Indexed OCR Text

Pages 461-480

١٦ - كتاب الجنائز
(٦) باب
(٦) باب ما يقول المصلي على الجنازة
((العتيبية)) نحوه عن مالك، وقال صاحب ((التوضيح)): عندنا خلاف في البطلان
إذا رُفعت في أثناء الصلاة، والأصح الصحة.
وإن صلى عليها قبل وضعها ففي الصحة وجهان. وعندنا كل تكبيرة قائمة
مقام ركعة حتى لو ترك تكبيرة منها لا تجوز صلاته، كما لو ترك ركعة منها،
ولذا قيل: أربع كأربع الظهر والمسبوق بتكبيرة أو أكثر يقضيها بعد السلام ما
لم ترفع الجنازة، ولو رفعت بالأيدي ولم توضع على الأكتاف يكبر في ظاهر
الرواية، وعن محمد: إن كانت إلى الأرض أقرب يكبر، وإن كانت إلى
الأكتاف أقرب لا يكبر، وقيل: لا يقطع حتى يتباعد.
وفي ((الأشراف)): قال ابن المسيب وعطاء والنخعي والزهري وابن سيرين
والثوري وقتادة ومالك وأحمد في رواية وإسحاق والشافعي: المسبوق يقضي
ما فاته متتابعاً قبل أن ترفع الجنازة، فإذا رفعت سلم وانصرف كقول أصحابنا،
قال ابن المنذر: وبه أقول، انتهى.
(٦) ما يقول المصلي على الجنازة
اختلفت الأئمة فيما يقرأ بين تكبيرات الجنائز. فقالت الحنابلة كما في
((نيل المآرب)): أركانها سبعة. الأول: القيام من قادرٍ في فرضها، فلا تصح من
قاعدٍ ولا ممن على راحلة إلا لعذر فيهما كبقية الصلوات المفروضة. والثاني:
التكبيرات الأربع. والثالث: قراءة الفاتحة الإمام ومنفرد كالمكتوبة ويسن
الإسرار ولو ليلاً. والرابع: الصلاة على النبي ◌َّر. والخامس: الدعاء للميت.
والسادس: السلام. والسابع: الترتيب للأركان فتعين القراءة في الأولى والصلاة
على النبي ◌َّر في الثانية، صرح به في ((الموعب)) و((الكافي)) و ((التلخيص))
و((البلغة))، لكن لا يتعين كون الدعاء بعد الثالثة بل يجوز بعد الرابعة نقله
الزركشي عن الأصحاب، انتهى. وجعل النية من الشرائط .
٤٦١

١٦ - كتاب الجنائز
(٦) باب
وقريب منه ما قاله الشافعية، ففي ((شرح الإقناع)): أركانها سبعة؛ الأول:
النية، والثاني: قيام قادر عليه كغيرها من الفرائض. والثالث: أربع تكبيرات.
والرابع: قراءة الفاتحة يقرَؤُها في التكبيرة الأولى، والراجح أنها تجزىء في غير
الأولى كالصلاة. والخامس: الصلاة على النبي ◌َّر. والسادس: الدعاء للميت
بعد التكبيرة الثالثة، فلا يجزىء في غيرها بلا خلاف. والسابع: السلام، انتهى
ملخصاً .
وقالت المالكية كما في ((الشرح الكبير)) و((الأنوار الساطعة)): أركانها
خمسة. الأول: النية. والثاني: قيام القادر. والثالث: أربع تكبيرات. والرابع:
الدعاء للميت بعد كل تكبيرة، فهل بعد التكبيرة الرابعة أيضاً دعاء؟ قال في
(الأنوار): لا دعاء بعدها على المشهور، وهو قول الجمهور، وقال في ((الشرح
الكبير)»: ودعا وجوباً بعد الرابعة على المختار، والجمهور على عدم الدعاء،
انتهى. والركن الخامس: السلام.
وقالت الحنفية كما في ((الدر المختار)): ركنها شيئان(١): التكبيرات
الأربع، والقيام، فلم تجز قاعداً بلا عذر، يرفع يديه في الأولى فقط ويثني
بعدها، ويصلي على النبي ◌ّ﴾ بعد الثانية، ويدعو بعد الثالثة، ويسلِّم بعد
الرابعة مستدلاً بما في ((تلخيص الحافظ))(٢). قال الشافعي: أخبرني مطرف عن
معمر عن الزهري قال: أخبرني أبو أمامة أنه أخبره رجل من الصحابة؛ أن
السنة في الصلاة على الجنازة أن يكبر، ثم يقرأ بفاتحة الكتاب سراً في نفسه،
ثم يصلي على النبي ◌َّل# ويخلص الدعاء للجنازة في التكبيرات، لا يقرأ في
شيء منهن، ثم يسلم سراً، وأخرجه الحاكم من وجه آخر لفظه من طريق
(١) وقال ابن الهمام: أما أركانها فالذي يفهم من كلامهم أنها الدعاء والقيام والتكبير إلى
آخر ما بسط. (ش).
(٢) ((تلخيص الحبير)) (١٢٢/٢/١).
٤٦٢
--

