Indexed OCR Text
Pages 281-300
١٥ - كتاب القرآن (٥) باب (٤٦٧) حديث ١٣/٤٦٧ - وحدّثني عَنْ مَالِكٍ، عَنْ نَافِع، مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ؛ أَنَّ رَجُلاً مِنْ أَهْلِ مِصْرَ. أَخْبَرَهُ أَنَّ عُمَرَ بْنِ بفريضة ولو صُبْح جمعةٍ أو خُطبةٍ لإخلاله بنظامها لا تعمدها في نفل فلا يكره مطلقاً في سر أو جهر. أمن التخليط على من خلفه أم لا، سفراً أو حضراً، وإن قرأها في فرض سجد، قال الدسوقي: وإنما كره بالفريضة لأنه إن لم يسجد دخل في الوعيد أي اللوم المشار إليه بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ اُلْقُرْءَانُ لَا يَسْجُدُونَ﴾ ﴾﴾ الآية، وإن سجد زاد في عدد سجودها، کذا قيل، وفيه أن تلك العلة موجودة في النافلة، ويمكن ، أن يقال: إن السجود لما كان نافلة، والصلاة نافلة، صار كأنه ليس زائداً بخلاف الفرض، انتهى. وأما عند الحنفية ففي (الدر المختار)) (١): يكره للإمام أن يقرأها في مخافتة ونحو جمعة وعيد، إلا أن تكون بحيث تؤدى بركوع الصلاة أو سجودها، قال ابن عابدين: قوله: يكره، لأنه إن ترك السجود لها فقد ترك واجباً، وإن سجد يشتبه على المقتدين، انتهى. قلت: وقد عرفت أن من كره قراءة التلاوة في الصلاة كرهها لعارض (٢)، فلا يشكل عليه بما ورد في الروايات من القراءة في خير القرون؛ لأن المنع العروض شيوع الجهل، وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن الزبير - رضي الله عنهما -: أنه صلى الظهر أو العصر، فقال له رجل: صليت خمساً؟ فقال: إني قرأت بسورة فيها سجدة، وأخرج أيضاً عن أبي مجلز: أنه كان لا يسجد في صلاة مكتوبة، ويقول: أكره أن أزيد في الصلاة المكتوبة. ١٣/٤٦٧ - (مالك، عن نافع مولى ابن عمر، أن رجلاً من أهل مصر أخبره) هكذا بالإبهام أخرجه البيهقي، ولم أقف على اسمه (أن عمر بن (١) (٢/ ٧٢٠). (٢) انظر ((بدائع الصنائع)) (٤٥٠/١). ٢٨١ ١٥ - كتاب القرآن (٥) باب (٤٦٨) حديث الْخَطَّابِ قَرَأَ سُورَةَ الْحَجِّ. فَسَجَدَ فِيهَا سَجْدَتَيْنِ. ثُمَّ قَالَ: إِنَّ هَذِهِ السُّورَةَ فُضِّلَتْ بِسَجْدَتَيْنِ . ١٤/٤٦٨ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ؛ أَنَّهُ قَالَ: رَأَيْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ، يَسْجُدُ فِي سُورَةِ الْحَجِّ، سَجْدَتَيْنِ. الخطاب قرأ سورة الحج، فسجد فيها سجدتين) أولاهما عند قوله تعالى: ﴿يَفْعَلُ مَا يَشَآءُ﴾ وهي متفق عليها، والثانية عند قوله تعالى: ﴿أَرْكَعُواْ وَأَسْجُدُواْ وَاعْبُدُواْ رَبَّكُمْ وَأَفْعَلُوْ اُلْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾(١)، وهي مختلفة فيها عند الأئمة كما سيأتي. (ثم قال عمر) - رضي الله عنه -: (إن هذه السورة فضلت) على غيرها من السور (بسجدتين) قال البيهقي: هذه الرواية وإن كانت في معنى المرسل لترك نافع تسمية الذي حَدّثه، فالرواية عن عبد الله بن ثعلبة بن صعير عن عمر - رضي الله عنه - رواية صحيحة موصولة، ولفظها على ما أخرجه البيهقي: إنه صلى مع عمر - رضي الله عنه - الصبح فسجد في الحج سجدتين. قال السيوطي في ((الدر)): أخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة والإسماعيلي وابن مردويه والبيهقي عن عمر - رضي الله عنه -: أنه كان يسجد سجدتين في الحج ويقول ... الحديث. ١٤/٤٦٨ - (مالك، عن عبد الله بن دينار) العدوي (أنه قال: رأيت عبد الله بن عمر) - رضي الله عنه - (سجد) بصيغة الماضي في النسخ الهندية وبالمضارع في المصرية (في سورة الحج سجدتين) وروي عنه أيضاً: لو سجدت فيها واحدة كانت السجدة الأخيرة أحبّ إليّ، وسيأتي معناه، وروي عن عقبة بن عامر مرفوعاً: في الحج سجدتان، ومن لم يسجدهما، فلا يقرأهما، يريد لا يقرأهما إلا وهو طاهر، والتعلق به ليس بقوي لضعف (١) سورة الحج: الآية ٧٧. ٢٨٢ ١٥ - كتاب القرآن (٥) باب (٤٦٨) حديث إسناده، قاله الباجي(١)، ورَدَّه ابن زرقون بأن ابن حنبل احتج به وهو أعلم بإسناده، وهذا رد بالصدر من فقيه على محدث حافظ إذ لا يلزم من احتجاجه به أن لا يكون ضعيفاً، فالكلام إنما هو مع إسناده، قاله الزرقاني(٢). قلت: اختلفت الأئمة في السجدة الثانية من سورة الحج، قال ابن قدامة في ((المغني))(٣): في الحج منها سجدتان، وبهذا قال الشافعي وإسحاق وأبو ثور وابن المنذر، وممن كان يسجد سجدتين عمر وعلي وعبد الله بن