Indexed OCR Text
Pages 621-640
١٦ - كتاب الجنائز (١٦) باب (٥٥٦) حديث وقال العيني: قال أبو عمر (١): ويستحيل أن يكون الفطرة المذكورة فيه الإسلام؛ لأن الإيمان والإسلام، قولٌ باللسان، واعتقادٌ بالقلب، وعملٌ بالجوارح، وهذا معدوم في الطفل. الرابع: ما قال قوم: معنى الفطرة فيه البداءة التي ابتدأهم عليها أي على ما فطر الله تعالى عليه خلقه من أنه ابتدأهم للحياة، والموت، والسعادة، والشقاوة، وإلى ما يصيرون إليه عند البلوغ. الخامس: ما قال قوم: الفطرة ما يقلب الله تعالى قلوب الخلق إليه بما يريد ويشاء، قال أبو عمر: هذا القول وإن كان صحيحاً في الأصل فإنه أضعف الأقاويل من جهة اللغة في معنى الفطرة، كذا في ((العيني))، وقريب منه ما في ((الفتح)) إذ قال: منها قول ابن المبارك: إن المراد أنه يولد على ما يصير إليه من شقاوة أو سعادة، فمن علم الله أنه يصير مسلماً وُلِدَ على الإسلام، ومن علم الله أنه يصير كافراً وُلد على الكفر، فكأنه أوَّل الفطرة بالعلم، وتُعُقِّبَ بأنه لو كان كذلك لم يكن لقوله: فأبواه يهودانه إلخ معنًى؛ لأنهما فعلا به ما هو الفطرة التي ولد عليها، فينافي التمثيل بحال البهيمة. السادس: ما قال قوم: معنى ذلك أن الله تعالى قد فطرهم على الإنكار والمعرفة والكفر والإيمان. فأخذ من ذرية آدم عليه السلام الميثاق حين خلقهم، فقال: ألست بربكم؟ فقالوا جميعاً: بلى، أما أهل السَّعادة فقالوا: بلى، معرفةً له وطوعاً من قلوبهم، وأما أهل الشقاوة فقالوا: كرهاً، وتصديق ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَهُ: أَسْلَمَ مَن فِ السَّمَوَتِ وَاُلْأَرْضِ طَوَعًا وَكَرْهًا﴾ قال المروزي: سمعت ابن راهويه يذهب إلى هذا، واحتجّ ابن راهويه بحديث عائشة - رضي الله عنها - في قصة صبي من الأنصار فقالت: طُوبى له عصفور (١) انظر: ((الاستذكار)) (٣٨٣/٨). ٦٢١ ١٦ - كتاب الجنائز (١٦) باب (٥٥٦) حدیث من عصافير الجنة، فرد عليها النبي ◌َّله فقال: (مَهْ يا عائشة، وما يدريك أن الله خلق الجنة، وخلق لها أهلاً، وخلق النار وخلق لها أهلاً)). قال الحافظ(١): وتعقب بأنه يحتاج إلى نقل صحيح، فإنه لا يعرف هذا التفصيل عند أخذ الميثاق إلا عن السديّ، ولم يسنده، وكأنه أخذه عن الإسرائيليات، حكاه ابن القيم عن شيخه، انتهى. وقال أبو عمر (٢): قول إسحاق بن راهويه في هذا الباب لا يرضاهُ حُذَّاقُ الفقهاء من أهل السنة، وإنما هو قول المُجَبَّرةِ. السابع: ما قال قوم: معنى الفطرة ما أخذه الله من الميثاق على الذرية وهم في أصلاب آبائهم. الثامن: ما قال بعضهم: إن اللام في الفطرة للعهد أي فطرة أبويه، وهو متعقّب بأنه لا حاجة إلى التبديل بعد ذلك، قلت: وعزا الباجي هذا القول إلى ابن القاسم الجوهري، قال ابن القيم: سبب اختلاف العلماء في معنى الفطرة في هذا الحديث أن القدرية كانوا يحتجُّون به على أن الكفر والمعصية ليسا بقضاء الله، بل مما ابتدأ الناس إحداثه، فحاول جماعة من العلماء مخالفتهم بتأويل الفطرة على غير معنى الإسلام، ولا حاجة إلى ذلك، لأن الآثار المنقولة عن السَّلف تدل على أنهم لم يفهموا من لفظ الفطرة إلا الإسلام، ولا يلزم من حملها على ذلك موافقة أهل القدر، لأن قوله: فأبواه يهودانه محمول على أن ذلك يقع بتقدير الله تعالى، ومن ثمّ احتجّ عليهم مالك بقوله في آخر الحديث: الله أعلم بما كانوا عاملين، كذا في ((الفتح))، واحتجاج مالك - رضي الله عنه - أخرجه أبو داود في ((سننه)). (١) (فتح الباري)) (٢٥٠/٣). (٢) انظر: ((التمهيد)) (١٨ - ٨٤ - ٩٦). ٦٢٢ ------ ١٦ - كتاب الجنائز (١٦) باب (٥٥٦) حديث فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ، كَمَا تُنَاتَجُ (فأبواه) أي المولود، والفاء إما للتعقيب أو للسببية، أي ما يكون من تغير فبسبب أبويه، أو جزاء شرط مقدّر أي إذا تقرر ذلك، فمن تغيّر كان أبواه يُغَيّرانه، إما بتعليمهما إياه أو بترغيبهما. قال الباجي(١): يحتمل ذلك وجهين: أحدهما: أنهما يُرغِّبانه في اليهودية ويحبِّبان ذلك إليه حتى يدخلاه فيه، والثاني: أن كونه تبعاً لهما في الدين يوجب الحكم له بحكمهما فيستنّ بسنتهما، ويعقد له عقد الذمة، انتهى. وخصّ الأبوان بالذكر للغالب فلا حجة فيه لمن حكم بإسلام الطفل الذي يموت أبواه كافرين، كما هو قول أحمد، فقد استمر عمل الصحابة ومن بعدهم على عدم التعرض لأطفال أهل الذمة، كذا في ((الفتح))(٢). (يهودانه) بتشديد الواو أي يُعلِّمانه اليهودية ويجعلانه يهودياً (أو ينصرانه) زاد في ((الصحيحين)) وغيرهما: أو يُمجِّسانه (كما تناتج) بفوقية فنون فألف ففوقية فجيم أي يولد صفة لمصدر