Indexed OCR Text

Pages 101-120

١٧ - كتاب الصيام
(٧) باب
وقال أبو عمر: قال الشافعي: هو مخيّر ولم يفصل، وكذلك قال
ابن عليّة، وقال القاضي: مذهب الشافعي أن الصوم أفضل، وعن أحمد -
رضي الله عنه - أيضاً: يكره الصوم في السفر، وبه جزم الخرقي.
الثالث: أن الصوم في السفر لا يجزئ فإن صام وجب قضاؤه في الحضر
لظاهر قوله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَّ﴾، وقوله ◌َّ: ((ليس من البر الصيام
في السفر))، وهذا قول بعض أهل الظاهر، وحكي عن عمر وابن عمر وأبي
هريرة والزهري وإبراهيم النخعي وغيرهم، وحكاه الرازي عن ابن عباس
وداود بن علي الأصبهاني.
هكذا حكى عنهما الخطابي، وقال: روي عن ابن عمر: إن صام في
السفر قضى في الحضر، وعن عبد الرحمن بن عوف: الصائم في السفر
كالمفطر في الحضر، وقالوا: صومه ◌ّ في السفر منسوخ، وسيأتي الإشارة
إليه في حديث الباب من كلام الزهري.
وقال الموفق(١): جواز الفطر للمسافر ثابت بالنص والإجماع، وأكثر أهل
العلم على أنه إن صام أجزأه، ويروى عن أبي هريرة: أنه لا يصح صوم
المسافر، قال أحمد: وكان عمر وأبو هريرة - رضي الله عنهما - يأمرانه بالإعادة،
وروى الزهري عن أبي سلمة عن عبد الرحمن بن عوف أنه قال: الصائم في
السفر كالمفطر في الحضر، وعامة أهل العلم على خلاف هذا القول.
قال ابن عبد البر: هذا قول يروى عن عبد الرحمن بن عوف، هجره
الفقهاء كلهم والسنة تردّه، وحجتهم ما روي عن حمزة بن عمرو الأسلمي أنه
قال للنبي وقّية: أصوم في السفر؟ قال: ((إن شئت فصم وإن شئت فأفطر))، وفي
لفظ النسائي قال: ((هي رخصة الله فمن أخذها فحسن ومن أحب أن يصوم فلا
(١) (المغني)) (٤٠٦/٤).
١٠١

١٧ - كتاب الصيام
(٧) باب
جناح عليه))، وقال أنس: كنا نسافر مع رسول الله وسير فلم يعب الصائم على
المفطر ولا المفطر على الصائم، وكذلك روى أبو سعيد، انتهى. وتأويل الآية
عند الجمهور بأن التقدير فأفطر ﴿فَعِدَةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَّ﴾ .
قال الباجي(١): لا خلاف بين فقهاء الأمصار في أن صيام رمضان في
السفر يصح إلا ما روي عن بعض أهل الظاهر فإنه قال: لا يصح ولا يجزئ،
والدليل على ما نقوله قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنَكُمْ قَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ الآية،
ووجه الدليل من الآية أنه تعالى قال: ﴿وَأَنْ تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمٌّ إِن كُنتُمْ
تَعْلَمُونَ﴾(٢)، انتهى. وفي (البدائع)): جواز صوم رمضان مجمع عليه، فإن
التابعين أجمعوا بعد اختلاف الصحابة، والاختلاف في العصر الأول لا يمنع
انعقاد الإجماع في العصر الثاني على ما عرف في أصول الفقه، انتهى.
الرابع: أن الصوم في السفر أفضل، وبه قال الأسود بن يزيد وأبو حنيفة
وأصحابه. وفي ((التوضيح))(٣): وبه قال الشافعي ومالك وأصحابه وأبو ثور،
وكذا روي عن عثمان بن أبي العاص وأنس بن مالك - رضي الله عنهما -،
وقال الموفق: الأفضل عند إمامنا الفطر، وقال أبو حنيفة والشافعي ومالك:
الصوم أفضل لمن قوي عليه، انتهى. وممن كان يصوم في السفر ولا يفطر
عائشة - رضي الله عنها - وقيس بن عباد وأبو الأسود وابن سيرين وابن عمر -
رضي الله عنهما - وابنه سالم وعمرو بن ميمون، وقال أبو مجلز: لا يسافر
أحد في رمضان فإن سافر فليصم.
قال الباجي: الصوم في السفر أفضل، لقوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَصُومُواْ خَيْرٌ
(١) ((المنتقى)) (٤٨/٢).
(٢) سورة البقرة: الآية ١٨٤.
(٣) انظر: ((عمدة القاري)) (١٣٢/٨).
١٠٢

١٧ - كتاب الصيام
(٧) باب
لَكُمٌّ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ولأن الصوم تعلق بالذمة فالمبادرة إلى إبرائها أولى،
فربما طرأ من الموانع والاشتغال بخلاف القصر، فإن الذمة تبرأ فيه بما يؤتى،
وفي ((المعالم)): قال أنس بن مالك وعثمان بن أبي العاص: أفضل الأمرين
الصوم في السفر، وبه قال النخعي وسعيد بن جبير، وهو قول مالك والثوري
والشافعي وأصحاب الرأي، انتهى.
الخامس: قال آخرون: أفضلهما أيسرهما لقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ
اَلْيُسْرَ﴾(١) وهو قول عمر بن عبد العزيز واختاره ابن المنذر، قال الخطابي:
وإليه ذهب مجاهد وعمر بن عبد العزيز وقتادة. قلت: السادس: ما سيأتي عن
جماعة أن من يكون مقيماً في أول الشهر يصوم، وإنما يجوز الإفطار لمن
يكون مسافراً عند الاستهلال. والسابع: مقابله وهو ما في ((الفتح)) برواية ابن
أبي شيبة والبيهقي عن أنس - رضي الله عنه -: أنه إذا أراد السفر يفطر في
الحضر قبل أن يركب.
وقد أجمل الكلام على أكثر هذه الخلافيات الموفق(٢) فقال: المسافر لا
يخلو من ثلاثة أحوال: أحدها: أن يدخل عليه شهر رمضان وهو مسافر، فلا
نعلم بين أهل العلم خلافاً في إباحة الفطر له. الثاني: أن يسافر في أثناء الشهر
ليلاً، فله الفطر في صبيحة الليلة التي يخرج فيها وما بعدها في قول عامة أهل
العلم، وقال عبيدة السلماني وأبو مجلز وسويد بن غفلة: لا يفطر من سافر بعد
دخول الشهر، الثالث: أن يسافر في أثناء يوم من رمضان، فحكمه في اليوم
الثاني كمن سافر ليلاً، وفي إباحة الفطر في اليوم الذي سافر فيه عن أحمد
روايتان: إحداهما: أن يفطر وهو قول عمرو بن شرحبيل والشعبي وإسحاق
وداود بن المنذر، لحديث أبي بصرة الغفاري إذ تغدى في السفينة، أخرجه
(١) سورة البقرة: الآية ١٨٥.
(٢) ((المغني)) (٣٤٥/٤).
١٠٣

