Indexed OCR Text

Pages 541-560

١٦ - كتاب الجنائز
(١٢) باب
(٥٤٠) حديث
فَقَالَتِ ابْنَتُهُ: وَاللَّهِ إِنْ كُنْتُ لأَرْجُو أَنْ تَكُونَ شَهِيداً، فَإِنَّكَ كُنْتَ قَدْ
فَضَيْتَ جِهَازَكَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﴾: «إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَوْقَعَ أَجْرَهُ عَلَى
قَدْرِ نِّنِهِ ،
وَجَتْ جُنُوبُهَا﴾ الآية. قال الباجي(١): يحتمل أن يكون وقّر منع من بكاء
مخصوص عند الوجوب، وهو ما جرت به العادة من الصياح والمبالغة في ذلك
بالويل والثبور، فتوجه نهيه إلى ذلك البكاء، انتهى.
قلت: والأوجه عندي المنع إذ ذاك من البكاء ذي الصوت مطلقاً وإن
كان مباحاً سدّاً للباب وتحرزاً عن التشبه بالنوائح.
(فقالت ابنته) قال الشيخ في ((البذل)): لم أقف على تسميتها (والله إنْ)
مخففة من المثقلة (كنت لأرجو أن تكون شهيداً) قال الباجي: أخبرت قوة
رجائها في الشهادة له لما كانت ترى من حرصه على الجهاد ومبادرته إليه، وقد
كان قضى جهازه للغزو، فأشفقت مما فاته من ذلك (فإنك قد كنت قضيت) أي
أتممت (جهازك) بفتح الجيم وكسرها، ما تحتاج إليه في سفرك للغزو،
والخطاب لأبيها، قال في ((الفتح)): الجهاز بفتح الجيم وتكسر، ومنهم من
أنكره، هو ما يحتاج إليه في السفر. وقال في ((النور)): بكسر الجيم أفصح من
فتحها، بل لحن من فتح، قاله الزرقاني(٢).
قلت: وقرأ السبعة في قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِحَهَازِهِمْ﴾(٣) الفتح،
وفي ((الكبير)): قال الأزهري: القراء كلهم على فتح الجيم والكسر لغة ليست
بجيدة، انتهى. وقال المجد: جهاز الميت والعروس والمسافر بالكسر والفتح
ما يحتاجون إليه .
(فقال رسول الله وقالله: إن الله قد أوقع أجره على قدر نيته) قال الباجي:
(١) ((المنتقى)) (٣٦/٢).
(٢) (٧٢/٢).
(٣) سورة يوسف: الآية ٥٩.
٥٤١

١٦ - كتاب الجنائز
(١٢) باب
(٥٤٠) حدیث
وَمَا تَعُدُّونَ الشَّهَادَةَ؟))، قَالُوا: الْقَتْلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَقَالَ
رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((الشُّهَدَاءُ سَبْعَةٌ،
يحتمل معنيين: أحدهما: أن أجره قد جرى له بمقدار العمل الذي نواه على
حسب ما كان يكون له من الأجر لو عمله، فتكون النية بمعنى المنوي.
والثاني: أنه أوقع له من الأجر بقدر ما يجب لنيته، إلا أن هذا الوجه أظهر من
جهة اللفظ والأول أظهر من جهة المعنى، وقال ابن عبد البر(١): فيه: أن
المتجهز للغزو إذا حيل بينه وبينه يكتب له أجر الغزو على قدر نيته، والآثار في
ذلك متواترة صحاح، منها قوله وير في تبوك: ((إن بالمدينة قوماً ما سرتم مسيراً
ولا أنفقتم من نفقة ولا قطعتم وادياً إلا وهم معكم حبسهم العذر))، انتهى.
وفي ((مسلم)) عن أنس مرفوعاً: ((من طلب الشهادة صادقاً أعطيها ولو لم
تصبه)) أي أعطي ثوابها ولو لم يقتل، وأصرح منه ما أخرجه الحاكم بلفظ: ((من
سأل القتل في سبيل الله صادقاً ثم مات أعطاه الله أجر شهيد)). وللنسائي من
حديث معاذ مثله، وللحاكم من حديث سهل بن حنيف مرفوعاً: ((من سأل الله
الشهادة بصدق بلّغه الله منازل الشهداء وإن مات على فراشه))، قاله الزرقاني(٢).
(وما تعدون الشهادة؟) قال الباجي: سألهم عن معنى الشهادة ليختبر بذلك
علمهم، ويفيدهم من هذا الأمر ما لا علم لهم به (قالوا: القتل في سبيل الله،
فقال رسول الله مَّ﴾) إن شهداء أمتي إذن لقليلٌ، كذا زاده ابن ماجه في رواية
جابر بن عتيك بوجهٍ آخر، وكذا في حديث أبي هريرة (الشهداء سبعة) تقدم في
باب العتمة والصبح أن العدد في أمثال ذلك لا يكون للحصر، قال السيوطي
في (التنوير))(٣): وقد جمعتهُم فناهزوا الثلاثين، قلت: سماها ((أبواب السعادة
في أسباب الشهادة)).
(١) ((الاستذكار)) (٣١٤/٨).
(٢) (٧٢/٢).
(٣) ((تنوير الحوالك)) (٢٣٣/١).
٥٤٢
---