محذوف، وما مصدرية أي يولد على الفطرة ولادة مثل نتاج البهيمة أو يغيِّرانه تغييراً كتغييرهم البهيمة، وقيل: حال أي مشبهاً شبه ولادته على الفطرة بولادة البهيمة السليمة غير أن السَّلامة حسيّة ومعنوية، وعلى التقديرين: ((أي المفعولية والحالية)) الأفعال الثلاثة أي يهودانه وما عطفت عليه تنازعت في ((كما تنتج)) المفيد لتشبيه ذلك المعقول بهذا المحسوس المعاين ليتّضح به أن ظهوره بلغ في الكشف والبيان مبلغ هذا المحسوس المشاهد، قاله القاري(٣). قال المجد: نتجت الناقة كعُنِيَ نتاجاً وأنتجت، وقد نتجها أهلها. وفي ((المجمع)): نتجت الناقة: ولدت، فهي منتوجة، وأنتجت: حملت فهي نتوج، والناتج للإبل كالقابل للنساء. (١) ((المنتقى)) (٣٣/٢). (٢) ((فتح الباري)) (٢٥/٣). (٣) ((مرقاة المفاتيح)) (١٦٢/١). ٦٢٣ ١٦ - كتاب الجنائز (١٦) باب (٥٥٦) حدیث الإِبِلُ، مِنْ بَهِيمَةٍ جَمْعَاءَ. هَلْ تُحِسُّ فِيهَا مِنْ جَدْعَاءَ؟))، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ الَّذِي يَمُوتُ وَهُوَ صَغِيرٌ؟ قَالَ: ((اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ)). أخرجه البخاريّ في: ٨٢ - كتاب القدر، ٣ - باب الله أعلم بما كانوا عاملين. ومسلم في: ٤٦ - كتاب القدر، ٦ - باب معنى كل مولود يولد على الفطرة، حديث ٢٤. (الإبل) بالرفع (من بهيمة) لفظ من زائدة (جمعاء) قال الزرقاني: بضم(١) الجيم وسكون الميم والمد نعت لبهيمة أي سليمة الأعضاء كاملتها لم يذهب من بدنها شيء، سمّيت بذلك لاجتماع سلامة أعضائها من نحو جدع، وكي، قاله القاري (هل تحس) بضم أوله وكسر ثانيه أي تبصر، وفي رواية: هل ترى فيها (من جدعاء) بفتح الجيم وإسكان المهملة والمد أي مقطوعة الأنف أو الأذن أو الأطراف، والجملة صفة أو حال أي بهيمة سليمة مقولاً في حقها هذا القول، وفيه نوع من التأكيد يعني كل من نظر إليها قال هذا القول لظهور سلامتها . قال الباجي(٢): يريد لا جدعاء فيها من أصل الخلقة، وإنما تجدع بعد ذلك، ويغير خلقها، كالمولود يولد على الفطرة ثم يغير بعد ذلك أبواه فيهودانه أو ينصرانه، انتھی. (قالوا: يا رسول الله أرأيت) أي أخبرنا من إطلاق السبب على المسبب لأن مشاهدة الأشياء طريق إلى الإخبار عنها (الذي يموت وهو صغير) لم يبلغ الحلم أيدخل الجنة؟. وقال الباجي: سألوه عن حال الصغير الذي لا يعقل صرف أبويه له عن الفطرة إلى دينهما ما يكون حاله في الآخرة، وقد قال تعالى: ﴿وَلَا نَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ فكيف يعذبهم بذنوب آبائهم (قال) ◌َّر: (الله أعلم بما كانوا عاملين) (١) كذا في الأصل ولكن وجدنا في كتب المعاجم من ((لسان العرب)) و((القاموس)) بفتح الجيم وهو الظاهر. (٢) ((المنتقى)) (٣٣/٢). ٦٢٤ : ١٦ - كتاب الجنائز (١٦) باب (٥٥٦) حدیث اختلفوا في معناه، قال ابن قتيبة: أي لو أبقاهم فلا تحكموا عليهم بشيء. قال الباجي: يريد أن الله تعالى عالم بما كانوا يفعلونه لو أحياهم حتى يعقلوا ويُمكِّنهم العمل، وفي هذا إخبار عن أنه لا طريق لنا إلى معرفة مصيرهم في الآخرة إلا من جهة إخبار الله لنا، وأنه لا يعاقبهم بذنوب آبائهم، وإنما يفعل بهم ما يريد بهم من التفضل عليهم والتكليف لهم في الآخرة ثم يجزيهم لذلك، أو يكون جزاؤه لهم ما سبق في علمه تعالى أنه كان يوفقهم له من الضلال أو الهدى، إلا أن قوله وَير: ((الله أعلم بما كانوا عاملين)) أظهر في أن جزاءهم يكون على ما علم تعالى منهم، أنهم كانوا يفعلونه لو بلغهم حد التكليف، انتهى. وقال غيره: أي علم أنهم لا يعملون شيئاً ولا يرجعون فيعملون، أو أخبره بعلم الشيء لو وجد كيف يكون، ولم يرد أنهم يجازون بذلك في الآخرة لأن العبد لا يجازى بما لم يعمل، أو معناه أنه علم أنهم لم يعملوا ما يقتضي تعذيبهم ضرورة أنهم غير مكلفين، قاله الزرقاني(١). وقال العيني(٢): قال ابن بطال: يحتمل قوله: ((الله أعلم بما كانوا عاملين)) وجوهاً من التأويل، أحدها: أن يكون قبل إعلامه أنهم من أهل الجنة، الثاني: أي على أي دين يُمِيْتُهم لو عاشوا فبلغوا العمل، فأما إذا عدم منهم العمل فهم في رحمة الله التي ينالها من لا ذنب له، الثالث: أنه مجمل يُفْسّره قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِىّ ءَآدَمَ﴾ الآية، فهذا إقرار عام يدخل فيه أولاد المؤمنين والمشركين، فمن مات منهم قبل بلوغ الحنث ممن أقر بهذا الإقرار لا يقضي له بغيره، لأنه لم يدخل عليه ما ينقضه إلى أن يبلغ الحنث، وأما من قال: حكمهم حكم آبائهم فهو مردود من قوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾، انتهى. (١) ((شرح الزرقاني)) (٨٩/٢). (٢) ((عمدة القاري)) (٢١٢/٨/٤). ٦٢٥ ١٦ - كتاب الجنائز (١٦) باب .