١٧ - كتاب الصيام
(٧) باب
:
أبو داود، والرواية الثانية لأحمد: لا يباح له الفطر ذلك اليوم، وهو قول
مكحول والزهري ويحيى الأنصاري ومالك والأوزاعي والشافعي وأصحاب
الرأي؛ لأن الصوم عبادة تختلف بالسفر والحضر، فإذا اجتمعا فيها غلب حكم
الحضر، وإذا ثبت هذا فإنه لا يباح له الفطر حتى يخلف البيوت وراء ظهره،
وقال الحسن: يفطر في بيته إن شاء، وروي نحوه عن عطاء.
قال ابن عبد البر: قول الحسن شاذ، وليس الفطر لأحد في الحضر في
نظر ولا أثر، وقد روي عن الحسن خلافه، وروي عن محمد بن كعب قال:
أتيت أنس بن مالك في رمضان وهو يريد السفر، وقد رحلت له راحلته فدعا
بطعام فأكل، فقلت له: سنة؟ فقال: سنة، ثم ركب، قال الترمذي: حديث
حسن، ولنا قوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ﴾(١) الآية، وهذا شاهد ولا
يوصف بكونه مسافراً حتى يخرج من البلد، ومهما يكون في البلد فله أحكام
الحاضرين، ولهذا لا يقصر الصلاة، وأما أنس فيحتمل أنه كان قد برز من
البلد خارجاً منه فأتاه محمد بن كعب في منزله ذلك، انتهى.
وفي ((نيل المآرب))(٢): يسن الفطر برمضان لمسافر يباح له القصر، ويكره
صومه، ولو لم يجد المشقة، لكن لو سافر ليفطر حرما عليه، وهكذا في
((الروض)). وفي ((الأنوار الساطعة)) من مسالك الشافعية: المسافر سفر قصر
يفطر، وعليه القضاء، لكن الصوم أفضل له إن لم يتضرر، فإذا تضرر فالفطر
أفضل .
وفي ((الشرح الكبير)) و ((حاشيته)) للدسوقي: جاز له فطر بمعنى كره بأربعة
شروط: أولها: سفر قصر، والثاني: شرع في السفر بأن وصل لمحل بدأ القصر
(١) سورة البقرة: الآية ١٨٥.
(٢) (٤٢٣/١).
١٠٤
--..
.--
----
----

١٧ - كتاب الصيام
(٧) باب
(٥٨١) حديث
٢١/٥٨١ - حَدّثني بَحْيَى عَنْ مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ
ثُبَيْدِ اللَّهِ بْن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْبَةَ بْنِ مَسْعُود، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ؛
أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَلَهُ خَرَجَ إِلَى مَكَّةَ عَامَ الْفَتْحِ فِي رَمَضَانَ.
فإن لم يشرع فلا يجوز، والثالث: شرع في السفر قبل الفجر، يعني إن شرع
بعد الفجر لا يجوز، والرابع: لم ينوِ الصيام من الليل، فإن فقد أحد من هذه
الشروط الأربعة لا يجوز له الفطر، وفي ((الهداية)): إن كان مسافراً لا يستضر
بالصوم، فصومه أفضل، وإن أفطر جاز، انتهى.
فعلم أن الفطر أفضل عند الإمام أحمد - رضي الله عنه - بخلاف الأئمة
الثلاثة، فالصوم عندهم أفضل بل يكره الفطر عند مالك.
٢١/٥٨١ - (مالك، عن ابن شهاب) الزهري (عن عبيد الله) بالتصغير
والإضافة (ابن عبد الله) بفتح العين (ابن عتبة) بضم العين (ابن مسعود، عن
عبد الله بن عباس، أن رسول الله (94) قال الحافظ أبو الحسن القابسي: وهذا
من مرسلات الصحابة؛ لأن ابن عباس كان في هذه السنة مقيماً مع أبويه بمكة
فلم يشاهد هذه القصة، وكأنه سمعه من غيره من الصحابة، انتهى. كذا في
((الفتح))(١).
(خرج إلى مكة) ومعه وقليل عشرة آلاف من المسلمين كما في ((مغازي
البخاري)) (عام الفتح في رمضان) وخرج عامداً إلى مكة يوم الأربعاء بعد العصر
العشر خلون منها سنة ثمان من الهجرة، قاله الزرقاني و ((الخميس)). قال
الحافظ(٢): وقع في مسلم من حديث أبي سعيد اختلاف من الرواة في ضبط
ذلك، والذي اتفق عليه أهل السير أنه عليه الصلاة والسلام خرج في عاشر
رمضان، ودخل مكة لتسع عشرة ليلة خلت منه.
(١) ((فتح الباري)) (١٨٢/٤).
(٢) ((فتح الباري)) (١٨١/٤).
١٠٥