١٦ - كتاب الجنائز
(١٢) باب
(٥٤٠) حديث
سِوَى الْقَتْلِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ: الْمَطْعُونُ شَهِيدٌ، وَالْغَرِقُ شَهِيدٌ،
وَ صَاحِبُ ذَاتِ الْجَنْبِ شَهِيدٌ، وَالْمَبْطُونُ
وجمع العيني(١) الروايات الواردة في ذلك لا يسعها هذا الأوجز، نعم
سيأتي في آخر الحديث تلخيص ما أطلق عليه الشهادة في تلك الروايات (سوى
القتل في سبيل الله) أي سوى الشهادة الحقيقية.
(المطعون) الميت بالطاعون (شهيد) وفي (التمهيد)) عن عائشة - رضي الله
عنها - مرفوعاً: ((أن فناء أمتي بالطعن والطاعون قالت: يا رسول الله أما الطعن
فقد عرفناه، فما الطاعون؟ قال: غُدَّة كغدة البعير تخرج في المراق والآباط،
من مات منها مات شهيداً))، وقال القاري: أخرج أحمد(٢) عن أبي موسى
مرفوعاً: ((فناء أمتي بالطعن والطاعون))، قيل: يا رسول الله، هذا الطعن قد
عرفناه فما الطاعون؟ قال: ((وَخْزُ أعدائكم من الجن وفي كلِّ شهادةٌ)).
(والغرق) بفتح الغين وكسر الراء، الغريق في الماء (شهيد، وصاحب ذات
الجنب) مرض معروف، ويقال له: الشوصة، كذا في ((الفتح)).
قال القاري(٣): هي قرحة أو قروح تصيب الإنسان داخل جنبه، ثم تفتح
ويسكن الوجع وذلك وقت الهلاك، ومن علاماتها الوجع تحت الأضلاع وضيق
النفس مع ملازمة الحُمَّى والسُعَال وهي في النساء أكثر، انتهى. وفي
((المجمع)): ذات الجنب الدبيلة والدمل الكبيرة التي يظهر في باطن الجنب
وينفجر إلى داخل، وقلّما يسلم صاحبها وذو الجنب من يشتكي جنبه بسبب
الدبيلة، وذات الجنب صارت علماً لها، وإن كانت مضافة في الأصل، وورد
أن القسط مداواة لها (شهيد، والمبطون) تقدم الخلاف في مصداقه، وعن
(١) انظر: ((عمدة القاري)) (١٢٦/١٤/٧ - ١٢٧).
(٢) أخرجه الإمام أحمد في ((المسند)) (١٩٤٧٤ - ١٩٦٨٨).
(٣) (مرقاة المفاتيح)) (٣٦٧/٣).
٥٤٣

١٦ - كتاب الجنائز
(١٢) باب
(٥٤٠) حديث
شَهِيدٌ، وَالْحَرِقُ شَهِيدٌ، وَالَّذِي يَمُوتُ تَحْتَ الْهَدْمِ شَهِيدٌ، وَالْمَرْأَةُ
تَمُوتُ بِجُمْع، شَهِيدٌ)).
أخرجه أبو داود، في: ٢٠ - كتاب الجنائز، ١٠ - باب فضل من مات في
الطاعون .
والنسائيّ في: ٢١ - كتاب الجنائز، ١٤ - باب النهي عن البكاء على الميت.
شريح أنه صاحب القولنج (شهيد، والحرق) بفتح الحاء وكسر الراء المهملتين
الميت بتحريق النار (شهيد، والذي يموت تحت الهدم) بفتح الدال وتسكن
(شهيد، والمرأة تموت بجمع) هو بضم الجيم وسكون الميم، وقد تفتح الجيم
وتكسر أيضاً، كذا في ((الفتح))، وفي ((المجمع)): الضم أشهر الثلاثة.
قال الحافظ: هي النفساء، وقيل: التي يموت ولدها في بطنها، ثم تموت
بسبب ذلك، وقيل: التي تموت بمزدلفة وهو خطأ ظاهر، وقيل: التي تموت
عذراء، والأول أشهر، انتهى.
وفي (المسؤَّىُ)) (١): المعنى: أنها ماتت مع شيء مجموع فيها غير منفصل
عنها، فيحتمل الحمل والبكارة، انتهى. قال القاري (٢): الجمع بالضم بمعنى
المجموع كالذخر بمعنى المذخور، وكسر الكسائي الجيم أي ماتت مع شيء
مجموع فيها غير منفصل عنها من حمل أو بكارة أو غير مطموثة. وقال بعض
الشراح: الرواية بضم الجيم أي تموت وولدها في بطنها، وقيل: هو الطلق،
وقيل: تموت بالولادة، وقيل: بسبب بقاء المشيمة في جوفها، وهي المسماة
بالخلاص، وقيل: تموت بجمع من زوجها أي ماتت بكراً لم يفتضها زوجها،
انتھی. (شهید).
فالمذكور في حديث جابر هذا ثمانية أنواع مع الشهادة الحقيقية، ولخص
(١) (٤٣٨/٢).
(٢) ((مرقاة المفاتيح)) (٣٦٧/٣).
٥٤٤
---

١٦ - كتاب الجنائز
(١٢) باب
(٥٤٠) حديث
٠٠٠
الزرقاني(١) تبعاً لشراح البخاري وغيرها الروايات التي أطلق فيها اسم الشهادة،
فزاد على هذه الثمانية، الميت على فراشه في سبيل الله.
وصاحب السل بكسر المهملة وتشديد اللام، ومن قتل دون ماله، أو
دينه، أو دمه، أو أهله، أو دون مظلمته، ومن وقصه فرسه، أو بعيره في
سبيل الله، أو لدغته هامة، أو مات على فراشه على أي حتف شاء الله، كما
في رواية أبي مالك الأشعري مرفوعاً عند أبي داود والحاكم والطبراني، وموت
الغريب، والشريق، والذي يفترسه السبع، والخارّ عن دابته، والمائد في البحر
الذي يصيبه القيء له أجر شهيد، ومن طلب الشهادة بنية صادقة يكتب شهيد،
أو من تردّى من رؤوس الجبال.
وفي ((البخاري)) من حديث عائشة: «ليس من أحد يقع الطاعون فيمكث
في بلده صابراً محتسباً يعلم أنه لا يصيبه إلا ما كتب الله له، إلا كان له مثل
أجر شهيد))، فهذه سبع وعشرون خصلة، سوى القتل في سبيل الله .
ذكر الحافظ(٢): أن طرقها جيدة وأنه وردت خصال أخرى في أحاديث
لم أعرج عليها لضعفها، انتهى.
زاد الزرقاني: صاحب الحمى، والميت في السجن وقد حبس ظلماً،
والميت عشقاً، أو طالباً للعلم، وزاد العيني من حبسه السلطان ظالماً أو ضربه
فمات فهو شهيد، والمرابط يموت في فراشه.
وحكي عن ابن العربي (٣): وصاحب النظرة وهو المعين والغريب
شهيدان، قال: وحديثهما حسن، ومن مات مريضاً مات شهيداً، والنفساء،
(١) انظر: ((شرح الزرقاني)) (٢/ ٧٣).
(٢) انظر: ((تلخيص الحبير)) (١٤١/٢ - ١٤٢).
(٣) انظر: ((عارضة الأحوذي)) (٢٨٥/٤).
٥٤٥

