Indexed OCR Text
Pages 21-40
١٧ - كتاب الصيام (١) باب (٥٦١) حديث سواء كان في السماء غيم أم لا، وعند مالك لا تثبت أصلاً، قاله ابن الملك، انتهى. قلت: ما قال: لا تثبت عند مالك أصلاً لم أتحصله، يخالفه ما سيأتي من فروعه، والعمدة في ذلك ما في فروعهم، ففي ((المغني))(١): المشهور عن أحمد: أنه يقبل في هلال رمضان قول واحد عدل ويلزم الناس بقوله، وهو قول عمر وعلي وابن المبارك والشافعي في الصحيح عنه، وروي عن أحمد أنه قال: اثنين أعجب إليّ، قال أبو بكر: إن رآه وحده ثم قدم المصر صام الناس بقوله على ما روي في الحديث، وإن كان الواحد في جماعة فذكر أنه رآه دونهم لم يقبل إلا قول اثنين، وقال عثمان بن عفان: لا يقبل إلا شهادة اثنين، وهو قول مالك والليث والأوزاعي وإسحاق، لما روى عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب: أنه خطب الناس في اليوم الذي يشكّ فيه، فقال: إني جالست أصحاب رسول الله وَله وسألتهم، وإنهم حدّثوني أن رسول الله وَ ل قال: ((صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، وانسكوا له، فإن غُمَّ عليكم فأَتِمُّوا ثلاثين وإن شهد شاهدان ذوا عدل فصوموا وأفطروا))، رواه النسائي(٢). وقال أبو حنيفة في الغيم كقولنا، وفي الصحو لا يقبل إلا الاستفاضة، لأنه لا يجوز أن تنظر الجماعة إلى المطلع وأبصارهم صحيحة والموانع مرتفعة فيراه واحد دون الباقين، فإن كان المخبر امرأة، فقياس المذهب قبول قولها وهو قول أبي حنيفة وأحد الوجهين لأصحاب الشافعي لأنه خبر ديني فأشبه الرواية والخبر عن القبلة، ويحتمل أن لا تقبل لأنه شهادة برؤية الهلال فلم يقبل فيه قول امرأة كهلال شوال، ثم قال: ولا يقبل في هلال شوال إلا شهادة اثنين عدلين في قول الفقهاء جميعاً، إلا أبا ثور، فإنه قال: يقبل قول واحد لأنه أحد طرفي شهر رمضان أشبه الأول. (١) (١٥٧/٣). (٢) أخرجه النسائي (١٣٢/٤) رقم الحديث (٢١١٦). ٢١ ١٧ - كتاب الصيام (١) باب (٥٦١) حديث ٠ ولنا خبر عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب، وعن ابن عمر، عن النبي وسلم أنه أجاز شهادة رجل واحد على رؤية الهلال، وكان لا يجيز على شهادة الإفطار إلا شهادة رجلين، ولا يقبل فيه شهادة رجل وامرأتين ولا شهادة النساء المفردات وإن كثرن، وكذلك سائر الشهود، وإذا صاموا بشهادة اثنين ثلاثين يوماً ولم يروا هلال شوال أفطروا وجهاً واحداً، وإن صاموا بشهادة واحد فلم يروا الهلال، ففيه وجهان، أحدهما: لا يفطرون، والثاني: يفطرون وهو منصوص الشافعي، ويحكى عن أبي حنيفة، لأن الصوم إذا وجب وجب الفطر لاستكمال العدة لا بالشهادة، وقد يثبت تبعاً ما لا يثبت أصلاً بدليل أن النسب لا يثبت بشهادة النساء وتثبت بها الولادة، فإذا ثبتت ثبت النسب على وجه التبع، انتهى. قلت: جواز الفطر بعد إكمال الثلاثين إذا ابتدأوا الصوم برؤية واحد مختلف عند الحنفية كما بسط في الفروع، وفي ((نيل المآرب)): ثبتت رؤية هلال رمضان بخبر مسلم مكلف عدل ولو عبداً أو أنثى أو بدون لفظ الشهادة، ولا يختص بحاكم فيلزم الصوم من سمع عدلاً يخبر الرؤية ولو رده الحاكم، ولا يقبل في بقية الشهور كشوال وغيره إلا رجلان عدلان بلفظ الشهادة، وإن صاموا بشهادة اثنين ثلاثين يوماً، فلم يروا الهلال أفطروا في الغيم والصحو لا أن صاموا بشهادة واحد، انتهى. وفي ((الروض المربع)) (١): إذا رآه أهل بلد لزم الناس كلهم الصوم لقوله تعالى: ((صوموا لرؤيته)) وهو خطاب للأمة كافة ويصام برؤية عدل مكلف ويكفي خبره بذلك لقول ابن عمر - رضي الله عنهما -: تراءى الناس الهلال فأخبرت رسول الله وَالر، أني رأيته فصام وأمر الناس بصيامه. رواه أبو داود. (١) (١ / ٤١٢). ٢٢ ..--- ------- ------- : ١٧ - كتاب الصيام (١) باب (٥٦١) حديث ٠٥ وفي ((الإقناع))(١): وتثبت رؤيته في حق من لم يره بشهادة عدل(٢) لقول ابن عمر أخرجه أبو داود، وصححه ابن حبان، ولما روى الترمذي وغيره: ((أن أعرابياً شهد عند النبي (وَّر برؤيته فأمر الناس بصيامه))(٣)، والمعنى في ثبوته بالواحد الاحتياط للصوم. قلت: واشترطوا في الواحد حكم الحاكم بذلك، ولفظ الشهادة أيضاً شرط عندهم كما في ((روضة المحتاجين))، وفي ((حاشية الإقناع)): وإذا صمنا برؤية عدل ثلاثين يوماً أفطرنا، وإن لم نر الهلال بعدها ولم يكن غيمٌ، ولا يرد لزوم الإفطار بواحد لثبوت ذلك ضمناً لأن شوال لا يثبت إلا باثنين، والمعتمد أن هلال شوال يثبت بعدل استقلالاً لاشتماله على العبادة، وهي فطر يوم العيد لوجوبه والإحرام بالحج، لأن