(٥٥٦) حدیث وقال القاري(١): في معنى قوله: ((الله أعلم بما كانوا عاملين))، أي الله أعلم بما هم صائرون إليه من دخول الجنة أو النار أو الترك بين المنزلتين. قال البيضاوي(٢): فيه إشارة إلى أن الثواب والعقاب لا لأجل الأعمال، وإلا لزم أن تكون ذراري المسلمين والكافرين لا من أهل الجنة ولا من أهل النار، بل الموجب لهما اللطف الربّاني والخذلان الإلهي المقدر لهما في الأزل، فالأولى فيهما التوقف وعدم الجزم بشيء، فإن أعمالهم موكولة إلى علم الله تعالى فيما يعود إلى أمر الآخرة من الثواب والعقاب. قلت: وههنا تقرير أنيق كتبه شيخي ووالدي - نور الله مرقده - فيما حكاه عن شيخه المحدث الگنگوهي - قدس سره - في تقرير أبي داود ما نصه قوله: ((الله أعلم بما كانوا عاملين))، حاصله : - والله أعلم - أن دخول الجنة قد يكون لأجل الأعمال، وقد يكون لغير ذلك من العوارض، فالسؤال لم يكن إلا عن الدخول المرتب على الأعمال، فأجاب: أنهم ليس منهم عمل حتى يدخلوا الجنة دخول كذا، وأما مطلق الدخول المتحقق في النوع الثاني فلم يتعرض له ولم ينكره عنهم، بل أثبته بقوله: ((كل مولود يولد على الفطرة))، فإنهم لما ولدوا على الفطرة، ولا معتبر بما صدر عنهم حالة الصغر كانوا مثلهم قبل الولاد. ومن البيِّن أنهم قبل ولادهم لم يكونوا في النار فلا يكونون فيها بعد الولاد أيضاً إذا ماتوا صغاراً، وذلك لما قلنا: إن ما كن من الكفر غير مجزي عليه، وما ظهر من أفعالهم لا يعتدُّ به، فلم يبق الحكم فيهم إلا ما كان قبل الولاد، فترك بيانه اتّكالاً على ما هو الظاهر، وعليه يحمل قوله: ((هم من (١) انظر: ((مرقاة المفاتيح)) (١٨١/١). (٢) انظر: ((بذل المجهود)) (٢٤٣/١٨). ٦٢٦ .. . m *** ١٦ - كتاب الجنائز (١٦) باب (٥٥٦) حديث آبائهم))، فإنهم ليس لهم من الحكم إلا ما كان لآبائهم وهو الدخول المرتب على الأعمال، وكذلك في المؤمنين وأولادهم، ولما لم يكن للذراري أعمال لم يكن لهم الدخول المرتب عليها . والحاصل: أنهم شاركوا الآباء في الدخول المرتب على الأعمال، فالمؤمنون وأولادهم وكذا المشركون وأولادهم كلهم شركاء فيما بينهم في أن الدخول مرتب على الأعمال. فأعمال المؤمنين الحسنة أدخلتهم الجنة، وأعمال المشركين السيئة أدخلتهم النار، والذراري من النوعين لم تكن لهم أعمال حتى يترتب الدخول في إحدى الدارين المرتب عليها، وأما الدخول بغير ذلك فغير متعرض به، فينظر فيه إلى نصوص أخر، فرأينا قوله ◌َّ: ((كل مولود يولد على الفطرة))، وقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾، ينفيان العذاب عنهما جميعاً فانتفى بذلك دخول ذراري المشركين النار رأساً. كما كان انتفى الدخول المرتب على الأعمال، وليس مجرد الفطرة كافياً في دخول الجنة فلم يثبت بذلك الدخول في شيء، فينظر إلى نصوص أخر تثبت دخول الجنة، ولا ينافيه ما ورد في رواية خديجة - رضي الله عنها - حين سألت عن ولدها الذي مات في الجاهلية، فقال: هو في النار، لأن كل مرتبة هي بالنسبة إلى ما فوقها نار، والعرب تسمي كل شدّة ناراً. ولا شك، أن أصحاب الأعراف في شدّة إذا قاسوا أحوالهم بأحوالِ أهل الجنة، وإن ثبت دخول ذراري المشركين الجنة كان غير مخالف لقوله أيضاً، فإن دخولهم هناك لما كان غير مضاف إلى استحقاق، وكانوا كالعبيد والغلمان، ولم يكن لهم ما يكون للمؤمنين وأطفالهم من الإكرام والنعيم كان ذلك شدّة لهم. وكذلك قوله ◌َّير: ((خلقها لهم وهم في أصلاب آبائهم))، ليس فيه تصريح بأنهم في النار أو في الجنة، فنقول: إنما كتب قبل خلقهم أنهم في الجنة من ٦٢٧ ١٦ - كتاب الجنائز (١٦) باب (٥٥٦) حديث غير عمل عملوه، وإنما ردّ على عائشة - رضي الله عنها - لأنها تكلمت بما ليس لها به علم، وإن كانت مصيبة فيما قالته، انتهى. وقال النووي(١): أجمع من يعتدُّ به من علماء المسلمين أن من مات من أطفال المسلمين فهو في الجنة لأنه ليس مكلفاً، وتوقف فيه بعض من لا يعتدّ به لحديث عائشة - رضي الله عنها - في مسلم في قصة صبي من الأنصار إذ قالت: طوبى له عصفور من عصافير الجنة، فقال عليه السلام: ((أوَ غير ذلك يا عائشة إن الله عز وجل خلق للجنة أهلاً خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم، وخلق للنار أهلاً خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم)). وأجابوا عن هذا بأنه لعله نهاها عن المسارعة إلى القطع من غير أن يكون عندها دليل قاطع، أو قاله قبل أن يعلم أن أطفال المسلمين في الجنة، انتهى. وكذا في ((روح المعاني)). وأطلق ابن أبي