعبان) متعلق بصياماً، وذكر القاري الوجوه المختلفة في تركيب الحديث، والمعنى: كان ◌َّ يصوم في شعبان وغيره، وكان صيامه في شعبان تطوعاً أكثر من صيامه فيما سواه، قاله الحافظ . وههنا أربعة أبحاث: الأول: اختلفت الروايات في صيامه 18 بشعبان، وفي حديث الباب: أنه وَّ يكثر الصيام في شعبان، فظاهره أنه لا يستوعبه بالصيام، لكن قال الحافظ(١): زاد في حديث يحيى بن أبي كثير: ((فإنه كان يصوم شعبان کله))، (١) ((فتح الباري)) (٢١٤/٤). ٣٢١ ١٧ - كتاب الصيام (٢٢) باب (٦١٦) حديث وروى أبو داود(١) من حديث أبي سلمة عن أم سلمة: ((لم يكن يصوم في السنة شهراً كاملاً إلا شعبان، يصله برمضان)) وروى الترمذي(٢) من حديث سالم بن أبي الجعد عن أبي سلمة عن أم سلمة: قالت: ((ما رأيت رسول الله قل يصوم شهرين متتابعين إلا شعبان ورمضان)) كذا في ((العيني)). وفي حديث أبي سلمة عن عائشة عند مسلم: ((كان يصوم شعبان إلا قليلاً)) وفي ((المشكاة): قالت: ((كان يصوم شعبان كله، وكان يصوم شعبان إلا قليلاً)). متفق عليه. وعن عبد الله بن شقيق: قلت لعائشة: أكان النبي وَلة. يصوم شهراً كله؟ قالت: ((ما علمته صام شهراً كله إلا رمضان، ولا أفطره كله حتى يصوم منه حتى مضى لسبيله)) رواه مسلم. واختلف أهل العلم في الجمع بين هذه الروايات، فقال الحافظ(٣): نقل الترمذي عن ابن المبارك: أنه قال: جائز في كلام العرب إذا صام أكثر الشهر أن يقول: صام الشهر كله، ويقال: فلان قام ليلته أجمع، ولعله قد تعشَّى أو اشتغل ببعض أمره، وحاصله: أن إحدى الروايات مفسرة للأخرى مخصّصة لها، وأن المراد بالكل الأكثر، وهو مجاز قليل الاستعمال. واستبعده الطيبي(٤)، قال: لأن الكل تأكيد لإرادة الشمول، ورفع التجوز، فتفسيره بالبعض منافٍ له، قال: فيحمل على أنه كان يصوم شعبان كله تارة، ويصوم معظمه أخرى، لئلا يتوهم أنه واجب كله كرمضان، وقيل: المراد بقولها: ((كله)) أنه كان يصوم من أوله تارة وآخره أخرى، ومن أثنائه طوراً، فلا يُخْلِي شيئاً منه من صيام، ولا يخص بعضه بصيام دون بعض. (١) ((سنن أبي داود)) (٢٣٣٦). (٢). ((سنن الترمذي)) (٧٣٦). (٣) ((فتح الباري)) (٢١٤/٤). (٤) ((شرح الطيبي) (١٦٠٤/٥) و((مرقاة المفاتيح)) (٢٨٤/٤). ٣٢٢ -- ١٧ - كتاب الصيام (٢٢) باب (٦١٦) حديث ٠ ٠ قال الزين بن المنير: إما أن يحمل قول عائشة على المبالغة، والمراد الأكثر، وإما أن يجمع بأن قولها الثاني متأخر عن قولها الأول، فأخبرت عن أول أمره أنه كان يصوم أكثر شعبان، وأخبرت ثانياً عن آخر أمره أنه كان يصومه کله. قال الحافظ: ولا يخفى تكلفه، والأول هو الصواب، ويؤيده رواية عبد الله بن شقيق عن عائشة عند مسلم، وسعد بن هشام عنها عند النسائي، ولفظه: ((ولا صام شهراً كاملاً قط منذ قدم المدينة غير رمضان)) وكذا في حديث ابن عباس عند البخاري: ((قال: ما صام النبي بَر شهراً كاملاً قط غير رمضان)) انتهى. فهذه أربعة توجيهات في الجمع بين مختلف الروايات. والخامس: ما في ((الباجي)) (١): يحتمل أن تريد بقولها: ما استكمل صيام شهر قط غير رمضان، أنه استكمله على وجه التعيين والتخصيص له، وما روي: أنه كان يصوم شعبان كله، لم يكن على وجه التعيين له، وقد روي عن عبد الله بن سفيان: قلت لعائشة - رضي الله عنها -: هل كان رسول الله وَلّ له صوم معلوم سوى رمضان؟ قالت: والله إن صام شهراً معلوماً سوى رمضان حتى مضى لوجهه، الحديث. فقولها: ((شهراً معلوماً)» يقتضي أن يكون معلوماً بصومه، وهذا لا يمنع أن يكون صامه على غير هذا الوجه، انتهى. قلت: وحديث شهر معلوم أخرجه مسلم من حديث عبد الله بن شقيق عن عائشة، ومختار الحافظ الأول، كما ترى، وهو مختار النووي وابن القيم، ولم يرتض عنه العيني، فقال: قالوا: معنى ((كله)) أكثره، فيكون مجازاً، وفيه نظر من وجوهٍ، ثم قال بعد ذكر وجوه النظر: فالأحسن أن يقال: إنه باعتبار عامين فأكثر، فكان يصومه كله في بعض السنين، وأكثره في بعض السنين، قال (١) ((المنتقى)) (٧٣/٢). ٣٢٣ ١٧ - كتاب الصيام (٢٢) باب (٦١٦) حديث القاري: وهو أقرب لظاهر اللفظ، قلت: وهو مختار الطيبي كما حكاه الأبي. والبحث الثاني: في الحكمة في إكثاره وّ من صوم شعبان، قال الحافظ (١): اختلف في ذلك، فقيل: كان يشتغل عن صوم الثلاثة أيام من كل شهر لسفر أو غيره، فتجتمع، فيقضيها في شعبان، أشار إلى ذلك ابن بطال، وفيه حديث ضعيف، أخرجه الطبراني في ((الأوسط)) من طريق ابن أبي ليلى عن عائشة: ((كان رسول الله وَ﴾ يصوم ثلاثة أيام من كل شهر))، فربما أخر ذلك حتى يجتمع عليه صوم السنة فيصوم شعبان، وابن أبي ليلى ضعيف، وقيل: كان يصنع ذلك لتعظيم رمضان، ورد فيه حديث آخر، أخرجه الترمذي عن أنس من طريق صدقة، قال: سُئل النبي ◌َّ: أي الصوم أفضل بعد رمضان؟ قال: ((شعبان لتعظيم رمضان)). قال الترمذي: حديث غريب، وصدقة عندهم ليس بذاك القوي. قال الحافظ: ويعارضه رواية مسلم من حديث أبي هريرة مرفوعاً: ((أفضل الصَّوم بعد رمضان صوم المحرم))، وقيل: الحكمة فيه أن نساءه وَل كن يقضين ما عليهن من رمضان في شعبان، وهذا عكس ما تقدم في الحكمة في كونهن يؤخرن قضاء رمضان إلى شعبان لكونهن يشتغلن معه ◌َ ل#، وقيل: الحكمة في ذلك أنه يعقبه رمضان، وصومه مفترض، وكان يكثر من الصوم في شعبان قدر ما يصوم في شهرين غيره، لما يفوته من التطوع بذلك في أيام رمضان، واختاره الداودي. والأولى في ذلك ما جاء في حديث أصح مما مضى، أخرجه النسائي وأبو داود وصححه ابن خزيمة عن أسامة بن زيد، قال: ((قلت: يا رسول الله، لم أرك تصوم من شهر من الشهور ما تصوم من شعبان؟ قال: ذاك شهر يغفل (١) ((فتح الباري)) (٢١٤/٤). ٣٢٤ ۔ ٠٠٠ --- ١٧ - كتاب الصيام (٢٢) باب (٦١٦) حديث الناس عنه بين رجب ورمضان، وهو شهر ترفع فيه الأعمال إلى رب العالمين، فأحبّ أن يرفع عملي وأنا صائم))، ونحوه من حديث عائشة عند أبي يعلى، لكن قال فيه: ((إن الله يكتب كل نفس ميتة تلك السنة، فأحب أن يأتيني أجلي وأنا صائم»، انتهى. واختار هذا القول الأخير العيني(١)، وأيده بروايات عديدة ذكر فيها نسخ الأجل ورفع الأعمال وغير ذلك، وجمع المحب الطبري هذه الأقوال، فقال: فيه ستة أقوال، أحدها: أنه كان يلتزم صوم ثلاثة أيام من كل شهر، فربما تركها فيتداركها فيه، الثاني: تعظيماً لرمضان، الثالث: ترفع فيه الأعمال، الرابع: لأنه يغفل فيه الناس. قلت: وحاصل هذا الوجه أنه شهر يكتنفه شهران عظيمان: الشهر الحرام، وشهر الصيام، يشتغل بهما الناس، فيصير مغفولاً عنه، الخامس: تنسخ فيه الآجال، السادس: كن نساؤه يصمن فيه، زاد العيني، وقيل: يجوز أنه كان يصوم صوم داود - عليه السلام - فيبقى عليه بقيةٌ يعملها في هذا الشهر . والثالث: ما قاله الحافظ: لا تعارض بين ما تقدم وبين الأحاديث التي ورد في النهي عن تقدم رمضان بصوم يوم أو يومين، وكذا ما جاء من النهي عن صوم نصف شعبان الثاني، فإن الجمع بينهما ظاهر بأن يحمل النهي على من لم يدخل تلك الأيام في صيام اعتاده. وأجاب العيني عن أحاديث النهي عن صوم النصف من شعبان، فقال: أما أولاً فقد اختلف في صحة هذا الحديث، فصحّحه الترمذي وابن حبان وابن عساكر وابن حزم، وضعفه أحمد فيما حكاه البيهقي عن أبي داود قال: (١) ((عمدة القاري)) (١٨٧/٨). ٣٢٥ ١٧ - كتاب الصيام (٢٢) باب (٦١٦) حديث قال أحمد: هذا حديث منكر، قال: وكان عبد الرحمن لا يحدث به، وأما ثانياً فقال قوم ممن لا يقول بحديث العلاء، أي بحديث النهي: بأن أبا هريرة كان يصوم في النصف الثاني من شعبان، فدل على أن ما رواه منسوخ، وقيل: يحمل النهي على من لم يدخل تلك الأيام في صيام أو عبادة (١)، انتهى. وقال الموفق(٢) في حديث العلاء: قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح إلا أن أحمد قال: ليس هو بمحفوظ، قال: وسألنا عنه عبد الرحمن بن مهدي، فلم يصححه، ولم يحدثني به، وكان يتوقاه، قال أحمد: والعلاء ثقة لا ينكر من حديثه إلا هذا، لأنه خلاف ما روي عن النبي ◌َّ ي أنه كان يصل شعبان برمضان، ويحمل هذا الحديث على نفي الاستحباب في حق من لم يصم قبل نصف الشهر، وحديث عائشة في صلة شعبان برمضان في حق من صام الشهر كله، انتهى. قلت: ويمكن الجمع بينهما بما تقدم عن الزرقاني(٣)، وحكاه عن الجمهور: أن النهي هو على تحريه من رمضان لا لغيره، أو على