١٧ - كتاب الصيام
(٧) باب
(٥٨١) حديث
فَصَامَ حَتَّى بَلَغَ الْكَدِيدَ.
(فصام حتى بلغ الكديد) بفتح الكاف وكسر الدال المهملة الأولى، فتحتية
فمهملة، موضع بينه وبين المدينة سبع مراحل أو نحوها، وبينه وبين مكة ثلاثة
أو مرحلتان، قاله الزرقاني(١)، وكذا بفتح الكاف ضبطه جمع من شراح
الحديث، وقال ياقوت الحموي(٢): فيه روايتان رفع أوله ((كذا في الأصل،
والظاهر أنه تصحيف من الناسخ والصواب فتح أوله)) وكسر ثانيه وياء وآخره
دال أخرى، وهو التراب الدقاق المركل بالقوائم، وقيل: الكديد: ما غلظ من
الأرض، وقال أبو عبيدة: الكديد من الأرض خلق الأودية أو أوسع عنها(٣)،
ويقال فيه: الكُدَيد(٤) تصغيره تصغير الترخيم موضع بالحجاز، ويوم الكديد من
أيام العرب، وهو موضع على اثنين وأربعين ميلاً من مكة، انتهى.
وفي صيام ((البخاري)) (٥): قال أبو عبد الله: الكديد ما بين عسفان
وقديد، قال الحافظ: وسيأتي في المغازي هذا التفسير في نفس الحديث، وفي
((البخاري)) عن ابن عباس من وجه آخر: حتى بلغ عسفان، بدل الكديد، وفيه
مجاز القرب، وقال البكري: هو بين أمج - بفتحتين وجيم - وعسفان، وهو ماء
عليه نخل كثير، ووقع عند مسلم في حديث جابر: فلما بلغ كراع الغميم اسم
وادٍ أمام عسفان.
قال عياض: اختلفت الروايات في الموضع الذي أفطر وَ لير فيه، والكل
في قصة واحدة والكل متقارب، والجميع من عمل عسفان، انتهى. وهو أقرب
--
(١) ((شرح الزرقاني)) (١٦٧/٢).
(٢) ((معجم البلدان)) (٤٤٢/٤).
(٣) هكذا في الأصل والصواب ((منها)) كما في ((معجم البلدان)).
(٤) يعرف اليوم باسم الحَمض: أرض بين عسفان وحليص على مسافة (٩٠) كم من مكة،
على طريق المدينة.
(٥) حديث (١٩٤٤) وفي كتاب المغازي باب ٤٧ حديث (٤٢٧٥).
١٠٦

١٧ - كتاب الصيام
(٧) باب
(٥٨١) حديث
ثُمَّ أَفْطَرَ، فَأَقْطَرَ النَّاسُ. وَكَانُوا يَأْخُذُونَ بِالأَحْدَثِ، فَالأَحْدَثِ، مِنْ
أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ وَل﴾.
أخرجه البخاريّ في: ٣٠ - كتاب الصوم، ٣٤ - باب إذا صام أياماً من
رمضان ثم سافر.
ومسلم في: ١٣ - كتاب الصيام، ١٥ - باب جواز الصوم والفطر في شهر
رمضان للمسافر، حديث ٨٨.
إلى المدينة من عسفان. قال الزرقاني: أو أخبر بحال الناس ومشقتهم بعسفان،
وكان فطره بالكديد، قلت: أو شرب الماء في موضع واللبن في آخر، وأراهم
الفطر مرتين، لكثرة الناس، أو شرب النبي ◌َ ◌ّ﴾ الماء في مواضع لشدة الحر،
فكل أخبر حسب ما رآه يشربه وظن أنه محل فطره.
(ثم أفطر فأفطر الناس معه) لأنهم كانوا يتبعون الأحدث فالأحدث من
فعله وَ﴿ كما سيأتي، ولمسلم(١) من حديث جابر، في هذا الحديث، فقيل له:
إن الناس قد شق عليهم الصيام، وإنما ينظرون فيما فعلت، فدعا بقدح من ماء
بعد العصر، وله من وجه آخر: ثم شرب، فقيل له بعد ذلك: إن بعض الناس
قد صام، فقال: أولئك العصاة.
قال الزرقاني: وللبخاري من طريق عكرمة عن ابن عباس بإناء من لبن أو
ماء، فوضعه على راحته أو راحلته بالشك فيهما، قال الداودي: يحتمل أن
يكون دعا باللبن مرة وبالماء مرة، ورده الحافظ بأنه لا دليل على التعدد، فإن
الحديث واحد، والقصة واحدة، وإنما شك الراوي فتقدم عليه رواية من جزم
بالماء، وأبعد الداودي أيضاً في قوله: كانتا قصتين، إحداهما في الفتح
والأخرى في حنين، انتهى.
قلت: لكن وقع الجزم في عدة روايات باللبن أيضاً (وكانوا يأخذون
بالأحدث فالأحدث من أمر رسول الله) أي من حاله وفعله (مخلية) هذا قول
(١) (٧٨٤/٢).
١٠٧

١٧ - كتاب الصيام
(٧) باب
(٥٨١) حديث
الزهري كما وقع في الصحيحين، قاله الزرقاني تبعاً للحافظ. زاد الحافظ (١):
ووقعت هذه الزيادة مدرجة عند مسلم، قال سفيان: لا أدري مِنْ قَوْلِ مَنْ هو
وقد بيّنا أنه من قول الزهري، وبذلك جزم البخاري في الجهاد.
وقد استدل بالحديث على ثلاث مسائل خلافية.
الأولى: ما يقال: إن الزهري أشار بهذا القول إلى أن الصوم في السفر
منسوخ، ولم يوافق على ذلك، وفي مسلم عن يونس قال ابن شهاب: وكانوا
يتبعون الأحدث من أمره ويرونه الناسخ المحكم، قال عياض: إنما يكون
ناسخاً إذا لم يمكن الجمع أو يكون الأحدث من فعله في غير هذه القصة، أما
فيها أعني قضية الصوم فليس بناسخ إلا أن يكون ابن شهاب مال إلى أن الصوم
في السفر لا ينعقد كقول أهل الظاهر، ولكنه غير معلوم عنه.
وقال النووي: إنما يكون ناسخاً إذا علم كونه ناسخاً، أو يكون ذلك
الأحدث راجحاً مع جوازهما، وإلا فقد طاف على البعير، وتوضأ مرة مرة.
ومعلوم أن طواف الماشي والوضوء ثلاثاً أرجح. قاله الزرقاني(٢). قلت: وهذا
هو القول الثالث من الأقوال المتقدمة في الصيام في السفر.
-
والمسألة الثانية ما في ((الفتح))(٣) في شرح قول البخاري: ((باب إذا صام
أياماً من رمضان ثم سافر)). قال الحافظ: أشار إلى تضعيف ما روي عن علي
وإلى ردِّ ما روي عن غيره في ذلك، قال ابن المنذر: روي عن علي بإسناد
ضعيف، وقال به عبيدة بن عمرو وأبو مجلز وغيرهما، ونقله النووي عن
أبي مجلز وحده.
(١) (فتح الباري)) (٤/ ١٨١).
(٢) ((شرح الزرقاني)) (١٦٧/٢).
(٣) ((فتح الباري)) (١٨٠/٤).
١٠٨
-------