١٦ - كتاب الجنائز
(٦) باب
(٥٢١) حدیث
١٧/٥٢١ - حَدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي
سَعِيدِ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِيهِ؛ أَنَّهُ سَأَلَ أَبَا هُرَيْرَةَ، كَيْفَ تُصَلَّي عَلَى
الْجَنَازَةِ؟ فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: أَنَا، لَعَمْرُ اللَّهِ،
الزهري، عن أبي أمامة بن سهل: أنه أخبره رجال من أصحاب رسول الله وَالخالق
أن السنة في الصلاة على الجنازة أن يكبر الإمام، ثم يصلي على النبي وَلل،
ويخلص الدعاء في التكبيرات الثلاث، ثم يسلم تسليماً خفياً، والسنة أن يفعل
من وراءه مثل ما فعل إمامه .
قال الزهري(١): سمعه ابن المسيب فلم ينكره، قال: وذكرته لمحمد بن
سويد، فقال: وأنا سمعت الضحاك بن قيس يحدث عن حبيب بن مسلمة في
صلاة صلاها على الميت مثل الذي حدثنا أبو أمامة، وضعفت رواية الشافعي
بمطرف .
لكن قواها البيهقي في ((المعرفة)) بما رواه في ((المعرفة)) من طريق
عبيد الله بن أبي زياد الرصافي عن الزهري بمعنى رواية مطرف، وقال إسماعيل
القاضي في كتاب الصلاة على النبي صل# بسنده: عن أبي أمامة يحدث سعيد بن
المسيب قال: إن السنة في الصلاة على الجنازة أن يقرأ بفاتحة الكتاب ويصلي
على النبي ◌َّر، ثم يخلص الدعاء للميت حتى يفرغ ولا يقرأ إلا مرة واحدة ثم
يسلم، انتهى. قلت: وما ورد من قراءة الفاتحة محمول عند الحنفية على طريق
الدعاء كما سيأتي، اهـ.
١٧/٥٢١ - (مالك، عن سعيد بن أبي سعيد) بكسر العين فيهما (المقبري
عن أبيه) أبي سعيد واسمه كيسان (أنه سأل أبا هريرة، كيف تصلي على الجنازة؟
فقال أبو هريرة: أنا لعمر الله) بفتح العين المهملة وسكون الميم هو العمر بضم
العين، قال في ((النهاية)): ولا يقال في القسم إلا بالفتح، وقال الراغب: العمر
(١) انظر: ((الاستذكار)) (٢٦٣/٨).
٤٦٣

١٦ - كتاب الجنائز
(٦) باب
(٥٢١) حديث
أُخْبِرُكَ. أَتَّبِعُهَا مِنْ أَهْلِهَا، فَإِذَا وُضِعَتْ كَبَّرْتُ، وَحَمِدْتُ اللَّهَ،
وَصَلَّيْتُ عَلَى نَبِّهِ. ثُمَّ أَقُولُ:
بالضم والفتح واحد، ولكن خصص الحلف بالثاني، وقال أبو القاسم
الزجاجي: العمر: الحياة، فمن قال: لعمر الله فكأنه قال: أحلف ببقاء الله،
واللام للتوكيد، والخبر محذوف أي ما أقسم به، ولذا قالت المالكية والحنفية:
تنعقد بها اليمين؛ لأن بقاء الله تعالى من صفة ذاته، وعن الإمام مالك
لا يعجبني الحالف بذلك.
وقال الشافعي وإسحاق: لا يكون يميناً إلا بالنية؛ لأنه يطلق على العلم
وعلى الحق، وقد يراد بالعلم المعلوم، وبالحق ما أوجبه الله تعالى. وعن
أحمد كالمذهبين، والراجح عنه كالشافعي، كذا في ((النيل))، وقد ورد الحلف
بالعمر في عدة روايات، ليس هذا محلها، وقد قال الله عز وجل: ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ
لَفِى سَكْرَنِهِمْ يَعْمَهُونَ (®﴾(١) وأثر الباب يؤيد الأولين.
(أخبرك) أي بزيادة عن سؤالك تكميلاً للفائدة (أتبعها) بشد التاء وصيغة
المتكلم أي أسير معها (من أهلها) لما ورد في اتباع الجنائز من الفضائل الكثيرة
وأصل الاتباع المشي متابعة (فإذا وضعت) ببناء المجهول أي إذا وضعت
الجنازة على الأرض (كبرت) بضم التاء أيْ تكبيرة الافتتاح (وحمدت الله)
عز وجل بعدها (وصليت على نبيه) ◌َّلة بعد التكبيرة الثانية، ثم أدعو بالدعاء
الآتي بعد التكبيرة الثالثة، وهذا عند الحنفية، إذ هذا التفصيل مستحب عندهم،
وفي (الشرح الكبير)) للمالكية: ندب ابتداء الدعاء الواجب بحمد الله تعالى
والصلاة على نبيه وَلّ عقب الحمد إثر كل تكبيرة، انتهى.
فمعنى أثر أبي هريرة على مسلك المالكية: كبرت الله أربع مرات، وبعد كل
تكبيرة حمدت الله عزَّ وجلَّ، وصليت على نبيه، ودعوت بهذا الدعاء (ثم أقول)
(١) سورة الحجر: الآية ٧٢.
٤٦٤
-------------------
---

١٦ - كتاب الجنائز
(٦) باب
(٥٢١) حديث
اللَّهُمَّ إِنَّهُ عَبْدُكَ، وَابْنُ عَبْدِكَ، وَابْنُ أَمَتِكَ، كَانَ يَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا
أَنْتَ، وَأَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُكَ وَرَسُولُكَ، وَأَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ. اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ
مُحْسِناً، فَزِدْ فِي إِحْسَانِهِ، وَإِنْ كَانَ مُسِيئاً، فَتَجَاوَزْ عَنْ سَيِّئَاتِهِ، اللَّهُمَّ
لا تَحْرِمْنَا أَجْرَهُ، وَلَا تَفْتِنَّا بَعْدَهُ.
ومحل الدعاء بعد التكبيرة الثالثة عند الحنفية، وبعد كل تكبيرة عند المالكية كما
تقدم (اللَّهم إنه عبدك وابن عبدك وابن أمتك) فيه مزيد الاستعطاف، فإن شأن
الكرام السادات الصفح عن عبيدهم ولا أكرم منه عز وجل (كان يشهد أن لا إله
إلا أنت وأن) سيدنا (محمداً عبدك ورسولك) وقد وعدت بالجنة من يشهد بذلك
(وأنت أعلم به) منا ومنه (اللّهم إن كان محسناً فزد في إحسانه) أي ضاعف أجره
(وإن كان مسيئاً فتجاوز عن سيئاته) أي اعف عنها فإنك عفو كريم تحب العفو
فلا تؤاخذه بها (اللّهم لا تحرمنا) بفتح التاء والضم لغة (أجره) أي أجر الصلاة
عليه، أو شهود جنازته، أو أجر المصيبة بموته (ولا تفتنا بعده) أي لا تجعلنا
مفتونين بعد الميت، بل اجعلنا معتبرين بموته عن موتنا، ومستعدين لرحلتنا .
ولا يوقت شيء من الدعاء عند الأئمة (١) إيجاباً، نعم يوقت عندهم
استحباباً. ويندب دعاء أبي هريرة هذا عند المالكية، كما صرح به في فروعهم
من ((الشرح الكبير)) وغيره. وفي ((الدر المختار)) من فروع الحنفية: ويدعو بعد
الثالثة بأمور الآخرة والمأثور أولى، قال ابن عابدين: ومن المأثور: اللّهم اغفر
لحينا وميتنا وشاهدنا وغائبنا وصغيرنا وكبيرنا وذكرنا وأنثانا إلخ. وروي هذا
الدعاء عن أبي هريرة مرفوعاً عند أحمد والترمذي وأبي داود(٢) وابن حبان
والبيهقي وغيرها، وقال الحاكم: له شاهد صحيح من حديث عائشة، كذا في
((النيل))(٣).
(١) قال ابن عبد البر فى ((الاستذكار)) (٢٦٢/٨) وليس في الدعاء شيء موقت.
(٢) أخرجه أبو داود (٢١١/٣) برقم (٣٢٠١).
(٣) انظر: ((نيل الأوطار)) (٧/٣).
٤٦٥