كل شهر اشتمل على عبادة يثبت بواحد بالنظر للعبادة، انتهى. وفي ((الشرح الكبير)) للدردير (٤): يثبت رمضان بكمال شعبان أو برؤية عدلين فأكثر لا بعدل وامرأتين وكُذِّبا بعد ثلاثين صحوا لا غيم فيها، وفي ((الأنوار الساطعة)): أو برؤية مستفيضة بأن وقعت من جماعة يستحيل تواطؤهم على الكذب، قال في ((حاشية العدوي)): ومثل العدلين العدل الواحد الموثوق بخبره ولو عبداً أو امرأة إذا كان المحل لا يعتنى فيه بأمر الهلال في حق أهل الرأي وغيرهم، وأما إذا كان المحل يعتنى فيه بأمر الهلال فلا يثبت برؤية الواحد، ويثبت الفطر بإتمام رمضان ثلاثين يوماً أو برؤية هلال شوال سواء كانت الرؤية مستفيضة أو بشاهدي عدل، ولا يثبت برؤية عدل واحد ولو بمحل لا يعتنى فيه بأمر الهلال، انتهى. (١) (٤٦٨/١). (٢) وفي الأصل (لبدل شهادة)) وهو تحريف. (٣) أخرجه أبو داود (٧٥٦/٢) (٢٣٤٢) وابن حبان كذا في ((الموارد)) (٨٧١). (٤) (٥٠٩/١). ٢٣ ١٧ - كتاب الصيام (١) باب (٥٦١) حديث وفي ((الدر المختار))(١): قُبِلَ بلا دعوى وبلا لفظ أشهد وبلا حكم ومجلس قضاء - لأنه خبر لا شهادة للصوم مع علّة كغيم وغبار - خبرُ عدل أو مستور لا فاسق، ولو كان العدل قناً أو أنثى أو محدوداً في قذف تاب، وشُرِطَ للفطر مع العلة، والعدالة نصابُ الشهادة، ولفظ أشهد، وعدم الحد في قذف لتعلق نفع العبد، لكن لا تشترط الدعوى، وقيل: بلا علة جمع عظيم، يقع العلم بخبرهم، وهو مفوض إلى رأي الإمام من غير تقدير بعدد، انتهى. وقد أعرضنا عن الدلائل في ذلك لخوف الإطالة على أن المسألتين كأنهما إجماعيتان كما ترى ليس فيهما شديد الاختلاف. والجملة في ذلك ما في ((التلخيص))(٢) حديث: ((صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غُمّ عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين يوماً إلا أن يشهد شاهدان)). رواه النسائي من رواية حسين بن الحارث عن عبد الرحمن بن زيد: أنه خطب الناس في اليوم الذي يشك فيه، فقال: ألا إني جالست أصحاب رسول الله وي ليه وسألتهم وأنهم حدثوني أن رسول الله بَّ قال، فذكرهم، وفي آخره: ((فإن شهد شاهدان فصوموا وأفطروا))، ورواه أحمد من هذا الوجه، ولفظه في آخره: «فإن شهد شاهدان فصوموا وأفطروا)) ورواه أبو داود من حديث أبي مالك الأشجعي عن حسين بن الحارث: أن الحارث بن حاطب أمير مكة خطب ثم قال: عهد إلينا رسول الله ور أن ننسك للرؤية، فإن لم نره وشهد شاهدا عدل نسكنا بشهادتهما، الحديث. ورواه الدارقطني فقال: إسناده متصل صحيح، انتهى. 1 فَعُلِمَ منه أن المدار على شاهدَيْ عدل، لكن استثني منه هلال رمضان، لما روي عن ابن عمر - رضي الله عنهما -: تراءى الناس الهلال، فأخبرت النبي ﴿ أني رأيته فصام وأمر الناس بالصيام، رواه الدارمي، وأبو داود، (١) (٩٠/٢ - ٩١). (٢) ((تلخيص الحبير)) (١٨٧/٢). ٢٤ ---- - ١٧ - كتاب الصيام (١) باب (٥٦١) حديث والدارقطني، وابن حبان، والحاكم، والبيهقي، وصححه ابن حزم، كلهم من طريق ابن أبي بكر بن نافع عن نافع عنه. وقال الزيلعي(١): صح أنه رَّ قبل شهادة الواحد العدل في رؤية هلال رمضان وفيه أحاديث، انتهى. ثم بسط في الروايات المرفوعة والآثار في ذلك. والبحث الثاني ما قال الحافظ(٢): قد تمسك بتعليق الصوم بالرؤية من ذهب إلى إلزام أهل البلد برؤية أهل بلد غيرها، ومن لم يذهب إلى ذلك قال: لأن قوله: ((حتى تروه)) خطابٌ لأناس مخصوصين فلا يلزم غيرهم. ولكنه مصروف عن ظاهره، فلا يتوقف الحال عن رؤية كل أحد فلا يتقيد بالبلد، وقد اختلف العلماء في ذلك على مذاهب: أحدها: لكل أهل بلد رؤيتهم، وفي ((صحيح مسلم)) من حديث ابن عباس ما يشهد له، وحكاه ابن المنذر عن عكرمة والقاسم وسالم وإسحاق، وحكاه الترمذي عن أهل العلم، ولم يحك سواه. وحكاه الماوردي وجهاً للشافعية . ثانيها: مقابله إذا رؤي ببلدة لزم أهل البلاد كلها، حكاه الخطابي عن الأئمة الأربعة، فقال: اختلف الناس في الهلال يستهلّه أهل بلد في ليلة وأهل بلد آخر في ليلة قبلها أو بعدها، فذهب إلى ظاهر حديث ابن عباس يعني حديث كريب في قصة معاوية الآتي قريباً، القاسم بن محمد وسالم بن عبد الله وعكرمة وهو مذهب إسحاق، وقالوا: لكل قوم رؤيتهم. وقال ابن المنذر: قال أكثر الفقهاء: إذا ثبت بخبر الناس أن أهل بلد من البلدان قد رأوه قبلهم فعليهم قضاء ما أفطروا، وهو قول أصحاب الرأي ومالك، وإليه ذهب الشافعي وأحمد، انتهى. قلت: وهو المشهور عند (١) انظر: ((نصب الراية)) (٤٤٣/٢). (٢) ((فتح الباري)) (١٢٣/٤). ٢٥ ١٧ - كتاب الصيام (١) باب (٥٦١) حديث المالكية، لكن حكى ابن عبد البر(١) الإجماع على خلافه، وقال: أجمعوا على أنه لا تراعى الرؤية فيما بعد من البلاد كخراسان والأندلس. قال القرطبي: قد قال شيوخنا: إذا كانت رؤية الهلال ظاهرة قاطعة بموضع، ثم نقل إلى غيرهم بشهادة اثنين لزمهم الصوم، وقال ابن الماجشون: لا يلزمهم بالشهادة إلا لأهل البلد الذي تثبت فيه الشهادة إلا أن يثبت عند الإمام الأعظم فيلزم الناس كلهم، لأن البلاد في حقه كالبلد الواحد إذا حكمه نافذ في الجميع، وقال بعض الشافعية: إن تقاربت البلاد كان الحكم واحداً وإن تباعدت فوجهان، لا يجب عند الأكثر، واختار أبو الطيب وطائفة الوجوب، وحكاه البغوي عن الشافعي. وفي ضبط البعد أوجهٌ: أحدها: اختلاف المطالع، قطع به العراقيون والصيدلاني وصححه النووي في ((الروضة)) و ((شرح المهذب)). ثانيها: مسافة القصر، قطع به الإمام والبغوي وصححه الرافعي في ((الصغير)) والنووي في ((شرح مسلم)). ثالثها: اختلاف الأقاليم. رابعها: حكاه السرخسي فقال: يلزم كل بلد لا يتصور خفاؤه عنهم بلا عارض دون غيرهم. خامسها: قول ابن الماجشون المتقدم، انتهى. قلت: والعمدة في ذلك عند الأئمة ما عليه أهل فروعهم، ففي ((نيل المآرب)): يجب صوم رمضان برؤية هلاله على جميع الناس. وحكم من لم يره حكم من رآه، ولو اختلفت المطالع، وفي ((الروض المربع)) (٢): إذا رآه أهل بلد أي متى ثبتت رؤيته ببلد لزم الناس كلهم الصوم، لقوله عليه السلام: ((صوموا لرؤيته))، وهو خطاب للأمة كافة. فإن رآه جماعة ببلد، ثم سافروا لبلد بعيد فلم (١) انظر: ((الاستذكار)) (٣٠/٩). (٢) (١/ ٤١٢). ٢٦ ١٧ - كتاب الصيام (١) باب (٥٦١) حديث ٠٠٠٠ ير الهلال به في آخر الشهر أفطروا. وفي ((الشرح الكبير))(١) للدردير: عم الصوم سائر البلاد قريباً أو بعيداً، ولا يراعى في ذلك مسافة قصر، ولا اتفاق المطالع ولا عدمها، فيجب الصوم على كل منقول إليه، إن نقل ثبوته بالعدلين أو بالمستفيضة عنهما أي عن العدلين أو المستفيضة، فالصور أربع، وحكى الدسوقي عن ابن عبد البر: أنه يعم البلاد القريبة لا البعيدة جداً، انتهى. وفروع الحنفية متظافرة على أن لا عبرة باختلاف المطالع عندهم، وليس المعنى أنهم لا يقولون باختلاف المطالع. بل المعنى أنهم لم يعتبروه في باب الصوم، فعلم بذلك أن الأئمة الثلاثة - رضي الله عنهم - متفقة في المعتمد عنهم في عدم العبرة لاختلاف المطالع خلافاً للشافعية، انتهى. واختلفت الأقاويل فيما بينهم في تحديد المسافة التي يعتبر فيها اختلاف المطالع، كما تقدم قريباً من خمسة أقوال في ذلك، وفي ((حاشية شرح الإقناع)): وتثبت رؤيته في حق من لم يره، أي ممن مطلعه موافق مطلع محل الرؤية، بأن يكون غروب الشمس والكواكب وطلوعها في البلدين في وقت واحد، فإن غرب شيء من ذلك أو طلع في أحد البلدين قبله في الآخر أو بعده لم يجب على من يره برؤية البلد الآخر. حتى لو سافر من أحد البلدين فوجدهم صائمين أو مفطرين لزمهم موافقتهم. سواء في أول الشهر أو آخره، وهذا أمر مرجعه إلى طول البلاد وعرضها، سواء قربت المسافة أو بعدت. ولا نظر إلى مسافة القصر وعدمها . نعم متى حصلت الرؤية للبلد الشرقي لزم رؤيته في البلد الغربي دون عكسه، كما في مكة المشرفة ومصر المحروسة، فيلزم من رؤيته بمكة في مصر لا عكسه، لأن رؤية الهلال من أفراد الغروب، وما ذكر عن شيخنا (م ر) وعن (١) (٥١٠/١). ٢٧ ١٧ - كتاب الصيام (١) باب (٥٦١) حديث السبكي وغيره مما يخالف هذا، لا يُعوّل عليه. ولا يجوز الاعتماد عليه، وقول بعضهم: أقل ما يحصل به اختلاف المطالع في مسافة القصر ونصفها، وذلك أربعة وعشرون فرسخاً غير مستقيم، بل باطل وكذا قول شيخنا: إنه تحديد، انتھی . فعلم مما سبق أن اختلاف المطالع لم يعتبره من الأئمة إلا الإمام الشافعي - رضي الله عنه -، إلا ما تقدم من ابن عبد البر، وأيضاً اختلفت الروايات عن الشافعية - رحمهم الله - في تحديده أيضاً كما مر. والحجة للجمهور في ذلك عموم قوله عليه السلام: ((صوموا لرؤيته))، وليس المراد رؤية كل واحد كما تقدم، بل المراد رؤية بعضهم بلا مرية، واستدل من قال: بعبرة المطالع بحديث كريب، أن أم الفضل بعثته إلى معاوية بالشام، فقال: فقدمت الشام فقضيت حاجتها، ثم قدمت المدينة فسألني ابن عباس، ثم ذكر الهلال، فقال: متى رأيتم الهلال؟ فقلنا: رأيناه ليلة الجمعة، فقال: أنت رأيته؟ فقلت: نعم، ورآه الناس، وصاموا وصام معاوية. فقال: لكنا رأيناه ليلة السبت فلا نزال نصوم حتى نكمل ثلاثين أو نراه، قلت: ألا نكتفي برؤية معاوية وصيامه؟ فقال: لا، هكذا أمرنا رسول الله وَله، رواه الجماعة إلا البخاري وابن ماجه. قال الشوكاني(١): اعلم أن الحجة إنما هي في المرفوع من رواية ابن عباس لا في اجتهاده والذي فهم عنه الناس، والمشار إليه بقوله: هكذا أمرنا رسول الله وَلّ، هو قوله: فلا نزال نصوم حتى نكمل ثلاثين، والأمر الكائن من رسول الله وَلل هو ما أخرجه الشيخان وغيرهما بلفظ: ((لا تصوموا حتى تروا الهلال ولا تفطروا حتى تروه، فإن غُمَّ عليكم فأكملوا العدَّة ثلاثين)) وهذا لا يختص بأهل ناحية على جهة الانفراد، بل هو خطاب لكل من يصلح له من المسلمين، فالاستدلال به على لزوم رؤية أهل بلد لغيرهم من أهل البلاد (١) ((نيل الأوطار)) (٢٣٠/٤/٢). ٢٨ -- --- ..--- ١٧ - كتاب الصيام (١) باب (٥٦١) حديث أظهر من الاستدلال به على عدم اللزوم، لأنه إذا رآه أهل بلد فقد رآه المسلمون، فيلزم غيرهم ما لزمهم. ولو سُلِّم توجه الإشارة في كلام ابن عباس إلى عدم لزوم رؤية أهل بلد لأهل بلد آخر، فكان عدم اللزوم مقيداً بدليل العقل، وهو أن يكون بين القطرين من البعد ما يجوز معه اختلاف المطالع، وعدم عمل ابن عباس برؤية أهل الشام مع عدم البعد الذي يمكن معه الاختلاف عمل بالاجتهاد، ولو سُلِّم عدم لزوم التقييد بالعقل، فلا يشك عالم أن الأدلة قاضية بأن أهل الأقطار يعمل بعضهم بخبر بعض، وشهادته في جميع الأحكام الشرعية والرؤية من جملتها، وسواء كان بين القطرين من البعد ما يجوز معه اختلاف المطالع أم لا. فلا يقبل التخصيص إلا بدليل. ولو سُلِّم صلاحية حديث كريب هذا للتخصيص، فينبغي أن يقتصر فيه على محل النص، إن كان النص معلوماً، أو على المفهوم منه إن لم يكن معلوماً لوروده على خلاف القياس، ولم يأت ابن عباس - رضي الله عنهما - بلفظ النبي ◌َ﴾، ولا بمعنى لفظه حتى تنظر في عمومه وخصوصه، إنما جاءنا بصيغة مجملة أشار بها إلى قصة هي عدم عمل أهل المدينة برؤية أهل الشام، على تسليم أن ذلك المراد، ولم نفهم منه زيادة على ذلك حتى نجعله مخصصاً لذلك العموم، فينبغي الاقتصار على المفهوم من ذلك الوارد على خلاف القياس وعدم الإلحاق به. ولو سُلِّم صحة الإلحاق وتخصيص العموم به، فغايته أن يكون في المحلات التي بينها من البعد ما بين المدينة والشام أو أكثر، أما أقل من ذلك فلا، وهذا ظاهر فينبغي أن ينظر ما دليل من ذهب إلى اعتبار البريد أو الناحية أو البلد في المنع من العمل بالرؤية، والذي ينبغي اعتماده هو ما ذهب إليه المالكية وغيرهم. أنه إذا رآه أهل بلد لزم أهل البلاد كلها، ولا يلتفت إلى ٢٩ ١٧ - كتاب الصيام (١) باب (٥٦١) حديث ما قاله ابن عبد البر(١) من أن هذا القول خلاف الإجماع، قال: لأنهم قد أجمعوا على أنه لا تراعى الرؤية فيما بعد من البلدان، كخراسان، والأندلس، وذلك لأن الإجماع لا يتم، والمخالف مثل هؤلاء الجماعة، انتهى. قلت: وأجاب الطحاوي في ((مشكله)) عن حديث كريب: بأنه كان قد فات وقت استعمال الصيام بتلك الرؤية، وقال الموفق(٢): ولنا قوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمَّةٌ﴾(٣)، وقول النبي ◌َّ للأعرابي لما قال له: آلله أمرك أن تصوم هذا الشهر؟ قال: ((نعم))، وقوله للآخر لما قال له: ماذا فرض الله عليّ من الصوم؟ قال: ((شهر رمضان))، وأجمع المسلمون على وجوب صوم شهر رمضان، وقد ثبت أن هذا اليوم من شهر رمضان بشهادة الثقات، فوجب صومه على جميع المسلمين، ولأن شهر رمضان ما بين الهلالين، وقد ثبت أن هذا اليوم منه في سائر الأحكام من حلول الدَّيْن ووقوع الطلاق والعتاق وغير ذلك من الأحكام فيجب صيامه بالنص والإجماع. ولأن البيّنة العادلة شهدت برؤية الهلال، فيجب الصوم كما لو تقاربت البلدان. فأما حديث كريب؛ فإنما دل على أنهم لا يفطرون بقول كريب وحده ونحن نقول به. وإنما محل الخلاف وجوب قضاء اليوم الأول. وليس هو في الحديث، فإن قيل: فقد قلتم: إن الناس إذا صاموا بشهادة واحدٍ ثلاثين يوماً ولم يروا الهلال أفطروا في أحد الوجهين. قلنا: الجواب عن هذا من وجهين؛ أحدهما: أننا إنما قلنا: يفطرون إذا صاموا بشهادته، فيكون فطرهم مبنياً على صومهم بشهادته. وههنا لم يصوموا بقوله، فلم يوجد ما يجوز بناء الفطر عليه. والثاني: أن الحديث يدل على صحة الوجه الآخر، انتهى. (١) انظر: ((الاستذكار)) (٣٠/١٠). (٢) ((المغني)) (٨٨/٢). (٣) سورة البقرة: الآية ١٨٥. ٣٠ ١٧ - كتاب الصيام (١) باب (٥٦١) حديث فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدُرُوا لَّهُ . أخرجه البخاريّ في: ٣٠ - كتاب الصوم، ١١ - باب قول النبيّ وَّ: ((إذا رأيتم الهلال فصوموا)). ومسلم في: ١٣ - كتاب الصيام، ٢ - باب وجوب صوم رمضان لرؤية الهلال، حديث ٣. والبحث الثالث: ما قال الحافظ في ((الفتح)) (١): استدل بالحديث على وجوب الصوم والفطر على من رأى الهلال وحده، وإن لم يثبت بقوله، وهو قول الأئمة الأربعة في الصوم. واختلفوا في الفطر، فقال الشافعي: يفطر ويخفيه، وقال الأكثر: يستمرُّ صائماً احتياطاً، انتهى. وكذا بالصوم في الصورتين احتياطاً جزم صاحب ((الهداية))، قلت: وسيأتي بيان ذلك في قول المصنف أيضاً. إِثَإنَ غُمَّ عليكم، بضم المعجمة وتشديد الميم، أي حال بينكم وبينه غيم، يقال: غممت الشيء: إذا غطّيته، ووقع في حديث أبي هريرة من طريق: ((فإن غُمَّ))، ومن آخر: ((أغمي))، وفي آخر: ((غبي))، بفتح الغين المعجمة، وتخفيف الموحدة. وأغمي وغم وغمّي بتشديد الميم، وتخفيفها فهو مغموم، الكل بمعنى، وأما غبي فمأخوذ من الغباوة، وهي عدم الفطنة، وهي استعارة لخفاء الهلال، ونقل ابن العربي أنه روي بالعين المهملة من العمي. قال: وهو بمعناه لأنه ذهاب البصر عن المشاهدات أو ذهاب البصيرة عن المعقولات، انتهى. قال العيني (٢): ومنه الغمّ لأنه يستر القلب، والرجل الأغم المستور الجبهة بالشعر. وسمي السحاب غيماً لأنه يستر السماء، انتهى. وفي ((العارضة))(٣): بناء غم للستر والتغطية، ومنه الغم فإنه يغطي القلب عن استرساله في آماله. ومنه الغمام وهي السحابة (فاقدروا له) بهمزة وصل (١) ((فتح الباري)) (١٢٣/٤). (٢) انظر: ((عمدة القاري)) (٢٧١/١٠/٥). (٣) ((عارضة الأحوذي)) (٢٠٤/٣). ٣١ ١٧ - كتاب الصيام (١) باب (٥٦١) حديث وضم الدال المهملة وكسرها، وفي ((المغرب)): الضم خطأ كما قاله القاري. وفي ((النيل)): قال أهل اللغة: يقال: قدرت الشيء أقدره بكسر الدال وضمها وقدَّرْته وأقدرتُه كلها بمعنى واحد وهي من التقدير، انتهى. وسيأتي في الحديث الآتي أن الرواة اتفقوا على هذا اللفظ، وهو تأكيد لقوله: ((لا تصوموا حتى تروا الهلال)) عند الجمهور، كما تقدم. وللعلماء في معنى هذا اللفظ ثلاثة أقوال: الأول: قول الأئمة الثلاثة، والجمهور. قال العيني: وهو مذهب جمهور فقهاء الأمصار بالحجاز والعراق والشام والمغرب، منهم مالك والشافعي والأوزاعي والثوري وأبو حنيفة وأصحابه وعامة أهل الحديث، إلا أحمد ومن قال بقوله، انتهى. قلت: وسيأتي قوله. وأما الجمهور فعلى أن معناه قدروا له تمام العدد ثلاثين يوماً، يقال: قدرت الشيء وأقدرته وقدرته بمعنى: التقدير، أي انظروا في أول الشهر واحسبوا ثلاثين يوماً كما جاء مفسراً في الأحاديث الأخر. قال العيني: قال عبد الرزاق بسنده عن نافع عن ابن عمر: أن الله تعالى جعل الأهلَّة مواقيت للناس فصوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن غُمَّ عليكم فعُدُّوا ثلاثين. وقال الشافعي بسنده عن سالم عن أبيه: لا تصوموا حتى تروا الهلال ولا تفطروا حتى تروه، فإن غُمَّ عليكم فأكملوا العدة ثلاثين. قال ابن عبد البر(١): كذا قال، والمحفوظ في حديث ابن عمر - رضي الله عنه - فاقدروا له، وقد ذكر عبد الرزاق(٢) عن أيوب عن نافع عنه: أن رسول الله اليه قال لهلال رمضان: ((إذا رأيتموه فصوموا، ثم إذا رأيتموه فأفطروا، فإن غُمَّ علیکم فاقدروا له ثلاثين يوماً)). (١) انظر: ((الاستذكار)) (١٥/١٠). (٢) (مصنف عبد الرازق)) (١٥٦/٤). ٣٢ ---- ١٧ - كتاب الصيام (١) باب (٥٦١) حديث ٠٠ قال أبو عمر (١): وروى ابن عباس وأبو هريرة وحذيفة وأبو بكر وطلق الحنفي وغيرهم عن النبي بَّ: ((صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غُمَّ عليكم فأكملوا العدة ثلاثين)). قال العيني: وغيرهم من الصحابة البراء بن عازب وعائشة وعمر وجابر ورافع بن خديج وابن مسعود وابن عمر وعلي بن أبي طالب وسمرة بن جندب - رضي الله عنهم -، ثم ذكر العيني تخاريج روايات هؤلاء الصحابة - رضي الله عنهم أجمعين -. قلت: ويؤيد الجمهور أيضاً ما ورد من روايات النهي عن تقديم الشهر، وتلك كثيرة شهيرة في كتب الحديث. والقول الثاني: ما ذهب إليه أكثر الحنابلة إذا قالوا من التفريق بين الصحو والغيم، فقالوا: التعليق على الرؤية متعلق بالصحو، وأما الغيم فله حكم آخر، وهو اقدروا له معناه: ضَيِّقُوا له، وقدروه تحت السحاب. وقال الموفق: معنى ((اقدروا له))، أي: ضيّقوا له العدد من قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾ أي: ضيق عليه، والتضييق له أن يجعل شعبان تسعة وعشرين يوماً، وقد فسره ابن عمر