١٦ - كتاب الجنائز
(١٢) باب
(٥٤٠) حدیث
ومن احتسب نفسه على الله، ومن عشق وعفّ وكتم ومات مات شهيداً، وعند
الترمذي وقال: حسن غريب، ((من قال حين يصبح ثلاث مرات: أعوذ بالله
· السميع العليم من الشيطان الرجيم، وقرأ ثلاث آيات من آخر سورة الحشر،
فإن مات من يومه مات شهيداً))، وعند غيره: ((من قرأ آخر سورة الحشر فمات
من ليلته مات شهيداً)).
وعند الآجري: ((يا أنس إن استطعت أن تكون أبداً على وضوء فافعل،
فإن ملك الموت إذا قبض روح العبد وهو على وضوء كتب له شهادة)).
وعن ابن عمر: ((من صلى الضحى وصام ثلاثة أيام من كل شهر ولم
يترك الوتر كتب له أجر شهيد))، وورد ((من مات يوم الجمعة أو ليلة الجمعة
أجير من عذاب القبر، وجاء يوم القيامة وعليه طابع الشهداء))، قال أبو نعيم:
غريب من حديث جابر. ((ومن خرج به خُراج في سبيل الله كان عليه طابع
الشهداء)) .
وزاد القاري(١) عن ((أبواب السعادة)) على بعض المذكورين: صاحب
السل أي الدق، والمسافر، والمرعوب على فراشه في سبيل الله، وعن
أبي عبيدة بن الجراح قلت: يا رسول الله أي الشهداء أكرم على الله؟ قال:
(رجل قام إلى إمام جائر فأمره بمعروف ونهاه عن منكر فقتله)).
وعن ابن مسعود مرفوعاً: ((إن الله كتب الغيرة على النساء، والجهاد على
الرجال، فمن صبر منهن كان لها أجر شهيد)) .
وورد ((من قال في كل يوم خمساً وعشرين مرة: اللّهم بارك لي في
الموت وفي ما بعد الموت، ثم مات على فراشه أعطاه الله أجر شهيد))، ومنها
التمسك بالسنة عند فساد الأمة، والمؤذن المحتسب، ومن عاش مدارياً، ومن
(١) انظر: ((مرقاة المفاتيح)) (٣٥٩/٣).
-------
٥٤٦

١٦ - كتاب الجنائز
(١٢) باب
(٥٤٠) حديث
جلب طعاماً إلى المسلمين، ومن سعى على امرأته وولده وما ملكت يمينه،
وغير ذلك مما يطول ذكره فكل من كثُرت أسباب شهادته زيد له في فتح أبواب
سعادته، انتھی.
قلت: وزاد ابن عابدين من قال في مرضه: أربعين مرة لا إله إلا أنت
سبحانك إني كنت من الظالمين فمات، ومن يقرأ كل ليلة سورة يَس، ومن بات
على طهارة فمات، ومن صلى على النبي ◌َّلله مائة مرة، وسئل الحسن عن رجل
اغتسل بالثلج، فأصابه البرد فمات؟، فقال: يا لها من شهادة!
وهكذا كما رأيت ترتقي الشهداء إلى قريب من ستين، وذكر صاحب
(مظاهر حق)) بعض أنواع أخر، وكذا في ((كنز العمال)).
قال العيني(١): فإن قلت: كيف التوفيق بين الأحاديث التي فيها العدد
المختلف صريحاً والأحاديث الأخر أيضاً. قلت: أما ذكر العدد المختلف فليس
على معنى التحديد بل كل واحد من ذلك بحسب الحال، وبحسب السؤال،
وبحسب ما تجدّد العِلْمُ في ذلك من النبي ◌َّ على أن التنصيص على العدد
المعين لا ينافي الزيادة، ومع هذا الشهيد الحقيقي هو قتيل المعركة وبه أثر، أو
قتله أهل الحرب أو أهل البغي أو قُطّاع الطريق، سواء كان القتل مباشرة أو
تسبباً، أو قتله المسلمون ظلماً ولم يجب بقتله دية، فالحكم فيه أن يكفن ويُصلَّى
عليه، ولا يُغسل ويدفن بدمه وثيابه إلا ما ليس من جنس الكفن كالفرو والحشو
والسلاح المعلق عليه، ويزاد، وينقص، هذا كله عند أصحابنا الحنفية.
وعند الشافعي: من مات في قتال أهل الحرب فهو شهيد سواء كان به
أثر أو لا، ومن قتل ظلماً في غير قتال الكفار، أو خرج في قتالهم ومات بعد
انفصال القتال، وكان بحيث يُقْطَعُ بموته، ففيه قولان، في قول: لم يكن
شهيداً، وبه قال مالك وأحمد.
(١) ((عمدة القاري)) (١٢٧/١٤/٧).
٥٤٧

١٦ - كتاب الجنائز
(١٢) باب
(٥٤٠) حديث
وفي ((المغني))(١): إذا مات في المعترك فإنه لا يغسل رواية واحدة وهو
قول أكثر أهل العلم، ولا نعلم فيه خلافاً إلا عن الحسن وابن المسيب فإنهما
قالا: يغسل الشهيد ولا يعمل به.
وأما ما عدا من ذكرناهم الآن فهم شهداء حكماً لا حقيقة، هذا فضل
من الله تعالى لهذه الأمة بأن جعل ما جرى عليهم تمحيصاً لذنوبهم، وزيادةً في
أجرهم بلَّغهم بها درجات الشهداء الحقيقية ومراتبهم، فلهذا يغسلون ويعمل بهم
ما يعمل بسائر أموات المسلمين، انتهى.
قال الحافظ(٢): والذي يظهر أن المذكورين ليسوا في المرتبة سواء،
ويدل عليه ما رواه أحمد وابن حبان عن جابر، والدارمي وأحمد والطحاوي
عن عبد الله بن حبشي، وابن ماجه عن عمرو بن عنبسة: أن النبي ◌َّ سئل أي
الجهاد أفضل؟ قال: ((من عُقِر جواده وأهريق دمه))، وروى الحسن بن علي
الحلواني في كتاب ((المعرفة)) له بإسناد حسن عن علي قال: كل موتة يموت بها
المسلم فهو شهيد، غير أن الشهادة تتفاضل، قلت: وتقدم قريباً حديث أبي
عبيدة أي الشهداء أكرم؟ .
وفي ((جمع الفوائد))(٣): عن سعد بن جنادة رفعه ((شهداء البر أفضل من
شهداء البحر)) (للكبير بخفي))، وعن أم حرام رفعته: ((المائد في البحر يصيبه
القيء له أجر شهيد، والغرق له أجر شهيدين)) لأبي داود.
- ---
ثم قال الحافظ: ويتحصل مما ذكر في هذه الأحاديث: أن الشهداء
قسمان: شهداء الدنيا والآخرة معاً، وهو من قتل في حرب الكفار مقبلاً غير
مدبر مخلصاً، وشهداء الآخرة وهم من ذكر بمعنى أنهم يعطون من جنس أجر
(١) (٤٦٧/٣).
(٢) انظر: ((فتح الباري)) (٤٤/٦).
(٣) (٢٧٥/٢).
٥٤٨
.. .
أ

١٦ - كتاب الجنائز
(١٢) باب
(٥٤١) حدیث
٣٧/٥٤١ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ،
عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمنِ؛ أَنَّها أَخْبَرَتْهُ: أَنَّها سَمِعَتْ
عَائِشَةَ أَمَّ الْمُؤْمِنِينَ
الشهداء ولا تجري عليهم أحكامهم في الدنيا، ولأحمد والنسائي عن
العرباض بن سارية ولأحمد عن عتبة مرفوعاً: ((يختصم الشهداء والمتوفون على
فراشهم في الذين يتوفون زمن الطاعون فيقول: انظروا إلى جراحهم فإن أشبهت
جراح المقتولين فإنهم معهم فإذا جراحهم قد أشبهت جراحهم))، وإذا تقرر ذلك
فإطلاق الشهيد على غير المقتول في سبيل الله مجازاً.
قال العيني(١): وفي ((التوضيح)): الشهداء ثلاثة أقسام: شهيد في الدنيا
والآخرة، وهو المقتول في حرب الكفار بسبب من الأسباب، وشهيد في
الآخرة دون أحكام الدنيا، وهم من ذكروا آنفاً، وشهيد في الدنيا دون الآخرة،
وهو من غلَّ في الغنيمة، ومن قتل مدبراً، أو ما في معناه، انتهى.
قلت: هكذا قال غير واحد من العلماء وهو يخالف ما في الفقه من
الأصل. وهو كل من مات بسبب معصية فليس بشهيد، وإن مات في معصية
بسبب من أسباب الشهادة فله أجر شهادته وعليه إثم معصية، فتأمل.
٣٧/٥٤١ - (مالك، عن عبد الله بن أبي بكر) بن محمد بن عمرو بن حزم
الأنصاري، (عن أبيه) أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري (عن
عمرة بنت عبد الرحمن) بن سعد بن زرارة الأنصارية المدنية (أنها) أي عمرة
(أخبرته) أي أبا بكر (أنها سمعت عائشة) - رضي الله عنها - (أمّ المؤمنين) قال
ابن عبد البر: هذا الحديث في ((الموطأ)) عند جماعة الرواة إلا القعنبي فإنه
ليس عنده في ((الموطأ))، كذا في ((التنوير))(٢).
(١) ((عمدة القاري)) (١٢٨/٤/٧).
(٢) ((تنوير الحوالك)) (ص ٢٤٣).
٥٤٩

١٦ - كتاب الجنائز
(١٢) باب
(٥٤١) حديث
تَقُولُ (وَذُكِرَ لَهَا أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ يَقُولُ: إِنَّ الْمَيِّتَ لَيُعَذَّبُ بِيُكَاءِ
الْحَيِّ).
(تقول) قال القاري: حال من عائشة، وقيل: مفعول ثان لسمعت (و) قد
(ذكر لها) أي لعائشة (أن عبد الله بن عمر) - رضي الله عنهما - (يقول)
والحديث أخرجه الشيخان بألفاظ مختلفة (إن الميت ليعذب ببكاء الحي) الظاهر
أنه مقابل الميت، ويحتمل معنى القبيلة، فاللام بدل من الضمير أي حيه
وقبيلته، فيوافق رواية ابن أبي مليكة ببكاء أهله، قاله الزرقاني.
قال العيني(١): الكلام فيه على أقسام. الأول: قول ابن عمر - رضي الله
عنهما - على وجهين: أحدهما: أن الميت يعذّب ببكاء أهله عليه، والآخر: أن
الميت ليعذب ببكاء الحي عليه، واللفظان مرفوعان، فهل يقال: يحمل المطلق
على المقيد ويكون عذابه ببكاء أهله عليه فقط، أو يكون الحكم للرواية العامة
وأنه يعذب ببكاء الحي عليه، سواء كان من أهله أم لا؟
وأجيب: بأن الظاهر جريان حكم العموم وأنه لا يختص ذلك بأهله، هذا
كله بناء على قول من ذهب إلى أن الميت يعذب بالبكاء عليه، وإنما جعلنا
الحكم أعم من ذلك ولم نحمل المطلق على المقيد، لأنه لا فرق في الحكم
عند القائلين بعذاب الميت بالبكاء أن يكون الباكي عليه من أهله أو من
غيرهم، بدليل النائحة التي ليست من أهل الميت وما ورد في عموم النائحة من
العذاب بل أهله أعذر في البكاء عليه لقوله ◌َّ في حديث أبي هريرة عند
النسائي وابن ماجه: ((دعهن يا عمر فإن العين دامعة، والقلب مصاب، والعهد
قريب))، وهذا التعليل الذي رخص لأجله في البكاء خاص بأهل الميت.
وقوله: ((ببكاء أهله عليه)) خرج مخرج الغالب الشائع إذ المعروف أنه إنما يبكي
على الميت أهله.
الثاني: هل لقوله: ((الحي)) مفهوم حتى إنه لا يعذب ببكاء غير الحي؟ وهل
(١) انظر: ((عمدة القاري)) (١٠٧/٦).
٥٥٠
---

