Indexed OCR Text
Pages 201-220
١٤ - كتاب القبلة (٥) باب (٤٤٨) حديث ٠ قال القاري(١): ولا تنافي بين الروايات المختلفة في التضعيف لاحتمال أن حديث الأقل قبل حديث الأكثر ثم تفضل الله تعالى بالأكثر شيئاً بعد شيء، ويحتمل أن يكون التفاوت لتفاوت الأحوال، لما جاء أن الحسنة بعشرة أمثالها إلى سبعين إلى سبعمائة إلى غير نهاية، انتهى. والثالث: أن التضعيف المذكور يرجع إلى الثواب، ولا يتعدى إلى الإجزاء بالاتفاق، كما نقله النووي وغيره، فلو كان عليه صلاتان فصلى في أحد المسجدين صلاة لم تجزه إلا عن صلاة واحدة، ويوهم كلام أبي بكر النقاش المقرئ في تفسيره خلاف ذلك، فإنه قال فيه: حسبت الصلاة بالمسجد الحرام فبلغت صلاة واحدة بالمسجد الحرام عمر خمس وخمسين سنة وستة أشهر وعشرين ليلة، انتهى. وحكى القسطلاني(٢) عن البدر بن الصاحب الآثاري ما يضيق عنه نطاق الحساب فضعف صلاة واحدة حتى بلغ عمر نوح عليه السلام بنحو الضعف، قال القاري: وما اشتهر على ألسنة العوام: أن من صلى داخل الكعبة أربع ركعات تكون قضاء الدهر باطل لا أصل له، انتهى. والرابع: أن التضعيف المذكور مع قطع النظر عن التضعيف بالجماعة فإنها تزيد سبعاً وعشرين درجة، كما تقدم في أبواب الجماعة من هل يجتمع التضعيفان أم لا؟ محل بحث، قاله الحافظ. والخامس: أن ذلك مختص بالفرائض أو يعم النفل أيضاً وإلى الأول ذهب الطحاوي وغيره لقوله ◌َل#: ((أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة))، وإلى الثاني ذهب مطرف المالكي، وقال النووي: مذهبنا يعم الفرض والنفل (١) ((مرقاة المفاتيح)) (١٨٨/٢). (٢) ((إرشاد الساري)) (٢٧٣/٣). ٢٠١ ١٤ - كتاب القبلة (٥) باب (٤٤٨) حديث جميعاً، قاله الحافظان ابن حجر والعيني(١)، قال القاري: قال ابن حجر: المضاعفة لا تختص بالفرض بل تعم النفل أيضاً خلافاً لبعض الحنفية والمالكية وإن كان دون الفرض لزيادته عليه بسبعين درجة، ولا ينافي عموم التضعيف للنفل كونه في البيت أفضل حتى في الكعبة للخبر الصحيح: ((أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة))، وذلك لأن فضيلة الاتباع تربو على المضاعفة، انتهى. والسادس: أن التضعيف يختص بنفس المسجد الحرام أو يعم جميع مكة من المنازل والشعاب وغير ذلك، أم يعم جميع الحرم الذي يحرم صيده، قال العيني: فيه خلاف، والصحيح عند الشافعية أنه يعم جميع مكة، وصحح النووي أنه جمیع الحرم، انتھی. قال القاري(٢): اختلفوا في محل هذه المضاعفة على أربعة أقوال: الأول: الحرم. والثاني: مسجد الجماعة وهو ظاهر كلام أصحابنا واختاره بعض الشافعية. والثالث: أنه مكة. والرابع: أنه الكعبة وهو أبعدها. اهـ. وزاد السيوطي في ((القوت)) عن الزركشي ثلاثة أقوال أخر، الخامس: الكعبة وما في الحجر من الكعبة. والسادس: الكعبة والمسجد حولها. والسابع: الحرم كله وعرفة، انتهى. والسابع: تفضيل هاتين البلدتين فيما بينهما قال القسطلاني(٣): استنبط منه تفضيل مكة المكرمة على المدينة المنورة؛ لأن الأمكنة تشرف بفضل العبادة فيها على غيرها مما تكون العبادة فيه مرجوحة، وهو قول الجمهور. وحكي عن مالك وابن وهب ومطرف وابن حبيب من أصحابه، لكن (١) انظر: ((عمدة القاري)) (٥٧٠/٥). (٢) ((مرقاة المفاتيح)) (١٨٨/٢). (٣) ((إرشاد الساري)) (٢٧٤/٣). ٢٠٢ -- ------------ - ١٤ - كتاب القبلة (٥) باب (٤٤٩) حديث ١٠/٤٤٩ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ خُبَيْبِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ، المشهور عن مالك وأكثر أصحابه تفضيل المدينة، وقد رجع عن هذا القول أكثر المنصفين من المالكية، واستثنى القاضي عياض البقعة التي دفن فيها النبي ◌َّلة، فحكى الاتفاق على أنها أفضل بقاع الأرض، بل قال ابن عقيل الحنبلي: إنها أفضل من العرش، انتهى. قال القاري في ((شرح الشفاء)): يستثنى ما حوى بدنه الكريم فإنه أفضل حتى من الكعبة بل من العرش العظيم، انتھی . قال الزرقاني (١): ذهب عمر - رضي الله عنه - وغيره وأكثر أهل المدينة وهو المشهور عن مالك وأكثر أصحابه إلى تفضيل المدينة، ومال إليه كثير من الشافعية آخرهم السيوطي، فقال: المختار أن المدينة أفضل، وذهب الجمهور إلى تفضيل مكة، وحكي عن مالك، ورجحه ابن عبد البر في طائفة من المالكية، والأدلة كثيرة من الجانبين حتى قال ابن أبي جمرة بالتساوي وغيرُه بالوقف، ومحل الخلاف ما عدا البقعة، انتهى. قال العيني(٢): ومن قال بتفضيل مكة احتجَّ بما روي أنه وَّ قال: ((إنك الخير الأرض وأحبُّ أرض الله إلى الله ولولا أني أخرجت منك ما خرجت)) إلى آخر ما قاله، وكذا ذكر مستدل الجمهور القاري (٣)، وذكر الاختلاف في أن الأرض أفضل أم السماء، وأيضاً المضاعفة تختص بالصلاة أو تعم سائر العبادات، وأيضاً هل تضاعف السيئات أيضاً كالحسنات أم لا؟ تركناها للاختصار فهذه عشرة أبحاث تتعلق بحديث الباب. ١٠/٤٤٩ - (مالك، عن خبيب) بضم الخاء المعجمة والموحدتين مصغراً (ابن عبد الرحمن) بن خبيب بن يساف الأنصاري أبو الحارث المدني، ثقة قليل (١) ((شرح الزرقاني)) (٤/٢). (٢) ((عمدة القاري)) (٥٦٩/٥). (٣) ((مرقاة المفاتيح)) (١٨٩/٢). ٢٠٣ ١٤ - كتاب القبلة (٥) باب (٤٤٩) حدیث عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِم، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَوْ عَنْ أَبِي سَعِيدِ الْخُدْرِيِّ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ قَالَ: «مَا بَيْنَ بَيْتِي وَمِنْبَرِي، الحديث من رواة الستة مات سنة ١٣٢هـ (عن حفص بن عاصم) بن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - العمري المدني ثقة من رواة الستة (عن أبي هريرة أو عن أبي سعيد الخدري) قال ابن عبد البر(١): هكذا رواه رواة ((الموطأ)) على الشك، إلا معن بن عيسى وروح بن عبادة فإنهما قالا فيه: عن أبي هريرة وأبي سعيد على الجمع لا الشك، ورواه عبد الرحمن بن مهدي عن مالك فقال: عن أبي هريرة وحده ولم يذكر أبا سعيد، وكذا رواه حفص بن عاصم عن أبي هريرة، كذا في ((التنوير))(٢). (أن رسول الله ◌َّل قال: ما بين بيتي) هكذا في النسخ الهندية والشروح، وفي بعض النسخ: قبري، وهو المراد بالبيت، لما روى الطبراني عن ابن عمر - رضي الله عنهما - والبزار عن سعد بن أبي وقاص بلفظ: ((ما بين قبري ومنبري))، وقيل: المراد بيت سكناه وهما متقاربان، لأن قبره في بيته، قال القرطبي: الرواية الصحيحة بيتي، ويروى: قبري كأنه بالمعنى لأنه عليه الصلاة والسلام دفن في بيته. قال الحافظ(٣): والمراد أحد بيوته لا كلها وهو بيت عائشة الذي صار فيه قبره، وللطبراني في ((الأوسط)): ما بين المنبر وبيت عائشة (ومنبري)، قيل: إن المراد منه المحراب فإنه بينهما حقيقة، والجمهور على أن المراد البقعة كلها، ثم قيل: إن ذرع مما بين بيته ومنبره ثلاث وخمسون ذراعاً، وقيل: أربع وخمسون وسدس، وقيل: خمسون إلا ثلثي ذراع وهو الآن كذلك فكأنه نقص لما أدخل من الحجرة في الجدار. (١) انظر: ((الاستذكار)) (٢٣٣/٧). (٢) (٢٠٢/١). (٣) (فتح الباري)) (١٠٠/٤). ٢٠٤ -- - ١٤ - كتاب القبلة (٥) باب (٤٤٩) حديث رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ، وَمِنْبَرِي عَلَى حَوْضِي» . أخرجه البخاريّ عن أبي هريرة في: ٢٠ - كتاب الصلاة في مسجد مكة والمدينة، ٥ - باب فضل ما بين القبر والمنبر. وكذا مسلم في: ١٥ - كتاب الحج، ٩٢ - باب ما بين القبر والمنبر روضة من رياض الجنة، حديث ٥٠٢. (روضة) قال الراغب: الروض: مستنقع الماء والخضرة. وفي ((المجمع)): الروضة: البستان في غاية النضارة (من رياض الجنة) قيل: يراد بهذا الكلام ما لا تهتدي إليه عقولنا، كذا نقله الطيبي، وقال مالك: الحديث على ظاهره، قاله القاري، فهي على حقيقتها بأن تكون مقتطعة منها كالحجر الأسود وغيره، قال ابن حجر: وهذا عليه الأكثر وهي الآن من الجنة، ولا تمنع الجوع ونحوه لاتّصافها الآن بصفات الدنيا، وقيل: تنقل هذه البقعة فيها يوم القيامة فتكون روضة من رياضها، أو مجازٌ بأن الملازم للطاعات فيها توصله إلى الجنة كقوله عليه الصلاة والسلام: ((الجنة تحت أقدام الأمهات))، و ((الجنة تحت ظلال السيوف)). وأشكل بأن لا خصوصية فيها فإن الملازم بأي مكان كذلك، وأجيب بأنه سبب قويٌّ مُؤْصل على وجه أتم، أو موصل إلى بقعة خاصة، أو تشبيه يعني كروضة منها في نزول الرحمة وحصول السعادة، أو جعل روضة كما جعل حلق الذكر رياض الجنة، فإنه لا يزال مجمعاً للملائكة والجن والإنس، قال ابن حزم: ظن بعض الأغبياء أنها قطعة من الجنة وأن الأنهار مهبطة منها وهذا باطل، لأنه تعالى يقول: ﴿أَلَّ تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى﴾(١). وإنما هو لفضلها والصلاة فيها تؤدي إلى الجنة، وأن الأنهار لطيبها أضيفت إليها، كما يقال في اليوم الطيب: هذا من أيام الجنة، وكما قيل في الضأن: إنها من الجنة، وتعقبه ابن حجر مبسوطاً، حكاه القاري(٢). وفي «المسؤَّى)): قيل: إنها حذاء روضة من رياض الجنة (ومنبري على حوضي) (١) سورة طه: الآية ١١٨. (٢) انظر: ((مرقاة المفاتيح)) (١٩٢/٢). ٢٠٥ ١٤ - كتاب القبلة (٥) باب (٤٥٠) حديث ١١/٤٥٠ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيم، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ زَيْدِ الْمَازِنِيّ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَه قَالَ: ((مَا بَيْنَ بَيْتِيَ وَمِنْبَرِي، رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ». أخرجه البخاريّ في: ٢٠ - كتاب الصلاة في مسجد مكة والمدينة، ٥ - باب فضل ما بين القبر والمنبر. ومسلم في: ١٥ - كتاب الحج، ٩٢ - باب ما بين القبر والمنبر روضة من رياض الجنة، حديث ٥٠١. قال الباجي(١): قريب من معنى ما تقدم يحتمل أن يريد به أن إتيانه للصلاة وللطاعات يؤدي إلى ورود حوضه وَث*، وقيل معناه: أن لي منبراً على حوضي وليس هذا بالبين؛ لأنه ليس في الخبر ما يقتضيه، وهو قطع الكلام عما قبله من غير ضرورة، انتهى. والأكثر على أن المراد منبره الذي كان يخطب عليه في الدنيا. قال الحافظ (٢): يؤيده حديث أبي سعيد عند الطبراني أن قوائم منبري رواتب في الجنة. اهـ. زاد في ((وفاء الوفاء)) معنَى رابعاً: أن البقعة التي عليها المنبر تعاد في الجنة ويعاد منبره ذلك على هيئة تناسب الجنة، أهـ. ١١/٤٥٠ - (مالك، عن عبد الله بن أبي بكر) بن محمد بن عمرو بن حزم (عن عباد) بالفتح وشد الموحدة (ابن تميم) بن غزية أو ابن زيد بن عاصم الأنصاري كما تقدم الاختلاف فيه مبسوطاً (عن عبد الله بن زيد) بن عاصم (المازني) الأنصاري (أن رسول الله مَ ل﴾ قال: ما بين بيتي) أي بيت عائشة كما تقدم (ومنبري روضة من رياض الجنة) قال الزرقاني(٣): فيه دلالة قوية على فضل المدينة على مكة إذ لم يثبت في خبر عن بقعة أنها من الجنة، إلا هذه البقعة المقدسة، وقول ابن عبد البر هذا لا يقاوم النص الوارد في مكة مدفوع، انتهى. (١) ((المنتقى)) (٣٤٢/١). (٢) (فتح الباري)) (١٠٠/٤). (٣) (٤/٢). ٢٠٦ .. --- ١٤ - كتاب القبلة (٦) باب (٤٥١ - ٤٥٢) حديث (٦) باب ما جاء في خروج النساء إلى المساجد ٤٥١ / ١٢ - حَدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ؛ أَنَّهُ بَلَغَهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْن عُمَرَ؛ أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ فَ: «لَا تَمْنَعُوا إِمَاءَ اللَّهِ ◌َسَاجِدَ اللَّهِ». ١٣/٤٥٢ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ؛ أَنَّهُ بَلَغَهُ عَنْ بُسْرِ قلت: الاستدلال مشكل بعدما حكى بنفسه قبل ذلك أن الحجر الأسود والنيل والفرات وجيحان وسيحان من الجنة، وكذا الثمار الهندية من الورق التي أهبط بها آدم منها، فتأمل. (٦) ما جاء في خروج النساء إلى المساجد بالجمع، وفي نسخة: المسجد بالإفراد على إرادة الجنس. ٤٥١/ ١٢ - (مالك، أنه بلغه) وتقدم أن بلاغه صحيح (عن عبد الله بن عمر) أخرجه مسلم (١) وغيره من رواية الزهري عن سالم عن أبيه وعن نافع عنه. (أنه قال: قال رسول الله ◌َالاول: لا تمنعوا إماء الله) بكسر الهمزة والمد جمع أمة، ذكر الإماء دون النساء إيماء إلى علة نهي المنع عن خروجهن للعبادة، يعرف ذلك بالذوق. قال الباجي: فيه دليل على أن للزوج منعهن من ذلك وأن لا خروج لهن إلا بإذنه، انتهى. (مساجد الله) عام خصه الفقهاء بشرائط مما ورد كالنهي عن التعطر وغيره، وفي رواية أبي داود صححه ابن خزيمة عن ابن عمر مرفوعاً: ((لا تمنعوا نساءكم المساجد وبيوتهن خير لهن))، وحكى العيني عن الإمام مالك أن نحو هذا الحديث محمول على العجائز. ١٣/٤٥٢ - (مالك، أنه بلغه) وقد روي متصلاً كما سيأتي (عن بسر) (١) أخرجه مسلم (١٣٦) والبخاري (٩٠٠) والنسائي (٤٢/٢)، (٧٠٦). ٢٠٧ ١٤ - كتاب القبلة (٦) باب (٤٥٢ - ٤٥٣) حديث ابْنِ سَعِيدٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَّهِ قَالَ: ((إِذَا شَهِدَتْ إِحْدَاكُنَّ صَلاةَ الْعِشَاءِ، فَلا تَمَسَّنَّ طِيباً)). هذا مرسل. وقد وصله عن زينب امرأة عبد الله. مسلم في: ٤ - كتاب الصلاة، ٣٠ - باب خروج النساء إلى المساجد، حديث ١٤٢. ١٤/٤٥٣ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ ..... عَاتِكَةَ بِنْتِ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نَفَيْلِ، امْرَأَةٍ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ؛ بضم الموحدة وسكون السين المهملة (ابن سعيد) بكسر العين المهملة، وأخرجه مسلم