١٧ - كتاب الصيام
(٧) باب
(٥٨١) حديث
ووقع في بعض الشروح عن أبي عبيدة، وهو وهم، قالوا: إن من استهلّ
عليه رمضان في الحضر ثم سافر بعد ذلك فليس له أن يفطر؛ لقوله تعالى:
﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهَرَ فَلْيَصُمّْةٌ﴾، قال: وقال أكثر أهل العلم: لا فرق بينه وبين
من استهلّ رمضان في السفر، ثم ساق ابن المنذر بسند صحيح عن ابن عمر -
رضي الله عنهما - قال: قوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهَرَ فَلْيَصُمْةٌ﴾ نسخها
قوله: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ قَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ الآية، ثم احتج للجمهور بحديث
ابن عباس المذكور، انتهى.
وقال ابن رسلان: قد اختلف العلماء في تأويل هذه الآية، أي قوله
تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهَرَ فَلْيَصُمَّةٌ﴾(١)، فقال علي وابن عباس وسويد بن
غفلة وعائشة أربعة من الصحابة - رضي الله عنهم - وأبو مجلز وعَبِيْدة
السلماني: من حضر دخول الشهر وكان مقيماً في أوله في بلده وأهله، فيكمل
صيامه سافر بعد ذلك أو أقام، إنما يفطر من دخل عليه رمضان وهو في سفره،
وقال جمهور الأمة: من شهد أول الشهر أو آخره فليصم ما دام مقيماً، فإن
سافر أفطر، وعليه تدل الأخبار الثابتة، انتهى.
والمسألة الثالثة: من بَيَّت الصيام في رمضان يجوز له الإفطار، وله
صورتان: الأولى: ما في ((الفتح)): استدل بالحديث على أن للمرء أن يفطر في
النهار ولو نوى الصيام من الليل وأصبح صائماً وهو قول الجمهور وقطع به
أكثر الشافعية، وفي وجه ليس له أن يفطر، وكأنّ مستند قائله ما وقع في
((البويطي)) من تعليق القول به على صحة حديث ابن عباس هذا، وهذا كله فيما
لو نوى الصوم في السفر، قال الموفق(٢): إن نوى المسافر الصوم في سفره ثم
بدا له أن يفطر فله ذلك، واختلف قول الشافعي فيه، فقال مرة: لا يجوز له
(١) سورة البقرة: الآية ١٨٥.
(٢) («المغني)) (٣٤٧/٤).
١٠٩

١٧ - كتاب الصيام
(٧) باب
(٥٨١) حديث
الفطر، وقال مرة أخرى: إن صح حديث الكديد لم أر به بأساً أن يفطر، وقال
مالك: إن أفطر فعليه القضاء والكفارة، انتهى.
أما الصورة الثانية: وهي لو نوى الصوم وهو مقيم، ثم سافر في أثناء
النهار، فهل له أن يفطر في ذلك النهار؟ منعه الجمهور، وقال أحمد وإسحاق
بالجواز واختاره المزني محتجاً بهذا الحديث، ظناً منه أنه ◌ّ أفطر في اليوم
الذي خرج فيه من المدينة وليس كذلك، فإن بين المدينة والكديد عدة أيام،
انتهى كلام الحافظ(١). قلت: الاستدلال بحديث ابن عباس على هذه الصورة
الثانية بديهي البطلان، فإنه وهل# وأصحابه كانوا يصومون من المدينة حتى بلغوا
الكديد، وبينهما مراحل كما تقدم، وستأتي المسألة في كلام المصنف.
أما الصورة الأولى التي عزاها الحافظ إلى الجمهور، قال المازري:
احتجّ به أي بحديث ابن عباس مطرف ومن وافقه من المحدثين وهو أحد قولي
الشافعي: أن من بَيَّتَ الصوم في رمضان له أن يفطر ومنعه الجمهور، قاله
الزرقاني، وهكذا دأبهم طالما ينسب شارح الحديث القول المختار عنده إلى
الجمهور، فالحافظ عزا إليهم الجواز، والزرقاني تبعاً للمازري المنع.
قال الباجي(٢): الظاهر من نسق الحديث أنه إنما أفطر لئلا يتكلف
أصحابه الصوم، فيضعفون عن العمل وعن لقاء العدو، ويحتمل أن يكون
إفطاره ليريهم فطره بعد أن نوى من ليلته تلك، وقد قال الداودي: إنه أفطر بعد
أن بَيَّتَ الصيام للضرورة ولا طريق إلى معرفة ذلك، وإذا احتمل الفعل الأمرين
وجب أن يحمل فعله ◌َلّ على الواجب، وألحق به التَّقَوِّي للعدو، فالغالب أنه
لا يكون ضرورة تبيح الفطر بعد انعقاده إلا بوجود الضعف أوالعطش باللقاء
(١) ((فتح الباري)) (١٨١/٤).
(٢) ((المنتقى)) (٤٩/٢).
١١٠
..-
----