١٦ - كتاب الجنائز
(١٢) باب
(٥٤١) حديث
يتصور البكاء من غير الحي؟ ويكون احترازاً بالحي عن الجمادات لقوله
عز وجل: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ﴾(١) فمفهومه أن السماء والأرض يقع
منهما البكاء على غيرهم، وعلى هذا فيكون هذا بكاء على الميت ولا عذاب عليه
بسببه إجماعاً، وقد روى ابن مردويه في ((تفسيره)) مرفوعاً: ما من مؤمن إلا له
بابان في السماء، باب يخرج منه رزقه وباب يدخل فيه كلامه وعمله، فإذا مات
فقداه وبكيا عليه، وتلا هذه الآية: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ﴾ الآية.
وأما تصور البكاء من الميت فقد ورد مرفوعاً: ((إن أحدكم إذا بكى
استعبر له صويحبه))، والمراد بصويحبه الميت، ومعنى استعبر إما على بابه
للطلب بمعنى طلب نزول العبرات، وإما بمعنى نزلت العبرات، وباب
الاستفعال يرد على غير بابه أيضاً.
الثالث: جاء في حديث ابن عمر - رضي الله عنهما -: ((الميت يعذب
ببكاء أهله عليه))، وفي بعض طرق حديثه في (مصنف ابن أبي شيبة)): ((من نيح
عليه فإنه يعذب بما نيح عليه))، فالرواية الأولى عامة في البكاء، وهذه الرواية
خاصة في النياحة، فههنا يحمل المطلق [على المقيد]، فتكون الرواية التي فيها
مطلق البكاء محمولة على البكاء بنوح، ويؤيد ذلك إجماع العلماء على حمل
ذلك على البكاء بنوح، وليس المراد مجرد دمع العين.
ومما يدل على أنه ليس المراد عموم البكاء قوله: ((إن الميت ليعذب
ببعض بكاء أهله عليه))، فقيّده ببعض البكاء، فحمل على ما فيه نياحة جمعاً بين
الأحاديث، ويدل على عدم إرادة العموم من البكاء بكاء عمر بن الخطاب،
وهو راوي الحديث بحضرة النبي 8# وكذلك بكاء ابن عمر - رضي الله
عنهما -، فقد روى ابن أبي شيبة عن نافع قال: كان ابن عمر - رضي الله
عنهما - في السوق فنعى إليه حُجْرٌ، فأطلق حبوته وقام، وعليه النحيب، انتهى.
(١) سورة الدخان: الآية ٢٩.
٥٥١

١٦ - كتاب الجنائز
(١٢) باب
(٥٤١) حديث
فَقَالَتْ عَائِشَةُ: يَغْفِرُ اللَّهُ لأَبِي عَبْدِ الرَّحْمُنِ. أَمَا إِنَّهُ لَمْ يَكْذِبْ،
وَلَكِنَّهُ نَسِيَ، أَوْ أَخْطَأَ. إِنَّمَا مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ وَلَه بِيَهُودِيَّةٍ يَبْكِي عَلَيْهَا
أَهْلُهَا. فَقَالَ: ((إِنَّكُمْ لَتَبْكُونَ عَلَيْهَا، وَإِنَّها لَتُعَذّبُ فِي قَبْرِهَا)).
أخرجه البخاريّ في: ٢٣ - كتاب الجنائز، ٣٣ - باب قول النبي وَ لّ: ((يعذب
الميت ببعض بكاء أهله عليه)).
ومسلم في: ١١ - كتاب الجنائز، ٩ - باب الميت يعذب ببكاء أهله عليه،
حديث ٢٥.
قلت: وحكى عليه الإجماع غير واحد من شراح الحديث، قال الشوكاني(١):
إن النووي حكى إجماع العلماء على اختلاف مذاهبهم أن المراد بالبكاء الذي يعذب
الميت عليه هو البكاء بصوت ونياحة لا لمجرد دمع العين، انتهى.
(فقالت عائشة) رادةً على ابن عمر - رضي الله عنهما - (يغفر الله لأبي
عبد الرحمن) كنية ابن عمر - رضي الله عنهما - قدمته تمهيداً ودفعاً لمن يوحش
نسبته إلى النسيان والخطأ، قال الله عز وجل: ﴿عَفَا ◌َللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ﴾
الآية، فمن استغرب من غيره شيئاً ينبغي أن يُوطِّئ ويُمهِّدَ له بالدعاء إقامة لعذره
فيما وقع منه، وإنه لم يتعمد. ومن ثم زادت على ذلك بياناً واعتذاراً بقولها
(أمَا) بالتخفيف للتنبيه أو للافتتاح يؤتى بها لمجرد التأكيد (إنه لم يكذب) أي لم
يتعمده حاشاه من ذلك وإلا فالكذب عند أهل السنة الإخبار عن الشيء بخلاف
ما هو عمداً أو نسياناً، ولكن الإثم يختص بالعامد.
(ولكنه نسي) أصل الحديث أو مورده الخاص وهو الأوجه (أو أخطأ) في
الفهم وإرادة العام (إنما) كان أصل القصة أنه (مر رسول الله وَ ل بيهودية يبكي
عليها أهلها فقال: إنهم) أي اليهود (ليبكون عليها) هكذا في النسخ الهندية
بصيغة الغائب، وفي النسخ المصرية بلفظ الخطاب إلى اليهود: إنكم لتبكون
عليها. (وإنها لتعذب في قبرها) أي بسبب كفرها لا بسبب البكاء.
(١) ((نيل الأوطار)) (١٢٦/٤/٢).
٥٥٢
----------

