Indexed OCR Text

Pages 121-140

١٣ - كتاب الاستسقاء
(١) باب
١٣ - كتاب الاستسقاء
(١) باب العمل في الاستسقاء
(١) العمل في الاستسقاء
يعني كيف يعمل إذا احتيج إلى الاستسقاء، وههنا أيضاً عدة أبحاث:
الأول: في لغته. قال العيني (١): الاستسقاء هو طلب السقيا بالضم، وهو
المطر، وقال ابن الأثير: هو استفعال من طلب السقيا، أي إنزال الغيث على
البلاد والعباد، يقال: سقى الله عباده الغيث وأسقاهم، والاسم السقيا بالضم،
وفي ((المطالع)): سقى وأسقى بمعنى واحد، وقال آخرون: سقيته: ناولته
يشرب، وأسقيته: جعلت له سقياً يشرب منه. قال القاري(٢): هي في اللغة
طلب السقيا، وفي الشرع طلب السقيا للعباد عند حاجتهم إليها بسبب قلة
الأمطار أو عدم جري الأنهار، انتهى.
الثاني: في سببه، وتقدم عن القاري: سببه حاجة الناس بسبب قلة
الأمطار أو عدم جري الأنهار. قلت: ويكون ذلك لكثرة المعاصي غالباً، قال
يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُ مِّدْرَارًا (١)﴾(٣)
تعالى: ﴿فَقُلْتُ اُسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ إِنَّهُ, كَانَ غَفَّارًا
الآية. وإليه أشار البخاري في (صحيحه))(٤) إذ قال: ((باب انتقام الرب عز وجل
من خلقه بالقحط إذا انتهك محارمه))، انتهى. ولم يذكر فيه حديثاً ولا أثراً.
(١) ((عمدة القاري)) (١٤٥/٥).
(٢) ((مرقاة المفاتيح)) (٣٣١/٣).
(٣) سورة نوح: الآيتان ١٠، ١١.
(٤) انظر: ((فتح الباري)) (٥٠١/٢).
١٢١

١٣ - كتاب الاستسقاء
(١) باب
وفي ((كتاب الزهد)) لابن ماجه عن ابن عمر في حديث طويل: أن
النبي ◌َّ قال: ((لم ينقص قوم المكيال والميزان إلا أخذوا بالسنين وشدة
المؤنة وجور السلطان عليهم، ولم يمنعوا زكاة أموالهم إلا مُنِعوا القطر من
السماء، ولولا البهائم لم يُمْطروا))(١).
وعن بريدة عند الحاكم (٢): ((ما نقض قوم العهد إلا كان فيهم القتل، ولا
منع قوم الزكاة إلا حبس الله عنهم القطر)).
وأخرج البيهقي (٣) عن ابن بريدة عن أبيه مرفوعاً: ((ما نقض قوم العهد
قط إلا كان القتل بينهم، وما ظهرت فاحشة في قوم قط إلا سلط الله عز وجل
عليهم الموت، ولا منع قوم الزكاة إلا حبس الله عنهم القطر)). وأخرج أيضاً
عن ابن عباس مرفوعاً: ((ما نقض قوم العهد إلا سلط الله عليهم عدوهم، ولا
فشت الفاحشة في قوم إلا أخذهم الله بالموت، وما طفف قوم الميزان إلا
أخذهم الله بالسنين، وما منع قوم الزكاة إلا منعهم الله القطر من السماء،
وما جار قوم في حكم إلا كان البأس بينهم)) أظنه قال: ((والقتل))، انتهى.
وفي العيني(٤): لما استشفع عمر - رضي الله عنه - بالعباس فقال
العباس: ((اللَّهم لم ينزل بلاء إلا بذنب، ولم يكشف إلا بتوبة، وقد توجه بي
القوم إليك لمكاني من نبيك، وهذه أيدينا إليك بالذنوب، ونواصينا بالتوبة،
فاسقنا الغيث)) الحديث.
الثالث: في بدء شرعية صلاة الاستسقاء المعروفة، ذكر في ((الأنوار
(١) أخرجه ابن ماجه في كتاب الفتن في باب العقوبات (٣٣٢/١) رقم الحديث (٤٠١٩).
(٢) ((المستدرك)) (١٢٦/٢).
(٣) ((السنن الكبرى)) (٣٤٦/٣).
(٤) ((عمدة القاري)) (٢٥٤/٥).
١٢٢
---