١٧ - كتاب الصيام
(٧) باب
(٥٨١) حديث
والحرب، والنبي ◌ّ إنما أمرهم بهذا الفطر استعداداً لأمر مستقبل، وهذا لا
يبيح الفطر بعد انعقاد الصوم.
وقد روى ابن حبيب عن مطرف: أن المسافر له أن يفطر بعد أن يبيت
صيام رمضان، واحتج في ذلك بفطر النبي وَّ بالكديد وما قدمناه أبين، وقد
منع مالك من رواية ابن القاسم وغيره من أصحابنا للمسافر الفطر بعد انعقاد
صومه في سفره، وأوجب مالك عليه به الكفارة، وقال المغيرة وابن كنانة:
يمنع الفطر فإن أفطر فلا كفارة عليه، انتهى.
فعُلم بذلك أن في المسألة اختلافين: الأول: في جواز الفطر، والثاني:
في وجوب الكفارة، وعلم مذهب الإمام مالك في ذلك، وهكذا في ((الشرح
الكبير))(١) للدردير، قال الدسوقي: حاصله: إذا بَيَّتَ نية الصوم في السفر
وأصبح صائماً فيه ثم أفطر لزمته الكفارة سواء أفطر متأولاً أو لا، انتهى.
قلت: وكذلك لا يجوز الفطر عند الحنفية لكن لا كفارة عندنا .
قال ابن عابدين(٢): السفر لا يبيح الفطر وإنما يبيح عدم الشروع في
الصوم، فلو سافر بعد الفجر لا يحل الفطر، وكذا لو نوى المسافر الصوم لا
يحل فطره في ذلك اليوم، فلو أفطر لا كفارة عليها، انتهى. وكذا لا كفارة عند
الحنابلة ففي ((الروض المربع)): جامع من نوى الصوم في سفره أفطر ولا
كفارة، لأنه صوم لا يلزمه المضي فيه فأشبه التطوع، انتهى.
وتقدمت الأجوبة المختلفة في أن حديث ابن عباس - رضي الله عنهما -
هذا ليس بنص في أنه وَلّ بيّت نية الصوم في ذلك اليوم فيحتمل أنه وُّ لم ينو
الصوم في هذا اليوم لما كان من قصده الإفطار، وشرب الماء بعد العصر
(١) (٥٣٥/١).
(٢) انظر: ((رد المحتار)) (٤٦٢/٣).
١١١

١٧ - كتاب الصيام
(٧) باب
(٥٨٢) حديث
٢٢/٥٨٢ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ سُمَيِّ مَوْلَى أَبِي بَكْرِ بْنِ
عَبْدِ الرَّحْمنِ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمُنِ، عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِ
ليريهم كونه رسل* غير صائم، وهذا أقرب التوجيهات، لأن إبطال الصوم قبيل
الغروب بعدما ظل النهار صائماً مستبعد، ويحتمل كما تقدم في كلام الباجي أن
الفطر للضرورة.
قال الزرقاني(١): منعه الجمهور، لأن المسافر كان مخيراً في الصوم
والفطر، فلما اختار الصوم وبيّته لزمه، وحملوا الحديث على أنه وَالّ أفطر
للتقوي على العدو والمشقة الحاصلة له ولهم، انتهى. ويؤيده حديث أبي سعيد
عند مسلم بلفظ: سافرنا مع رسول الله وَل# إلى مكة ونحن صيام فنزلنا منزلاً،
فقال النبي ◌َر: ((إنكم قد دنوتم من عدوكم والفطر أقوى لكم فأفطروا))،
فكانت رخصة فمنا من صام ومنا من أفطر، فنزلنا منزلاً فقال وَلّ: ((إنكم
مصبحوا عدوكم والفطر أقوى لكم فأفطروا))، فكانت عزيمة فأفطرنا،
الحديث(٢) ذكره الحافظ(٣)، ثم قال: ويتأكد الفطر إذا يحتاج إليه للتقوي به
على لقاء العدو.
قلت: والجواب الثالث على التسليم أنه يحتمل الأمرين المذكورين،
وبالاحتمال لا يصح الاستدلال. والرابع: أنه يخالف قوله عز اسمه: ﴿وَلَا
تُبْطِلُواْ أَعْمَلَكُمْ﴾ فلا يكون حجة إلا بعد أن يكون مشهوراً صريح الدلالة على
مؤداه .
٢٢/٥٨٢ - (مالك، عن سمي مولى أبي بكر بن عبد الرحمن، عن) مولاه
(أبي بكر بن عبد الرحمن) بن الحارث بن هشام (عن بعض أصحاب
(١) ((شرح الزرقاني)) (١٦٧/٢).
(٢) أخرجه مسلم (١١٢٠).
(٣) ((فتح الباري)) (٤/ ١٨٣).
١١٢

١٧ - كتاب الصيام
(٧) باب
(٥٨٢) حديث
رَسُولِ اللَّهِ وَ﴾؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ فَهِ أَمَرَ النَّاسَ فِي سَفَرِهِ، عَامَ
الْفَنْحِ، بِالْفِطْرِ. وَقَالَ: (تَقَوَّوْا لِعَدُوَّكُمْ) وَصَامَ رَسُولُ اللَّهِ عِلْ﴾ ..
قَالَ أَبُو بَكْر: قَالَ الَّذِي حَدَّثَنِي: لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ◌َ
بِالْعَرْجِ يَصُبُّ الْمَاءَ عَلَى رَأْسِهِ مِنَ الْعَشِ أَوْ مِنَ الْحَرِّ.
رسول الله (84) وإبهام الصحابي لا يضر لأنهم عدول باتفاق أصحاب الحديث
(أن رسول الله (ل): أمر الناس) وكانوا عشرة آلاف، وقيل: اثني عشر ألفاً،
وجُمِعَ بأن العشرة خرج من المدينة ثم تلاحق به الألفان.
(هي سفره) إلى مكة (عام الفنح بالفطر) متعلق بالأمر، وتقدم قريباً من
حديث أبي سعيد أنه وَّ قال: ((قد دنوتم من عدوكم والفطر أقوى لكم،
فأفطروا))، فكانت رخصة، ثم قال: ((إنكم مُصَبِّحُوا عدوكم والفطر أقوى لكم،
فأفطروا)) فكانت عزيمة (وقال: تقوّوا لعدوكم) بالفطر وهذا بمنزلة التعليل
للأمر، يعني لأجل أن تقووا بالفطر على عدوكم.
(وصام رسول الله (18) ولم يمتنع من الصوم لما علم من نفسه القوة
والجلد (قال أبو بكر) بن عبد الرحمن (قال الذي حدثني) من بعض أصحاب
الرسول وَل *: (لقد رأيت رسول الله ﴾ بالعرج) بفتح العين وسكون الراء
المهملتين وبالجيم عقبة بين مكة والمدينة على جادّة الحاج، تذكر مع السُقْيا،
عن الحازمي: وجبلها متصل بجبل لبنان، كذا في ((المعجم)).
(بصب) بالبناء للفاعل أو المفعول (الماء على رأسه من العطش أو من
الحر) لفظة ((أو)) تحتمل الشك والتنويع، يعني قد بلغ به شدة العطش أو الحر
أن صب الماء على رأسه ليتقوّى به على صومه، وليُخفِّف عن نفسه بعض ألم
الحر أو العطش، وكان من دأبه # تحمل المشقة في نفسه لعبادة ربه، ألا
تری إلی قيامه حتى تورمت قدماه.
قال الباجي(١): هذا أصل في استعمال ما يتقوى به الصائم على صومه
(١) ((المنتقى)) (٤٩/٢).
١١٣