والنسائي من طرق عن ابن وهب عن مخرمة بن بكير عن أبيه عن بسر بن سعيد عن زينب الثقفية امرأة عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه -، وبسط طرقه السيوطي في (التنوير))(١). (أن رسول الله وَّل قال: إذا شهدت) أي أرادت (إحداكن) أن تشهد (صلاة العشاء) وكذا غيرها من الصلاة (فلا تمسَّنَّ) بنون التوكيد الثقيلة وفي رواية بلا نون (طيباً) لما فيه من تحريك داعية الشهوة فيلحق به ما في معناه كحلي يظهر أثره وحسن ملبس وزينة ولذا ورد فليخرجن تفلات. ١٤/٤٥٣ - (مالك، عن يحيى بن سعيد) الأنصاري (عن عاتكة) بكسر المثناة الفوقية وبالكاف (بنت زيد بن عمرو) بفتح العين (ابن نفيل) بضم النون وفتح الفاء وسكون التحتية آخره لام، العدوية الصحابية من المهاجرات الأول أخت(٢) زيد بن سعيد أحد العشرة (امرأة عمر بن الخطاب) ابن عمها كانت قبله تحت عبد الله بن الصديق - رضي الله عنه - وكانت حسناء جميلة فأولع بها حتى شغلته عن المغازي، فأمره أبوه بطلاقها، فامتنع، ثم عزم عليه حتى طلقها، فتبعتها نفسه وينشد فيها فأذن له فارتجعها، ثم لما مات تزوجها زيد بن (١) ((تنوير الحوالك)) (٢٠٣/١)، و((التمهيد)) (٢٧٨/٢٤). (٢) انظر: ((شرح الزرقاني)) (٦/٢)، و((الاستذكار)) (٢٥٠/٧). ٢٠٨ --- ١٤ - كتاب القبلة (٦) باب (٤٥٣) حديث أَنَّهَا كَانَتْ تَسْتَأْذِنُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ إِلَى الْمَسْجِدِ فَيَسْكُتُ. فَتَقُولُ: وَاللَّهِ لأَخْرُجَنَّ، إِلَّا أَنْ تَمْنَعَنِي. فَلَا يَمْنَعُهَا. الخطاب أخو عمر - رضي الله عنه - على ما قيل، فاستشهد، فتزوجها عمر - رضي الله عنه - فاستشهد، ثم تزوجها الزبير، فاستشهد، يقال: فخطبها علي، فقالت: إني لأضن بك عن القتل. (أنها كانت تستأذن) زوجها (عمر بن الخطاب) في الخروج (إلى المسجد فيسكت) لأنه - رضي الله عنه - كان يكره خروجها لكن لا يمنع للحديث أو للشرط، فإنه ذكر الحافظ في ((الإصابة)) أن عمر - رضي الله عنه - لما خطبها شرطت عليه أن لا يضربها ولا يمنعها من الحق، ولا من الصلاة في المسجد النبوي، ثم شرطت ذلك على الزبير فتحيّل عليها بأن كَمَنَ لها لما خرجت لصلاة العشاء فلما مرت به ضرب على عجيزتها فلما رجعت قالت: إنا للَّه فسد الناس فلم تخرج بعد، انتهى. (فتقول: والله لأخرجن) بالنون الثقيلة (إلا أن تمنعني) من الخروج ولعلها - رضي الله عنها - رضيت بعدم الخروج لكن تريد أن يكون لها أجر نية الخروج. قلت: وقولها بالحلف لعله مرتب على الإنكار عليها، فقد أخرج البيهقي عن ابن عمر كانت امرأة لعمر تشهد صلاة الصبح والعشاء في الجماعة فقيل لها: لِمَ تخرجين وقد تعلمين أن عمر - رضي الله عنه - يكره ذلك ويغار، قالت: فما يمنعه أن ينهاني، قال: يمنعه قول رسول الله وَالر: ((لا تمنعوا إماء الله مساجد الله)) رواه البخاري(١) في ((الصحيح)). (فلا يمنعها) عمر - رضي الله عنه - لما تقدم. قال الباجي(٢): استئذان عمر - رضي الله عنه - في الخروج دليل على (١) أخرجه البخاري (٩٠٠). (٢) ((المنتقى)) (٣٤٢/١). ٢٠٩ ١٤ - كتاب القبلة (٦) باب (٤٥٤) حديث ١٥/٤٥٤ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمُنِ، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ وَلِّ؛ أَنَّها قَالَتْ: لَوْ أَدْرَكَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ، مَا أَحْدَثَ النِّسَاءَ، لَمَنَعَهُنَّ الْمَسَاجِدَ، كَمَا مُنِعَهُ نِسَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ. أنها كانت تعتقد أن له المنع، ولولا ذلك لم يكن لاستئذانه وجهٌ، وكان عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - يسكت لما ورد في ذلك من الأمر، وكان يكره خروجها لما كان طُبعَ عليه من الغيرة، ويحتمل أن يكون استئذانها بمعنى الإعلام بخروجها لئلا يكون له إليها حاجة، فإذا سكت علمت بعدم السبب المانع لها من الخروج، ولذلك كانت تقول: والله لأخرجن إلا أن تمنعني، انتھی . ١٥/٤٥٤ - (مالك، عن يحيى بن سعيد) الأنصاري (عن عمرة) بفتح فسكون (بنت عبد الرحمن) الأنصارية (عن عائشة) أمّ المؤمنين (زوج النبي* أنها قالت: لو أدرك رسول الله وَ﴾- ما أحدث النساء) بعده من الطيب والتجمل وقلة التستر، وتسرع كثير منهن إلى المناكير، وإنما كان النساء في زمنه عليه السلام يخرجن في المروط والأكسية والشملات والغلاظ، كما قاله ابن رسلان (لمنعهن) الخروج إلى (المسجد) بالإفراد في النسخ الهندية، وبالجمع