زيد الإجماع في ذلك، ولعله أراد إجماع من يعتدُّ به، وقال المازري: الاختلاف في غير أولاد الأنبياء، قاله الزرقاني(٢). وفي ((العيني)): قال في ((التوضيح)): هو إجماع، ولا عبرة للمُجَبَّرة حيث جعلوهم تحت المشية فلا يعتدُّ بخلافهم ولا بوفاقهم، انتهى. قلت: وقد ورد في القرآن المجيد: ﴿وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَانَبَعَنْهُمْ ذُرِّيَُّهُم بِمَنٍ﴾ الآية. وأما ذراري المشركين فاختلف العلماء فيها على عشرة أقوال: الأول: أنهم تحت المشية، وهو منقول عن الحمادين وابن المبارك وإسحاق ونقله البيهقي في ((الاعتقاد)) عن الشافعي في حق أولاد الكفار خاصة، قال ابن عبد البر: وهو مقتضى صنيع مالك، وليس عنه في هذه المسألة شيء منصوص، إلا أن أصحابه صرّحوا بأن أطفال المسلمين في الجنة وأطفال (١) ((شرح صحيح مسلم)) للنووي (٢٠٦/١٦). (٢) ((شرح الزرقاني)) (٨٩/٢). ٦٢٨ ١٦ - كتاب الجنائز (١٦) باب (٥٥٦) حدیث الكفار خاصة في المشية، والحجة فيه حديث: ((الله أعلم بما كانوا عاملين))، أخرجه الشيخان من حديث أبي هريرة وابن عباس - رضي الله عنهم -. الثاني: أنهم تبع لآبائهم حكاه ابن حزم عن الأزارقة من الخوارج، واحتجوا بقوله تعالى: ﴿رَِّّ لَا نَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَفِرِينَ﴾ الآية، وتُعقِّب بأن المراد قوم نوح خاصة، وإنما دعا بذلك لما أوحي إليه: ﴿أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلَّا مَن قَدْ ءَامَنَ﴾ الآية، أما حديث: ((هم من آبائهم أو منهم))، فذلك ورد في حكم الحربي، وما لأحمد عن حديث عائشة - رضي الله عنها - سألته وقليل عن ولدان المسلمين قال: في الجنة، وعن أولاد المشركين قال: في النار، فقلت: يا رسول الله لم يدركوا الأعمال، قال: ربك أعلم بما كانوا عاملين، لو شئت أسمعتك تضاغِيَهم(١) في النار(٢)، ضعيف جدّاً؛ لأن في إسناده أبا عقيل مولى بُهَيَّة وهو متروك. الثالث: أنهم في برزخ بين الجنة والنار، إذ لا حسنات لهم يدخلون بها الجنة ولا سيئات يدخلون بها النار. الرابع: خدم أهل الجنة، وفيه حديث عن أنس ضعيف أخرجه الطيالسي وأبو يعلى وللطبراني والبزار من حديث سمرة مرفوعاً: ((أولاد المشركين خدم أهل الجنة))، وإسناده ضعيف . الخامس: أنهم يصيرون تراباً روي عن ثمامة بن أشرس. السادس: أنهم في النار حكاه عياض عن أحمد وغّطه ابن تيمية(٣) بأنه قول لبعض أصحابه ولا يحفظ عن الإمام أصلاً، والفرق بين هذا القول والقول (١) تضاغيهم: بكاءهم وصياحهم. (٢) ذكره الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٢١٧/٧). (٣) والعجب من شيخ الإسلام ابن تيمية إذ قال: لا أصل لهذا القول. (ش). ٦٢٩ ١٦ - كتاب الجنائز (١٦) باب (٥٥٦) حديث الثاني أنه لا يلزم من كونهم في النار أن يكونوا مع آبائهم، كما أن عُصاة الموحِّدين في النار لا مع الكفار. السابع: أنهم يُمْتحنون في الآخرة بأن ترفع لهم نار، فمن دخلها كانت عليه برداً وسلاماً، ومن أبى عذب، أخرجه البزار من حديث أنس وأبي سعيد، والطبراني من حديث معاذ بن جبل، وقد صحت مسألة الامتحان في حق المجنون، ومن مات في الفترة، من طرق صحيحة، وحكى البيهقي في ((كتاب الاعتقاد)) أنه المذهب الصحيح، وتُعُقِّب بأن الآخرة ليست دار تكليف فلا عمل فيها ولا ابتلاء، وأجيب: بأن ذلك بعد أن يقع الاستقرار في الجنة والنار، وأما في عرصات القيامة فلا مانع من ذلك، وقد قال تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْثَفُ عَن سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ﴾(١) الآية، وفي ((الصحيحين)): أن الناس يؤمرون بالسجود، فيصير ظهر المنافق طبقاً فلا يستطيع أن يسجد. وذكر العلامة العيني روايات الابتلاء من حديث أبي سعيد وغيره وتكلم عليها . الثامن: أنهم في الجنة، قال النووي: وهو المذهب الصحيح المختار الذي صار إليه المحققون لقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَا مُعَذِّبِينَ حَقَّ نَعَثَ رَسُولًا﴾(٢)، وإذا لم يعذب العاقل؛ لأنه لم تبلغه الدعوة فلأن لا يعذب غير العاقل من باب الأولى، ولحديث سمرة عند البخاري في رؤيا النبي ◌ّ إبراهيم والصبيان حوله، فأولاد الناس وهو عامٌّ يشمل أولاد المسلمين وغيرهم، وروى عبد الرزاق وابن عبد البر عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: سألت خديجة النبي ◌َ* عن أولاد المشركين، فقال: ((هم من آبائهم))، ثم سألته بعد ذلك فقال: ((الله أعلم بما كانوا عاملين))، ثم سألته بعدما استحكم الإسلام، فنزل: ﴿وَلَ نَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾، فقال: ((هم على الفطرة))، أو قال: ((في الجنة)). (١) سورة القلم: الآية ٤٢. (٢) سورة الإسراء: الآية ١٥. ٦٣٠ ١٦ - كتاب الجنائز (١٦) باب (٥٥٧) حدیث ٥٣/٥٥٧ - وحدّثني عَنْ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ لَ قَالَ: ((لا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَمُزَّ الرَّجُلُ وأبو معاذ بن سليمان بن أرقم ضعيف، ولو صح هذا لكان قاطعاً للنزاع، رافعاً لكثير من الإشكال، قاله الحافظ(١). التاسع: الوقف. والعاشر: الإمساك، قال الحافظ: في الفرق بينهما دقة، انتهى. وفي ((رد المحتار)) (٢): قال ابن الهمام في ((المسايرة)): وقد اختلف في سؤال أطفال المشركين وفي دخولهم الجنة أو النار، فتردّد فيهم أبو حنيفة وغيره، وقد وردت فيهم أخبار، فالسبيل تفويض أمرهم إلى الله تعالى، وقال محمد بن الحسن: اعلم أن الله لا يعذب أحداً بلا ذنب، انتهى. وقال تلميذه ابن أبي شريف في (شرحه)): وقد نقل الأمر بالإمساك عن الكلام في حكمهم في الآخرة مطلقاً عن القاسم بن محمد وعروة بن الزبير من رؤوس التابعين وغيرهما . وضعّف أبو البركات النسفي رواية التوقف عن أبي حنيفة - رضي الله عنه -، وقال: الرواية الصحيحة عنه أنهم في المشيئة بظاهر الحديث الصحيح: ((الله أعلم بما كانوا عاملين)). وحكى النووي فيه ثلاثة مذاهب، الأكثر أنهم في النار، الثاني التوقف، الثالث الذي صححه أنهم في الجنة لحديث: ((كل مولود يولد على الفطرة))، ويميل إليه ما مرّ عن محمد بن الحسن، وفيهم أقوال أخر ضعيفة، انتهى . ٥٣/٥٥٧ _ (مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة) - رضي الله عنه - (أن رسول الله * قال: لا تقوم الساعة) هذا إخبار منه وَلو بكثرة الفتن وشدتها بين يدي السَّاعة (حتى يمر الرجل) ذكر الرجل للغالب، وإلا فالمرأة (١) ((فتح الباري)) (٢٤٧/٣). (٢) (٩٦/٣). ٦٣١ ١٦ - كتاب الجنائز (١٦) باب (٥٥٧) حديث بِقَبْرِ الرَّجُلِ فَيَقُولُ: يَا لَيْتَنِي مَكَانَهُ)). أخرجه البخاريّ في: ٩٢ - كتاب الفتن، ٢٢ - باب لا تقوم الساعة حتى يغبط أهل القبور. ومسلم في: ٥٢ - كتاب الفتن وأشراط الساعة، ١٨ - باب لا تقوم الساعة حتى يمرّ الرجل بقبر الرجل إلخ، حديث ٥٣. يمكن أن تتمنى الموت لذلك أيضاً، لكن لما كان الغالب أن الرجال هم المبتلون بالشدائد والنساء محجّبات لا يصلين نار الفتنة خصهم كما قيل: كتب القتل والقتال علينا وعلى الغانيات جر الذيول قاله الزرقاني(١). (بقبر الرجل) قال الحافظ (٢): يؤخذ منه أن التمني المذكور إنما يحصل عند رؤية القبر وليس ذلك مراداً، بل فيه إشارة إلى قوة هذا التمني؛ لأن الذي يتمنى الموت بسبب الشدة التي تحصل عنده قد يذهب ذلك التمني أو يخفّ عند مشاهدة القبر والمقبور، فيتذكَّر هول المقام فيضعف تمنيه، فإذا تمادى على ذلك دلّ على تأكد أمر تلك الشدة عنده حيث لم يصرفه ما شاهده من وحشة القبر، وتذكر ما فيه من الأهوال عن استمراره على تمني الموت. قلت: ويمكن أن يقال: إن المتمني لشدة ما فيه من البلاء لم يلتفت إلى الموت، حتى رأى صاحب القبر فارغاً عن هذا البلاء في الظاهر، فتمنّى كونه مكانه، ومن دأب الرجال أن كل من يُبتلى في رزية يَعُدُّها أشدّ ما يلقى الناس كلهم من الرزايا، وعلى هذا فيكون التمني المذكور إنما يحصل عند رؤية القبر، (فيقول) المارُّ (يا ليتني) كنت ميتاً (مكانه) أي مكان صاحب القبر. وهذا يحتمل وجهين: الأول: أن يكون ذلك عند ظهور الفتن وخوف (١) ((شرح الزرقاني)) (٩٠/٢). (٢) ((فتح الباري)) (١٣/ ٧٥). ٦٣٢ ------- - ١٦ - كتاب الجنائز (١٦) باب (٥٥٧) حديث ذهاب الدين بغلبة الباطل وأهله، وتغيّر الناس وظهور المعاصي، فيتمنى الرجل الموت للنجاة منها. والثاني: أنه يقع البلاء والشدة حتى يكون الموت - الذي هو أعظم المصائب - أهون على المرء، فيتمنى أهون المصيبتين في اعتقاده، ويؤيد الأول ما أخرج الحاكم(١) من طريق أبي سلمة قال: عدت أبا هريرة فقلت: اللّهم اشف أبا هريرة، فقال: اللّهم لا ترجعها، إن استطعت يا أبا سلمة فمُتْ، والذي نفسي بيده ليأتين على العلماء زمانٌ، الموت أحبُّ إلى أحدِهم من الذهب الأحمر، وليأتينَّ أحدهم قبر أخيه فيقول: ليتني مكانه. وقد قال عتيق الغفاري زمن الطاعون: يا طاعون خذني إليك، فقيل: ألم يأت النهي عن تمني الموت، فقال: سمعت رسول الله وَلّ يقول: ((بادروا بالموت إمرة السفهاء وكثرة الشُّرط وبيع الحكم، واستخفافاً بالدم)) الحديث(٢). وقد وقع في دعائه وَّم: ((إذا أردت بالناس فتنة فاقبضني إليك غير مفتون))، ومن دعاء عمر - رضي الله عنه -: اللّهم قد ضعفت قوتي وكبرت سني وانتشرت