١٦ - كتاب الجنائز
(١٢) باب
(٥٤١) حديث
قال النووي(١) بعد ذكر اختلاف السياق في حديث البكاء: هذه الروايات
من رواية عمر بن الخطاب وابنه عبد الله وأنكرت عائشة - رضي الله عنها -
ونسبتها إلى النسيان والاشتباه، وأنكرت أن يكون النبي 18 قال ذلك،
واحتجت بقوله تعالى: ﴿وَلَا نَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىَ﴾ قالت: وإنما قال النبي بَّ
في يهودية: ((إنها تعذب وإنهم يبكون)) يعني أنها تعذب بكفرها في حال بكاء
أهلها لا بسبب البكاء.
واختلف العلماء في هذه الأحاديث فتأولها الجمهور على من أوصى بأن
يبكى عليه، وأما من بكي عليه من غير وصية منه فلا يعذب لقوله تعالى: ﴿وَلَا
نَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْدَ أُخْرَى﴾ ثم ذكر الأقوال الأخر في ذلك، ولا شكَّ أن حديث
العذاب من البكاء مروي بعدة روايات؛ منها: حديثا عمر وابنه - رضي الله
عنهما - أخرجهما الشيخان وغيرهما بألفاظ مختلفة، ومنها: حديث أنس عند
مسلم: أن عمر - رضي الله عنه - قال لحفصة: أما علمت أن رسول الله صلصله
قال: ((المعول عليه يعذب في قبره))، زاد ابن حبان، قالت: بلى، وحديث
المغيرة عند الشيخين بلفظ: من نيح عليه فإنه يعذب بما نيح عليه يوم القيامة،
لفظ مسلم ولأحمد بسياق آخر، وفي الباب عن النعمان وعمران بن حصين ذكر
حديثهما الحافظ في ((التلخيص)) (٢).
وقال الترمذي بعد ذكر حديث المغيرة بن شعبة: وفي الباب عن عمر
وعلي وأبي موسى وقيس بن عاصم وأبي هريرة وجنادة بن مالك وأنس
وأم عطية وسمرة وأبي مالك الأشعري، قال الخطابي: يحتمل أن يكون الأمر
في هذا على ما ذهبت إليه عائشة؛ لأنها قد روت أن ذلك إنما كان في شأن
يهودية، والخبر المفسر أولى من المجمل، ثم احتجت بالآية، ويحتمل أن
(١) ((شرح النووي)) (٢٢٨/٦).
(٢) (١٤٠/٢/١).
٥٥٣

١٦ - كتاب الجنائز
(١٢) باب
(٥٤١) حديث
يكون ما رواه ابن عمر صحيحاً من غير أن يكون فيه خلاف للآية، وذلك أنهم
كانوا يوصون أهلهم بالبكاء والنوح عليهم، وكان ذلك مشهوراً من مذاهبهم.
قلت: رد رواية ابن عمر - رضي الله عنهما - مشكل سيما إذ هي مروية
عن عدة صحابة، وأياً ما كان فقد اختلف العلماء في ذلك على عدة أقوال،
ذكر العيني(١) في ((شرحه)): للعلماء فيه ثمانية أقوال، والسيوطي في ((شرح
الصدور)) تسعة أقوال، وما ظفرت عليها في كلام شراح الحديث تزيد على
عشرة .
وها أنا ألخص لك من شوارد أقوالهم، ونجعل كلام القاري عن السيوطي
أساساً، ونزيد عليه كلام غيرهما، قال القاري (٢): قال السيوطي في ((شرح
الصدور)) بعدما ذكر أحاديث: ((أن الميت يعذب ببكاء الحي عليه)): اختلف
العلماء في ذلك على مذاهب: أحدها: أنه على ظاهره مطلقاً وهو رأي عمر بن
الخطاب وابنه، قال الحافظ: منهم من حمله على ظاهره وهو بَيِّنٌ من قصة عمر
مع صهيب كما أخرجه البخاري، قلت: وفيها، فلما أصيب عمر دخل صهيب
يبكي يقول: وا أخاه وا صاحباه، فقال عمر: يا صهيب أتبكي عليّ؟ وقد قال
رسول الله والر: ((الميت يعذب ببعض بكاء أهله عليه))، الحديث.
قال الحافظ(٣): وكذلك نهى حفصة كما رواه مسلم، وممن أخذ بظاهره
أيضاً عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما -، فروى عبد الرزاق: أنه - رضي الله
عنه - شهد جنازة رافع بن خديج فقال لأهله: إن رافعاً شيخ كبير لا طاقة له
بالعذاب، وإن الميت يعذب ببكاء أهله عليه، انتهى. الثاني: لا مطلقاً، قال
(١) انظر: ((عمدة القاري)) (٧٨/٨/٤).
(٢) انظر: ((مرقاة المفاتيح)) (١٠٣/٤).
(٣) ((فتح الباري)) (١٥٣/٣).
٥٥٤
---
--------

١٦ - كتاب الجنائز
(١٢) باب
(٥٤١) حدیث
الحافظ: ويقابل هؤلاء قول من رد هذا الحديث، وعارضه بقوله تعالى: ﴿وَلَا نَزِرُ
وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىَّ﴾، وممن روي عنه الإنكار مطلقاً أبو هريرة - رضي الله عنه - كما
رواه أبو يعلى، قال أبو هريرة: والله لئن انطلق رجل مجاهد في سبيل الله
فاستشهد فعمدت امرأته سفهاً وجهلاً، فبكت عليه، ليعذبن هذا الشهيد بذنب هذه
السفيهة، وإلى هذا جنح جماعة من الشافعية، منهم أبو حامد وغيره، انتهى.
قال العيني(١): وقد مال إلى قول عائشة الشافعي - رضي الله عنهما -
فيما رواه البيهقي عنه في ((سننه)) فقال: وما روت عائشة عن رسول الله وَل
أشبه أن يكون محفوظاً عنه ولم بدلالة الكتاب ثم السنة، أما الكتاب فقوله
تعالى: ﴿وَلَا نَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلََّ مَا
سَعَى (69)﴾، وقوله تعالى: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ ﴾﴾، وقوله
تعالى: ﴿لِتُجْرَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى﴾، وأما السنة فقوله وَّ لرجل: ((هذا ابنك))،
قال: نعم، قال: ((أما إنه لا يجني عليك ولا تجني عليه))، فأعلم رسول الله وعقله
مثل ما أعلم الله من أن جناية كل امرئ عليه كما عمله لا لغيره، انتهى.
الثالث: أن الباء للحال أي أنه يعذب حال بكائهم عليه والتعذيب عليه
من ذنب لا بسبب البكاء، قال الحافظ(٢): ومنهم من أوّله على أن الباء للحال
يعني مبدأ عذاب الميت يقع عند بكاء أهله عليه، وذلك أن شدة بكائهم غالباً
إنما تقع عند دفنه، وفي تلك الحالة يسأل ويبتدأ به عذاب القبر، فكأن معنى
الحديث: أن الميت يعذب حالة بكاء أهله عليه، ولا يلزم من ذلك أن يكون
بكاؤهم سبباً لتعذيبه، حكاه الخطابي، ولا يخفى ما فيه من التكلف.
ولعل قائله أخذه من قول عائشة - رضي الله عنها -: إنما قال
(١) ((عمدة القاري)) (١٠٩/٦).
(٢) (فتح الباري)) (١٥٤/٣).
٥٥٥