١٧ - كتاب الصيام
(٧) باب
(٥٨٢) حدیث
مما لا يقع به الفطر من التبرد بالماء والمضمضة به؛ لأن ذلك يعينه على الصوم
ولا يقع به الفطر، ويكره له الانغماس في الماء لئلا يغلبه الماء، انتهى.
قال في ((البدائع))(١): أما الاستنشاق والاغتسال وصب الماء على الرأس
والتلفف بالثوب المبلول فقد قال أبو حنيفة: يكره، وقال أبو يوسف: لا يكره،
واحتج بما روي أن رسول الله وَّ صب على رأسه ماءً من شدة الحر وهو
صائم، وعن ابن عمر - رضي الله عنهما -: أنه كان يبلّ الثوب ويتلفف به وهو
صائم، ولأنه ليس فيه إلا دفع أذى الحر فلا يكره، كما لو استظل. ولأبي
حنيفة - رضي الله عنه - أن فيه إظهار الضجر من العبادة والامتناع عن تحمل
مشقتها، وفعل رسول الله وَ محمول على حال مخصوصة، وهي حال خوف
الإفطار من شدة الحر، وكذا فعل ابن عمر - رضي الله عنهما - محمول على
مثل هذه الحالة، ولا كلام في هذه الحالة، انتهى.
وفي (الدر المختار))(٢): لا تكره تلفف بثوب مبتلّ ومضمضة أو استنشاق
أو اغتسال للتبرد عند الثاني، وبه يفتى، ((شرنبلالية)) عن ((البرهان)). قال
ابن عابدين: لرواية أبي داود أن النبي ◌َّ صب على رأسه الماء وهو صائم
من العطش أو الحر، وكان ابن عمر - رضي الله عنهما - يبلّ الثوب ويلفّه
عليه، وهو صائم، لأن هذه الأشياء فيها عونٌ على العبادة، ودفع الضجر
الطبيعي، وكرهها أبو حنيفة لما فيها من إظهار الضجر في العبادة، انتهى.
وحكى القاري عن ابن الهمام: إنما كره أبو حنيفة - رضي الله عنه - لما
فيه من إظهار الضجر في إقامة العبادة لا لأنه قريب من الإفطار، انتهى. قال
القاري: فكأن الإمام حمل فعله عليه الصلاة والسَّلام على إظهار العجز
(١) (٢٧٠/٢).
(٢) (١٥٨/٢).
١١٤

١٧ - كتاب الصيام
(٧) باب
(٥٨٢) حديث
ثُمَّ قِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ وَل﴾: يَا رَسُولَ اللَّهِ. إِنَّ طَائِفَةً مِنَ النَّاسِ قَدْ
. ...
ضَامُوا حِينَ صُمْتَ. قَالَ: فَلَمَّا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَلهَّ بِالْكَدِيدِ،
والتضرع عند حصول الآلام، وفي دفع المضرة بالتعلق بالأسباب استعانةٌ للقيام
بواجب العبودية لرب الأرباب، وإشارةٌ إلى مشاركته الأمة في العوارض البشرية
میلاً إليهم وتسهيلاً عليهم.
وحاصل الكلام أن كلام الإمام محمول على كراهة التنزيه وخلاف
الأولى، وهو عليه الصلاة والسلام فعل ذلك لبيان الجواز من إظهار العجز
للرحمة على ضعفاء الأمة، انتهى.
وكتب الوالد المرحوم عن تقرير شيخه - رضي الله عنه - على أبي داود:
ويصب على رأسه الماء بياناً للجواز أو ضرورة العطش، والذين كرهوه كرهوا
لعلة أخرى، انتهى .
قلت: فلو اغتسل أو صَبَّ الماء بحيث لا يظهر الضجر لا بأس به بل
أولى، لما فيه من النظافة واللطافة ما يعين على التلاوة والعبادة، كما لا يخفى
على المجرب هذا. وقد قال العيني: المذهب المختار أنه لا يكره، وذكره
الحسن عن أبي حنيفة - رضي الله عنه -، نَبَّه عليه صاحب ((الواقعات))، وذكر
في ((الروضة)) و((جوامع الفقه)): لا يكره الاغتسال وبلُّ الثوب، وصبّ الماء
على الرأس للحر، انتهى. وتقدم أنه المفتى به، وكذا حكى عليه الفتوى
صاحب ((مراقي الفلاح)) (١) وغيره.
(ثم قيل لرسول الله (َ﴾) يا رسول الله (إن طائفة من الناس قد صاموا حين
صمت) اتباعاً لفعلك، ظناً منهم أن الأمر بالإفطار رخصة، أو مخصوص بمن
يشق عليه الصوم وهم أحسوا من أنفسهم القوة واغتنموا الأجر، سيما فيه اتباع
لفعله عليه الصلاة والسلام (قال: فلما كان رسول الله # بالكديد) وحان
(١) (ص١١٥).
١١٥