في النسخ المصرية والزرقاني، وجعلهما روايتين (كما مُنِعت) بصيغة التأنيث الغائب على بناء المجهول، وفي النسخ المصرية: كما مُنِعَه. قال الزرقاني(١): بضم الميم وكسر النون وفتح العين، ثم هاء ضمير عائد إلى المسجد، وفي رواية الجمع باعتبار الموضع أو الخروج، ولفظ أبي داود: كما منعت (نساء بني إسرائيل) وهو يعقوب بن إسحاق عليه السلام (١) ((شرح الزرقاني)) (٦/٢). ٢١٠ - ١٤ - كتاب القبلة (٦) باب (٤٥٤) حديث قَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، فَقُلْتُ لِعَمْرَةَ: أَوَ مُنِعَ نِسَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ الْمَسَاجِدَ؟ قَالَتْ: نَعَمْ. أخرجه البخاريّ في: ١٠ - كتاب الأذان، ١٦٣ - باب انتظار الناس قيام الإمام العالم. ومسلم في: ٤ - كتاب الصلاة، ٣٠ - باب خروج النساء إلى المساجد، حديث ١٤٤. (قال يحيى بن سعيد) الراوي: (فقلت لعمرة: أو) بفتح الهمزة والواو (منع) ببناء المجهول (نساء بني إسرائيل المسجد) وفي النسخ المصرية ورواية الزرقاني بالجمع (قالت: نعم) منعن منها بعد الإباحة. قال الحافظ (١): يحتمل أن عمرة تلقت ذلك عن عائشة - رضي الله عنها -، ويحتمل عن غيرها، وقد ثبت ذلك من حديث عروة عن عائشة قالت: كن نساء بني إسرائيل يتخذن أرجلاً من خشب يتشوفن للرجال في المساجد، فحرم الله عليهن المساجد، أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح، وهذا وإن كان موقوفاً فحكمه الرفع، لأنه لا يقال بالرأي، وروى أيضاً عبد الرزاق نحوه عن ابن مسعود. قلت: ومسالك الأئمة في ذلك(٢) ما في ((نيل المآرب)) للحنابلة: ويكره الحسناء حضورها مع الرجال، ويباح لغيرها حضور الجماعة. وفي ((الشرح الكبير)) (٣) للمالكية: وجاز خروج متجالة لا إرب للرجال فيها غالباً لعيد واستسقاء فالفرض أولى، وجاز خروج شابة لصلاة الجماعة بشرط عدم الطيب والزينة، وأن لا تكون مخشية الفتنة، وأن تخرج في خشن ثيابها، وأن لا تزاحم الرجال، وأن تكون الطريق مأمونة من توقع المفسدة وإلا حرم. (١) (فتح الباري)) (٣٥٠/٢). (٢) انظر هذه المسألة في ((المغني مع الشرح الكبير)) (٢٠٢/٢ - ٢٠٣)، و((مغني المحتاج)) (٢٣٠/١)، و((فتح القدير)) (٥٢٩/١)، و((الدر المختار)) (٥٢٩/١). (٣) (٣٣٥/١). ٢١١ ١٤ - كتاب القبلة (٦) باب (٤٥٤) حدیث قال الدسوقي: قوله: جاز خروج متجالة أي جوازاً مرجوحاً بمعنى أنه خلاف الأولى، وقوله: شابة أي غير فارهة في الشباب والنجابة، أما الفارهة فلا تخرج أصلاً، وقوله: لصلاة الجماعة أي غير الجمعة والعيد والاستسقاء لأنها مظنة الازدحام. وفي ((التوشيح)) للشافعية: الجماعة في الصلاة سنة ولو للنساء، جماعة الرجال في المسجد أفضل منها في غيره، وجماعة النساء والخنائى في البيت أفضل منها في المسجد، بل يكره حضور الشواب دون العجائز في المسجد في جماعة الرجال. وفي ((الهداية)) من فروع الحنفية: ويكره لهن حضور الجماعات يعني الشواب منهن لما فيه من خوف الفتنة، ولا بأس للعجوز أن تخرج في الفجر والمغرب والعشاء، وهذا عند أبي حنيفة، وقال صاحباه: يخرجن في الصلوات كلها؛ لأنه لا فتنة لقلة الرغبة فيهن، فلا يكره، وله إن فرط الشبق حامل فتقع الفتنة، غير أن الفساق انتشارهم في الظهر والعصر، والجمعة، أما في الفجر والعشاء هم نائمون، وفي المغرب بالطعام مشغولون، انتهى. وفي ((البرهان)): أفتى المشايخ المتأخرون بمنعها أي العجوز من حضور الصلوات كلها كالشابة ولا بعد في اختلاف الأحكام باعتبار اختلاف أحوال النساء، فأفتوا بمنع العجائز مطلقاً، كما منعت الشواب بجامع شيوع الفساد، انتهى. وهكذا في ((الدر المختار))، قلت: وخص الإمام - رضي الله عنه - الخروج بالليل لما في عدة روايات من التخصيص بالليل لا يخفى على من له نظر على الروايات. وفي ((مسند أبي حنيفة)) بسنده عن ابن عمر: أن النبي ◌ُّ رخّص في الخروج لصلاة الغدوة والعشاء للنساء، فقال رجل: إذاً يتخذنه دغلاً، الحديث. والأصل فيه: أن النبي ◌َّلر أذن لهن في الخروج إلى المساجد، لكن أشار إلى التوقي من خشية الفساد بمنع الطيب، والزينة، والأمر بالخروج ٢١٢ --- --- ١٤ - كتاب القبلة (٦) باب (٤٥٤) حديث تفلات(١)، وكذلك التقييد بالليل على رواية من روى: ((إذا استأذنكم نساؤكم بالليل)). وكذلك أشار إلى التوقي من الاختلاط في قوله وَل﴾: ((خير صفوف الرجال أولها وشرها آخرها وخير صفوف النساء آخرها وشرها أولها)). قال ابن العربي (٢): وذلك للقرب من النساء اللاتي يشغلن