رعيتي فاقبضني إليك غير مُضَيِّع ولا مُفَرِّط(٣)، انتهى. ويؤيد الثاني ما أخرجه مسلم من طريق أبي حازم عن أبي هريرة مرفوعاً: ((لا تذهب الدنيا حتى يمر الرجل على القبر فيتمرَّغُ عليه، ويقول: يا ليتني مكان صاحب هذا القبر، وليس به الدِّيْن إلا البلاء))، وعن ابن مسعود قال: ((سيأتي عليكم زمان لو وجد أحدكم الموت يباع لاشتراه)). قال الحافظ(٤): والسبب في ذلك ما ذكر في رواية أبي حازم أنه يقع (١) ((المستدرك)) (٥١٨/٤). (٢) أخرجه أحمد في المسنده)) (٤٩٤/٣) و((مصنف ابن أبي شيبة)) (٣٢٠/٥). (٣) انظر: (شرح الزرقاني)) (٩٠/٢). (٤) انظر: ((فتح الباري)) (١٣ / ٧٥). ٦٣٣ ١٦ - كتاب الجنائز (١٦) باب (٥٥٧) حديث البلاء والشدة، حتى يكون الموت الذي هو أعظم المصائب أهون على المرء فيتمنى أهون المصيبتين في اعتقاده، وبهذا جزم القرطبي، وذكره عياض احتمالاً، وأغرب بعض شُرَّاح ((المصابيح)) فقال: المراد بالدين ههنا العادة، والمعنى: أنه يتمرغ على القبر، ويتمنى الموت في حالة ليس التمرغ فيها من عادته، وإنما الحامل عليه البلاء، وتعقبه الطيبي بأن حمل الدين على حقيقته أولى، أي ليس التمني والتمرغ لأمرٍ أصابه من جهة الدين، بل من جهة الدنيا. وقال ابن عبد البر(١): ظن بعضهم أن هذا الحديث معارضٌ للنهي عن تمني الموت وليس كذلك، وإنما في هذا أن هذا القدر سيكون لشدة تنزل بالناس من فساد الحال في الدين أو ضعفه أو خوف ذهابه، لا لضرر ينزل في الجسم، كذا قال، وكأنه يريد أن النهي عن تمني الموت حيث يتعلق بضرر الجسم، وأما إذا كان الضرر يتعلق بالدين فلا، وقد ذكره عياض احتمالاً أيضاً، وقال غيره: ليس بين هذا الخبر وحديث النهي عن تمني الموت معارضة، لأن النهي صريح، وهذا إنما فيه إخبار عن شدة ستحصل ينشأ عنها هذا التمني، وليس فيه تعرض لحكمه وإنما سيق للإخبار عما سيقع. قال الحافظ: ويمكن أخذ الحكم من الإشارة في قوله: وليس به الدين، إنما هو البلاء، فإنه سيق مساق الذمّ، والإنكار، وفيه إيماء إلى أنه لو فعل ذلك بسبب الدين لكان محموداً، ويؤيده ثبوت تمني الموت عند فساد أمرالدين عن جماعة من السّلف. قال النووي: لا كراهة في ذلك بل فعله خلائق من السَّلف منهم عمر بن الخطاب وعيسى (٢) الغفاري وعمر بن عبد العزيز وغيرهم، انتهى. (١) انظر: ((الاستذكار)) (٤١٠/٨). (٢) هكذا في الأصل. و((فتح الباري)) وفي (الاستذكار)) و((التمهيد)) (١٤٧/١٨): عبس الغفاري، وفي ((الإصابة)) (٢١٢/٤) ويقال له: عابس الغفاري. ٦٣٤ ..- ١٦ - كتاب الجنائز (١٦) باب (٥٥٨) حدیث ٥٤/٥٥٨ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ ◌َلْعَلَةَ الدُّبِيّ، عَنْ مَعْبَدِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكِ، عَنْ أَبِي قَتَادَةَ بْنِ رِبْعِيِّ؛ ... قلت: وحكى القاري قال مسروق: ما غبطت شيئاً لشيء كمؤمن في لحده أمن من عذاب الله واستراح من الدنيا، قال أبو الدرداء - رضي الله عنه -: أحبّ الموت اشتياقاً إلى ربي، وأحبّ المرض تكفيراً لخطيئتي، وأحبُّ الفقر تواضعاً لربي. ٥٤/٥٥٨ - (مالك، عن محمد بن عمرو بفتح العين (ابن حلحلة) بحائين مهملتين مفتوحتين ولامين أولاهما ساكنة والثانية مفتوحة، قال الزرقاني: زاد ابن وضّاح (الديلي) قلت: ظاهر كلام الزرقاني أنه ليس في رواية يحيى، لكنه موجود في جميع النسخ التي بأيدينا من الهندية والمصرية، وهو بكسر الدال المهملة وسكون التحتية آخرها اللام نسبة إلى بني عمرو بن وديعة ومحمد بن عمر، وهذا يقال له: الدؤلي، قاله محمد بن إسحاق عن محمد بن عمرو بن عطاء، كذا في ((الأنساب)) للسمعاني، من رواة (الصحيحين)) وأبي داود والنسائي كان ذا هيئة وملازماً للمسجد، وفي ((التقريب)): ثقة من السَّادسة. (عن معبد) بفتح الميم وسكون العين المهملة وفتح الموحدة (ابن كعب بن مالك) الأنصاري السلمي بفتح المهملة واللام المدني كان أصغر الإخوة من رواة ((الصحيحين)) وغيرهما، قال الحافظ: له في البخاري حديث واحد. قلت: لعله هو ذاك الحديث، أخرجه البخاري(١) في (الرقاق)). (عن أبي قتادة) اختلف في اسمه (ابن ربعي) الأنصاري فارس رسول الله ◌َ، قال ابن عبد البر: هكذا الحديث في ((الموطآت)) بهذا الإسناد، وأخطأ فيه سويد بن سعيد عن مالك فقال: عن معبد بن كعب عن أبيه وليس (١) ((صحيح البخاري)) (٦٥١٢) باب سكرات الموت، (فتح الباري)) (١١/ ٣٦١). ٦٣٥ ١٦ - كتاب الجنائز (١٦) باب (٥٥٨) حدیث أَنَّهُ كَانَ يُحَدِّثُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ مَلِ مُرَّ عَلَيْهِ بِجَنَازَةٍ، فَقَالَ: ((مُسْتَرِيحٌ وَمُسْتَرَاحٌ مِنْهُ))، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا الْمُسْتَرِيحُ وَالْمُسْتَرَاحُ مِنْهُ؟ قَالَ: «الْعَبْدُ الْمُؤْمِنُ يَسْتَرِيحُ مِنْ نَصَبِ الدُّنْيَا وَأَذَاهَا، إِلَى رَحْمَةِ اللَّهِ، وَالْعَبْدُ الْفَاجِرُ يَسْتَرِيحُ مِنْهُ الْعِبَادُ وَالْبِلادُ، بشيء (أنه كان يحدث أن رسول الله وَ ل﴿ مُرَّ) بضم الميم وشد الراء على بناء المجهول من المرور (عليه بجنازة) تقدم في محله أن الكسر أفصح، قال الحافظ في (الفتح)): لم أقف على اسم المار ولا الممرور بجنازته. (فقال) مَلر: (مستريح) بحذف المبتدأ أي هو مستريح (ومستراح منه) الواو بمعنى أو للتنويع، قال ابن الأثير: يقال: أراح الرجل واستراح إذا رجعت إليه نفسه بعد الإعياء، (قالوا) أي الصحابة، قال الحافظ: لم أقف على اسم السَّائل منهم بعينه إلا أن في رواية إبراهيم الحربي عند أبي نعيم قلنا فيهم أبو قتادة، فيحتمل أن يكون هو السائل. (يا رسول الله ما المستريح وما المستراح منه؟) أي ما معناهما؟ (قال: العبد المؤمن) كامل الإيمان أو كل مؤمن (يستريح) أي يجد الراحة بالموت (من نصب) بفتحتين (الدنيا) أي من تعبها ومشقتها (وأذاها) أي كالحر والبرد، فهو من عطف العام على الخاص (إلى رحمة الله) تعالى أي ذاهباً وواصلاً إليها (والعبد الفاجر) أي الكافر والعاصي (يستريح منه) أي من شره (العباد) من جهة ظلمه عليهم، أو من جهة أنه حين فعل منكراً، إن منعوه آذاهم وعاداهم، وإن سكتوا عنه أضرَّ بدينهم ودنياهم، قال الداودي: إنهم يستريحون مما يأتي به من المنكر، فإن أنكروا عليه نالهم أذاه، وإن تركوا أثموا. قال الباجي: فيه نظر، لأن من ناله الأذى من أهل المنكر لا يأثم بترك الإنكار عليهم، ويكفيه أن ينكره بقلبه أو بوجه لا يناله به أذاهم، انتهى. قلت: وإن لم يأثم بترك الإنكار عليهم إلا أن شؤم المنكر يَعُمُّ الناس كلهم (والبلاد) ٦٣٦ - ---- - - ١٦ - كتاب الجنائز (١٦) باب (٥٥٨) حديث وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ)). أخرجه البخاريّ في: ٨١ - كتاب الرقاق، ٤٢ - باب سكرات الموت. ومسلم في: ١١ - كتاب الجنائز، ٢١ - باب ما جاء في مستريح ومستراح منه، حديث ٦١. وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ أَبِي النَّضْرِ، مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلَّ لَمَّا مَاتَ عُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ، لغصبها ومنعها أو بما يحصل من الجدب والفساد لمعاصيه (والشجر) لقلعه إياها غصباً أو غصب ثمرها أو بما يحصل من الجدب فيهلك الحرث والنسل (والدوابُ) لاستعماله لها فوق طاقتها، وتقصيره في علفها وسقيها أو للجدب بمعاصيه . قال الطيبي(١): استراح البلاد والأشجار لأن الله تعالى بفقده يرسل السَّماء مدراراً ويُحيي به الأرض بعد موتها، وفي حديث أنس - رضي الله عنه -: أن الحُبارى لتموت هزلاً بذنب ابن آدم، وخص الحبارى لأنه أبعد الطير نجعة أي طلباً للرزق، وجاء أن الحيوانات تلعن المذنبين بسبب حبس القطر عنها بذنوبهم، كذا في ((المرقاة)). (مالك، عن أبي النضر) سالم بن أبي أمية (مولى عمر بن عبيد الله) بضم العينين (أنه قال: قال رسول الله (وَل18) وصله ابن عبد البر (٢) من طريق يحيى بن سعيد عن القاسم عن عائشة - رضي الله عنها - (لما مات عثمان(٣) بن مظعون) بفتح الميم وسكون الظاء المعجمة فضم العين المهملة، ابن حبيب بن وهب بن (١) ((الكاشف شرح الطيبي على المشكاة)) (٣٢٦/٣ - ٣٢٧). (٢) انظر: ((التمهيد)) (٢٢٣/٢١). (٣) انظر: ترجمته في («أسد الغابة)) (٣٣٥/٣). ٦٣٧ ١٦ - كتاب الجنائز (١٦) باب (٥٥٨) حدیث ومُرَّ بِجِنَازَتِهِ: (ذَهَبْتَ وَلَمْ تَلَبَّسْ مِنْهَا بِشَيْ ءٍ» . حذافة بن جمح من بني كعب بن لؤي الجمحي القرشي، أسلم بعد ثلاثة عشر رجلاً، هاجر الهجرتين شهد بدراً، وكان حَرَّمَ الخمر في الجاهلية، وهو أول من مات من المهاجرين بالمدينة في شعبان على رأس ثلاثين شهراً من الهجرة، وقيل: بعد اثنين وعشرين شهراً، وأول من دفن منهم بالبقيع، قَبَّل النبي ◌َّ وجهَه بعد موته، ولما دفن قال: نعم السلف هو لنا، كذا في ((رجال جامع الأصول)). وفي ((الصحيحين)) عن سعد بن أبي وقاص: ((رَدَّ النبي ◌َّر على عثمان بن مظعون التبتل ولو أذن له لاختصينا)). (ومر) ببناء المجهول (بجنازته) - رضي الله عنه - على النبي وَليل (ذهبت) بتاء الخطاب (ولم تَلَبَّسْ) بحذف إحدى التاءين، ولابن وضّاح: تتلبس بتائين، قاله الزرقاني. وفي ((المجمع)): ما يتلبس به طعام أي لا يلزق به لنظافة أكله، ومنه حديث: ((ذهب ولم يتلبس من الدنيا بشيء)) (منها) أي من الدنيا (بشيء) قال