١٦ - كتاب الجنائز
(١٢) باب
(٥٤١) حديث
رسول الله وَ﴾: ((إنه ليعذب بمعصيته أو بذنبه وأن أهله ليبكون عليه الآن))،
أخرجه مسلم، انتهى. قال العيني: حكى الخطابي عن بعض أهل العلم: أنه
ذهب إلى أنه مخصوص ببعض الأموات الذين وجب عليهم العذاب بذنوب
اقترفوها وجرى من قضاء الله سبحانه فيهم أن يكون عذابه وقت البكاء عليهم،
ويكون كقولهم: مطرنا بنوء كذا أي عند نوء كذا، وحكى النووي هذا المعنى
عن عائشة - رضي الله عنها - بدليل ما رواه مسلم أي المذكور قريباً.
الرابع: أنه خاص بالكافر، والقولان، أي الثالث والرابع، عن عائشة،
قاله السيوطي .
قال الحافظ(١): ومنهم من أوّله على أن ذلك مختص بالكافر، وأن
المؤمن لا يعذب بذنب غيره أصلاً، وهو بيِّنٌ من رواية ابن عباس عن عائشة
عند البخاري.
قلت: أشار إلى حديث ابن أبي مليكة في وفاة بنت عثمان، وفيه، قال
ابن عباس: فلما مات عمر - رضي الله عنه - ذكرت ذلك لعائشة فقالت:
رحم الله عمر، والله ما حدث رسول الله و الله أن الله ليعذب المؤمن ببكاء أهله
عليه، ولكن رسول الله وَ﴾له قال: ((إن الله ليزيد الكافر عذاباً ببكاء أهله عليه))،
انتھی .
--
الخامس: أنه خاص بمن كان النوح من سنته، وطريقته، وعليه البخاري،
قلت: بوّب البخاري في ((صحيحه)): باب قول النبي وَالر: يعذب الميت ببكاء
أهله عليه إذا كان النوح من سنته لقوله تعالى: ﴿قُواْ أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾(٢) .
وقال النبي وَّر: ((كلكم راع ومسؤول عن رعيته))، فإذا لم يكن من سنته فهو
(١) انظر: ((فتح الباري)) (١٥٤/٣)، و((الاستذكار)) (٣١٨/٨).
(٢) سورة التحريم: الآية ٦٦.
٥٥٦
1
-- - -

١٦ - كتاب الجنائز
(١٢) باب
(٥٤١) حديث
٠
كما قالت عائشة: ﴿وَلَا نَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾، وهو كقوله: ﴿وَإِن تَدْعُ مُثْقَلَةُ إِلَى
حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَىْءٌ﴾(١) إلخ.
قال العيني: الذي تأوله البخاري هو أحد التأويلات في الحديث.
السادس: أنه فيمن أوصى به، قلت: وهو قول الجمهور وسيأتي البسط
فيه في آخر الأقوال، قال الحافظ: وهو أخص من الذي قبله ما إذا أوصى أهله
بذلك .
السابع: أنه فيمن لم يوص بتركه فتكون الوصية بذلك واجبة، قاله العيني
والنووي. حاصل هذا القول إيجاب الوصية بترك البكاء والنوح، ومن أهملهما
عذب بتركهما. قال الحافظ(٢): هو قول داود وطائفة، ولا يخفى أن محله ما
إذا لم يتحقق أنه ليست لهم بذلك عادة ولا ظن أنهم يفعلون ذلك. قال
ابن المرابط: إذا علم المرء بما جاء في النهي عن النوح، وعرف أن أهله من
شأنهم يفعلون ذلك، ولم يعلمهم بتحريمه ولا زجرهم عن تعاطيه، فإذا عذّب
على ذلك عذّب بفعل نفسه لا بفعل غيره بمجرده، انتهى.
الثامن: التعذيب بالصفات التي يبكون بها عليه وهي مذمومة شرعاً، كما
كان أهل الجاهلية يقولون: يا مرمل النسوان، يا ميتم الأولاد، يا مخرب
الدور، قال الحافظ: يعني يعذب بنظير ما يبكيه أهله به، وذلك أن الأفعال
التي يعددون بها عليه غالباً تكون من الأمور المنهية فهم يمدحونه بها، وهو
يعذب بصنيعه ذلك، وهذا اختيار ابن حزم وطائفة، واستدل له بحديث ابن عمر
عند البخاري بلفظ: ولكن يعذب بهذا، وأشار إلى لسانه، قال ابن حزم: فصح
أن البكاء الذي يعذب به الإنسان ما كان منه باللسان إذ يندبونه برياسته التي جار
(١) سورة فاطر: الآية ١٨.
(٢) (فتح الباري)) (١٥٤/٣).
٥٥٧