عمر وأبو الدرداء وأبو موسى وأبو عبد الرحمن السلمي وأبو العالية وزِرٌّ(٤)، وقال ابن عباس: فُضِّلَتْ سورةُ الحج بسجدتين. وقال الحسن، وسعيد بن جبير، وجابر بن زيد، والنخعي، ومالك، وأبو حنيفة: ليست الأخيرة سجدة، لأنه جمع فيها بين الركوع والسجود، فلم تكن سجدة، كقوله تعالى: ﴿يَمَرْيَمُ أَقْنُتِى لِرَبِّكِ وَأَسْجُدِى وَأَرْكَعِى مَعَ الرَّكِعِينَ ولنا حديث عمرو بن العاص عند ابن ماجه: أن رسول الله ولو أقرأه خمس عشرة سجدة، وحديث عقبة المذكور رواه أبو داود والأثرم، وأيضاً فإنه قول من سمينا من الصحابة لم نعرف لهم مخالفاً في عصرهم، فيكون إجماعاً، وقد قال أبو إسحاق: أدركت الناس منذ سبعين سنة يسجدون في الحج سجدتين، وقال ابن عمر - رضي الله عنه -: لو تركت إحداهما تركت الأولى، وذلك لأن الأولى إخبار، والثانية أمر، واتباع الأمر أولى، انتهى. (١) ((المنتقى)) (٣٥٠/١). (٢) (٢٠/٢). (٣) (٣٥٥/٢). (٤) هو أبو مريم زر بن حبيش بن حياشة الأسدي الكوفي، توفي سنة إحدى وثمانين ((سير أعلام النبلاء)) (١١٦/٤ - ١٧٠). (٥) سورة آل عمران: الآية ٤٣. ٢٨٣ ١٥ - كتاب القرآن (٥) باب (٤٦٨) حديث قلت: حديث عمرو بن العاص أخرجه أيضاً الدارقطني والحاكم وحسنه المنذري والنووي، وضعفه عبد الحق وابن القطان، وفي سنده عبد الله بن منين الكلابي، وهو مجهول، والراوي عنه الحارث بن سعيد العتقي المصري وهو لا يعرف أيضاً، كذا قال الحافظ. وقال ابن ماكولا: ليس له غير هذا الحديث، قاله الشوكاني .. وحديث عقبة بن عامر عند أحمد وأبي داود والترمذي - وقال: إسناده ليس بالقوي - والدارقطني والبيهقي والحاكم، وفي إسناده ابن لهيعة ومشرح بن هاعان وهما ضعيفان، وقد ذكر الحاكم أنه تفرد به، وأكده بالآثار، قاله الشوكاني(١). وتقدم ما قاله الزرقاني. قال ابن التركماني: تكلم البيهقي في ابن لهيعة في مواضع. وفي ((الضعفاء)) لابن الجوزي: قال ابن حسين: مشرح انقلبت صحائفه فكان يحدث بما سمع من هذا عن ذاك وهو لا يعلم، وفي ((الضعفاء)) للذهبي: تكلم فيه ابن حبان، ثم لو صح هذا الحديث فظاهره يقتضي وجوب سجدة التلاوة، والبيهقي لا يقول بذلك ويخالف بين الأمرين المذكورين في الآية، فجعل أحدهما للوجوب والآخر للاستحباب، وخصمه يجعلهما للوجوب فهو أقرب إلى العمل بظاهر النص، انتهى. وقال ابن حزم: ثانية الحج لا نقول بها أصلاً في الصلاة، وتبطل الصلاة بها يعني إذا سجدت، قال: لأنها لم تصح بها سنة عن رسول الله وَ له ولا أجمع عليها، وإنما جاء فيه أثر مرسل، وفي ((المدونة)): قال ابن عباس والنخعي: ليس في الحج إلا سجدة واحدة، وفي ((البرهان)): مذهبنا مروي عن ابن عباس وابن عمر فإنهما قالا: سجدة التلاوة في الحج هي الأولى والثانية (١) انظر: ((نيل الأوطار)) (٣٢٨/٢، ٣٢٩). ٢٨٤ ١٥ - كتاب القرآن (٥) باب (٤٦٩) حديث ١٥/٤٦٩ - وحدّتَني عَنْ مَالِكِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنِ الأَعْرَج؛ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، قَرَأَ بِ ﴿ وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (٣)﴾ فَسَجَدَ فِيهَا. ثُمَّ قَامَ، فَقَرَأَ بِسُورَةٍ أُخْرَى. سجدة الصلاة، وهو الظاهر فقد قرنها بالركوع وهو تأويل الحديث، كذا في ((المبسوط))، فكأن عن ابن عمر - رضي الله عنهما - روايتين، انتهى. ١٥/٤٦٩ - (مالك، عن ابن شهاب، عن الأعرج) عبد الرحمن بن هرمز (أن عمر بن الخطاب قرأ) أي في الصلاة، ولفظ البيهقي: أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - قرأ لهم (بالنجم إذا هوى فسجد فيها) بعد ختم السورة (ثم قام) عن السجود (فقرأ بسورة أخرى) ليقع ركوعه عقب القراءة كما هو شأن الركوع، وذلك مستحب، وروى الطبراني بسند صحيح عن عبد الرحمن بن أبزى عن عمر - رضي الله عنه - أنه قرأ النجم في الصلاة فسجد فيها، ثم قام فقرأ: إذا زلزلت، قاله الزرقاني(١). قلت: وحكى البيهقي عن عثمان - رضي الله عنه -: إذا قرأها، أي النجم سجدَ، ثم يقوم، فيقرأ بالتين والزيتون أو سورة تشبهها، وقال الباجي(٢): قد روى ابن حبيب فيمن قرأ في الصلاة سجدة فسجد لها ثم قام، فإنه مخيّر بين أن يركع أو يقرأ من سورة أخرى شيئاً ثم يركع، والسورة التي قرأها عمر - رضي الله عنه - هي إذا زلزلت، رواه إبراهيم النخعي عن أبيه: أنه صلى مع عمر - رضي الله عنه - صلاة الفجر فقرأ في الركعة الأولى