١٣ - كتاب الاستسقاء
(١) باب
الساطعة)) عن ((حاشية البجيرمي)) (١): شرعت في رمضان سنة ست من الهجرة،
ويظهر أنها من خصائص هذه الأمة، انتهى. وفي هذه السنة من ((المجمع))
وفيها: ((صلى صلاة الاستسقاء فمطروا سبعة أيام حتى قال: حوالينا ولا علينا))،
انتهى .
وفي هذه السنة من ((التلقيح)) وفيها: خرج رسول الله وَّل يستسقي في
رمضان، وفيها مطر الناس (٢) فقال ◌َله: ((أصبح الناس بين مؤمن بالله، كافر
بالكواكب، ومؤمن بالكواكب، كافر بالله))، انتهى.
وفي الموطن السادس من ((الخميس)): وفي رمضان هذه السنة استسقى
رسول الله وَ ل18 لما أجدب الناس فمطروا، فقال ◌َلهجر: ((أصبح الناس مؤمناً بالله
وكافراً بالكواكب)»، قاله مغلطاي، واستسقى في موضع المصلى، وصلى صلاة
الاستسقاء .
روي أنه قُحِط الناس على عهد رسول الله مَ ليم فأتاه المسلمون، قالوا:
يا رسول الله قحط المطر ويبس الشجر، وهلكت المواشي، فخرج رسول الله ولار
والناس معه يمشون بالسكينة والوقار، حتى أتوا المصلى، فتقدم وصلى، فما
برحوا حتى أقبل قزع من السحاب، ثم أمطرت سبعة أيام، لا تُقْلِعُ عن
المدينة، فأتاه المسلمون، وقالوا: يا رسول الله قد غرقت الأرض، وتهدَّمت
البيوت، وانقطعت السبل، فضحك رسول الله وَّ وهو على المنبر، ثم قال:
((حوالينا ولا علينا)) فتصدَّعَتْ عن المدينة، انتهى.
قلت: لكن الظاهر من روايات الحديث أن القصة وقعت في الجمعتين
من السنة الأخرى غير سنة الحديبية وهي التاسعة، كما فصلته في هامش
(١) (٢٣٤/١).
(٢) كان في السفر في الحديبية، فليتدبر. اهـ. ش.
١٢٣

١٣ - كتاب الاستسقاء
(١) باب
((اللامع))، فالأوجه عندي في بدء شرعيتها كان في السنة السادسة في المدينة
المنورة، وقصة الحديبية كانت بعد ذلك في هذه السنة. وأما قصة الجمعتين
فكانت في السنة التاسعة في مرجعه عن تبوك، كما بسط في هامش ((اللامع)) (١).
الرابع: في حكمها، فهي جائزة عند الإمام أبي حنيفة وسنة عند صاحبيه،
وسنة مؤكدة ولو لمسافر عند الإمام الشافعي، كما في ((شرح الإقناع»، وسنة
مؤكدة عينية في حق الرجل البالغ ولو عبداً، ومندوبةٌ في حق الصبي المأمور
بالصلاة والمرأة المتجالة، وهي المُسِنَّة عند المالكية، كما في ((الأنوار))(٢) وسنة
مؤكدة حتى سفراً عند الحنابلة، كما في ((نيل المآرب)).
قال النووي: أجمع العلماء على أن الاستسقاء سنَّة، واختلفوا هل تسن
له صلاة أم لا؟ فقال أبو حنيفة: لا تسن له الصلاة، وقال سائر العلماء: تسن
الصلاة .
الخامس: في وقتها، وهو من ارتفاع الشمس إلى الزوال عند المالكية
والحنابلة كما في ((فروعهم))، ويجوز فعلها متى شاء ولو في وقت الكراهة على
الأصح عند الشافعية، لأنها ذات سبب وهو الحاجة، كذا في ((حاشية شرح
الإقناع))، وقال: حكى ابن المنذر الخلاف في وقتها، والراجح أنه لا وقت
لها، وهل تصح بالليل؟ استنبط بعضهم من فعله وَل﴾ أنها نهارية كالعيد، ونقل
ابن قدامة الإجماع على أنها لا تُصَلَّى في وقت الكراهة، انتهى.
وأشكل على الذين قالوا بأن وقتها كالعيد استسقاؤه عليه السلام في خطبة
الجمعة، وهي بعد الزوال، وأجاب عنه الباجي(٣): بأن المراد الاستسقاء الذي
(١) ((لامع الدراري)) (١٩٠/٤).
(٢) (ص٥٩١).
(٣) انظر: ((المنتقى)) (٣٣٣/١).
١٢٤
-----

١٣ - كتاب الاستسقاء
(١) باب
يكون معهوداً بالصلاة، وأما بمجرد الدعاء فلا وقت له، وفي ((شرح الإحياء)):
قال في ((الروضة)): قطع الشيخ أبو علي وصاحب ((المهذب)) (١) بأن وقتها وقت
صلاة العيد.
واستغرب إمام الحرمين هذا، وذكر الروياني وآخرون: أن وقتها يبقى بعد
الزوال ما لم تصل العصر، وصرح ((صاحب التتمة)) بأنها لا تختص بوقت، قال
((شارح الإحياء)): وبما قطع الشيخ أبو علي وصاحب ((التهذيب)) هو مذهب
الحنفية والمالكية والحنابلة، فقالوا: إن وقت صلاتها وقت العيد، والذي صرح
به ابن الصلاح والماوردي أن وقتها المختار عند الشافعي وقت صلاة العيد،
انتھی .
وقال ابن رشد في ((البداية)) (٢): جماعات العلماء على أن الخروج لها
وقت الخروج إلى صلاة العيدين، إلا أبا بكر بن محمد بن حزم فإنه قال:
الخروج إليها عند الزوال، وروى أبو داود عن عائشة: أن رسول الله وَل خرج
إلى الاستسقاء حين بدا حاجب الشمس، انتهى.
قلت: والحاصل: أن أصحاب الإمام الشافعي - رضي الله عنه - اختلفوا
في ذلك جداً كما بسطها أهل الفروع والشروح، ولا خلاف عند المالكية
والحنابلة في أن وقتها كوقت العيد ولم أر التصريح بذلك في فروع الحنفية
بعد، وتقدم عن ((شرح الإحياء)): أن مذهب الحنفية مثل المالكية والحنابلة،
وهكذا يظهر من كلام العيني في ((شرح البخاري)) إذ ذكر خلاف الشافعية فقط،
ولم يذكر خلاف الحنفية.
وقال القسطلاني في ((شرح البخاري))(٣) بعد ذكر حديث أبي داود عن
(١) ((المهذب)) (١٢٣/١).
(٢) ((بداية المجتهد)) (٢١٤/١).
(٣) (٢٩/٣).
١٢٥