١٦ - كتاب الجنائز
(٦) باب
(٥٢٢) حديث
1
١٨/٥٢٢ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ؛ أَنَّهُ
قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ يَقُولُ: صَلَّيْتُ وَرَاءَ أَبِي هُرَيْرَةَ عَلَى
صَبِيِّ لَمْ يَعْمَلْ خَطِيئَةً قٌَ. فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: اللَّهُمَّ أَعِذْهُ مِنْ عَذَابٍ
الْقَبْرِ .
١٨/٥٢٢ - (مالك، عن يحيى بن سعيد) الأنصاري (أنه قال: سمعت
سعيد بن المسيب) بفتح الياء وكسرها (يقول: صليت وراء أبي هريرة على)
جنازة (صبي) قال الباجي: الصلاة على الصبي قُربة له ورغبة في إلحاقه بصالح
السلف، ولا خلاف في وجوب الصلاة عليه (لم يعمل خطيئة قط) أي أبداً
لموته قبل البلوغ، وقال ◌َّر: ((رفع القلم عن ثلاث، عن الصبي حتى يحتلم))،
وقال عمر - رضي الله عنه -: الصغير يكتب له الحسنات ولا تكتب عليه
السيئات. قال ابن حجر: صفة كاشفة إذ لا يتصور في غير بالغ عمل ذنب،
وقال القاري: يمكن أن يحمل على المبالغة في نفي الخطيئة عنه ولو صورة.
وقال الدسوقي: يؤخذ من هذا أن الأطفال يسألون، وقيل: لا يُسألون،
وقيل: بالوقف وهو الحق لأنه لم يرد نص بشيء. وفي ((الدر المختار))(١) من
فروع الحنفية: الأصح أن الأنبياء لا يُسألون ولا أطفال المؤمنين، وتوقف
الإمام في أطفال المشركين، قال ابن عابدين: أشار إلى أن سؤال القبر لا
يكون لكل أحد، ويخالف ما في ((السراج)»: كل ذي روح من بني آدم يسأل في
القبر بإجماع أهل السنة، وقيل: في حكاية الإجماع نظر، ثم بسطه فارجع إليه
لو شئت. (فسمعته) أي أبا هريرة (يقول) في دعائه بعد الحمد والصلاة (اللّهم
أعذه) أي أجره (من عذاب القبر).
قال ابن عبد البر (٢): عذاب القبر غير فتنته بدلائل من السنة الثابتة، ولو
(١) (٢٠٨/٢).
(٢) ((الاستذكار)) (٢٦١/٨).
٤٦٦
---- - I

١٦ - كتاب الجنائز
(٦) باب
(٥٢٣) حديث
١٩/٥٢٣ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ نَافِع؛ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ
عذب الله عباده أجمعين لم يظلمهم، وقال بعضهم: ليس المراد بعذاب القبر
ههنا عقوبته، بل مجرد الألم بالغم والهم والحسرة والوحشة والضغطة، وذلك
يعم الأطفال وغيرهم.
وقال الباجي(١): يحتمل أن أبا هريرة اعتقده لشيء سمعه من النبي بَ ل
أن عذاب القبر عام في الصغير والكبير، وأن الفتنة فيه لا تسقط عن الصغير
بعدم التكليف في الدنيا، أي لأن الله تعالى يفعل ما يشاء، وقال أبو
عبد الملك: يحتمل أنه قال ذلك على العادة في الصلاة على الكبير، أو ظن
أنه كبير أو دعا له على معنى الزيادة، كما كانت الأنبياء عليهم الصلاة والسلام
تدعو الله أن يرحمها وتستغفره، قاله الزرقاني (٢).
قلت: لا حاجة إلى هذه التوجيهات على مسلك المالكية إذ الاستغفار
للصبي مندوب عندهم، فذكر في ((الشرح الكبير)) في دعاء الطفل الذكر: اللّهم
إنه عبدك وابن عبدك، أنت خلقته ورزقته، وأنت أمته، وأنت تحييه إلى آخره،
وفيه: وعافه من فتنة القبر وعذاب جهنم، اهـ. نعم تصح هذه التوجيهات على
مسلك الحنفية القائلين بعدم الاستغفار له.
ففي ((الهداية)): ولا يستغفر للصبي، ولكن يقول: اللهم اجعله لنا فرطاً
واجعله لنا أجراً وذخراً واجعله لنا شافعاً مشفعاً. قال ابن عابدين: الحاصل:
أن مقتضى المتون والفتاوى وصريح غرر الأذكار الاقتصار في الطفل على اللّهم
اجعله لنا فرطاً، وحاصله: أنه لا يأتي بشيء من دعاء البالغين أصلاً، بل
يقتصر على ما ذكر، انتهى.
١٩/٥٢٣ - (مالك، عن نافع، أن عبد الله بن عمر) - رضي الله عنهما -
(١) ((المنتقى)) (١٦/٢).
(٢) ((شرح الزرقاني)) (٢/ ٦٢).
٤٦٧