البال. وربما أفسدن العبادة أو شوشن النية والخشوع. قلت: وكذلك قال النبي وَلجر: ((صلاة المرأة في بيتها أفضل من صلاتها في حجرتها وصلاتها في مخدعها أفضل من صلاتها في بيتها)). وعن أم حميد امرأة أبي حميد الساعدي أنها قالت: يا رسول الله إني أحب الصلاة معك، قال: ((قد علمت أنك تحبين الصلاة معي، وصلاتك في بيتك خير من صلاتك في حجرتك، وصلاتك في حجرتك خير من صلاتك في دارك)) الحديث. أخرجه أحمد وغيره، وقد ورد هذا المعنى في عدة روايات لا تخفى على من له نظر في كتب الروايات. وقد روي في حديث ابن عمر المذكور في الباب: ((لا تمنعوا إماء الله مساجد الله، وبيوتهن خير لهن))، وعن أم سلمة مرفوعاً: ((خير مساجد النساء قعر بيوتهن))، وعن عبد الله بن مسعود مرفوعاً: ((ما صلت امرأة صلاة أحب إلى الله من صلاتها في أشد بيتها ظلمة)). وقال النبي ◌َّ: ((إذا خرجت المرأة من بيتها استشرفها الشيطان)). ولأجل هذه الروايات منعت الأئمة من أنواع الخروج بما فيه من شائبة الفتنة. وحكى العيني عن الإمام مالك: أن حديث ابن عمر في الإذن ونحوه محمول على العجائز. وقال النووي: ليس للمرأة خير من بيتها وإن كانت عجوزاً. وقال ابن مسعود - رضي الله عنه -: المرأة عورة. وأقرب ما تكون (١) التفلة هي غير المتطيبة لأن التفل نتن الريح. انظر: ((التمهيد)) (١٧٤/٢٤). (٢) ((عارضة الأحوذي)) (٢٤/٢). ٢١٣ ١٤ - كتاب القبلة (٦) باب (٤٥٤) حديث إلى الله في قعر بيتها، فإذا خرجت استشرفها الشيطان. وكان ابن عمر - رضي الله عنهما - يقوم يحصب النساء يوم الجمعة يخرجهن من المسجد. وقال أبو عمرو الشيباني: سمعت ابن مسعود حلف، فبالغ في اليمين، ما صلت امرأة صلاة أحبُّ إلى الله تعالى من صلاتها في بيتها إلا في حجة أو عمرة إلا امرأة قد يئست من البعولة. وكان إبراهيم يمنع نساءه الجمعة، وسئل الحسن البصري عن امرأة حلفت إن خرج زوجها من السجن أن تصلي في كل مسجد تجمع فيه الصلاة بالبصرة ركعتين؟، فقال الحسن: تصلي في مسجد قومها؛ لأنها لا تطيق ذلك، لو أدركها عمر - رضي الله عنه - لأوجع رأسها، انتهى. وفي ((كشف الغمة)): كان ◌َّ يرخص للنساء في ترك حضور المساجد، ويقول: صلاتهن في بيوتهن خير لهن، وإذا خرجن فليخرجن متلفعات. وكان يقول: أيما امرأة أصابت بخوراً فلا تشهدن معنا الصلاة وكان يقول: ائذنوا للنساء بالليل إلى المساجد، فكن لا يحضرن المسجد إلا في صلاة العشاء والصبح، إلى أن توفي رسول الله وَلّ، وكانت عائشة - رضي الله عنها - تقول: لو رأى ◌َّ ما رأينا لمنعهن من المساجد، وكانت عمرة تروي ذلك عن عائشة، ثم تقول: وبلغني أن رسول الله وَ ل منعهن، انتهى. ٢١٤ -- ١٥ - كتاب القرآن (١) باب ١٥ - كتاب القرآن (١) باب الأمر بالوضوء لمن مس القرآن (١) الأمر بالوضوء لمن مسّ القرآن أي أراد أن يمسه. قال ابن قدامة في ((المغني))(١): لا يمس المصحف إلا طاهر يعني طاهراً من الحدثين جميعاً، روي هذا عن ابن عمر - رضي الله عنهما -، والحسن، وطاوس، وعطاء، والشعبي، والقاسم بن محمد، وهو قول مالك والشافعي، وأصحاب الرأي، ولا نعلم مخالفاً لهم إلا داود، فإنه أباح مسّه، واحتَج بأن النبي ◌ّ كتب في كتابه آية إلى قيصر، وأباح الحكم وحماد مسه بظاهر الكف، لأن آلة المس باطن اليد، فينصرف النهي إليه دون غيره، ولنا قوله تعالى: ﴿لَّا يَمَشُّهُ: إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ ﴾﴾(٢). وفي كتابه وَّ لعمرو بن حزم: (أن لا يمسّ القرآن إلا طاهر)) وهو كتاب مشهور رواه أبو عبيد في ((فضائل القرآن))، ورواه الأثرم. فأما الآية التي كتب بها النبي صل* فإنما قصد بها المراسلة، والآية في الرسالة أو كتاب فقه أو نحوه لا تمنع مسّه، ولا يصير الكتاب بها مصحفاً، ولا تثبت له حرمته، وإذا ثبت هذا فلا يجوز مسّه بشيء من جسده لأنه من جسده فأشبه يده، وقولهم: إن المسّ إنما يختص باطن اليد ليس بصحيح، فإن كل شيء لاقى شيئاً فقد مسّه، انتهى. وقال ابن حزم: قراءة القرآن والسجود فيه، ومسّ المصحف، وذكر الله تعالى جائز، كل ذلك بوضوء، وبلا وضوء وللجنب والحائض، وهو قول (١) (٢٠٢/١). (٢) سورة الواقعة: الآية ٧٩. ٢١٥ ١٥ - كتاب القرآن (١) باب (٤٥٥) حدیث ١/٤٥٥ - حَدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْن أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمِ؛ ربيعة وابن المسيب وابن جبير، وابن عباس وداود وجميع أصحابنا، وأما مسّ المصحف فإن الآثار التي احتجّ بها من لم