١٦ - كتاب الجنائز
(١٢) باب
(٥٤١) حديث
فيها، وشجاعته التي صرفها في غير طاعة الله، وجوده الذي لم يضعه في
الحق، فأهله يبكون عليه بهذه المفاخر، وهو يعذب بذلك، ورجح هذا القول
الإسماعيلي، فقال: كثر كلام العلماء، وقال كلٌّ مجتهداً على حسب ما قدر
له، ومن أحسن ما حضرني وجه لم أرهم ذكروه، وهو أنهم كانوا في الجاهلية
يُغِيْرُون ويسبُون ويقتلون، وكان أحدهم إذا مات بكته باكية بتلك الأفعال
المحرمة، فمعنى الخبر أن الميت ليعذب بذلك الذي يبكي عليه أهله به، لأن
الميت يُندب بأحسن أفعاله، وكانت محاسن أفعالهم ما ذكر، وهي زيادة ذنب
في ذنوبه يستحق العذاب عليها، انتهى.
التاسع: أن المراد بالتعذيب توبيخ الملائكة له بما يندب به أهله، قال
الحافظ كما روى أحمد من حديث أبي موسى مرفوعاً: ((الميت يعذب ببكاء
الحي إذا قالت النائجة: واعضداه واناصراه واكاسياه. جُبِذَ الميت وقيل له:
أنت عضدها، أنت ناصرها، أنت كاسيها))، ورواه ابن ماجه بلفظ: ((يتعتعُ به،
ويقال: أنت كذلك؟))، ورواه الترمذي بلفظ: ((ما من ميت يموت فتقوم نادبته
فتقول: واجبلاه واسنداه أو شبه ذلك من القول إلا وُكِّلَ به ملكان يلهزانه
أهكذا كنتَ؟))، وشاهده رواية البخاري في ((المغازي)) من حديث النعمان بن
بشير قال: أُغْمِيَ على عبد الله بن رواحة، فجعلت أخته تبكي وتقول: واجبلاه
واكذا وكذا، فقال حين أفاق: ما قلت شيئاً إلا قيل لي: أنت كذلك؟.
العاشر: ما زاده القاري(١) على كلام السيوطي إذ قال: هو ما أخرجه
البخاري عن عمر ولفظه: إن الميت يعذب بالنياحة عليه في قبره. قال الحافظ:
وحكى الكرماني تفصيلاً آخر وحسنه، وهو التفرقة بين حال البرزخ وحال يوم
القيامة فيحمل قوله تعالى: ﴿وَلَا نَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ على يوم القيامة، وهذا
الحديث وما أشبهه على البرزخ، ويؤيد ذلك أن مثل ذلك يقع في الدنيا،
(١) انظر: ((مرقاة المفاتيح)) (١٠٣/٤).
٥٥٨
-----------

١٦ - كتاب الجنائز
(١٢) باب
(٥٤١) حديث
والإشارة إليه بقوله تعالى: ﴿وَأَثَّقُواْ فِتْنَةً لَّا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْكُمْ خَضَةٌ﴾،
فإنها دالة على جواز وقوع التعذيب على الإنسان بما ليس فيه تسبب، فكذلك
يمكن أن يكون الحال في البرزخ.
الحادي عشر: ما أشار إليه القاري أيضاً أن المراد بالعذاب تألم الميت
بسبب بكاء أهله عليه على وجه مذموم، كما يتألم بسائر المعاصي الصادرة
عنهم، ويفرح بالأعمال الصالحة الكائنة منهم، انتهى.
الثاني عشر: ما في ((روح المعاني)): أن المراد بالميت المحتضر مجازاً،
وبالتعذيب التعذيب في الدنيا، أي المحتضر يتألم ببكاء أهله عليه، انتهى.
الثالث عشر: قريب مما سبق ما حكاه الحافظ أن المراد تألم الميت بما
يقع من أهله من النياحة وغيرها، وهذا اختيار أبي جعفر الطبري من
المتقدمين، ورجحه ابن المرابط ومن تبعه، ونصره ابن تيمية وجماعة من
المتأخرين، واستشهدوا له بحديث قيلة بنت مخرمة قلت: يا رسول الله وَ الله قد
ولدته فقاتل معك يوم الربذة ثم أصابته الحمى، فمات، ونزل عليَّ البكاء،
فقال رسول الله قال: ((أيغلب أحدكم أن يصاحب صويحبه في الدنيا معروفاً،
وإذا مات استرجع، فوالذي نفس محمد بيده إن أحدكم ليبكي فيستعبر إليه
صويحبه، فيا عباد الله لا تعذبوا موتاكم)) وهذا طرف من حديث طويل حسن
الإسناد، أخرجه ابن أبي خيثمة وابن أبي شيبة والطبراني وغيرهم. وأخرج
أبو داود والترمذي أطرافاً منه، انتهى.
قال العيني(١): معناه: أنه يعذب بسماع بكاء أهله ويرقُّ لهم، وإلى هذا
ذهب محمد بن جرير الطبري وغيره، قال القاضي عياض: هو أولى الأقوال.
واحتجوا بحديث فيه: أن النبي ◌َّ زجر امرأة عن البكاء على ابنها، وقال:
(١) ((عمدة القاري)) (١٠٩/٦).
٥٥٩

١٦ - كتاب الجنائز
(١٢) باب
(٥٤١) حدیث
((إن أحدكم إذا بكى استعبر له صويحبه فيا عباد الله لا تعذبوا إخوانكم))،
انتھی .
قال الحافظ (١): قال ابن المرابط: حديث قيلة نص في المسألة فلا يعدل
عنه، واعترضه ابن رُشيد بأنه ليس نصاً، وإنما هو محتمل، فإن قوله: صويحبه
ليس نصاً في أن المراد به الميت، بل يحتمل أن يراد به صاحبه الحي وإن
المیت یعذّب حينئذ ببكاء الجماعة عليه، انتهى.
قلت: والفرق بين هذا وبين الذي سبق أن تألم الميت في الماضي كان
لارتكاب الحي معصية، وفي هذا تألمه وبكاؤه لتألم الحي فافترقا، وإن كان
غرض القاري أيضاً هو هذا التألم فهما قول واحد.
الرابع عشر: ما حكاه الحافظ أن الراوي سمع بعض الحديث ولم يسمع
بعضه، وأن اللام في الميت لمعهود معين كما جزم به القاضي أبو بكر
الباقلاني وغيره، وحجتهم حديث عمرة عن عائشة قالت: يغفر الله لأبي
عبد الرحمن أما إِنه لم يكذب، ولكنه نسي أو أخطأ إنما مرّ رسول الله وَّل على
يهودية، الحديث.
قلت: وهذا آخر ما ظفرت به من أقوال العلماء، وقد عرفت أن الجمهور
على القول السادس.
قال الحافظ(٢)، وبه قال المزني وإبراهيم الحربي، وآخرون من الشافعية
وغيرهم، حتى قال أبو الليث السمرقندي: إنه قول عامة أهل العلم، وكذا نقله
النووي عن الجمهور، قالوا: وكان معروفاً للقدماء حتى قال طرفة بن العبد:
وشُقِّي عليّ الجيب يا ابنة معبد
إذا مت فانعيني بما أنا أهله
(١) ((فتح الباري)) (١٥٥/٣).
(٢) انظر: ((فتح الباري)) (١٥٤/٣).
٥٦٠
--
------
----------