١٦ - كتاب الجنائز
(٦) باب
(٥٢٣) حديث
كَانَ لَا يَقْرَأُ فِي الصَّلاةِ عَلَى الْجَنَازَةِ.
(كان لا يقرأ) شيئاً من القرآن (في الصلاة على الجنازة) واختلفوا في قراءة
الفاتحة على صلاة الجنازة، قال ابن بطال: وممن كان لا يقرأ في الصلاة على
الجنازة وينكر عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وابن عمر وأبو هريرة،
ومن التابعين: عطاء وطاوس وسعيد بن المسيب وابن سيرين وسعيد بن جبير
والشعبي والحكم، وقال ابن المنذر: وبه قال مجاهد وحماد والثوري، وقال
مالك: قراءة الفاتحة ليست معمولاً بها في بلدنا في صلاة الجنازة، وعند
مكحول والشافعي وأحمد وإسحاق: يقرأ الفاتحة في الأولى.
وقال ابن حزم: يقرؤها في كل تكبيرة عند الشافعي، وهذا النقل عنه
غلط، وقال الحسن البصري: يقرؤها في كل تكبيرة، وهو قول شهر بن
حوشب، وعن المسور بن مخرمة: يقرأ في الأولى فاتحة الكتاب وسورة
قصيرة، كذا في ((العيني))(١).
وفي (الشرح الكبير)): لا يقرأ الفاتحة أي يكره إلا أن يقصد الخروج من
خلاف الشافعي - رضي الله عنه -، قال الدسوقي: فإن قصد بقراءتها الخروج
من خلاف الشافعي فلا كراهة، لكن لا بد من الدعاء قبلها أو بعدها، انتهى.
وقال ابن رشد في ((البداية))(٢): وسبب اختلافهم معارضة العمل للأثر،
وهل يتناول اسم الصلاة صلاة الجنائز أم لا؟ أما العمل فهو الذي حكاه مالك
عن بلده، إذ قال: قراءة فاتحة الكتاب فيها ليس بمعمول به في بلدنا بحال،
وأما الأثر فما رواه البخاري عن طلحة بن عبد الله بن عوف قال: ((صليت
خلف ابن عباس على جنازة فقرأ بفاتحة الكتاب، فقال: لتعلموا أنها السنة))،
فمن ذهب إلى ترجيح هذا الأثر على العمل، وكان اسم الصلاة يتناول عنده
-
(١) ((عمدة القاري)) (١٩١/٦).
(٢) ((بداية المجتهد)) (٢٣٥/١).
٤٦٨
--
-

١٦ - كتاب الجنائز
(٦) باب
(٥٢٣) حديث
صلاة الجنازة، وقد قال ◌َّ: ((لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب)) رأى قراءة فاتحة
الكتاب فيها .
ويمكن أن يحتج لمالك بظواهر الآثار التي نقل فيها دعاؤه عليه الصلاة
والسلام على الجنائز، ولم ينقل فيها أنه قرأ، وعلى هذا فتكون تلك الآثار
كلها معارضة لحديث ابن عباس ومخصصة لقوله ◌َله: ((لا صلاة إلا بفاتحة
الکتاب))، انتھی.
قال الأبي(١): اختلف هل تفتقر لقراءة الفاتحة؟ وبه قال الشافعي لشبهها
بالصلاة في الافتقار إلى الإحرام والسلام، وأسقطها مالك لشبهها بالطواف في
أنها لا ركوع فيها ولا سجود فهي فرع بين أصلين، احتج الشافعي - رضي الله
عنه - لمذهبه بأن ابن عباس - رضي الله عنهما - قرأها ثم قال: أردت أن
أعلمكم أنها سنة، وأجيب: بأنه يحتمل أنه أراد الصلاة لا القراءة، انتهى.
وفي (البدائع))(٢): لنا ما روي عن ابن مسعود: أنه سئل عن صلاة
الجنازة هل يقرأ فيها؟ فقال: لم يوقت لنا رسول الله وَ﴾ قولاً ولا قراءة، وفي
رواية: دعاء ولا قراءة كبر ما كبر الإمام، واختر من أطيب الكلام ما شئت،
وفي رواية: واختر من الدعاء أطيبه .
وروي عن عبد الرحمن بن عوف وابن عمر أنهما قالا: ليس فيها قراءة
شيء من القرآن، ولأنها شرعت للدعاء، ومقدمة الدعاء: الحمد والثناء
والصلاة على النبي ◌َّ لا القراءة، وقوله عليه الصلاة والسلام: ((لا صلاة إلا
بفاتحة الكتاب)) لا يتناول صلاة الجنازة؛ لأنها ليست بصلاة حقيقة، إنما هي
دعاء واستغفار للميت، ألا ترى أنه ليس فيها الأركان التي تتركب منها الصلاة
(١) ((إكمال إكمال المعلم)) (٩٢/٣).
(٢) (٥٢/٢).
٤٦٩

١٦ - كتاب الجنائز
(٦) باب
(٥٢٣) حديث
من الركوع والسجود، إلا أنها تسمى صلاة لما فيها من الدعاء. وحديث ابن
عباس معارض بحديث ابن عمر - رضي الله عنهما - وابن عوف، وتأويل ما
روى جابر من القراءة أنه كان قرأ على سبيل الثناء لا على سبيل القراءة، وذلك
ليس بمكروه عندنا، انتهى.
وأخرج ابن أبي شيبة في ((مصنفه)) (١) عن أبي الزبير عن جابر قال: ما
باح لنا رسول الله وَ﴿ ولا أبو بكر ولا عمر في الصلاة على الميت بشيء،
وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن ثلاثين من أصحاب رسول الله وَلجيه :
أنهم لم يقوموا على شيء في أمر الصلاة على الجنازة، وعن عمران بن جدير
قال: سألت محمداً عن الصلاة على الميت؟ فقال: ما يعلم له شيء موقت
فادع بأحسن ما تعلم، وعن إسحاق بن سويد عن ابن عبد الله قال: ليس في
الصلاة على الميت شيء موقت.
وعن موسى الجهني قال: سألت الحكم والشعبي وعطاء ومجاهداً في
الصلاة على الميت شيء موقت؟ فقالوا: لا، إنما أنت شفيع فاشفع بأحسن
ما تعلم، وعن الشعبي قال: ليس فيه شيء موقت. أخرج هذه الآثار، فيمن
قال: ليس على الميت دعاء موقت، لكنها بعمومها تتناول القراءة والدعاء.
وأخرج عن نافع: أن ابن عمر - رضي الله عنهما - كان لا(٢) يقرأ في
الصلاة على الميت، وعن أبي المنهال قال: سألت أبا العالية عن القراءة في
الصلاة على الجنازة بفاتحة الكتاب، فقال: ما كنت أحسب أن فاتحة الكتاب
تقرأ إلا في صلاة فيها ركوع وسجود، وعن موسى بن علي عن أبيه قال: قلت
لفضالة بن عبيد: هل يقرأ على الميت بشيء؟ قال: لا. وعن سعيد بن أبي بردة
(١) (١٧٨/٣).
(٢) ليس في النسخة المطبوعة التي بأيدينا لفظة لا، لكنه بوّب عليه من قال: ليس على
الجنازة قراءة، فالظاهر سقوط لا من الكاتب. (ش).
٤٧٠

١٦ - كتاب الجنائز
(٧) باب
(٧) باب الصلاة على الجنائز بعد الصبح إلى الإسفار
وبعد العصر إلى الاصفرار
عن أبيه: قال له رجل: أقرأُ على الجنازة بفاتحة الكتاب؟ قال: لا تقرأ.
وعن حجاج قال: سألت عطاءً عن القراءة على الجنازة؟ فقال: ما سمعنا
بهذه إلا حديثاً، وعن إبراهيم والشعبي قالا: ليس في الجنازة قراءة، وعن
طاووس وعطاء: أنهما كانا ينكران القراءة على الجنازة، وعن بكر بن عبد الله
قال: لا أعلم فيها قراءة، وعن سالم قال: لا قراءة على الجنازة وغير ذلك(١).
(٧) الصلاة على الجنائز بعد الصبح وبعد العصر
زاد في نسخة الزرقاني ونسخة السيوطي لفظ: إلى الإسفار بعد الصبح،
ولفظ: إلى الاصفرار بعد العصر، لكن جميع النسخ الموجودة عندنا من
الشروح والمتون، والمصرية والهندية خالية عن الزيادة، والظاهر أن الزيادة من
كلام الشارحين ليست من المتن(٢).
واختلفت الأئمة في الصلاة على الجنازة في الأوقات المنهية، قال
الخطابي: ذهب أكثر أهل العلم إلى كراهية الصلاة على الجنازة في الأوقات
التي تكره الصلاة فيها، وروي عن ابن عمر، وهو قول عطاء والنخعي
والأوزاعي، وكذلك قال الثوري وأبو حنيفة وأصحابه وأحمد بن حنبل
وإسحاق بن راهويه، انتهى.
قلت: أما عند الشافعية - رضي الله عنهم -: فيجوز التطوع ذات سبب في
الأوقات المنهية فالصلاة على الجنازة بالأولى، وأما عند الحنابلة فأوقات
(١) قال الطحاوي: ولعل من قرأ من الصحابة كان على وجه الدعاء لا على وجه القراءة،
وقال ابن الهمام: لا يقرأ الفاتحة إلا بنية الثناء، ولم تثبت القراءة عن رسول الله وليو كذا
قال القاري في ((مرقاة المفاتيح)) (٤٧/٤).
(٢) لكن هذه الزيادة توجد في نسخة ((الاستذكار)) (٢٦٧/٨).
٤٧١

١٦ - كتاب الجنائز
(٧) باب
(٥٢٤) حديث
٢٠/٥٢٤ - حَدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ
أَبِي حَرْمَلَةَ، مَوْلَى عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ بْنِ حُوَيْطِبٍ؛
النهي خمسة كما تقدم مفصلاً في موضعه، وهي الأوقات الثلاثة المعروفة،
وبعد طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، وبعد العصر إلى الغروب.
قال في ((نيل المآرب)): وتجوز الصلاة على الجنازة بعد الفجر والعصر
دون بقية الأوقات ما لم يخف عليها، انتهى.
وفي ((الشرح الكبير))(١) للمالكية: مُنع نفلٌ وقتَ طلوع الشمس والغروب
وخطبة الجمعة، وكره بعد طلوع الفجر وفرض العصر إلى أن ترتفع الشمس قدر
رمح، وإلى أن تصلى المغرب إلا جنازة وسجدة تلاوة بعد صلاة الصبح قبل
الإسفار وبعد عصر قبل الاصفرار، لا فيهما، فيكرهان على المعتمد.
قال الدسوقي: فلو صلى على الجنازة في وقت الكراهية، فإنها لا تعاد بحال
بخلاف ما لو صلى عليها في وقت المنع، فقال ابن القاسم: تعاد ما لم تدفن،
وقال أشهب: لا تعاد وإن لم تدفن، هذا مع عدم الخوف عليها لو أخرت لوقت
الجواز، أما عند الخوف عليها فيصلى عليها باتفاق ولا إعادة، انتهى.
وأما عند الحنفية فلا يجوز صلاة الجنازة في الأوقات الثلاثة إلا أن
تحضر فيها، وأما غير هذه الثلاثة من الأوقات المكروهة فيجوز فيها مطلقاً .
٢٠/٥٢٤ - (مالك، عن محمد بن أبي حرملة) القرشي مولاهم المدني
من رواة الستة إلا ابن ماجه ثقة، هو الذي يروي عنه خصيف، فيقول: حدّثني
محمد بن حويطب ينسبه إلى مواليه، قال الحافظ في ((التقريب))(٢) وتبعه
الزرقاني: توفي سنة بضع وثلاثين ومائة. (مولى عبد الرحمن بن أبي سفيان بن
حويطب) هكذا في النسخ والشروح، وكذا في ((التهذيب)) و ((التقريب))، وضبطه
(١) ((الشرح الكبير)) (١٨٦/١).
(٢) (تقريب التهذيب)) (١٥٣/٣).
٤٧٢
--
---