تعظيم رمضان، كما تقدم عن القاضي عياض، وقال ابن القيم(٤): والنصوص التي حكيناها عن رسول الله وَ ل﴿ من فعله وقوله، إنما تدل على أنه لا يجب صوم يوم الإغمام، ولا تدل على تحريمه، فمن أفطره، أخذ بالجواز، ومن صامه، أخذ بالاحتياط، انتهى. والرابع: يُشكل على إكثاره وَّ الصيام في شعبان بما صح في مسلم من (١) كذا في الأصل والظاهر صيام اعتاده، اهـ. ((ش)). (٢) ((المغني)) (٤/ ٣٢٧). (٣) انظر: ((شرح الزرقاني)) (١٩٥/٢). (٤) ((زاد المعاد)) (٤٣/٢). ٣٢٦ ١٧ - كتاب الصيام (٢٢) باب (٦١٧) حديث ٦١٧ /٥٧ - وحدّثني عَنْ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﴾ قَالَ: ((الصِّيَامُ جُنَّةٌ، .. حديث أبي هريرة مرفوعاً: ((أفضل الصوم بعد رمضان شهر الله المحرم))، مع أنه وَّ لم يكثر الصيام فيه، قال الحافظ (١): أجاب عنه النووي بأنه يحتمل أن يكون ما علم ◌َّ ذلك إلا في آخر عمره، فلم يتمكن من كثرة الصوم في المحرم، أو اتفق له فيه الأعذار بالسفر والمرض مثلاً ما منعه من كثرة الصوم فیه، انتھی. قلت: ويمكن أن يجاب بما ورد في رواية الترمذي(٢) عن أنس: سئل النبي ◌ّ﴾: أي الصوم أفضل بعد رمضان؟ قال: ((شعبان لتعظيم رمضان)). الحديث، فتساوى المحرم وشعبان في الأفضلية، وترجح شعبان بالإكثار لوجوه أخر تقدمت، وفيه: أن ما رواه الترمذي لا يقاوم ما رواه مسلم، كما قاله الحافظان ابن حجر والعيني، وقال الترمذي: هذا حديث غريب، وصدقة بن موسى ليس عندهم بذاك القوي، اللهم إلا أن يقال: إن رواية الترمذي مؤيدة بفعله رَ* فانجبر ضعفه. والأوجه عندي في الجواب: أن لفظ ((من)) مقدَّرٌ في حديث مسلم، كما هو معروف في أمثال ذلك، فلا يستلزم حينئذ أفضلية المحرم على سائر الشهور، ولا يعارض أيضاً بما في مسلم من أن صيام عاشوراء يُكَفِّر السنة التي قبله، وصيام عرفة يُكَفِّر السنة التي قبله والسنة التي بعده، ويمكن أيضاً أن يكون فضل المحرم قرب زمان وجوبه، ثم نزلت فضائل الشهور الأخر، فتأمل. ٥٧/٦١٧ - (مالك، عن أبي الزناد) عبد الله بن ذكوان (عن الأعرج) عبد الله(٣) بن هرمز (عن أبي هريرة أن رسول الله يلر قال: الصيام جُنَّة). ليس (١) ((فتح الباري)) (٢١٥/٤). (٢) أخرجه الترمذي حديث (٦٦٣). (٣) كذا في الأصل، والصواب عبد الرحمن بن هرمز. ٣٢٧ ١٧ - كتاب الصيام (٢٢) باب (٦١٧) حديث في رواية أبي داود: ((الصيام جنة))، وذكر ابن عبد البر في (التمهيد)) الاختلاف على مالك في هذا اللفظ، كذا في ((شرح الإحياء))، وهو بضم الجيم وشدة النون: الوقاية والستر، والجُنَّة كل ما ستر، ومنه المِجَنُّ، وهو الترس، ومنه سُمِّي الجن لاستتارهم عن الأعين، والجنان لاستتارها بورق الأشجار، قاله (١) العيني(١). زاد الترمذي وغيره: ((جُنَّةٌ من النار))، ولأحمد: ((جنة وحصن حصين من النار))، والنسائي: ((جنة كجنة أحدكم من القتال))، وللطبراني: ((جنة يستجِنّ بها العبد من النار))، وللبيهقي: ((جنة من عذاب الله))، ذكرها الحافظ مفصلاً، ثم قال: وقد تبين بهذه الروايات متعلق هذا الستر، وأنه من النار، وبهذا جزم ابن عبد البر(٢)، وأما صاحب ((النهاية)) فقال: معنى قوله: جُنَّةٌ أي: يقي صاحبه ما يؤذيه من الشهوات. وقال القرطبي: جُنَّةٌ أي: سُتْرة بحسب مشروعيته، فينبغي للصائم أن يصونه مما يفسده وينقص ثوابه، وإليه الإشارة بقوله: ((فإذا كان يومُ صومِ أحدكم فلا يرفث)) إلى آخره، ويصح أن يراد أنه سترة بحسب فائدته، وهو إضعاف شهوات النفس، وإليه الإشارة بقوله: ((يدع شهوته)). إلى آخره، ويصح أن يراد أنه سترة، فحسب ما يحصل من الثواب وتضعيف الحسنات. قال عياض في ((الإكمال)): سترة من الآثام أو من النار، أو من جميع ذلك، وبالأخير جزم النووي، قال ابن العربي: إنما كان الصوم جُنَّةً من النار؛ لأنه إمساك عن الشهوات، والنار محفوفة بالشهوات. (١) ((عمدة القاري)) (٩/٨). (٢) قال ابن عبد البر: قوله: ((جُنَّة)) فهي الوقاية والستر عن النار، وحسبك بهذا فضلاً للصائم. ((الاستذكار)) (٢٤٤/١٠). ٣٢٨ ١٧ - كتاب الصيام (٢٢) باب (٦١٧) حديث فَإِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ صَائِماً، فَلَا يَرْفُتْ، وَلَا يَجْهَلْ، قال المنذري في ((الترغيب)): رواه الطبراني في ((الأوسط)) من حديث أبي هريرة، وزاد قيل: وبِمَ يخرقها؟ قال: ((بكذب أو غيبة))، وفيه إشارة إلى أن الغيبة تضر بالصيام، وحكي عن عائشة وبه قال الأوزاعي: إن الغيبة تفطر الصائم، وتوجب عليه قضاء ذلك اليوم. وأفرط ابن حزم فقال: يبطله كل معصية من متعمد لها ذاكراً لصومه، سواء كانت فعلاً أو قولاً، لعموم قوله: ((فلا يرفث ولا يجهل))، ولقوله في رواية للبخاري: ((ومن لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه))، والجمهور وإن حملوا النهي على التحريم إلا أنهم خصوا الفطر بالأكل والشرب والجماع. ثم قال الحافظ(١): وأشار ابن عبد البر إلى ترجيح الصيام على غيره من العبادات، فقال: حسبك بكون الصيام جُنَّة من النار فضلاً. وروى النسائي بسند صحيح عن أبي أمامة: قلت: يا رسول الله، مُرْني بأمر آخذه عنك، قال: ((عليك بالصوم فإنه لا مثل له))، وفي رواية: ((لا عدل له))، والمشهور عند الجمهور ترجيح الصلاة. (فإذا كان أحدكم صائماً فلا يرفث) بالمثلثة وتثليث الفاء، قاله الزرقاني والعيني، أي: لا يفحش ولا يتكلم بالكلام القبيح. ويطلق أيضاً على الجماع ومقدماته وعلى ذكره مع النساء أو مطلقاً، ويحتمل أن النهي لما هو أعم منها . قال ابن رشد في ((البداية))(٢): جمهورهم على أن من سنن الصوم ومرغباته كف اللسان عن الرفث والخناء، لهذا الحديث، وذهب أهل الظاهر إلى أن الرفث يفطر وهو شاذّ، انتهى. (ولا يجهل) أي لا يفعل فعل الجهال کصياح، وسفه، وسخرية، ونحو ذلك. (١) انظر: ((فتح الباري)) (١٠٤/٤). (٢) ((بداية المجتهد)) (٣٠٧/١). ٣٢٩ ١٧ - كتاب الصيام (٢٢) باب (٦١٧) حديث فَإِنِ امْرُؤٌ قَاتَلَهُ أَوْ شَاتَمَهُ، قال الباجي(١): الجهل ضد العلم يتعدى بغير حرف جر، والجهل ضد الحلم يتعدّى بحرف الجر لقول العرب: جهل عليّ فلانٌ: تعدّى، فيعدونه بحرف الجر، قال الشاعر: ألا لا يجهلَنْ أحدٌ علينا فنجهل فوق جهل الجاهلينا ولسعيد بن منصور من طريق أبي صالح عن أبي هريرة: ((ولا يجادل))، وهذه الثلاثة ممنوعة مطلقاً لكنها تتأكد بالصوم، ولذا قال القرطبي: لا يفهم من هذا إباحة ذلك في غير الصوم، وإنما المراد أن المنع من ذلك يتأكد بالصوم. (فإن امرؤ) بتخفيف النون مع الفاء في أوله، وفي رواية: بالواو، قال العيني: كلمة ((إن)) مخففة موصولة بما بعده، تقديره: ((إن قاتله امرؤ))، ولفظ: ((قاتله)) يفسره، كما في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ أُسْتَجَارَكَ﴾(٢) أي: استجارك من المشركين (قاتله) قال عياض: قاتله دافعه ونازعه ويكون بمعنى شاتمه، ولاعنه، وقد جاء بالقتل بمعنى اللعن، (أو شاتمه) أي: تعرض للشتم. وأشكل ظاهر اللفظ بأن المفاعلة لا يستعمل إلا من فعل اثنين فكيف نسبته إلى الصائم؟ أجاب عنه الباجي: بأنه يحتمل ثلاثة أوجه، يحتمل أن يريد، فإن امرؤ أراد أن يشاتمه أو يقاتله فليمتنع من ذلك، وليقل: إني صائم، والثاني: أن لفظ المفاعلة وإن كانت أظهر في فعل الاثنين، إلا أنها قد تستعمل في فعل الواحد، فيقال: سافر الرجل، وعالج الطبيب المريض، والثالث: أن يريد إن وجدت المشاتمة منهما جميعاً فليذكر الصائم ولا يستديم المشاتمة والمقاتلة. قلت: والأوجه عندي في معناه أنه نسبة إلى الشاتم وهو غير صائم، وهو سبب الشتم من الصائم أيضاً، فنسبة المفاعلة إلى الشاتم باعتبار فعله وكونه سبباً، والفرق بين هذا وبين أول معاني الثلاثة للباجي ظاهر. (١) ((المنتقى)) (٧٣/٢)، و((الاستذكار)) (٢٤٥/١٠). (٢) سورة التوبة: الآية ٦. ٣٣٠ ٠٠ ١٧ - كتاب الصيام (٢٢) باب (٦١٧) حديث فَلْيَقُلْ: إِنِّي صَائِمٌ، إِنِّي صَائِمٌ)). أخرجه البخاريّ في: ٣٠ - كتاب الصوم، ٢ - باب فضل الصوم. ومسلم في: ١٣ - كتاب الصيام، ٣٠ - باب فضل الصيام، حديث ١٦٣. (فليقل: إني صائم، إني صائم)، مرتين في نسخ ((الموطأ))، وهكذا ضبطه الزرقاني. قال الحافظ (١): اتفقت الروايات كلها على أنه يقول: إني صائم،. فمنهم من ذكرها مرتين، ومنهم من اقتصر على واحدة، واختلف في المراد بهذا القول، هل يخاطب بها الذي يكلِّمه بذلك أو يقولها في نفسه؟ قال ابن عبد البر: يقوله بلسانه للمشاتم والمقاتل، أي: وصومي يمنعني من ذلك، وقيل: يقوله في نفسه، أي: فلا سبيل إلى شفاء غيظك ولا ينطق بإني صائم، لما فيه من الرياء واطلاع الناس عليه، لأن الصوم من العمل الذي لا يظهر، انتهى. وبالثاني جزم المتولي، ونقله الرافعي عن الأئمة، ورجح النووي الأول في ((الأذكار))، وقال في ((شرح المهذب)»: كل منهما حسن، والقول باللسان أقوى، ولو جمعهما لكان حسناً، ولهذا التردد أتى البخاري في ترجمته بالاستفهام، فقال: ((باب هل يقول: إني صائم إذا شتم؟)) وقال الروياني: إن كان رمضان فليقل بلسانه، وإن كان غيره فليقله في نفسه . وادّعى ابن العربي: أن موضع الخلاف في التطوع، أما في الفرض فيقوله بلسانه قطعاً، وأما تكرير قوله: فإني صائم فليتأكد الانزجار منه أو ممن يخاطبه بذلك، ونقل الزركشي: أن المراد يقوله مرتين، مرة بقلبه ومرة بلسانه، فيستفيد بقوله: بقلبه كف لسانه عن خصمه، وبقوله: بلسانه كف خصمه عنه، وتعقب بأن القول حقيقة باللسان، وأجيب بأنه لا يمنع المجاز، انتهى. (١) ((فتح الباري)) (١٠٤/٤). ٣٣١ ١٧ - كتاب الصيام (٢٢) باب (٦١٨) حديث ٥٨/٦١٨ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ أَبِي الزَّنَادِ، عَنِ الأَعْرَج، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَلهَ قَالَ: ((وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ ٥٨/٦١٨ - (مالك، عن أبي الزناد) عبد الله بن ذكوان، (عن الأعرج) عبد الرحمن بن هرمز، (عن أبي هريرة) - رضي الله عنه - (أن رسول الله وَلّ- قال: والذي) الواو للقسم، أقسم تأكيداً لكلامه الشريف، (نفسي بيده) أي: إن شاء أبقاها وإن شاء أفناها، وهو قسم كان يقسم به النبي ◌َّ في أكثر أحيانه، (لخلوف) بضم الخاء المعجمة واللام، وسكون الواو، بعدها فاء، قال عياض: هذه الرواية الصحيحة، وبعض الشيوخ يقوله بفتح الخاء، قال الخطابي: هو خطأ، وحكى القابسي الوجهين، وصوّب الضم، وبالغ النووي في ((شرح المهذب)) فقال: لا يجوز فتح الخاء، واتفقوا على أن المراد به تغير رائحة فم الصائم بسبب الصيام، وسيأتي الخلاف في معناه. (فم الصائم) فيه ردٌّ على من قال: لا تثبت الميم في الفم إلا في ضرورة الشعر، لثبوته في هذا الحديث وغيره. قال الباجي(١): الخلوف تغير رائحة فم الصائم، وإنما يحدث من خلُوٌّ المعدة بترك الأكل، ولا يذهب بالسواك، لأنها رائحة النفس الخارج من المعدة، وإنما يذهب بالسواك ما كان في الأسنان من التغير، وقال البرني: خلوف فم الصائم تغير طعم فمه وريحه لتأخر الطعام، وهذا ليس على أصل مالك، وإنما هو جارٍ على مذهب الشافعي، ولذلك منع الصائم السواك بعد نصف النهار، وأباحه مالك لأن الخلوف عنده لا يزول بالسواك، لأن أصله من المعدة، ولو زال بالسواك لوجب أن يمنع منه قبل الزوال؛ لأن تعاهده بالسواك قبل الزوال، يمنع وجوده منه بعد الزوال، انتهى. (١) ((المنتقى)) (٧٤/٢). ٣٣٢ ١٧ - كتاب الصيام (٢٢) باب (٦١٨) حديث أَظَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ، قلت: والحنفية موافقون في ذلك للمالكية، وسيأتي الكلام على سواك الصائم قريباً، وقال الأبي(١): فإذا جعل الكلام في الثناء على الخلوف تنبيهاً على فضل الصوم لا على نفس الخلوف فذهابه وبقاؤه سواء، انتهى. وقال القاري(٢): لا يلزم منه عدم إزالة الخلوف، لأن نظيره قول الوالدة: بول ولدي أطيب عندي من ماء الورد، وهو لا يستلزم عدم غسل البول. وقال الزرقاني: إنما مدح الخلوف، نهياً للناس عن تقذر مكالمة الصائم بسبب الخلوف لا نهياً للصائم عن السواك، والله غني عن وصول الرائحة الطيبة إليه، فعلمنا يقيناً أنه لم يَرِدْ بالنهي بقاء الرائحة وإنما أراد نهي الناس عن کراهتها ، انتھی. (أطيب عند الله من ريح المسك) اختلف في معناه، لأن استطابة الروائح من صفات الحيوان الذي له طبع يميل إلى الشيء، فيستطيبه أو ينفر عنه فيستقذره، والله سبحانه وتعالى منزَّه عن ذلك، وفي ((شرح الإحياء)): اختلف في معناه بعد الاتفاق على أنه - سبحانه وتقدس - منزه عن ذلك، على أقوال، أحدها: أنه