بسورة يوسف، ثم قرأ في الثانية بالنجم، ثم سجد، ثم قام فقرأ إذا زلزلت، انتهى. وفي ((الشرح(٣) الكبير)): نُدب لساجد الأعراف مثلاً قراءة بعد قيامه منها (١) ((شرح الزرقاني)) (٢١/٢). (٢) ((المنتقى)) (٣٥٠/١). (٣) (٣١١/١). ٢٨٥ ١٥ - كتاب القرآن (٥) باب (٤٧٠) حدیث ١٦/٤٧٠ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ هِشَام بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ؛ أَنَّ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَرَأَ سَجْدَةً، وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ. فَنَزَلَ، فَسَجَدَ، وَسَجَدَ النَّاسُ مَعَهُ، للأنفال، أو غيرها قبل ركوعه ليقع الركوع عقب قراءته، انتهى. قال الدسوقي: كما هو سُنَّةٌ. قلت: وكذلك عند الحنفية ينبغي له أن يقرأ شيئاً. قال ابن عابدين: ثم إذا سجد لها أو ركع(١) يعود إلى القيام، ويستحب أن لا يعقبه بالركوع، بل يقرأ آيتين أو ثلاثاً فصاعداً ثم يركع، وإن كانت السجدة آخر السورة يقرأ من سورة أخرى ثم يركع، وتمامه في (الإمداد)) و(البحر))، انتهى (٢). وقال ابن نجيم: ثم إذا سجد وقام يكره له أن يركع كما رفع رأسه، سواء كانت آية السجدة في وسط السورة أو عند ختمها، انتهى. ١٦/٤٧٠ - (مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه) عروة بن الزبير (أن عمر بن الخطاب) قال الزرقاني: فيه انقطاع، فعروة ولد في خلافة عثمان - رضي الله عنه - فلم يدرك عمر - رضي الله عنه -، انتهى. قلت: اختلف في ولادته كما بسطه الحافظ في (تهذيبه))، وتقدم شيء منه في ترجمته في محله، (قرأ سجدة) أي سورة فيها سجدة. قال الزرقاني: وهي سورة النحل، قلت: وسيأتي عن البخاري (وهو على المنبر يوم الجمعة) قال الباجي: يحتمل أن يكون عمر - رضي الله عنه - أراد أن يعلم الناس عنده من أمر السجود، فإن فعله وتركه جائز. (فنزل) عن المنبر (فسجد وسجد الناس معه) قال الزرقاني: هكذا الرواية الصحيحة وهي التي عند أبي عمر (٣)، ويقع في نسخ: و((سجدنا معه))، انتهى. (١) ولا يذهب عليك أن الركوع يقوم مقامها عندنا بخلاف المالكية، كما يظهر من كلام ابن العربي في ((شرح الترمذي)). ش. (٢) ((رد المحتار)) (٧٠٦/٢). (٣) انظر: ((الاستذكار)) (١٠٨/٨). ٢٨٦ ----- - ١٥ - كتاب القرآن (٥) باب (٤٧٠) حديث ثُمَّ قَرَأَهَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ الأُخْرَى. فَتَهَيَّأَ النَّسُ لِلْسُّجُودِ، فَقَالَ: عَلَى وِسْلِكُمْ. إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَكْتُبْهَا عَلَيْنَا، إِلَّا أَنْ نَشَاءَ. فَلَمْ يَسْجُدْ، وَمَنَعَهُمْ أَنْ يَسْجُدُوا . أخرجه البخاريّ في: ١٧ - كتاب سجود القرآن، ١٠ - باب من رأى أن الله عزّ وجلّ لم يوجب السجود. قلت: هكذا في ((شرح الباجي)) وقال: يحتمل أن عروة أراد جماعة المسلمين، وأضاف الخطاب إليه لما كان من جملتهم، وإلا فهو غلط، لأن عروة لم يدرك عمر بن الخطاب، وإنما ولد في خلافة عثمان وأكثر ما يذكر حصار عثمان، (ثم قرأها يوم الجمعة الأخرى فتهيّأ الناس للسجود فقال عمر) - رضي الله عنه -: (على رِسْلكم) بكسر الراء وسكون السين المهملة أي هيئتكم (إن الله لم يكتبها) أي لم يفرضها (علينا) مطلقاً عند من قال: بسنيتها، وعلى الفور عند من قال: بوجوبها، (إلا أن نشاء) استثناء منقطع أي لكن ذلك موكول إلى مشيئة المرء. (فلم يسجد) عمر - رضي الله عنه - إذ ذاك (ومنعهم أن يسجدوا) قال الزرقاني(١): وفي عدم إنكار أحد من الصحابة عليه دليل على أنه ليس بواجب، وأنه إجماع، ولعل عمر - رضي الله عنه - فعل ذلك تعليماً للناس، وخاف أن يكون في ذلك خلاف، فبادر إلى حسمه، قاله ابن عبد البر. وأخرج البخاري(٢) عن ربيعة بن عبد الله بن الهدير التيمي: أنه حضر عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - حتى إذا كانت الجمعة قرأ على المنبر بسورة النحل، حتى إذا جاء السجدة نزل فسجد وسجد الناس معه، حتى إذا كانت الجمعة القابلة قرأ بها، حتى إذا جاءت السجدة، قال: يا أيها الناس إنا نَمُرُّ بالسجود فمن سجد فقد أصاب ومن لم يسجد فلا إثم عليه، ولم يسجد عمر - رضي الله عنه -. زاد نافع، عن ابن عمر: إن الله لم يفرض علينا السجود إلا (١) ((شرح الزرقاني)) (٢١/٢). (٢) أخرجه البخاري (١٠٧٧). ٢٨٧ ١٥ - كتاب القرآن (٥) باب (٤٧٠) حديث قَالَ مَالِكٌ: لَيْسَ الْعَمَلُ عَلَى أَنْ يَنْزِلَ الإِمَامُ، إِذَا قَرَأَ السَّجْدَةَ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَيَسْجُدَ. أن نشاء، انتهى. وهذا الأثر أقوى مستدل لمن أنكر الوجوب، كما قال به العيني(١) وغيره، وتقدم الجواب عنه مبسوطاً . والأوجه عندي في معناه، لم يفرض علينا أداؤه على الفور، ولذا قال: من سجد أي على الفور، فقد أصاب بداراً إلى براءة الذمة، على أن الأثر مخالف لقوله وسلم: أَمِرَ ابن آدم بالسجود، الحديث المتقدم في محله، وأيضاً خالفه راویه إذ فيه بعد ذلك. و(قال مالك: ليس العمل على أن ينزل الإمام) عن المنبر (إذا قرأ السجدة على المنبر فيسجد) وقال الشافعي - رضي الله عنه -: لا بأس بذلك، ويحتمل قول مالك أنه لا يلزمه النزول، قاله ابن عبد البر(٢)، كذا في ((الزرقاني)). قال الباجي(٣): وقد كره مالك من رواية علي عنه: أن ينزل الإمام عن المنبر ليسجد سجدة قرأها، وروى ابن المَوّاز عن أشهب: لا يقرأ بها، فإن فعل فلينزل فليسجدها ويسجد الناس معه، وجه قول مالك - رضي الله عنه - أن ذلك مما يتبع عليه عمر - رضي الله عنه - ولا عمل عليه أحد بعده، ولعل عمر - رضي الله عنه - إنما فعل ذلك تعليماً للناس، وخاف أن يكون في ذلك خلاف، فبادر إلى حسمه، وكان ذلك الوقت لم يعم كثير من الأحكام الناس، وقد تقررت الآن الأحكام وانعقد الإجماع على كثير منها، وعرف الخلاف السائغ في سواها، فلا وجه لذلك مع ما فيه من التخليط على الناس بالفراغ من الخطبة والقيام إلى الصلاة، ووجه قول أشهب، وهو الأظهر فعل عمر (١) انظر: ((عمدة القاري)) (٣٦٢/٥). (٢) انظر: ((الاستذكار)) (١٠٥/٨). (٣) ((المنتقى)) (٣٥١/١). ٢٨٨ ۔۔ ١٥ - كتاب القرآن (٥) باب (٤٧٠) حديث قَالَ يَحْيَى: قَالَ مَالِكٌ: الأَمْرُ عِنْدَنَا أَنَّ عَزَائِمَ سُجُودِ الْقُرْآنِ إِحْدَى عَشْرَةَ سَجْذَةً. لَيْسَ فِي الْمُفَصَّلِ مِنْهَا شَيءٌ . - رضي الله عنه - ولم ينكر عليه أحدٌ من الحاضرين مع كثرة عددهم، انتهى. وفي ((الشرح الكبير))(١): كره تعمدها أي السجدة بفريضة أو خطبة لإخلاله بنظامها، قال الدسوقي: أي إن سجد وإن لم يسجد دخل في الوعيد، انتهى. وفي ((الدر المختار)) من فروع الحنفية: ولو تلا على المنبر سجد وسجد السامعون، انتهى. وكذا في ((البدائع))(٢) وغيره. (قال يحيى: قال مالك: الأمر عندنا أن عزائم سجود القرآن) قال الزرقاني: بناء على أن بعض المندوبات آكد من بعض (إحدى عشرة سجدة) منها أولى الحج (ليس في المفصل منها) أي من هذه السجدات (شيء) اختلفت نقلة المذاهب في بيان مسلك الإمام مالك - رضي الله عنه -، وظاهر ((الموطأ)) أن المؤكد منها إحدى عشرة، والبواقي غير مؤكدة، وعليه جرى الشراح، وتقدم ما قاله الزرقاني. قال الباجي(٣): وأجاب القاضي أبو محمد عما روي من الأحاديث الصحاح في سجود النبي ◌َّر في المفصل، أن مالكاً - رضي الله عنه - لا يمنع السجود في المفصل، وإنما يمنع أن يكون من العزائم، وبَيَّنَ أنها ليست من العزائم خبر ابن عباس وزيد بن ثابت تركه عليه السلام السجود فيها بالمدينة، فعلى هذا يكون القرآن ثلاثة أضرب، منه ما لا بد من السجود فيه وهي عزائم السجود، ومنه ما لا يجوز السجود فيه جملةً على معنى سجود التلاوة، ومنه ما خُيِّر فيه، وهي المواضع المتكلم فيها، انتهى. (١) (٣١٠/١). (٢) (٤٥٠/١). (٣) ((المنتقى)) (٣٥١/١). ٢٨٩ ١٥ - كتاب القرآن (٥) باب (٤٧٠) حديث وقال شيخنا الدهلوي في ((المصفَّى)): أراد مالك - رضي الله عنه - أنها ليست من العزائم، ولا يمكن أن يراد بقوله نفي الاستحباب، وقد روى أحاديث سجود المفصل في ((الموطأ))، انتهى معرباً. وقال في ((تراجم البخاري)): إن السجود عند مالك أربع عشرة سجدة، والثلاثة في المفصل غير مؤكدة عنده، والبواقي مؤكدة، ولذا اشتهر عند الناس أن السجدات عنده إحدى عشرة سجدة، انتهى. وظاهر فروع المالكية أنهم لم يقولوا بالسجود في المفصل مطلقاً، وحملوا الروايات على النسخ، ففي («المدونة» (١): قال مالك: سجود القرآن إحدى عشرة سجدة ليس في المفصل منها شيء، انتهى. قال ابن العربي: هي رواية المصريين عن مالك - رضي الله عنه -. وفي ((الشرح الكبير))(٢): سجد إحدى عشرة لا في ثانية الحج ولا في النجم والانشقاق والقلم تقديماً للعمل على الحديث لدلالته على نسخه، قال الدسوقي: أي عمل أهل المدينة من ترك السجود في هذه المواضع الأربعة، وقوله: على الحديث أي الدال على طلب السجود فيها، وإنما قدم العمل على الحديث لدلالة العمل على نسخ الحديث المذكور، إذ لو كان باقياً من غير نسخ ما عدل أهل المدينة عن العمل به، انتهى. وكذا قال ابن رشد(٣): إن الإمام مالكاً - رضي الله عنه - وأصحابه اعتمدوا عمل أهل المدينة، انتهى. قال الباجي: قول مالك: الأمر عندنا أن عزائم سجود القرآن إلخ، وهذا كما قال، وعليه جمهور أصحابه، وقال (١) (١٠٥/١). (٢) (٣٠٧/١). (٣) ((بداية المجتهد)) (٢٢٤/١). ٢٩٠ ---- - ١٥ - كتاب القرآن (٥) باب (٤٧٠) حديث ابن وهب: سجود القرآن أربع عشرة، فأثبت مع ما قاله ابن نافع: ثلاث سجدات في المفصل، وقال ابن حبيب: عزائم السجود خمس عشرة سجدة، فزاد إليها الآخرة من الحج، وقد رواه ابن عبد الحكم عن ابن وهب وهو أظهر عندي، انتھی . وقال العيني(١): إنهم اختلفوا في عدد سجود القرآن على اثني عشر قولاً: الأول: مذهبنا أنها أربع عشرة سجدة، منها الأولى في الحج وسجدة صّ والثلاثة في المفصل. الثاني: إحدى عشرة بإسقاط الثلاث من المفصل، وبه قال الحسن وابن المسيب وابن جبير وعكرمة ومجاهد وعطاء وطاووس ومالك في ظاهر الرواية والشافعي في القديم، وروي عن ابن عباس وابن عمر - رضي الله عنهما -. الثالث: خمس عشرة، وبه قال المدنيون عن مالك، فكملتها ثانية الحج، وهو مذهب عمر - رضي الله عنه - وابنه عبد الله - رضي الله عنه - والليث وإسحاق وابن المنذر ورواية عن أحمد، واختاره المروزي وابن شريح الشافعيان . قلت: هذه الرواية للإمام أحمد - رضي الله عنه - مشهورة في شروح الحديث، لكن أهل فروعه على أن قوله - رضي الله عنه - كقول الشافعي، صرح به في ((المغني)) و ((النيل)) و ((الروض المربع)). الرابع: أربع عشرة بإسقاط صّ، وهو أصح قولي الشافعي وأحمد. الخامس: أربع عشرة بإسقاط سجدة النجم(٢)، وهو قول أبي ثور. (١) ((عمدة القاري)) (٤ /٩٦/٧). (٢) وحكى الطحاوي عن قوم أنهم لم يروا سجدة النجم، وعدّ أسماءهم العلامة العيني في ((شرح البخاري)) (١٠٢/٧/٤). ز. ٢٩١ ١٥ - كتاب القرآن (٥) باب (٤٧٠) حديث السادس: ثنتا عشرة بإسقاط ثانية الحج وصّ والانشقاق، وهو قول مسروق. السابع: ثلاث عشرة بإسقاط ثانية الحج والانشقاق، وهو قول عطاء الخراساني . الثامن: أن العزائم خمس: الأعراف وبنو إسرائيل والنجم والانشقاق واقرأ، وهو قول ابن مسعود. التاسع: عزائمه أربع: ألَّم تنزيل، وحَمَ تنزيل، والنجم، واقرأ، وهو مروي عن علي - رضي الله عنه -. العاشر: ثلاث، قاله سعيد بن جبير وهي: ألّم تنزيل، والنجم، واقرأ. الحادي عشر: العزائم ألّم تنزيل، والأعراف، وحَمّ تنزيل، وبنو إسرائيل، وهو مذهب عبد بن عمير. الثاني عشر: عشر سجدات، قالته جماعة. أخرج ابن أبي شيبة عن أبي تميمة الهجيمي: أن أشياخاً من الهجيم بعثوا رسولاً لهم إلى المدينة وإلى مكة يسأل لهم عن سجود القرآن، فأخبرهم أنهم أجمعوا على عشر سجدات، انتھی . وقد علم من ذلك مسالك الأئمة الأربعة - رضي الله عنهم أجمعين -، وتقدم مسلك المالكية مفصلاً، والعمدة عندهم في المستدل العملُ، والأئمة الثلاثة على أنها أربع عشرة سجدة، إلا أنهم اختلفوا في الموضعين؛ الأول: السجدة الثانية من الحج وتقدم الكلام على ذلك، فقال بها الإمام أحمد والشافعي في المشهور عنه، ولم يقل بها الإمام مالك وأبو حنيفة - رضي الله عنهما -. والثاني: سجدة صّ لم يقل بها الإمام الشافعي والإمام أحمد في المشهور ٢٩٢ - ۔ .... --.. - . ---. - ...--- ١٥ - كتاب القرآن (٥) باب (٤٧٠) حديث عنه، والرواية الثانية عنه وهو قول الإمام أبي حنيفة ومالك - رضي الله عنهما - أنها من العزائم، وبه قال الحسن والثوري وإسحاق لحديث عمرو بن العاص، وروي عن عمر وابنه وعثمان رضى الله عنهم: أنهم كانوا يسجدون فيها، وروى أبو داود بإسناده عن ابن عباس: أن النبي و 18 سجد فيها، وحديث أبي الدرداء يدل على أنه سجد فيها، كذا في ((المغني))(١). قال العيني: لا خلاف بين الحنفية والشافعية في أن صّ فيها سجدة تفعل، وهو أيضاً مذهب سفيان وابن المبارك وأحمد وإسحاق غير أن الخلاف في كونها من العزائم. أم لا؟ فعند الشافعي - رضي الله عنه - ليست من العزائم وإنما هي سجدة شكر تستحب في غير الصلاة، وتحرم فيها في الأصح، وهذا هو المنصوص عنه، وبه قطع جمهور الشافعية، وعند أبي حنيفة وأصحابه هي من العزائم، وبه قال ابن شريح وأبو إسحاق المروزي. احتج الشافعي ومن معه بحديث ابن عباس عند البخاري وغيره قال: ((صّ ليست من عزائم السجود، وقد رأيت النبي رول يسجد فيها))، ولابن عباس - رضي الله عنه - حديث آخر في سجوده في صّ، أخرجه النسائي من رواية عمر بن أبي ذر عن أبيه عن سعيد بن جبير عن ابن عباس: ((أن النبى وَّل وسيا سجد في صّ فقال: سجدها داود عليه السلام توبة، ونسجدها شكراً)). وله حديث آخر أخرجه البخاري في ((التفسير)) والنسائي في ((الكبرى))، ولفظ البخاري بسنده عن مجاهد: أنه سأل ابن عباس - رضي الله عنه - أفي صّ سجدة؟ فقال: نعم، ثم تلا ﴿وَوَهَبْنَا﴾ إلى قوله: ﴿فَبِهُدَئُهُمُ أُقْتَدِةٌ﴾ ثم قال: هو منهم. زاد يزيد بن هارون ومحمد بن عبيد وسهل بن يوسف عن العوام عن مجاهد، قلت لابن عباس، فقال: نبيكم ممن أَمِرَ أن يقتدى بهم. (١) (٣٥٤/٢). ٢٩٣ ١٥ - كتاب القرآن (٥) باب (٤٧٠) حديث قال العيني(١): هذا كله حجة لنا، والعمل بفعل النبي وَ لّ أولى من العمل بقول ابن عباس - رضي الله عنه -، وكونها توبة لا ينافي كونها عزيمة، وسجدها توبة ونسجدها شكراً لما أنعم الله على داود عليه السلام بالغفران والوعد بالزلفى وحسن مآب، وروى أبو داود من حديث أبي سعيد قال: ((قرأ رسول الله ◌َ﴾ وهو على المنبر صّ فلما بلغ السجدة نزل فسجد))، وروى الطبراني في ((الأوسط)) من حديث أبي هريرة: ((أن النبي ◌ُّ سجد في صّ)). وروى الدارقطني أيضاً كذلك. وفي ((المصنف)): قال ابن عمر - رضي الله عنه -: في صّ سجدة، وقال الزهري: كنت لا أسجد في صَ حتى حدثني السائب: أن عثمان - رضي الله عنه - سجد فيها، وعن سعيد بن جبير: أن عمر - رضي الله عنه - كان يسجد في صّ، وكان طاووس يسجد في صّ، وسجد فيها الحسن والنعمان بن بشير ومسروق وأبو عبد الرحمن السلمي والضحاك بن قيس، وعن أبي الدرداء قال: سجدت مع النبي ◌ّ في صّ، وعن عقبة بن عامر فيها السجود، انتهى. وأخرج البيهقي بسنده عن أبي الدرداء قال: سجدت مع النبي ◌َّ إحدى عشرة سجدة، عدّ منها سجدة صّ، وأخرج عن عمر - رضي الله عنه -: أنه قرأ على المنبر صَ، فنزل، وسجد، ثم رقي على المنبر، وكذا أخرجه عن عثمان - رضي الله عنه -، وعن ابن عباس - رضي الله عنه -: أنه كان يسجد فيها، وعن سعيد بن جبير قال لي ابن عمر: أتسجد في صّ؟ قلت: لا، قال: اسجد فيها، فإن الله تعالى يقول: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اَللَّهُ فَبِهُدَنهُمُ أَقْتَدِةْ﴾(٢) كذا قال ابن عمر . (١) ((عمدة القاري)) (٩٨/٧/٤). (٢) سورة الأنعام: الآية ٩٠. ٢٩٤ -------- ---- ١٥ - كتاب القرآن (٥) باب (٤٧٠) حدیث قَالَ مَالِكٌ: لَا يَنْبَغِي لَأَحَدٍ يَقْرَأُ مِنْ سُجُودِ الْقُرْآنِ شَيْئاً، بَعْدَ صَلاةِ الصُّبْحِ، وَلَا بَعْدَ صَلاةِ الْعَصْرِ، ويذكر من وجه آخر عن ابن عمر أنه كان يقول: في صّ سجدة، وفي ((البرهان)): غاية ما في حديث الخدري عند أبي داود أنه بَيَّن السبب في حق داود عليه السلام، والسبب في حقنا، وكونه للشكر لا ينافي الوجوب، فكل الفرائض والواجبات إنما وجبت شكراً لتوالي النعم. وقد أخرج الإمام أحمد(١) عن بكر بن عبد الله المزني عن أبي سعيد الخدري قال: رأيت رؤيا أني أكتب سورة صّ، فلمّا بلغت السجدة رأيت الدواة والقلم وكل شيء بحضرتي انقلب ساجداً، قال: فقصصتها على رسول الله 18 فلم يزل يسجد بها، فأفاد هذا أن الأمر في المواظبة عليها كغيرها من غير ترك، واستقر عليه بعد أن كان لا يعزم عليها، فظهر أن ما رواه إن تمت دلالته كان قبل هذه القصة، انتهى. قلت: وحديث أبي سعيد هذا أخرجه البيهقي (٢) ولفظه: ((فغدوت على رسول الله ◌َّ فأخبرته فأمر بالسجود فيها)) . (قال مالك: ولا ينبغي لأحد يقرأ من سجود القرآن شيئاً) فيسجد (بعد صلاة الصبح ولا بعد صلاة العصر) قال الزرقاني: فالظرف متعلق بمقدر، انتهى. قلت: هذا الشرح بعيد من العلامة الزرقاني، لأنه مالكي ومسلك المالكية ترك القراءة في ذينك الوقتين(٣)، نعم هذا الشرح يوافق الحنفية في عدم جواز السجدة في وقت الشروق والغروب، لأنه يقرأ السجدة عندهم، ولا يسجد، بل يقضيها كما سيأتي مفصلاً. (١) أخرجه الإمام أحمد في ((مسنده)) (١١٧٨٣). (٢) ((السنن الكبرى)) (٣١٨/٢). (٣) وأما عند الشافعي: فيجوز أن يسجد بعد الصبح وبعد العصر، كذا في ((الاستذكار)) (١١٠/٨). ٢٩٥ ١٥ - كتاب القرآن (٥) باب (٤٧٠) حديث وَذُلِكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ نَهَى عَنِ الصَّلاةِ بَعْدَ الصُّبْحِ، حَتَّى تَظْلُعَ الشَّمْس .. وَعَنِ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْعَصْرِ، حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ. وَالسَّجْدَةُ مِنَ الصَّلاةِ، فَلَا يَنْبَغِي لَأَحَدٍ أَنْ يَقْرَأَ سَجْدَةً فِي تَيْنِكَ السَّاعَتَيْنِ . (وذلك) أي دليل ذلك (أن رسول الله وَّ نهى عن الصلاة بعد) صلاة (الصبح حتى تطلع الشمس و) كذا نهى (عن الصلاة بعد) صلاة (العصر حتى تغرب الشمس) كما سيأتي إسناده عن المصنف بعد أبواب (والسجدة) معدودة (من الصلاة) في الأحكام (فلا ينبغي لأحد أن يقرأ سجدة في تينك الساعتين) كما لا يجوز أن يصلي فيهما، هكذا في ((الموطأ)) وهو المشهور في فروع المالكية بخلاف رواية ((المدونة)). قال الباجي(١): وهذا كما قال الإمام في ((الموطأ))؛ لأن سجود التلاوة لما كانت صلاة وجب أن يكون لها وقت كسائر الصلوات، واختلف قول مالك في وقتها، فقال في ((الموطأ)): لا يقرأ بها بعد الصبح إلى طلوع الشمس، ولا بعد العصر إلى غروب الشمس، وهذا يقتضي المنع من السجود في ذلك الوقت والمنع من قراءتها مع ترك السجود؛ لأنه لا خلاف في جواز قراءة القرآن في ذلك الوقت، وروى عنه ابن القاسم في ((المدونة))(٢): يسجد لها بعد الصبح ما لم يسفر وبعد العصر ما لم تصفرّ الشمس. . - ..-- وجه الرواية الأولى أن هذه الصلاة نافلة، فمنعت بعد الصبح والعصر كسائر النوافل، ووجه الرواية الثانية أنها صلاة اختلف في وجوبها، فجاز فعلها بعد الصبح ما لم يسفر وبعد العصر ما لم تصفرّ الشمس كصلاة الجنازة، وإذا ثبت هذا، فمن قرأها في وقت يمنع من سجود أو قرأها على غير طهارة، قال مالك: يخطرفها ولا يقرأها، ووجه ذلك أنه ممنوع من السجود وممنوع من (١) ((المنتقى)) (٣٥٢/١). (٢) (٧٠٥/١). ٢٩٦ ------ ١٥ - كتاب القرآن (٥) باب (٤٧٠) حديث قراءتها وترك السجود، فلزمه أن يتعدى موضع السجود فلا يقرأها، وقال بعض شيوخنا المتأخرين: يتعدى موضع السجود خاصة، ولا يتعدى الآية كلها، انتهى مختصراً. وفي (الشرح الكبير))(١): كره مجاوزتها أي سجدة التلاوة لمتطهِّر وقت جواز. وإن لم يكن متطهراً، أوليس وقت جواز فهل يجاوز محل السجود فقط وهو ﴿يَسْجُدُونَ﴾ في الأعراف ﴿وَالْأَصَالِ﴾ في الرعد. وهكذا، أو يجاوز الآية بتمامها؟ تأويلان، قال ابن رشد: الصواب الثاني لئلا يغير المعنى، قال الدسوقي: قوله تأويلان، وعليهما إذا جاوز محلها أو الآية ثم تَطَهَّرَ أو زال وقت الكراهة فلا يرجع للقراءة، لنص أهل المذهب على أن القضاء من شعار الفرائض، وهذا هو المذهب، خلافاً للجلاب، ولأبي عمران قول مقابل للتأويلين أن القارئ لا يتعداها، بل يقرأ، لأنه إن حرم أجر السجود فلا يحرم أجر القراءة، انتهى. قلت: وأما عندنا الحنفية فينبغي أن لا يجاوز السجدة بل يقرأها، ويستحب أداء السجدة في غير الأوقات الثلاثة المكروهة. ففي ((الدر المختار)) (٢): كره ترك آية وقراءة باقي السورة؛ لأن فيه قطع نظم القرآن وتغيير تأليفه، واتباع النظم والتأليف مأمور به (بدائع)). ومفاده: أن الكراهة تحريمية. وأيضاً في موضع آخر، وكره تحريماً صلاة مطلقاً وسجدة تلاوة مع شروق واستواء وغروب إلا عصر يومه، وينعقد نفل بشروع فيها، ولا ينعقد الفرض وسجدة تلاوة تليت في وقت كامل فلا يتأدى ناقصاً، فلو وجبت فيها لم يكره فعلها تحريماً. قال ابن عابدين: أفاد ثبوت (١) (٣٠٩/١). (٢) (٧١٧/٢). ٢٩٧ ١٥ - كتاب القرآن (٥) باب (٤٧٠) حديث سُئِلَ مَالِكٌ: عَمَّنْ قَرَأَ سَجْدَةً. وَامْرَأَةٌ حَائِضٌ تَسْمَعُ، هَلْ لَهَا أَنْ تَسْجُدَ؟ قَالَ مَالِكٌ: لا يَسْجُدُ الرَّجُلُ، وَلَا الْمَرْأَةُ، إِلَّا وَهُمَا طَاهِرَانِ . الكراهة التنزيهية، وكره نفل بعد صلاة فجر وعصر لا سجدة تلاوة، انتهى ملخصاً . (قال يحيى) الراوي: (وسئل) ببناء المجهول (مالك) - رضي الله عنه - (عمن قرأ سجدة وامرأة حائض) ههنا (تسمع) السجدة (هل لها أن تسجد؟ قال) الإمام (مالك: لا يسجد الرجل ولا المرأة إلا وهما طاهران) طهارة كاملة من الوضوء والغسل، قال الباجي: وهذا كما قال؛ لأن سجود التلاوة صلاة، فكان من شرطها الطهارة كسائر الصلوات، ولما كانت الحائض غير طاهرة لم يكن من حكمها السجود إذا كان تعين ذلك على من كان طاهراً، انتهى . وحكى ابن عبد البر(١) على ذلك الإجماع. وفي ((الأنوار الساطعة)): يشترط أن يكون القارئ والمستمع مستكملاً شروط صحة الصلاة من طهارة حدث وخبث وستر عورة، فإن كان القارئ هو المحصل للشروط وحده سجد دون المستمع، وإن كان المستمع هو المحصل دون القارئ فلا يسجد؛ لأن سجوده تابع لسجود القارئ، ولا سجود عليه لفقد الشروط، انتهى. وفي البخاري(٢): كان ابن عمر - رضي الله عنه - يسجد على غير وضوء، قال الحافظ(٣): لم يوافق ابن عمر - رضي الله عنه - على ذلك أحد إلا الشعبي وأبو عبد الرحمن السلمي، وللبيهقي بإسناد صحيح عن ابن عمر (١) انظر: ((الاستذكار)) (١١١/٨). (٢) (٣٢/٢). ((باب سجود المسلمين مع المشركين)). (٣) انظر: ((فتح الباري)) (٥٥٤/٢). ٢٩٨ ---------- ----- ---- ١٥ - كتاب القرآن (٥) باب (٤٧٠) حديث وَسُئِلَ عَنِ امْرَأَةٍ قَرَأَتْ سَجْدَةً. وَرَجُلٌ مَعَهَا يَسْمَعُ، أَعَلَيْهِ أَنْ يَسْجُدَ مَعَهَا؟ قَالَ مَالِكٌ: لَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَسْجُدَ مَعَهَا، إِنَّمَا تَجِبُ السَّجْدَةُ عَلَى الْقَوْمِ يَكُونُونَ مَعَ الرَّجُلِ، فَيَأْتَهُّونَ بِهِ. فَيَقْرَأُ السَّجْدَةَ، فَيَسْجُذُونَ مَعَهُ، وَلَيْسَ عَلَى مَنْ سَمِعَ سَجْذَةً مِنْ إِنْسَانِ - رضي الله عنه - قال: لا يسجد الرجل إلا وهو طاهر، فيجمع بينهما بأنه أراد الطهارة الكبرى، أو الثاني على حالة الاختيار، والأول على الضرورة، قاله الزرقاني(١) . قلت: أو الثاني على الأولوية والأول على الجواز، ولا تجب السجدة على الحائض عندنا الحنفية، قال الحصكفي: تجب على من كان أهلاً لوجوب الصلاة، فلا تجب على كافر وصبي ومجنون وحائض ونفساء قرؤوا أو سمعوا، انتھی . (قال يحيى: وسئل) الإمام (مالك) - رضي الله عنه - (عن امرأة قرأت سجدة) وفي المصرية: بسجدة (ورجل) جالس (معها يسمع) السجدة منها (أعليه) همزة الاستفهام أي هل على الرجل (أن يسجد معها) إذا سجدت هي (قال) الإمام (مالك) في جواب ذاك السؤال: (ليس عليه) أي على الرجل (أن يسجد معها) ووجه ذلك أنها (إنما تجب السجدة) وظاهره وجوب السجدة ويمكن تأويله على القول المشهور به تُسَنُّ، كما فعله الزرقاني (على القوم يكونون مع الرجل يأتمّون به) وفي النسخ المصرية بلفظ: ((فيأتمون)) بزيادة الفاء في أوله: أي لا يجب السجود إلا أن يكون القارئ ممن يصلح للإمامة، والمرأة ليست بصالحة للإمامة للرجل. فإذا كان القارئ صالحاً للإمامة (فيقرأ السجدة فيسجدون معه و) الأصل في ذلك أنه (ليس على من سمع) بلفظ الماضي ولابن وضّاح: يسمع مضارع (سجدة من إنسان) وفي نسخة: من (١) (شرح الزرقاني)) (٢٢/٢). ٢٩٩ ١٥ - كتاب القرآن (٥) باب (٤٧٠) حديث يَقْرَؤُهَا، لَيْسَ لَهُ بِإِمَامٍ، أَنْ يَسْجُدَ تِلْكَ السَّجْدَةَ. رجل. (يقرؤها) أي سجدة (ليس) القارئ (له) أي للسامع (بإمام) فليس على السامع (أن يسجد تلك السجدة) وتوضيح (١) ذلك كما في ((الأنوار(٢)): أن سنة السجود على السامع مقيدة بثلاثة شروط عند المالكية، فقال: ويشترط في المستمع أن يقصد سماع القارئ، فإذا لم يقصد سماعه فلا تسن له، وتسن للقارئ فقط، ويشترط أن يكون القارئ والمستمع مستكملاً شروط صحة الصلاة، والثالث: أن لا يجلس القارئ ليسمع الناس حسن قراءته، فإن جلس لذلك فلا يسجد المستمع له وإن كان هو يسجد، انتهى. قال ابن رشد في ((البداية))(٣): أجمعوا على أن الحكم يتوجه على القارئ في صلاة كان أو في غير صلاة. واختلفوا في السامع هل عليه سجود أم لا؟ فقال أبو حنيفة: عليه السجود، ولم يُفَرِّقْ بين الرجل والمرأة، وقال مالك: يسجد السامع بشرطين؛ أحدهما: إذا كان قعد ليسمع القرآن، والآخر: أن يكون القارئ يسجد وهو مع هذا ممن يصلح أن يكون إماماً للسامع، وروى ابن القاسم عن مالك: أنه يسجد السامع وإن كان القارئ ممن لا يصلح للإمامة إذا جلس إليه. وقال ابن قدامة (٤): يسن السجود للتالي والمستمع، لا نعلم في هذا (١). والحاصل: أن السجدة واجبة عند الحنفية على السامع، مطلقاً من غير شرط، وأما عند الشافعي - رضي الله عنه - فمستحبة على السامع ومؤكدة في حق المستمع من غير شرط، وعند مالك وأحمد - رضي الله عنهما - مشروط بثلاثة شروط: الاستماع، وأهلية التالي للإمامة، وسجدة التالي، وشرط رابع عند المالكية خاصة، وهو أن لا يقصد بتلاوته إسماع الناس حُسن قراءته. ((ش)). (٢) (ص ٥٦٠). (٣) (٢٢٥/١). (٤) («المغني)) (٣٦٦/٢). -- - ٣٠٠ -