١٦ - كتاب الجنائز
(٧) باب
(٥٢٤) حديث
أَنَّ زَيْنَبَ بِنْتَ أَبِي سَلَمَةَ تُوُفِّيَتْ، وَطَارِقٌ أَمِيرُ الْمَدِينَةِ. فَأُتِيَ
بِجَنَازَتِهَا بَعْدَ صَلاةِ الصُّبْحِ، فَوُضِعَتْ
في ((رجال جامع الأصول)) بضم الحاء المهملة وفتح الواو وسكون الياء وكسر
الطاء المهملة، فما في ((الجمع بين رجال الصحيحين)) من لفظ حرب بالراء
المهملة الظاهر سهو من الناسخ، وهو ابن عبد العزّى القرشي العامري، قال
الزرقاني: وحويطب صحابي شهير.
(أن زينب بنت أبي سلمة) ربيبة النبي ◌ّ﴾ (توفيت) سنة ثلاث وسبعين،
وحضر ابن عمر ـ رضي الله عنهما - جنازتها، ثم توفي ابن عمر - رضي الله
عنهما - في هذه السنة في الحج بمكة.
(وطارق) بن عمرو المكي الأموي مولاهم القاضي من رواة مسلم
وأبي داود وكان من ولاة الجور، ساق ابن عساكر من طريق الواحدي بسنده
عن جابر بن عبد الله، قال: نظرت إلى أمور كلها أتعجب منها، عجبت لمن
سخط ولاية عثمان - رضي الله عنه -، حتى ابتلوا بطارق مولى عثمان على منبر
رسول الله ◌ّ﴾، وقال عمر بن عبد العزيز لما ذكره والحجاج وقرة بن شريك
وكانوا إذ ذاك ولاة الأمصار: امتلأت الأرض جوراً، قال الحافظ في
((التهذيب))(١): مات، في حدود الثمانين.
(أمير المدينة) المنورة - زادها الله شرفاً وشرافة - ذكر الواقدي بسنده أن
عبد الملك بن مروان جهّز طارقاً في ستة آلاف إلى قتال من بالمدينة من جهة
ابن الزبير، فقصد خيبر، فقتل بها ستمائة. وقال خليفة: بعثه عبد الملك إلى
المدينة فغلب له عليها وولاه إياها سنة ٧٢، ثم عَزَله في سنة ٧٣، وولّى
الحجّاج بن يوسف.
(فأتي) ببناء المجهول (بجنازتها) أي زينب (بعد صلاة الصبح فوضعت
(١) (٥/٦).
٤٧٣

١٦ - كتاب الجنائز
(٧) باب
(٥٢٥) حدیث
بِالْبَقِيعِ. قَالَ: وَكَانَ طَارِقٌ يُغَلِّسُ بِالصُّبْحِ.
قَالَ ابْنُ أَبِي حَرْمَلَةَ: فَسَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ يَقُولُ لِأَهْلِهَا :
إِمَّا أَنْ تُصَلَّوا عَلَى جَنَازِتِكُمْ الآنَ، وَإِمَّا أَنْ تَتْرُكُوهَا حَتَّى تَرْتَفِعَ
الشَّمْسُ.
٢١/٥٢٥ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ نَافِع؛ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ
عُمَرَ قَالَ: يُصَلَّى
بالبقيع) أي بقيع الغرقد كما تقدم في الأذان (قال) ابن أبي حرملة (وكان طارق)
الأمير المذكور (يغلّس بالصبح) أي يصليها في الغلس، (قال) محمد (بن
أبي حرملة: فسمعت عبد الله بن عمر) - رضي الله عنهما - (يقول لأهلها: إما أن
تصلوا على جنازتكم الآن) أي قبل طلوع الشمس، وما قال الزرقاني: في وقت
الغلس. يأباه الآثار المروية عن ابن عمر - رضي الله عنهما - (وإما أن تتركوها
حتى ترتفع الشمس) قال الزرقاني(١): لكراهة الصلاة عند الإسفار، انتهى.
قلت: بل لكراهة الصلاة عند طلوع الشمس فلم أجد أثراً عن ابن عمر
- رضي الله عنهما - في المنع عن الصلاة عند الإسفار، وقد أخرج ابن
أبي شيبة(٢): أن جنازة وضعت، فقال ابن عمر - رضي الله عنهما -: أين ولي
هذه الجنازة؟ ليصلّ عليها قبل أن يطلع قرن الشمس، وأخرج عن ميمون قال:
كان ابن عمر - رضي الله عنهما - يكره الصلاة على الجنازة إذا طلعت الشمس
وحين تغيب، وعن أبي بكر بن حفص قال: كان ابن عمر - رضي الله عنهما -
إذا كانت الجنازة صلى العصر، ثم قال: عجّلوا بها قبل أن تطفل الشمس.
٢١/٥٢٥ - (مالك، عن نافع أن عبد الله بن عمر) - رضي الله عنهما -
(قال: يصلى) ببناء المجهول على ما في جميع النسخ التي بأيدينا من الهندية
(١) (شرح الزرقاني)) (٦٣/٢).
(٢) ((مصنف ابن أبي شيبة)) (١٧٢/٣).
٤٧٤
----
۔۔

١٦ - كتاب الجنائز
(٧) باب
(٥٢٥) حديث
عَلَى الْجَنَازَةِ بَعْدَ الْعَصْرِ، وَبَعْدَ الصُّبْحِ، إِذَا صُلَّيْنَا لِوَقْتِهِمَا .
والمصرية والمتون والشروح بلفظ: قال: يصلى، فهو حديث قولي، وفي نسخة
مصرية على ((هامش المصابيح)) بلفظ: كان يصلي فهو حديث فعلي، ويكون
لفظ: يصلّي ببناء الفاعل، وهكذا في ((موطأ محمد)) بلفظ: كان، إلا أن الأكثر
في نسخة يحيى بلفظ: قال، وبهذا شرح الشيخ في ((المصفّى)). (على الجنازة
بعد) صلاة (العصر وبعد) صلاة (الصبح إذا صليتا لوقتهما).
قال الباجي(١) قوله: إذا صُلِّيتا، يحتمل أن يريد صلاة الجنازة بعد الصبح
وبعد العصر، وذلك أولى من أن يريد به إذا صليت الصلاتان: صلاة الصبح
وصلاة العصر لوقتهما، لأنه قد تصلى الصلاتان في آخر وقتهما ولا يصلى
بعدهما على الجنازة إلا أن يريد به إذا صليتا في أول وقتهما، وهو تكلف من
التأويل، والأول أظهر، انتهى.
قلت: لكن المتبادر من الألفاظ الثاني، قال محمد(٢) بعد أثر الباب:
وبهذا نأخذ، لا بأس بالصلاة على الجنازة في تينك الساعتين ما لم تطلع
الشمس أو تتغير الشمس بصفرة للمغيب، وهو قول أبي حنيفة .
وقال الحافظ: ومقتضاه أنهما إذا أخّرتا إلى وقت الكراهة عنده لا يصلى
عليها حينئذ، ويبين ذلك رواية ابن أبي حرملة المذكورة، فكان ابن عمر
- رضي الله عنهما - يرى اختصاص الكراهة بما عند طلوع الشمس وعند غروبها
لا مطلق ما بين الصلاة وطلوع الشمس أو غروبها، انتهى.
قلت: ويؤيده ما تقدم من الآثار المروية عن ابن عمر - رضي الله
عنهما -، ويؤيده أيضاً ما أخرج البخاري عن نافع أن ابن عمر - رضي الله
عنهما - كان يقول: ولا أمنع أحداً إن صلى في أي ساعة شاء من ليل أو نهار
غير أن لا تتحرَّوا طلوع الشمس ولا غروبها، انتهى.
(١) ((المنتقى)) (٧ /١٧).
(٢) انظر: ((موطأ محمد مع التعليق الممجد)) (١١٤/٢).
٤٧٥