بفعله وهو راويه، انتهى. يعني كان يصوم ابن عمر - رضي الله عنهما - في ذلك اليوم. والثالث: معناه قدروه بحسب المنازل قاله أبو العباس بن سريج من الشافعية(٢) ومطرف بن عبد الله من التابعين وابن قتيبة من المحدثين. قال ابن عبد البر: لا يصح عن مطرِّف، وأما ابن قتيبة فليس هو ممن يُعَرَّجُ عليه في مثل هذا، قال: ونقله ابن خويز منداد عن الشافعي، والمعروف عن الشافعي - رضي الله عنه - ما عليه الجمهور. ونقل ابن العربي عن (١) انظر: ((التمهيد)) (٣٣٩/١٤). (٢) انظر: ((فتح الباري)) (١٢٢/٤). ٣٣ ١٧ - كتاب الصيام (١) باب (٥٦١) حديث ابن سريج: أن قوله: ((فاقدروا له)) خطاب لمن خصّه الله تعالى بهذا العلم. وأن قوله: ((فأكملوا العِدّة)) خطابٌ للعامة. قال ابن العربي (١): فصار وجوب رمضان عنده مختلف الحال. يجب على قوم بحساب الشمس والقمر، وعلى آخرين بحساب العدد، قال: وهذا بعيد عن النبلاء، وبسط في الرد على هذا القول أشد البسط، وقال: يأباه قوله: ((إنا أمة أمية، لا نكتب ولا نحسب، الشهر هكذا وهكذا وهكذا))، وأشار بيديه الكريمتين ثلاث إشارات، وخنس بإبهامه في الثالثة، فإذا كان يتبرّأ من الحساب الأقل بالعقد المصطلح عليه مبيناً باليدين تنبيهاً على التبري عن أكثر منه فما ظنك بمن يدعي عليه، ذلك أن يحيل على حساب النيرين، انتهى. قال الباجي: وذكر الداودي: أنه قيل في معنى قوله: فاقدروا له: أي قدروا المنازل، وهذا لا نعلم أحداً قال به، إلا بعض أصحاب الشافعي، أنه يعتبر في ذلك بقول المنجمين والإجماع حجة عليه. وفي ((الفتح)) (٢): قال ابن الصلاح: معرفة منازل القمر هي معرفة سير الأهلّة، وأما معرفة الحساب فأمر دقيق يختص بمعرفة الآحاد، فمعرفة منازل القمر تدرك بأمر محسوس يدركه من يراقب النجوم، وهذا هو الذي أراده ابن سريج، وقال به في حق العارف بها في خاصة نفسه، ونقل الروياني عنه: أنه لم يقل بوجوب ذلك عليه، وإنما قال بجوازه وهو اختيار القفال وأبي الطيب، وأما أبو إسحاق في ((المهذب)) فنقل عن ابن سريج لزوم الصوم في هذه الصورة. فتعددت الآراء في هذه المسألة بالنسبة إلى خصوص النظر في الحساب (١) ((عارضة الأحوذي)) (٢٠٨/٣). (٢) ((فتح الباري)) (١٢٢/٤). ٣٤ ----- ١٧ - كتاب الصيام (١) باب (٥٦٢) حديث ٢/٥٦٢ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْن عُمَرَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ جْهِ قَالَ: ((الشَّهْرُ تِسْعُ وَعِشْرُونَ. والمنازل، أحدها: الجواز ولا يجزئ عن الفرض. ثانيها: يجزئ. ثالثها: يجوز للحاسب ويجزئه لا للمنجم. رابعها: يجوز لهما ولغيرهما تقليد الحاسب دون المنجم. خامسها: يجوز لهما ولغيرهما مطلقاً. وقال ابن الصبّاغ: أما بالحساب فلا يلزمه بلا خلاف بين أصحابنا. قال الحافظ: ونقل ابن المنذر الإجماع على ذلك، فقال في (الأشراف)): صوم يوم الثلاثين من شعبان إذا لم ير الهلال مع الصحو لا يجب بإجماع الأمة، وقد صح عن أكثر الصحابة والتابعين، هكذا أطلق، ولم يفصل بين حاسب وغيره، فمن فرق بينهم كان محجوجاً بالإجماع قبله، انتهى. قال المازري: احتجّ من قال: معناه بحساب المنجمين، بقوله تعالى: ﴿وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾(١)، والآية عند الجمهور محمولة على الاهتداء في السير في البر والبحر. قال النووي: عدم البناء على حساب المنجمين، لأنه حدس وتخمين، وإنما يعتبر منه ما يعرف به القبلة والوقت، انتهى. ٢/٥٦٢ - (مالك، عن عبد الله بن دينار، عن عبد الله بن عمر) - رضي الله قال: الشهر تسع) وفي النسخ المصرية: تسعة عنهما - (أن رسول الله له (وعشرون) زاد في بعض النسخ الهندية بعده يوماً، وظاهر الحديث الحصر، وليس بمنحصر فيه فقد يكون ثلاثين، وأجيب بما قال الخطابي في ((المعالم)): يريد أن الشهر قد يكون تسعاً وعشرين، وليس يريد أن كل شهر تسعة وعشرون، وإنما احتاج إلى بيان ما كان موهوماً أن يخفى عليهم، لأن الشهر في العرف وغالب العادة ثلاثون، فوجب أن يكون البيان فيه مصروفاً إلى النادر دون المعروف منه، انتهى. وقال عياض: معناه: قد يكون تسعاً وعشرين. (١) سورة النحل: الآية ١٦. ٣٥ ١٧ - كتاب الصيام (١) باب (٥٦٢) حديث فَلَا تَصُومُوا حَتَّى تَرَوُا الْهِلَالَ. وَلا تُفْطِرُوا حَتَّى تَرَوْهُ. فَإِنْ غُمّ عَلَيْكُمْ فَاقْدُرُوا لَهُ)). أخرجه البخاريّ في: ٣٠ - كتاب الصوم، ١١ - باب قول النبيّ وَّل: ((إذا رأيتم الهلال فصوموا)). ومسلم في: ١٣ - كتاب الصيام، ٢ - باب وجوب صوم رمضان لرؤية الهلال، حديث ٩. -- وقال الحافظ (١): أو اللام للعهد والمراد شهر بعينه، أو هو محمول على الأكثر لقول ابن مسعود: صمنا مع النبي ◌َلّ تسعاً وعشرين أكثر مما صمنا ثلاثين، رواه أبو داود والترمذي، ومثله عن عائشة عند أحمد بإسناد جيد. وقال ابن العربي: معناه: الحصر من أحد طرفيه، أي يكون تسعة وعشرين وهو أقله ويكون ثلاثين وهو أكثره، فلا تأخذوا أنفسكم بصوم الأكثر احتياطاً، ولا تقتصروا على الأقل تخفيفاً، ولكن اجعلوا عبادتكم مرتبطة ابتداءً وانتهاءً باستهلاله، انتهى. وقال الباجي: ويحتمل أن يريد به التنبيه على ترائ الهلال لتسع وعشرين، ثم قال: ومع ذلك (فلا تصوموا) لتسع وعشرين (حتى تروا الهلال)، انتهى كلام الباجي. قال ابن العربي(٢): أوجب على الخلق مراعاة الهلال، فمن الناس من يراعي الأهلّة كلها في العام لئلا يأخذ في كل شهر المطلَع غيمٌ فلا يهتدي إليه، ومنهم من قال وهو الأكثر: يُحصى هلال شعبان خاصة، ويدل عليه الحديث البديع، رواه الترمذي بسنده عن أبي هريرة مرفوعاً: ((أحصوا هلال شعبان لرمضان))، وروي عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: ((كان رسول الله وعليه يحفظ من هلال شعبان ما لا يحفظ من غيره، ثم يصوم رمضان لرؤيته»، الحديث. قال الدارقطني: هذا إسناد حسن صحيح، انتهى. (ولا تفطروا حتى تروه) أي الهلال (فإن غمّ عليكم فاقدروا له) قال (١) ((فتح الباري)) (١٢٣/٤). (٢) انظر: ((عارضة الأحوذي)) (٢٠٨/٣/٢). ٣٦ ...-- --- ١٧ - كتاب الصيام (١) باب (٥٦٣) حديث ٣/٥٦٣ - وحدثي عَنْ مَالِكٍ، ثُورٍ بْنِ زَيْدِ الدِّيلِيِّ، ... الحافظ: أما حديث ابن عمر - رضي الله عنه - فاتفق الرواة عن مالك عن نافع فيه على قوله: ((فاقدروا له))، وجاء من وجه آخر عن نافع بلفظ: ((فاقدروا ثلاثين))، كذلك أخرجه مسلم من طريق عبيد الله بن عمر عن نافع، وهكذا أخرجه عبد الرزاق عن أيوب، عن نافع. قال عبد الرزاق: وأخبرنا عبد العزيز بن أبي روّاد، عن نافع به قال: ((فعُدّوا ثلاثين))، واتفق الرواة عن مالك عن عبد الله بن دينار أيضاً فيه على قوله: ((فاقدروا له))، وكذلك رواه الزعفراني وغيره عن الشافعي، وكذا رواه إسحاق الحربي وغيره في ((الموطأ)) عن القعنبي، وأخرجه الربيع بن سليمان والمزني عن الشافعي، فقال فيه كما قاله البخاري ههنا عن القعنبي: ((فإن غُمّ عليكم فأكملوا العدة ثلاثين)). قال البيهقي في ((المعرفة)) (١): إن كانت رواية الشافعي والقعنبي من هذين الوجهين محفوظة فيكون مالك قد رواه على الوجهين، قال الحافظ (٢): ومع غرابة هذا اللفظ من هذا الوجه، فله متابعات، منها ما رواه الشافعي أيضاً من طريق سالم عن ابن عمر بتعيين الثلاثين، ومنها ما رواه ابن خزيمة من طريق عاصم بن محمد بن زيد عن أبيه عن ابن عمر - رضي الله عنهما - بلفظ : ((فكملوا ثلاثين))، وله شواهد من حديث حذيفة عند ابن خزيمة، وأبي هريرة وابن عباس عند أبي داود والنسائي وغيرهما، وأبي بكرة وطلق بن علي عند البيهقي، وأخرجه من طرق عنهم وعن غيرهم، انتهى. قلت: وتقدمت أسماء الصحابة الذين روي عنهم بلفظ: ((أكملوا الثلاثين)) في كلام العيني مبسوطاً. ٣/٥٦٣ - (مالك، عن ثور) باسم الحيوان المعروف (ابن زيد الديلي) بكسر الدال المهملة، فياء مثناة تحت ساكنة، مولاهم أي مولى بني الديل بن (١) ((معرفة السنن والآثار)) (٨٦٠١/٨). (٢) ((فتح الباري)) (١٢١/٤). ٣٧ ١٧ - كتاب الصيام (١) باب (٥٦٣) حديث عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاس؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ ذَكَرَ رَمَضَانَ، فَقَالَ: ((لَا تَصُومُوا حَتَّى تَرَوُا الْهِلَالَ. وَلا تُفْطِرُوا حَتَّى تَرَوْهُ. فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا الْعَدَدَ (الْعِدَّةَ) بكر المدني، من رواة الستة، ثقة، من السادسة، مات سنة ١٣٥ هـ (عن عبد الله ابن عباس) قال ابن عبد البر في ((التمهيد)) (١): هكذا هذا الحديث في ((الموطأ)) عند جماعة من الرواة عن مالك عن ثور عن ابن عباس، ليس فيه ذكر عكرمة، والحديث محفوظ لعكرمة، عن ابن عباس، وإنما رواه ثور عن عكرمة، وقد روي عن روح بن عبادة هذا الحديث، عن مالك عن ثور عن عكرمة عن ابن عباس، وزعموا أن مالكاً أسقط ذكر عكرمة منه لأنه كره أن يكون في كتابه، لكلام سعيد بن المسيب وغيره فيه، ولا أدري صحة هذا، لأن مالكاً ذكره في كتاب الحج، وصرح باسمه، ومال إلى روايته عن ابن عباس، وترك رواية عطاء في تلك المسألة، وعطاء من أجلّ التابعين في المناسك، انتهى. وبسط