مجاز واستعارة، لأنه جرت عادتنا بتقريب الروائح الطيبة منا، فاستغير ذلك في الصوم لتقريبه من الله تعالى، قال المازري: فيكون المعنى: أن خلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك عندكم أي: يقرب إليه أكثر من تقريب المسك إليكم، وذكر ابن عبد البر(٣) نحوه. الثاني: معناه: أنه تعالى يجزيه في الآخرة حتى تكون نكهته أطيب من ريح المسك، كما قال في المكلوم: ((الريح ريح المسك))، حكاه القاضي (١) ((الإكمال)) (٩٩/٤). (٢) ((مرقاة المفاتيح)) (٢٣٣/٤). (٣) انظر: ((الاستذكار)) (٢٤٩/١٠). ٣٣٣ ١٧ - كتاب الصيام (٢٢) باب (٦١٨) حديث عياض. الثالث: أن صاحب الخلوف ينال من الثواب ما هو أفضل من ريح المسك عندنا، لا سيما بالإضافة إلى الخلوف وهما ضدان، حكاه عياض أيضاً. الرابع: أنه يعتدّ برائحة الخلوف ويدّخر على ما هي عليه أكثر مما يعتدّ بريح المسك، وإن كانت عندنا نحن بخلافه، حكاه القاضي أيضاً. الخامس: أن الخلوف أكثر ثواباً من المسك حيث ندب إليه في الجمع والأعياد ومجالس الحديث والذكر وسائر مجامع الخير، قاله الداودي، وأبو بكر بن العربي، والقرطبي، وقال النووي: وهو الأصح. السادس: قال صاحب ((المفهم)): يحتمل أن يكون ذلك في حق الملائكة يستطيبون ريح الخلوف أكثر مما يستطيبون ريح المسك، انتهى. وأجاد الشيخ الأكبر في ((كتاب الشريعة)) معناه، وحاصله: أن الخلوف رائحة لا توجد إلا مع التنفس، ورائحة المسك بدون التنفس، وكل نفس الصائم أطيب عند الله، والرائحة الكريهة وجه الحق فيها لا يدركه إلا الله خاصة، لا مَلَكٌ ولا غيره، ولذا قال: عند الله، فيدرك الرائحة الكريهة على وجه الحق فيها، وهو أطيب من المسك، فتأمل، ولو شئت التفصيل فارجع إلى الأصل، وهذا هو السابع. والثامن: ما لأبي الشيخ بإسناد فيه ضعف عن أنس مرفوعاً: ((يخرج الصائمون من قبورهم يعرفون بريح أفواههم، أفواههم أطيب عند الله من ريح المسك))، قاله الزرقاني(١)، والتاسع: ما سيأتي في بحث السواك عن ابن العربي عن القاضي سيف الدين: أن الغرض نهي الناس عن تقذّر مكالمة الصائمين بسبب الخلوف. ثم قال الحافظ(٢): ويؤخذ من قوله: ((أطيب من ريح المسك)) أن (١) (١٩٨/٢). (٢) ((فتح الباري)) (١٠٦/٤). ٣٣٤ ١٧ - كتاب الصيام (٢٢) باب (٦١٨) حديث إِنَّمَا يَذَرُ شَهْوَتَهُ وَطَعَامَهُ وَشَرَابَهُ مِنْ أَجْلِي. فَالصِّيَامُ لِي الخلوف أعظم من دم الشهادة، لأن دم الشهيد شبه ريحه بريح المسك، والخلوف وصف بأنه أطيب، ولا يلزم من ذلك أن يكون الصيام أفضل من الشهادة لما لا يخفى، ولعل سبب ذلك النظر إلى أصل كل منهما، فإن أصل الخلوف طاهر، وأصل الدم بخلافه، فكان ما أصله طاهر أطيب ريحاً، انتهى. قال الزرقاني: وأجيب بأن الصوم أحد أركان الإسلام بخلاف الجهاد، وبأنه فرض عين، وهذا فرض كفاية . (إنما يذر) بذال معجمة، أي يترك، ولم يصرح بنسبته إلى الله عز وجل للعلم به، وعدم الإشكال فيه، ولأحمد عن إسحاق بن الطباع عن مالك: (يقول الله عز وجل: إنما يذرُ))، وهكذا في روايات عديدة، بسطها الحافظ في ((الفتح)). قال الباجي: يحتمل أن يكون تعليله لتفضيله على ريح المسك، ويحتمل أن يكون ابتداء ثناء على الصائم (شهوته) أي من الجماع، على الظاهر، ولابن خزيمة: زوجته، ويحتمل العموم. فقوله: (وطعامه وشرابه) من عطف الخاص على العام، وفي رواية أبي قرة: (يدع امرأته وشهوته وطعامه وشرابه من أجلي))، وعند الحافظ سمُّويه في ((فوائده)) من طريق المسيب بن رافع عن أبي صالح: ((يترك شهوته من الطعام والشراب والجماع من أجلي))، كذا في ((الفتح)) (من أجلي) أي: لامتثال شرعي أو لرضائي. قال الحافظ(١): قد يفهم من الإتيان بصيغة الحصر التنبيه على الجهة التي بها يستحق الصائم ذلك، وهو الإخلاص الخاص به، حتى لو كان ترك المذكورات لغرض آخر كالتخمة لا يحصل للصائم الفضل المذكور. (فالصيام لي) بفاء السببية في أوله، وفي رواية البخاري بدون الفاء، (١) ((فتح الباري)) (٤/ ١٠٧). ٣٣٥ ١٧ - كتاب الصيام (٢٢) باب (٦١٨) حديث وَأَنَا أَجْزِي بِهِ، كُلُّ حَسَنَةٍ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِمَائَةٍ ضِعْفٍ، إِلَّا الصِّيَامَ وأشار بهذا إلى سر لطيف، وهو أن الصوم لا يطَّلِع عليه العباد، بخلاف سائر العبادات، فيكون خالصاً لوجه الله تعالى، وذلك لأن الصوم لا صورة له في الوجود، بخلاف سائر العبادات، إذ كثيراً ما يوجد الإمساك المجرد عن الصوم، فلا مقوم له إلا النية التي يطلع عليها غيره تعالى. (وأنا أجزي به) بفتح الهمزة، على ما ضبطه شراح الحديث قاطبة، أي: أنا أتولى بنفسي إعطاء جزائه، وفيه فخامة الجزاء بوجهين، الأول: أن كل جزاء يتولى إعطاءه الحبيب بيده الشريفة وإن قَلَّ كمّاً، لا غاية لمسرة ذلك، والثاني: كل عطاء ونوال يكون مقداره بحسب المعطي غالباً، واختار ضبطه شيخي وأستاذي ووالدي - نوّر الله مرقده - عند الدرس بضم الهمزة على بناء المجهول، ومعناه ليس له جزاء إلا نفسي أي رضائي، ولا عملٌ أَلَذُّ من العمل الذي يُتَوَصَّلُ به إلى الحبيب بنفسه. (كل حسنة بعشرة أمثالها) قال الله عز اسمه: ﴿مَنْ جَآءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾(١) الآية، وذلك أدناه، ويضاعف (إلى سبعمائة ضعف) بكسر الضاد المعجمة، أي مثل، وقد يزاد أكثر من ذلك، كما سيأتي. (إلا الصيام) فإنه لا تحديد لثوابه، قال تعالى: ﴿إِنََّا يُؤَنَّ الصَِّرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾(٢)، والصائم صابر. وفي ((شرح الإحياء)): قد اختلف المفسرون في تفسير قوله - تبارك وتعالى -: ﴿وَاللَّهُ يُضَعِفُ لِمَن يَشَآءُ﴾(٣)، فقيل: يضاعف هذا التضعيف المذكور (١) سورة الأنعام: الآية ١٦٠. (٢) سورة الزمر: الآية ١٠. (٣) سورة البقرة: الآية ٢٦١. ٣٣٦ ١٧ - كتاب الصيام (٢٢) باب (٦١٨) حديث فَهُوَ لِي، وَأَنَا أَجْزِي بِهِ). أخرجه البخاريّ في: ٣٠ - كتاب الصوم، ٢ - باب فضل الصوم. ومسلم في: ١٣ - كتاب الصيام، ٣٠ - باب فضل الصيام، حديث ١٦٣. وهو السبعمائة ضعف، وقيل: المراد يضاعف فوق السبعمائة لمن يشاء، وقد ورد التضعيف بأكثر من السبعمائة في أعمال كثيرة في أخبار صحيحة، ثم ذكر بعض الروايات في ذلك. وقال في آخره: والجمع بينه وبين حديث أبي هريرة هذا أنه لم يرد بحديث أبي هريرة انتهاء التضعيف، بدليل أن في بعض طرقه بعد قوله: ((إلى سبعمائة إلى أضعاف كثيرة))، وفي أخرى: ((إلى ما يشاء الله))، فهذه الزيادة تبين أن هذا التضعيف يزاد على السبعمائة والزيادة من الثقة مقبولة، انتهى. (فهو لي وأنا أجزي به) أعاده للتأكيد، وقد اختلف العلماء في معناه، مع أن الأعمال كلها لله - عز وجل - وهو الذي يجزئ بها، على عشرة أقوال(١)؛ الأول: أن الصيام لا يقع فيه رياء كغيره، حكاه المازري، ونقله عياض عن أبي عبيد، ويؤيده حديث البيهقي في ((الشعب)) عن أبي هريرة - رضي الله عنه - بإسناد ضعيف: ((الصيام لا رياء فيه، قال تعالى: هو لي وأنا أجزي به))، ورواه أبو عبيد مرسلاً، وهذا لو صحّ لرفع النزاع، وارتضى هذا الجواب المازري، وقرره القرطبي. قال الحافظ: ومعنى النفي: أنه لا يدخله الرياء بالفعل، وإن كان قد يدخله بالقول، بخلاف بقية الأعمال، فإن الرياء قد يدخلها بمجرد الفعل، وقد حاول بعض الأئمة إلحاق شيء من العبادات البدنية بالصوم، فقال: الذكر بلا إلّه إلا الله يمكن أن لا يدخله الرياء إذا أسَرَّ به. (١) انظر: ((فتح الباري)) (١٠٧/٤، ١٠٩). ٣٣٧ ١٧ - كتاب الصيام (٢٢) باب (٦١٨) حديث الثاني: أن المراد: أنا المنفرد بعلم مقدار ثوابه وتضعيف حسناته، وغيره من العبادات، أظهر - سبحانه وتعالى - بعض مخلوقاته عليها، قال القرطبي: معناه: أن الأعمال قد كشفت مقادير ثوابها للناس، وأنها تضاعف من عشرة إلى سبعمائة إلى ما شاء الله إلا الصيام، فإن الله يثيب عليه بغير تقدير، ويشهد لهذا المعنى رواية ((الموطأ)» هذه، وكذلك الروايات الأخر، ذكرها الحافظ في ((الفتح)) (١). وسبق إلى هذا المعنى أبو عبيد في ((غريبه))، فقال: بلغني عن ابن عيينة أنه قال ذلك، ثم قال القرطبي: هذا المعنى ظاهر الحسن، غير أنه ورد في غير ما حديث أن صوم اليوم بعشرة أيام، وهذا نص في إظهار التضعيف، فبعد هذا الجواب بل بطل. قال الحافظ: لا يلزم من الذي ذكر بطلانه، بل المراد بما أورده أن