----
١٦ - كتاب الجنائز
(٨) باب
(٨) باب الصلاة على الجنائز في المسجد
فما أوّله الزرقاني إلى الإسفار تأويلاً إلى مذهبه، يأبى عنه الظاهر.
(٨) الصلاة على الجنائز في المسجد
قال الزرقاني تبعاً للحافظ في ((الفتح)): الجمهور على جواز الصلاة على
الجنائز في المسجد، وهي رواية المدنيين وغيرهم عن مالك، وكرهه في
المشهور، وبه قال ابن أبي ذئب وأبو حنيفة وكل من قال بنجاسة الميت،
انتهى. قال الشوكاني: وبالأول قال الشافعي وأحمد وإسحاق، والثاني هو
المشهور عن مالك.
وقال ابن رشد(١): وسبب الخلاف في ذلك حديث عائشة الآتي عند
مالك في ((الموطأ)) وحديث أبي هريرة أن رسول الله وح لول قال: ((من صلى على
جنازة في المسجد فلا شيء له))، وحديث عائشة ثابت، وحديث أبي هريرة غير
ثابت، أو غير متفق على ثبوته، لكن إنكار الصحابة على عائشة يدل على
اشتهار العمل بخلاف ذلك عندهم، ويشهد لذلك بروزه هلة للمصلى لصلاته
على النجاشي، انتهى.
قلت: حديث أبي هريرة أخرجه أبو داود والطحاوي وابن ماجه وابن
أبي شيبة. قال الحلبي: رواه أبو داود وابن ماجه عن ابن أبي ذئب عن صالح
مولى التوأمة، وصالح قال ابن معين: ثقة لكنه اختلط قبل موته، فمن سمع منه
قبل ذلك فهو ثبت حجة، وكلهم على أن ابن أبي ذئب سمع منه قبل
الاختلاط، انتهى.
قلت: ولفظ ابن أبي شيبة (٢) عن صالح عن أبي هريرة قال: قال
(١) ((بداية المجتهد)) (٢٤٣/١).
(٢) ((مصنف ابن أبي شيبة)) (١٥٢/٣).
٤٧٦

١٦ - كتاب الجنائز
(٨) باب
رسول الله وَ: ((من صلى على جنازة في المسجد فلا صلاة له))، قال: وكان
أصحاب رسول الله وهل إذا تضايق بهم المكان رجعوا ولم يصلوا.
وبسط ابن التركماني في ((الجوهر النقي))(١): أن صالحاً إنما تُكُلِّم فيه
لاختلاطه ولا اختلاف في عدالته، وابن أبي ذئب سمع منه قبل الاختلاط.
وقال الشيخ ابن القيم: صالح ثقة في نفسه، كما قال عباس عن ابن معين،
وقال ابن أبي مريم ويحيى: ثقة حجة، فقلت له: إن مالكاً تركه فقال: إن
مالكاً تركه بعد أن خرف، والثوري أدركه بعد أن خرف فسمع منه، لكن ابن
أبي ذئب سمع منه قبل أن يخرف، وقال ابن حبان: تغيّر في سنة ١٢٥ هـ وهذا
الحديث حسن، فإنه من رواية ابن أبي ذئب، وسماعه منه قديم قبل الاختلاط،
فلا يكون اختلاطه موجباً لرد ما حدَّث به قبل الاختلاط، انتهى.
وبسط العيني وغيره الكلام على تصحيحه وألفاظه. وهو مؤيد بإنكار
الصحابة - رضي الله عنهم - على عائشة - رضي الله عنها -، ويؤيده أيضاً أن
ابن أبي ذئب راوي حديث أبي هريرة يوافق مذهبه مذهب الحنفية.
قال محمد في ((موطئه))(٢): لا يصلى على جنازة في المسجد، وكذلك
بلغنا عن أبي هريرة، وموضع الجنازة بالمدينة خارج المسجد، وهو الموضع
الذي كان النبي ◌ُّليّل يصلي على الجنازة فيه، انتهى. يعني اتخاذه وَّل مصلى
مخصوصاً للجنائز بجنب المسجد يؤيد كراهته بالمسجد وإلا لم يُحتَج إلى
ذلك .
وقال الشيخ ابن القيم بعد الكلام الطويل: فالصواب ما ذكرنا أولاً أن
سنته وهديه الصلاة على الجنازة خارج المسجد إلا لعذر، وكلا الأمرين جائز
والأفضل الصلاة عليها خارج المسجد، انتهى.
(١) ((الجوهر النقي)) على هامش ((سنن البيهقي)) (٥٢/٤).
(٢) انظر: ((موطأ محمد مع التعليق الممجد)) (١١٦/٢).
٤٧٧