ابن عبد البر ههنا في ترجمة عكرمة، وفي ((التهذيب))(٢) في ترجمة ثور: أرسل عن ابن عباس، قال الحافظ: قوله: أرسل عن ابن عباس يخالفه قول ابن الحذّاء، حيث ذكره في ((رجال الموطأ))، فذكر عن ابن البرقي أن مالكاً ترك ذكر عكرمة بين ابن عباس وثور، انتهى. وأخرجه أبو داود والترمذي والنسائي من طريق سماك بن حرب عن عكرمة عن ابن عباس، قلت: وسيأتي البسط في ترجمة عكرمة في أبواب الجماع من كتاب الحج. : (أن رسول الله وَلّ ذكر رمضان، فقال: لا تصوموا حتى تروا الهلال، ولا تفطروا حتى تروه، فإن غم عليكم فأكملوا العدد) وفي رواية: ((العدة))، والنسخ الهندية على الأول، والمصرية على الثاني، واللام للشهر أي عدة الشهر، ولم (١) (٢٦/٢ - ٣٤)، و((الاستذكار)) (٩٦/١/١٠). (٢) ((تهذيب التهذيب)) (٣٢/٢). ٣٨ ١٧ - كتاب الصيام (١) باب (٥٦٣) حديث ثَلَاثِينَ». هذا منقطع وقد وصله أبو داود في: ١٤ - كتاب الصوم، ٧ - باب من قال: ((فإن غم عليكم فصوموا ثلاثين)). والترمذيّ في: ٦ - كتاب الصوم، ٥ - باب ما جاء إن الصوم لرؤية الهلال والإفطار له. والنسائيّ في: ٢٢ - كتاب الصيام، ١٣ - باب ذكر الاختلاف على منصور، في حدیث ربعيّ فيه. يخص وَلّ شهراً دون شهر بالإكمال إذا غم، فلا فرق بين شعبان وغيره في ذلك، إذ لو كان شعبان غير مراد بهذا الإكمال لبيّنه. وقد ورد في بعض الروايات: فأكملوا عدة شعبان. وما قيل: انفرد به البخاري لا يصح، فله متابعات بسطت في محله، ولا تخالف بينها، بل هي مفسرة لأحد المحتملين. وقال ابن الجوزي: يكون المعنى: إن غُمَّ عليكم رمضان فعُدُّوا ثلاثين على أن أصحابنا تأولوا ما انفرد به البخاري من ذكر شعبان، فقالوا: نحمله على ما إذا غُمَّ هلال رمضان وهلال شوال، فنحتاج إلى إكمال شعبان ثلاثين يوماً احتياطاً للصوم، فإنا وإن كنا قد صمنا ثلاثين من شعبان، فلا نقطع بأنه من رمضان، ولكنا صمناه حكماً، قال: ويدل على ما قلناه شيئان، أحدهما: عود الضمير على أقرب مذكور، وهو قوله: أفطروا لرؤيته، والثاني: أن مسلماً رواه مفسراً: ((إذا رأيتم الهلال فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا، فإن غم عليكم فصوموا ثلاثين))، انتهى. وفيه تأمّل، فإن الروايات وردت بكلا اللفظين، وبلفظ: إن غم عليكم شعبان أكثر فيقال: إن الروايات المفسرة بيان من الراوي لأحد المحتملين، وقوله ◌َلي عام لكلا الشهرين كما لا يخفى (ثلاثين) يوماً وهذا أتى به الإمام مفسراً ومبيناً لقوله في الروايتين قبله: فاقدروا له، وأولى ما فسر الحديث بالحدیث . ٣٩ ١٧ - كتاب الصيام (١) باب (٥٦٤) حديث ٤/٥٦٤ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ؛ أَنَّه بَلَغَهُ أَنَّ الْهِلَالَ رُؤيَ فِي زَمَانِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ بِعَشِيٍّ. فَلَمْ يُفْطِرْ عُثْمَانُ حَتَّى أَمْسَى، وَغَابَتِ الشَّمْسُ. ٤/٥٦٤ - (مالك، أنه بلغه أن الهلال) أي هلال شوال كما يدل عليه السياق (رؤي) بضم الراء المهملة وكسر الهمزة ببناء المجهول، (في زمان عثمان بن عفان) ثالث الخلفاء الراشدين (بعشيّ) ما بعد الزوال إلى آخر النهار (فلم يفطر عثمان) - رضي الله عنه - (حتى أمسى) قال الباجي: هذا دليل على أنه كان في رمضان، وأن الهلال الذي رؤي هو هلال شوال (وغابت الشمس) وأخرج ابن أبي شيبة، عن حاتم بن إسماعيل، عن عبد الرحمن بن حرملة: أن الناس رأوا الهلال هلال الفطر حين زاغت الشمس فأفطر بعضهم، فذكرت ذلك لسعيد بن المسيب، فقال: رآه الناس في زمن عثمان - رضي الله عنه -، فأفطر بعضهم، فقام عثمان، فقال: أما أنا فمُتِمٍّ صيامي إلى الليل، الحديث. قال الباجي(١): لا خلاف بين الناس أنه إذا رُؤي بعد الزوال فإنه لليلة القادمة، وأما إذا رُؤي قبل الزوال فإن مالكاً والشافعي وأبا حنيفة وجمهور الفقهاء يقولون: إنه لليلة القادمة لحديث أبي وائل: ((أتانا كتاب عمر - رضي الله عنه - أن الأهلة بعضها أكبر من بعض، فإذا رأيتم الهلال نهاراً فلا تفطروا حتى يشهد رجلان أنهما أهلاه بالأمس)). وقال الثوري وابن وهب وأبو يوسف وابن حبيب: الماضية، لما رواه النخعي عن عمر: إذا رأيتم الهلال قبل الزوال فأفطروا، وإذا رأيتموه بعده فلا تفطروا، وهذا مفصل والأول مجمل، لأنه قال: نهاراً، لكن قال ابن عبد البر(٢): والأول أصح، لأنه متصل، والثاني منقطع فالنخعي لم يدرك عمر، قال الباجي: قال أبو بكر ابن الجهم: هذا لا يثبت عن عمر، رواه شباك وهو مجهول، قال: وهذا ! (١) ((المنتقى)) (٣٩/٢). (٢) ((الاستذكار)) (٢٣/٩). ٤٠