يُجِزْ للجنب مسّه فإنه لا يصح منها شيء؛ لأنها إمّا مرسلة وإمّا ضعيفة لا تستند به، وإما عن مجهول، وإما عن ضعيف، انتهى. وردّ عليه العلامة العيني مبسوطاً، فارجع إليه لو شئت، ولا حاجة لنا إلى التطويل بعد إجماع الأئمة الأربعة، وكفى بهم قدوة. ١/٤٥٥ - (مالك عن عبد الله بن أبي بكر) بن محمد بن عمرو (بن حزم) قال ابن عبد البر: (١) لا خلاف عن مالك في إرسال هذا الحديث، وقد روي مسنداً من وجه صالح وهو كتاب مشهور عند أهل السير، معروف عند أهل العلم معرفة يستغنى بها في شهرتها عن الإسناد؛ لأنه أشبه المتواتر في مجيئه لتلقي الناس له بالقبول، ولا يصح عنهم تلقي ما لا يصح، انتهى. وتابع مالكاً على إرساله محمد بن إسحاق عند البيهقي، وهو حديث طويل، فيه أحكام، قال البيهقي: ورواه سليمان بن داود عن الزهري، عن أبي بكر بن محمد، عن أبيه عن جده موصولاً بزيادات كثيرة في الزكاة والديات وغير ذلك، انتهى. قلت: وتقدم عن ابن قدامة أنه كتاب مشهور، رواه أبو عبيد في ((فضائل القرآن)) والأثرم، انتهى. وأخرجه البيهقي(٢) بسنده عن معمر، عن عبد الله بن أبي بكر عن أبيه، قال: كان في كتاب النبي ◌َّ لعمرو بن حزم أن لا تمس القرآن إلا على ظُهر، ثم أخرجه بسنده عن الزهري عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن أبيه، عن جده، عن النبي وَلّ أنه كتب إلى أهل اليمن (١) انظر: ((شرح الزرقاني)) (٧/٢). (٢) ((السنن الكبرى)) (٨٧/١، ٨٨، ٣٠٩). ٢١٦ --- ----- ١٥ - كتاب القرآن (١) باب (٤٥٥) حدیث أَنَّ فِى الْكِتَابِ الَّذِي كَتَبَهُ رَسُولُ اللَّهِ فَلَّ لِعَمْرِو بْن حَزْم: «أَنْ لا يَمَسَّ الْقُرْآنَ إِلَا طَاهِرٌ)). بكتاب، فيه الفرائض والسنن والديات، وبعث به مع عمرو بن حزم، فذكر الحديث، وفيه: لا يمسُ القرآن إلا طاهر. وبسط الكلام على طرق الحديث الزيلعي في ((نصب الراية))(١). وقال: حديث الباب وهو قوله: لا يمسُّ القرآن إلا طاهرٌ، روي من حديث عمرو بن حزم، ومن حديث ابن عمر ومن حديث حكيم بن حزام، ومن حديث عثمان بن أبي العاص، ومن حديث ثوبان. ثم ذكر طرقهم. وكذا صحّح العلامة العيني راداً على ابن حزم أكثر طرقها، وتقدم ما قال ابن عبد البر: أنه أشبه المتواتر لتلقي الناس له بالقبول، وقال يعقوب بن سفيان: لا أعلم كتاباً أصح من هذا الكتاب، فإن أصحاب رسول الله وَ﴾، والتابعين يرجعون إليه، ويدعون رأيهم، وقال الحاكم: قد شهد عمر بن عبد العزيز والزهري لهذا الكتاب بالصحة، كذا في ((النيل)). (أن في الكتاب الذي كتبه رسول الله(وَال﴾). قال الباجي(٢): هذا أصل في كتابة العلم وتحصينه في الكتب، وفي صحة الرواية على وجه المناولة؛ لأنه وَلّ دفعه إليه وأمره بالعمل بما فيه. (لعمرو بن حزم) بن زيد بن لوذان الأنصاري، أول مشاهده الخندق، واستعمله النبي 18 سنة عشر على نجران، قيل: توفي في خلافة عمر، ويقال: بعد الخمسين، قال الحافظ: هو أشبه بالصواب، وقال الزرقاني: الأول وهم (ألا يمسّ القرآن) أحد (إلا) وهو (طاهر) أي متوضىء، وهذا كتاب طويل ذكره أصحاب الرواية والتاريخ في الأبواب المتفرقة. قال الزرقاني على ((المواهب)): وهذه نسخته: بسم الله الرحمن الرحيم (١) (١٤٧/١). (٢) ((المنتقى)) (٣٤٣/١). ٢١٧ ١٥ - كتاب القرآن (١) باب (٤٥٥) حديث قَالَ مَالِكٌ: وَلَا يَحْمِلُ أَحَدٌ الْمُصْحَفَ بِعِلَاقَتِهِ، وَلَا عَلَى وِسَادَةٍ، إِلَّا وَهُوَ طَاهِرٌ. من محمد النبي إلى شرحبيل بن عبد كلال والحارث بن عبد كلال ونعيم بن عبد كلال، قيل ذي رعين، ومعافير، وهمدان، أما بعد: فذكر الحديث بطوله، انتهى. هكذا في ((شرح المواهب)) ولم يذكر الحديث، نعم ذكره الحاكم في ((المستدرك)) مفصلاً، وفي ((صبح الأعشى)) بعد البسملة: هذا بيان من الله ورسوله، ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَوَقُواْ بِلْعُقُودِ﴾، عهد من محمد النبي رسول الله لعمرو بن حزم، حين بعثه إلى اليمن، أمره بتقوى الله في أمره كله، فإن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون، وأمره أن يأخذ بالحق كما أمره الله، وأن يبشر الناس بالخير، ويأمرهم به ويعلم الناس القرآن ويفقههم فيه، وينهى الناس، فلا يمسّ القرآن إنسان إلا وهو طاهر، ويخبر الناس بالذي لهم والذي عليهم ويلين للناس في الحق ويشتد عليهم في الظلم، فإن الله كره الظلم ونهى عنه، فقال: ﴿أَلَا لَعْنَهُ اللَّهِ عَلَى الَّلِمِينَ﴾، ويُبِشِّر الناس بالجنة وبعملها، وينذر الناس النار وعملها إلى