١٦ - كتاب الجنائز
(٨) باب
قال الحافظ في ((الفتح))(١): حكى ابن بطال عن ابن حبيب: أن مصلى
الجنائز بالمدينة كان لاصقاً بمسجد النبي # من ناحية جهة المشرق، ودل
حديث ابن عمر على أنه كان للجنائز مكان مُعدٌّ للصلاة عليها، فقد يستفاد منه
أن ما وقع من الصلاة على بعض الجنائز في المسجد كان الأمر عارض أو لبيان
الجواز، انتهى.
وفي ((كشف الغمة)): كان أبو بكر وعمر - رضي الله عنهما - إذا تضايق
بهم المصلى انصرفوا ولم يصلوا عليها في المسجد، وقال ابن عباس - رضي الله
عنهما -: صُلّي على أبي بكر وعمر - رضي الله عنهما - في المسجد، لكن كان
ابن عمر - رضي الله عنهما - يقول: من صلى على جنازة في المسجد فلا شيء
له، وفي رواية: فلا شيء عليه، وقال عطاء: كان أكثر صلاة رسول الله وَله.
على الجنازة في المصلّى، انتهى. وقال الزيلعي على ((الكنز)): ولنا حديث أبي
هريرة ((ولأنّا أمرنا أن نُجَنِّب المساجد الصبيان والمجانين)) فالميت أولى بذلك
لزوال مسكته .
ثم اختلف الذين قالوا بالمنع في سببه، قال ابن رشد (٢): زعم بعضهم أن
سبب المنع في ذلك هو أن ميت بني آدم ميتة، وفيه ضعفٌ، لأن حكم الميتة
شرعيٍّ، ولا يثبت لابن آدم حكم الميتة إلا بدليل، انتهى. قال الباجي(٣): أما
منع إدخال الميت المسجد، فإنه تغرير بالمسجد وامتهان له لئلا يتفتق فيسيل منه
ما يؤذي المسجد، وهذا على قول من قال: إنه طاهر، وعلى قول من قال: إنه
نجس، فلا يدخل المسجد لنجاسته، انتهى.
(١) ((فتح الباري)) (١٩٩/٣).
(٢) ((بداية المجتهد)) (٢٤٣/١).
(٣) ((المنتقى)) (١٨/٢).
٤٧٨
-------

١٦ - كتاب الجنائز
(٨) باب
(٥٢٦) حديث
٢٢/٥٢٦ - حَدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنْ أَبِي النَّضْرِ، مَوْلَى
عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ◌َِّ؛
وفي ((الدر المختار))(١) وغيره: المختار الكراهة مطلقاً سواء كان الميت
في المسجد أو خارجه بناءً على أن المسجد بني للمكتوبة وتوابعها، قال
ابن عابدين: أما إذا علّلنا بخوف تلويث المسجد فلا يكره إذا كان الميت
خارج المسجد، وإليه مال في ((المبسوط)) وغيره، وفي التعليل الأول خفاء إذ
لا شك أن الصلاة على الميت دعاء وذكر وهما مما بُني له المسجد، انتهى.
٢٢/٥٢٦ - (مالك، عن أبي النضر) سالم بن أبي أمية (مولى عمر بن
عبيد الله) بضم العينين القرشي، (عن عائشة زوج النبي ◌َّ)، قال ابن عبد البر:
هكذا هو في ((الموطأ)) عند جمهور الرواة منقطعاً، ورواه حماد بن خالد
الخياط عن مالك عن أبي النضر عن أبي سلمة عن عائشة، فانفرد بذلك عن
مالك، كذا في ((التنوير))(٢)، قال العيني(٣): منقطع لأن أبا النضر لم يسمع من
عائشة شيئاً، وقال ابن وضّاح: ولا أدركها، انتهى.
قال الزرقاني: ورواه مسلم من طريق الضحاك بن عثمان عن أبي النضر
عن أبي سلمة عن عائشة، وانتقده الدارقطني بأن حافظين خالفا الضحاك وهما
مالك والماجشون فروياه عن أبي النضر عن عائشة مرسلاً، وقيل عن أبي بكر بن
عبد الرحمن عن عائشة، ولا يصح إلا مرسلاً، وأجاب النووي: بأن الضحاك
ثقة فزيادته مقبولة، انتهى.
وفي ((العيني)): قال الدارقطني: لا يصح إلا مرسلاً عن أبي النضر عن
عائشة، انتهى.
(١) (٢٤٤/٢).
(٢) ((تنوير الحوالك)) (٢٢٨/١).
(٣) ((عمدة القاري)) (١١٨/٨/٤).
٤٧٩

١٦ - كتاب الجنائز
(٨) باب
(٥٢٦) حديث
أَنَّهَا أَمَرَتْ أَنْ يُمَرَّ عَلَيْهَا بِسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ فِي الْمَسْجِدِ، حِينَ
مَاتَ،
(أنها أمرت أن يمر) ببناء المجهول (عليها بسعد بن أبي وقاص) الزهري
آخر العشرة موتاً، (في المسجد) لأن حجرتها الشريفة داخل المسجد (حين
مات) أي سعد في قصره بالعقيق سنة ٥٥هـ على المشهور، وحُمِل إلى المدينة
على أعناق الرجال ليدفن بالبقيع، وذلك في إمرة معاوية - رضي الله عنه -،
قاله القاري.
قال الباجي(١): وإنما أمرت بذلك لامتناعها هي وسائر أزواج النبي ◌َّيل
من الخروج مع الناس إلى جنازته لكراهية خروجهن إلى الجنائز، وقد قال
ابن حبيب: يكره خروج النساء في الجنائز، وإن كن غير نوائح ولا بواكي،
وينبغي للإمام منعهن. وفي ((المدونة)) من قول ابن القاسم: كان مالك - رضي الله
عنه - يوسع للنساء في الخروج مع الجنائز، انتهى.
وفي ((الدر المختار)) من فروع الحنفية: يكره خروجهن تحريماً(٢). قال
ابن عابدين لقوله عليه الصلاة والسلام: ((ارجعن مأزورات غير مأجورات))،
رواه ابن ماجه بسند ضعيف، لكن يعضده المعنى الحادث باختلاف الزمان.
وما في ((الصحيحين)) عن أم عطية: ((نُهينا عن اتباع الجنائز ولم يعزم علينا)) أي
نهي تنزيه، فينبغي أن يختص بذلك الزمن حيث كان يباح لهن الخروج للمساجد
والأعياد(٣)، وتمامه في ((شرح المنية))، انتهى. والبسط في ((العيني)) وحكيت
الكراهة عن أحمد والشافعي، واختلاف الأقوال عن مالك.
وذكر الحاكم(٤) عن عمرو بن العاص قال: قبرنا مع رسول الله وَخلال
(١) ((المنتقى)) (١٨/٢).
(٢) لكن رجح العيني الكراهة التنزيهية وعزاها إلى الجمهور فتأمل (ش).
(٣) انظر: ((بذل المجهود)) (١٣٥/١٤).
(٤) أخرجه الحاكم في ((المستدرك)) (٣٧٣/١) والكدى: المقابر.
٤٨٠
----.
--
-- -