صيام اليوم الواحد يكتب بعشرة أيام، وأما مقدار ثواب ذلك الأيام فلا يعلمه إلا الله تعالى. : الثالث: معناه: أنه أحبُّ العبادات إليّ، والمقدم عندي، وتقدم قول ابن عبد البر من أنه فضله على سائر العبادات، ويؤيده رواية النسائي وغيره من حديث أبي أمامة مرفوعاً: ((عليك بالصوم فإنه لا مثل له))، لكن يُعَكِّرُ عليه الحديث الصحيح: ((واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة)). الرابع: الإضافة إضافة تشريف وتعظيم، كما يقال: بيت الله، وإن كان البيوت كلها لله، قال الزين بن المنير: التخصيص في موضع التعظيم لا يفهم منه إلا التشريف . الخامس: أن الاستغناء عن الطعام وغيره من الشهوات من صفات الرب - (١) انظر: ((فتح الباري)) (١٠٨/٤). ٣٣٨ ١٧ - كتاب الصيام (٢٢) باب (٦١٨) حديث جلَّ جلالُه -، فلما تقرب الصائم إليه بما يوافق صفاته أضافه إليه، كأنه يقول: إن أعمال العباد مناسبة لأحوالهم إلا الصائم يتقرب إليّ بأمر هو متعلق بصفة من صفاتي . السادس: أن المعنى كذلك، لكن بالنسبة إلى الملائكة، لأن ذلك من صفاتهم . السابع: أنه خالص لله وليس للعبد فيه حظ، قاله الخطابي، هكذا نقله عياض وغيره، فإن أراد بالحظ ما يحصل من الثناء عليه لأجل العبادة رجع إلى المعنى الأول، وبه أفصح ابن الجوزي، فقال: المعنى ليس لنفس الصائم فيه حظّ بخلاف غيره، فإن له فيه حظ ثناء الناس، وإن أراد عدم انبساط نفسه به أصلاً غالباً بخلاف غيره، كالغسل، ففيه حظ التبرد، والحج ففيه حظ التنقل والتفرج، وهكذا فلا يرجع إلى الأول، بل يكون غيره، وهذا هو الظاهر. الثامن: سبب الإضافة إليه - سبحانه وتعالى - أن الصيام لم يعبد به غيره - عز وجل -، واعترض عليه بما يقع من عبّاد النجوم وغيرهم التعبد لها بالصيام، وأجيب: بأنهم لا يعتقدون ألوهية الكواكب، وإنما يعتقدون أنها فعّالة بأنفسها، قال الحافظ: وهذا الجواب عندي ليس بطائل، لأنهم طائفتان: إحداهما تعتقد الألوهية، وهم من كان قبل ظهور الإسلام، وبقي منهم من بقي على كفره، والأخرى من دخل في الإسلام، وبقي على تعظيم الكواكب، وهم الذين أشير إليهم. وقال القاري(١): وصوم المستخدمين لنحو الجن والنجوم ليس لذواتهم، بل ليتخلوا عن الكدورات الجسمانية، حتى يقدروا على ملاقاة الصور الروحانية. (١) ((مرقاة المفاتيح)) (٢٣٢/٤). ٣٣٩ ١٧ - كتاب الصيام (٢٢) باب (٦١٨) حديث التاسع: جميع العبادات تُوَفَّى منها مظالم العباد إلا الصيام، روى ذلك البيهقي بسنده عن ابن عيينة قال: ((إذا كان يوم القيامة يحاسب الله عبده، ويؤدي ما عليه من المظالم من سائر عمله حتى لا يبقى له إلا الصوم، فيتحمل الله ما بقي عليه من المظالم ويدخله بالصوم الجنّة))(١)، قال القرطبي: قد كنت استحسنت هذا الجواب، إلى أن فكرت في حديث المقاصَّة، فوجدت فيه ذكر الصوم في جملة الأعمال، حيث قال: ((المفلس الذي يأتي يوم القيامة بصلاة وصدقة وصيام، ويأتي قد شتم هذا، وضرب هذا، وأكل مال هذا»، الحدیث. وفيه: ((فيؤخذ لهذا من حسناته ولهذا من حسناته، فإذا فنيت حسناته قبل أن يقضى ما عليه أخذ من سيئاتهم فطرحت عليه، ثم طُرح في النار))، فظاهره أن الصيام مشترك مع بقية الأعمال في ذلك، فإن ثبت قول ابن عيينة أمكن تخصيص الصيام من ذلك. ويدل له حديث أحمد عن أبي هريرة رفعه: ((كل العمل كفارة إلا الصوم، الصوم لي وأنا أجزي به)). ورواه الطيالسي بلفظ: ((قال ربكم كل العمل كفارة إلا الصوم))، وبسط الحافظ(٢) الكلام على ألفاظه وطرقه، فهذا الاستثناء شاهد لذلك. لكن يعارضه حديث حذيفة في الصحيحين: ((فتنة الرجل في أهله وولده وماله يُكَفِّرُها الصلاة والصيام والصدقة))، وأجيب بحمل الإثبات على كفارة شيء مخصوصاً، والنفي على كفارة شيء آخر، فإنه مقيد بفتنة المال وما ذكر معه، لكن حمله البخاري على تكفير مطلق الخطيئة، ويؤيده ما في مسلم: ((الصلوات الخمس ورمضان إلى رمضان مُكَفِّرات لما بينهن ما اجتُنِبَت الكبائر)»، وكذا صوم عرفة يُكَفِّر سنتين، وصوم عاشوراء يُكَفِّر سنة، وعلى هذا (١) ((السنن الكبرى)) للبيهقي (٣٠٥/٤). (٢) انظر: ((فتح الباري)) (١٠٩/٤). ٣٤٠ ..---- --- -