آخر ما قاله. قال الحافظ: أخرجه أبو داود، والنسائي، وابن حبان، والدارمي، وغير واحد، قلت: وأبو داود في ((المراسيل)) والبيهقي، وفيه أمور كثيرة من الزكاة والدیات وغير ذلك. ----------- ---- -- (قال يحيى) الراوي: (قال) الإمام (مالك: ولا يحمل المصحف أحد بعلاقته) بكسر العين المهملة، حمالته التي يحمل بها، وفي ((المجمع)): خيط يربط به كيسه، (ولا على وسادة إلا وهو طاهر) قال الباجي(١): وبه قال الشافعي، وقال أبو حنيفة: لا بأس أن يحمله بعلاقته ويحمله على وسادة، انتھی . (١) (٣٤٣/١). ٢١٨ ١٥ - كتاب القرآن (١) باب (٤٥٥) حدیث وَلَوْ جَازَ ذُلِكَ لَحُمِلَ فِي خَبِيئَتِهِ. وَلَمْ يُكْرَهْ ذُلِكَ، لأَنْ يَكُونَ فِى يَدَي الَّذِي يَحْمِلُهُ شَيْءٌ يُدَنِّسُ بِهِ الْمُصْحَفَ. وَلَكِنْ إِنَّمَا كُرِهَ ذَلِكَ، لِمَنْ يَحْمِلُّهُ وَهُوَ غَيْرُ طَاهِرٍ، إِكْرَامَاً لِلْقُرْآنِ وَتَعْظِيمَاً لَهُ. وقال ابن قدامة في ((المغني)) (١): ويجوز حمله بعلاقته، وهذا قول أبي حنيفة، وروي ذلك عن الحسن، وعطاء، وطاوس، والشعبي، والقاسم، وأبي وائل، والحكم، وحماد، ومنع منه الأوزاعي ومالك والشافعي، انتهى. ثم بیّن المصنف وجهه. فقال: (قال مالك: ولو جاز ذلك) أي الحمل بالعلاقة (لحمل) أي لجاز حمله (في أخبيته) جمع خباء، وفي النسخ المصرية، والزرقاني: خبيئته، قال الزرقاني(٢): هو جلده الذي يخبأ فيه مع أنه لا يجوز. فالقياس عليه منعه بالعلاقة والوسادة إذ لا فارق بينهما (ولم يكره ذلك لأن) بكسر اللام وخفّة النون أي لأجل أن يعني ليست علة الكراهة أن (يكون في يد) بالإفراد، أو بالياء على التثنية نسختان (الذي يحمله شيء يدنس) الدنس: الوسخ (به المصحف) إذ لو كان كذلك لجاز، إذا كانا نظيفتين، لانتفاء المعلول بانتفاء العلة (ولكن إنما كره ذلك) كراهة تحريم على ما قاله الزرقاني (لمن يحمله) أي المصحف (وهو غير طاهر إكراماً للقرآن وتعظيماً له) فيستوي في ذلك من في یدیه دنس ومن لا . وفي ((المدونة))(٣): قال مالك: لا يحمل المصحف غير الطاهر الذي ليس على وضوء لا على وسادة ولا بعلاقة، ولا بأس أن يحمله في التابوت، والفرارة(٤)، والخرج ونحو ذلك من هو على وضوء، وكذلك اليهودي (١) ((المغني)) (٢٠٣/١). (٢) ((شرح الزرقاني)) (٢/ ٧). (٣) (١/ ١٠٧). (٤) هكذا في الأصل، والظاهر الغرارة، كما في ((المدونة)) و((الاستذكار)) (١١/٨) والغرارة الجوالق التي للتبن، كما في ((لسان العرب)). مادة (غرر). ٢١٩ ١٥ - كتاب القرآن (١) باب (٤٥٥) حديث قَالَ يَحْيَى: قَالَ مَالِكٌ: أَحْسَنُ مَا سَمِعْتُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ : .... والنصراني لا بأس أن يحملاه في التابوت والغرارة والخرج، قلت لابن القاسم: أتراه إنما أراد بهذا أن الذي يحمل المصحف على الوسادة، إنما أراد حملان المصحف، لا حملان ما سواه، والذي يحمله في التابوت ونحو ذلك، إنما أراد به حملان ما سوى المصحف؛ لأن ذلك مما يكون فيه المتاع مع المصحف قال: نعم، انتهى. وقال ابن قدامة(١): قال مالك: أحسن ما سمعت أنه لا يحمل المصحف بعلاقته ولا في غلافه إلا وهو طاهر، وليس ذلك لأنه يدنسه، ولكن تعظيماً للقرآن، واحتجوا بأنه مكلف محدث قاصد لحمل المصحف، فلم يجز كما لو حمله مع مسّه، ولنا إنه غير ماسِّ له، فلم يمنعه كما لو حمله في رحله، ولأن النهي إنما يتناول المس، والحمل ليس بمسّ، فلم يتناوله وقياسهم فاسد، فإن العلة في الأصل مسّه، وهو غير موجود في الفرع، والحمل لا أثر له، فلا يصح التعليل به. وعلى هذا لو حمله بعلاقته، أو بحائل بينه وبينه مما لا يتبعه في البيع جاز، لما ذكرنا وعندهم لا يجوز، ووجه المذهبين ما تقدم، انتهى. قلت: وأخرج ابن أبي شيبة في ((المصنف)) عن مغيرة قال: كان أبو وائل يرسل خادمه، وهي حائض، إلى أبي رزين، فتأتيه بالمصحف من عنده، فتمسك بعلاقته، وعن الحسن قال: لا بأس أن يتناول الرجل المصحف إذا كان في وٍعائه، أو في علاقته، وعن القاسم، يعني الأعرج، قال: رأيت سعيد بن جبير قرأ في المصحف، ثم ناول غلاماً له مجوسياً بعلاقته، وعن عطاء قال: لا بأس أن تأخذ الحائض بعلاقة المصحف، قلت: أثر أبي رزين أخرجه البخاري تعليقاً وصحّح إسناده الحافظان ابن حجر والعيني. (قال يحيى) الراوي: (قال) الإمام (مالك) - رضي الله عنه -: (أحسن ما سمعت) من المشايخ (في) تفسير (هذه الآية) التي في سورة الواقعة، وهي (١) ((المغني)) (٢٠٣/١). ٢٢٠ -- ----------- ---------- - ---