الباجي(١): يريد - والله أعلم - الدنيا، فإنه لم ينل منها شيئاً لموته في أول الإسلام قبل أن يفتح على المسلمين الدنيا فيتلَبَّسُون بها مع زهده - رضي الله عنه - فيما كان يناله منها، وهذه فضيلة لعثمان بن مظعون - رضي الله عنه - فإنه هاجر إلى الله، فذهب ولم ينل من الدنيا شيئاً فبقي أجرہ کاملاً، انتهى. قلت: وهذا أوجه مما قاله العلامة الزرقاني(٢): أي لم تلبس من الدنيا بشيء كثير؛ لأنه تلبس بشيء منها لا محالة، انتهى. فإن التلبس شيء فوق الانتفاع والتمتع كما لا يخفى، وفي الحديث مدح الزهد في الدنيا، وذُّ الاستكثار منها . (١) ((المنتقى)) (٣٣/٢). (٢) (شرح الزرقاني)) (٢/ ٩١). ٦٣٨ ٠٠ ------- ١٦ - كتاب الجنائز (١٦) باب (٥٥٩) حدیث ٥٥/٥٥٩ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْن أَبِي عَلْقَمَةَ، عَنْ أُمِّهِ؛ أَنَّهَا قَالَتْ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ وَ﴾ تَقُولُ: قَامَ رَسُولُ اللَّهِ بَلِ ذَاتَ لَيْلَةٍ، فَلَبِسَ ثِيَابَهُ، ثُمَّ خَرَجَ. قَالَتْ: فَأَمَرْتُ جَارِيَتِي بَرِيرَةَ تَتْبَعُهُ . ٥٥/٥٥٩ - (مالك، عن علقمة بن أبي علقمة) بلال المدني (عن أمه) أم علقمة اسمها مرجانة (أنها قالت: سمعت عائشة) - رضي الله عنها - أم المؤمنين (زوج النبي * تقول: قام رسول الله ( 18) أي من فراشه (ذات ليلة فلبس ثيابه ثم خرج قالت) أي عائشة - رضي الله عنها -: (فأمرت) ببناء المتكلم (جاريتي بريرة) بموحدة مفتوحة ورائين مهملتين أولاهما مكسورة والثانية مفتوحة، بينهما تحتية ساكنة، وفي آخرها هاء مشتقة من البرير، وهو ثمر الأراك، وقيل: فعيلة من البر بمعنى مفعولة كمبرورة أو بمعنى فاعلة كرحيمة هكذا وجّهه القرطبي، والأول أولى، لأنه عليه السلام غيَّر اسم جويرية وكان برة. وقال: لا تزكوا أنفسكم فلو كانت بريرة من البرّ لشاركتها في ذلك، قاله الحافظ في ((الفتح)) (١)، صحابية مشهورة اشترتها عائشة - رضي الله عنها - ونازعت مواليها في الولاء، قال الزرقاني(٢): عاشت إلى زمن يزيد بن معاوية . (تتبعه) وَل*، قال الباجي(٣): أمرها جاريتها باتّباعه وَل يحتمل أن تكون علمت بإباحة ذلك لما رأته خرج إلى موضع لا يمكن الستر فيه من الناس لجواز تصرفهم في الطرقات والصحارِي، فاستجازت الاطلاع على إثره والتسبب إلى معرفة ما خرج له لذلك، ولو دخل موضعاً ينفرد فيه لما دخلت ولا تبعته فيه، ويحتمل أن تكون أرسلتها لاتباعه لتستفيد علماً مما يفعله في (١) ((فتح الباري)) (١٨٨/٥). (٢) (شرح الزرقاني)) (٩١/٢). (٣) ((المنتقى)) (٣٤/٢). ٦٣٩ ١٦ - كتاب الجنائز (١٦) باب (٥٥٩) حدیث فَتَبِعَتْهُ. حَتَّى جَاءَ الْبَقِيعَ، فَوَقَفَ فِى أَدْنَاهُ، مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقِفَ. ثُمَّ انْصَرَفَ. فَسَبَقَتْهُ بَرِيرَةٌ فَأَخْبَرَتْنِي، فَلَمْ أَذْكُرْ لَهُ شَيْئاً حَتَّى أَصْبَحَ، ثُمَّ ذَكَرْتُ ذُلِكَ لَهُ، فَقَالَ: ((إِنِّي بُعِثْتُ إِلَى أَهْلِ الْبَقِيعِ لِأَصَلِّيَ عَلَيْهِمْ)). أخرجه النسائيّ في: ٢١ - كتاب الجنائز، ١٠٣ - باب الأمر بالاستغفار للمؤمنين . ذلك الوقت من صلاة أو غيرها، ويحتمل أن يكون غيرةً منها وخوفاً أن يأتي بعض حجر لنسائه، وقد روي في ذلك، انتهى. (فتبعته) أي تبعت بريرة النبي ◌ّ (حتى جاء البقيع) بالباء الموحدة (فوقف في أدناه) أي في أقربه (ما شاء الله أن يقف ثم انصرف) رسول الله وَّر من البقيع (فسبقته بريرة فأخبرتني) بما فعل رسول الله وَ ﴾ (فلم أذكر له) وَلِّ (شيئاً حتى أصبح ثم ذكرت ذلك له، فقال: إني بعثت إلى أهل البقيع لأصلي عليهم). قال ابن عبد البر(١): يحتمل أن الصلاة ههنا الدعاءُ والاستغفار، وأن تكون كالصلاة على الموتى خصوصية له وَ ◌ّر؛ لأن صلاته على من صلّى عليه رحمة، فكأنه أُمِرَ أن يستغفر لهم، وللإجماع على أنه لا يصلَّى على قبر مرتين، ولا يُصلَّى على قبر من صُلِّي إلا بحدثان ذلك، وأكثر ما قيل فيه: ستة أشهر، قال: وأما بعثه ومسيره إليهم فلا يدرى لمثل هذا علة، ويحتمل أن يكون ليعمهم بالصلاة منه عليهم؛ لأنه ربما دفن منهم من لم يُصَلِّ عليه كالمسكينة، ومثلها من دفن ليلاً، ولم يشعر به ليكون مساوياً بينهم في الصَّلاة. وجاء في حديث حسن يدل على أن ذلك كان منه حين خُيِّر فخرج إليه كالمودِّع الأحياء والأموات، ثم أخرجه عن أبي مُوَيهة(٢) مرفوعاً (٣): ((إني قد (١) انظر: ((الاستذكار)) (٤١٤/٨)، و ((الزرقاني)) (٩٢/٢). (٢) هكذا في الأصل، والصواب أبي موهبة يقال له: أبو موهبة وأبو موهوبة كما في ((الإصابة)) (١٨٤/٧/٤). (٣) أخرجه أحمد في «مسنده)) (٤٨٧/٣). ٦٤٠