١٧ - كتاب الصيام
(٧) باب
(٥٨٣) حديث
دَعَا بِقَدَح فَشَرِبَ، فَأَفْطَرَ النَّاسُ.
ے
أخرجه مسلم عن جابر في: ١٣ - كتاب الصيام، ١٥ - باب جواز الصوم
والفطر في شهر رمضان للمسافر، حديث ٩٠.
٢٣/٥٨٣ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ حُمَيْدِ الطَّوِيلِ، عَنْ
أَنَسِ بْنِ مَالِكِ؛ أَنَّهُ قَالَ: سَافَرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﴿ل فِي رَمَضَانَ،
فَلَمْ يَعِبِ الصَّائِمُ عَلَى الْمُفْطِرِ. وَلَا الْمُفْطِرُ عَلَى الصَّائِم.
أخرجه البخاريّ في: ٣٠ - كتاب الصوم، ٣٧ - باب لم يعب أصحاب
النبيّ ◌َّه بعضهم بعضاً في الإفطار.
ومسلم في: ١٣ - كتاب الصيام، ١٥ . باب جواز الصوم والفطر في شهر
رمضان للمسافر، حديث ٩٩.
الهجوم على العدو (دعا بقدح) من ماء أو لبن (فشرب فأفطر الناس) زاد مسلم
والترمذي(١): عن جابر فقيل له بعد ذلك: إن بعض الناس قد صام، فقال:
أولئك العصاة أولئك العصاة، مرتين.
قلت: لأنه عليه الصلاة والسلام لما عزم عليهم وتحتم الفطر فيكون الصوم إذ
ذاك خلاف أمره الشريف، قال عياض: وصفهم بذلك؛ لأنه أمرهم بالفطر لمصلحة
التقوّي على العدو فلم يفعلوا حتى عزم عليهم بعد، قال النووي: أو يحمل على من
تضرر بالصوم، قال غيرهما: أو عَبَّر به مبالغة في حثهم على الفطر رِفقاً بهم.
٢٣/٥٨٣ - (مالك، عن حميد) بن أبي حميد (الطويل) ثقة مدلس (عن أنس) -
:
رضي الله عنه - ولمسلم من رواية أبي خالد عن حميد قال: أخبرني أنس (بن مالك؛ أنه
قال) ولمسلم: عن أبي خيثمة عن حميد، قال: سئل أنس - رضي الله عنه - عن صوم
رمضان في السفر فقال: (سافرنا مع رسول الله ◌َّل في رمضان فلم يعب) بالجزم وحرك
بالكسر لالتقاء الساكنين (الصائم على المفطر ولا المفطر على الصائم) لجواز الأمرين معاً.
(١) أخرجه مسلم عن جابر (٧٨٥/٢) والترمذي في الصوم (١٧٩/٣) ((باب ما جاء في
كراهية الصوم في السفر)).
١١٦

١٧ - كتاب الصيام
(٧) باب
(٥٨٤) حديث
٢٤/٥٨٤ - وحدّثني عَنْ مَالِكٍ، عَنْ هِشَام بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ
....
أَبِهِ، أَنَّ حَمْرَةَ بْنَ عَمْرِو الأَسْلَمِيَّ،
وفيه ردٌّ على من أبطل صوم المسافر، ورد أيضاً على من قال: إن من
سافر في أثناء رمضان لا يجوز له الفطر لخروجه و 18 عاشر رمضان، زعم
محمد بن وضّاح: أن مالكاً لم يتابع على لفظ هذا الحديث، وإن غيره يرويه
عن حميد عن أنس: كان أصحاب رسول الله ﴿ ﴿ يسافرون، فيصوم بعضهم
ويفطر بعضهم، فلا يعيب الصائم على المفطر ولا المفطر على الصائم، ليس
فيه ذكر رسول الله وَ﴾، ولا أنه كان يشاهدهم في حالهم هذه.
وتعقبه ابن عبد البر(١) بأنه قلة اتساع في علم الأثر، فقد تابع مالكاً على
لفظه جماعة من الحفّاظ، منهم أبو إسحاق الفزاري وأبو ضمرة أنس بن عياض
ومحمد بن عبد الله وغيرهم رووه عن حميد مثل مالك، وقال ابن عبد البر:
وما أعلم أحداً روى هذا الحديث كما قال ابن وضّاح إلا شيخه محمد بن
مسعود عن يحيى القطان عن حميد.
قال الزرقاني(٢): تقصير من مثله كبير، فقد رواه مسلم من طريق أبي خالد
عن حميد كذلك، فكأن حميداً حدث به بالوجهين، انتهى. قلت: فلفظ مسلم:
عن أبي خالد عن حميد قال: خرجت فصمت فقالوا لي: أعد، فقلت: إن
أنساً أخبرني أن أصحاب رسول الله ◌َّ كانوا يسافرون فلا يعيب الصائم على
المفطر ولا المفطر على الصائم، الحديث(٣).
٢٤/٥٨٤ - (مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه) عروة بن الزبير (أن
حمزة بن عمرو) بن عويمر (الأسلمي) من ولد أسلم بن أقصى بن حارثة
(١) انظر: ((الاستذكار)) (١٠/ ٧٧).
(٢) (١٦٩/٢).
(٣) أخرجه مسلم في: كتاب الصيام (٩٩).
١١٧

١٧ - كتاب الصيام
(٧) باب
(٥٨٤) حديث
قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ
أبو صالح، ويقال: أبو محمد المدني، صحابي جليل، له تسعة أحاديث،
وكان البشير بوقعة أجنادين، وكان يسرد الصوم، وقيل: هو البشير الذي أعطاه
كعب ثوبه، كذا في ((الخلاصة))(١)، مات سنة إحدى وستين، وله إحدى
وسبعون، وقيل: ثمانون.
(قال لرسول الله مَله) قال ابن عبد البر: هكذا ليحيى، وقال جميع
أصحاب مالك عن هشام عن أبيه عن عائشة: أن حمزة، وكذا رواه جماعة عن
هشام، ورواه غير واحد عن هشام كما رواه يحيى عن مالك، ورواه ابن وهب
في ((موطئه)) عن عمرو بن الحارث عن أبي الأسود عن عروة عن أبي مراوح
عن حمزة، وأبو الأسود ثبتٌ في عروة وغيره، فدل على أن رواية يحيى ليست
بخطأ، ويجوز أن عروة سمعه عن عائشة وأبي مراوح جميعاً، فحدث به عن
كل واحد منهما وأرسله أحياناً، انتهى ملخصاً.
وأخرجه البخاري في ((صحيحه))، عن هشام عن أبيه عن عائشة: أن
حمزة، قال الحافظ: هكذا رواه الحفاظ عن هشام، ورواه عبد الرحيم بن
سليمان عند النسائي والدراوردي عند الطبراني، ويحيى بن عبد الله عند
الدارقطني، ثلاثتهم عن هشام عن أبيه عن عائشة عن حمزة فجعله من مسند
حمزة، والمحفوظ أنه من مسند عائشة، ويحتمل أن هؤلاء لم يقصدوا بقولهم:
عن حمزة الرواية، وإنما أرادوا الإخبار عن حكايته، فالتقدير عن عائشة عن
قصة حمزة، ولكن صح مجيء الحديث من رواية حمزة، فلمسلم عن أبي
الأسود عن عروة عن أبي مراوح عن حمزة، وهو محمول على أن لعروة فيه
طريقين سمعه عن عائشة وسمعه عن أبي مراوح عن حمزة، انتهى مختصراً .
وتمامه في ((التنوير))(٢):
(١) (ص٩٣).
(٢) انظر: ((تنوير الحوالك)) (٢٧٦/١).
١١٨

١٧ - كتاب الصيام
(٧) باب
(٥٨٤) حديث
يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنِّي رَجُلٌ أَصُومُ. أَفَأَصُومُ فِي السَّفَرِ؟ فَقَالَ لَهُ
رَسُولُ اللَّهِ وَل﴾: ((إِنْ شِئْتَ فَصُمْ. وَإِنْ شِئْتَ فَأَفْطِرْ)).
أخرجه البخاريّ عن عائشة في: ٣٠ - كتاب الصوم، ٣٣ - باب الصوم في
السفر والإفطار.
ومسلم في: ١٣ - كتاب الصيام، ١٧ - باب التخيير في الصوم والفطر في
السفر، حديث ١٠٤.
(يا رسول الله إني رجل أصوم) وفي رواية لمسلم: أسرد الصوم، وكذا في
أبي داود وغيره (أفأصوم في السفر؟) يحتمل التطوع والفرض والأعم منهما
وسيأتي البسط في ذلك (فقال له رسول الله له: إن شئت فصم وإن شئت
فأفطر) ظاهر الأحاديث التي وقع فيها إني أسرد الصوم يدل على أنه في
التطوع، قال ابن دقيق العيد: ليس فيه تصريح بأنه رمضان فلا يكون فيه حجة
على من منع صوم رمضان في السفر.
قال الحافظ(١): هو كما قال بالنسبة إلى سياق حديث الباب، لكن في
رواية لمسلم من طريق أبي مراوح عنه أنه قال: أجد لي قوة على الصيام في
السفر فهل عليّ جناح؟، فقال ◌َّير: ((هي رخصة من الله فمن أخذ بها فحسن،
ومن أحبّ أن يصوم فلا جناح عليه)).
وهذا يشعر بأنه سئل عن صيام الفريضة، لأن الرخصة إنما تطلق في
مقابلة الواجب، وأصرح من ذلك ما رواه أبو داود والحاكم؛ أن حمزة قال:
يا رسول الله إني صاحب ظهر، أعالجه، أسافر عليه، وأكريه، وإنه ربما
صادفني هذا الشهر، يعني رمضان، وأنا أجد القوة وأجدني أن أصوم أهون
عليّ من أن أؤخره، فيكون ديناً عليّ، فقال: أيّ ذلك شئت يا حمزة.
قال الشيخ في ((البذل))(٢): جعل رواية مسلم قرينة على أن السؤال كان
(١) ((فتح الباري)) (١٨٠/٤).
(٢) ((بذل المجهود)) (٢٣٩/١٠).
١١٩

١٧ - كتاب الصيام
(٧) باب
(٥٨٤) حدیث
في فريضة رمضان موقوف على أن السؤال الذي روته عائشة - رضي الله عنها -
هو السؤال الذي رواه هو بنفسه، أما إذا كان هذا غير ذاك، فلا يكون رواية
مسلم ولا أبي داود قرينة على أن السؤال في حديث عائشة - رضي الله عنها -
في الفريضة، والظاهر أنه سأل مرتين مرة عن صوم التطوع ومرة عن صوم
رمضان، انتھی.
وكتب الوالد المرحوم في ((تقرير أبي داود)): والجواب مثل السؤال يعم
الفرض والنفل، أو يقال: لما جوز له صوم نفل في السفر فأولى أن تجوز
الفريضة، انتهى.
قال الباجي(١): سؤال حمزة عام، فإذا خرج الجواب مطلقاً حمل على
عمومه، فحمل على جواز الصوم للفرض والنفل في السفر، ولا يخص صوم
دون صوم إلا بدليل، وذهب بعض أهل الظاهر إلى أن ذلك محمول على
التطوع، وهذا تخصيص بغير دليل فوجب أن يكون باطلاً، انتهى.
قال الحافظ في ((التلخيص)): ادعى ابن حزم أنه إنما سأله عن صوم
التطوع بدليل قوله: إني أسرد الصوم، لكن ينتقض عليه بأن عند أبي داود في
رواية صحيحة ما يقتضي أنه سأله عن الفرض وصححها الحاكم، انتهى.
قال عياض: احتجّ به من قال: الفطر أفضل لقوله وَالر فيه: ((فحسن)).
وقال في الصوم: ((فلا جناح))، ولا حجة فيه، لأنه جواب لقوله: ((هل عليّ
جناح))، فلا يدل على أن الصوم ليس بحسن، لأن نفي الجناح أعم من
الوجوب والندب والإباحة والكراهة.
ثم قال النووي وغيره: فيه دلالة لمذهب الشافعي وموافقيه أي - كمالك -
أن صوم الدهر وسرده ليس بمكروه لمن لا يخاف ضرراً ولا تفويت حق بشرط
(١) ((المنتقى)) (٥٠/٢).
١٢٠
----------