١٣ - كتاب الاستسقاء
(١) باب
عائشة: ((فخرج حين بدا حاجب الشمس)): بهذا أخذ الحنفية والمالكية والحنابلة
فقالوا: إن وقت صلاتها وقت العيد، والراجح عند الشافعية أنه لا وقت لها .
وقال العيني في (شرح الهداية)): ثم الاستسقاء لا يختص بوقت صلاة
العيدين ولا بغيره ولا بيوم، وفي ((تهذيب زوائد الروضة)): قيل: يختص بوقت
صلاة العيد، والصحيح أنه لا يختص، وفي ((المدونة)): يصلي ركعتين ضحوة
فقط، انتهى. وظاهر كلامه أن مذهب الحنفية التعميم.
السادس: في مختار الأئمة في كيفيتها، وسنح لي أن أجمل أولاً مسالك
الأئمة في ذلك عن فروعهم كصنيعنا في خسوف القمر تسهيلاً للناظرين.
أما عند الحنفية - فقال الإمام أبو حنيفة (١): هي دعاء واستغفار لقوله
تعالى: ﴿أُسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ﴾ الآية، فيدعو الإمام قائماً مستقبل القبلة رافعاً يديه
والناس قعود مستقبليها، يُؤَمِّنون على دعائه، والصلاة مع الجماعة جائزة ليست
بمسنونة، وقال محمد: يصلي الإمام ركعتين وهما سنة، والأصح أن أبا يوسف
معه، فيصلي ركعتين يجهر فيهما بالقراءة على الأشهر، وفي رواية لمحمد:
يكبر للزوائد کالعيد، والمشهور عنه خلافه.
ثم يخطب بعد ذلك عندهما قائماً على الأرض لا المنبر، ولا خطبة عند
الإمام، بل يصلي فيدعو، والخطبة عند أبي يوسف واحدة، وعند محمد ثنتان،
يبدأ هذه الخطبة بالتحميد، وبعد الخطبة يتوجه إلى القبلة ويشتغل بالدعاء رافعاً
يديه، ويقلب الرداء عند محمد لا عند الإمام، واختلفت الرواية عن
أبي يوسف.
واختلفوا في وقت التحويل فقيل: إذا مضى صدر من خطبته، وقيل: في
(١) انظر: ((بدائع الصنائع)) (٦٣١/١)، و(شرح معاني الآثار)) (٣٢٣/١)، و((فتح القدير))
(٥٧/٢).
---
١٢٦

١٣ - كتاب الاستسقاء
(١) باب
الثانية، وقيل: بعدهما إذا استقبل القبلة، ولا يقلب القوم أرديتهم، وكيفية
التحويل إن كان مربعاً جعل أعلاه أسفل، أو مدوّراً جعل الأيمن على الأيسر
أو العكس، أو قباء فيجعل باطنه خارجاً. ((مأخوذ مما ألفته في الاستسقاء)).
أما عند الشافعية(١): فلها ثلاث مراتب، أدناها الدعاء مطلقاً فرادى
ومجتمعين، وأوسطها الدعاء خلف الصلوات وخطبة الجمعة، وأعلاها يصلي
بهم ركعتين كالعيد، مع تكبير الزوائد وجهر القراءة، ويخطب بعدها خطبتين
يفتتح الأولى بالاستغفار تسعاً، والثانية سبعاً، ويجزىء الخطبتان قبلهما لرواية
أبي داود، ولا يجزىء خطبة واحدة، ويدعو في الخطبة الأولى بدعاء
الاستسقاء المأثور، وإذا مضى الثلث من الخطبة الثانية يتوجه إلى القبلة ويحول
رداءه عند استقباله القبلة، ويدعو، وبعد الدعاء يستقبل الناس ويكمل الخطبة،
ويحول الذكور من الناس أرديتهم، ويُنَكِّسُونَ، لا الخنائى والنساء.
وكيفية التحويل أن يجعل يمينه على أيسره وعكسه، والتنكيس أن يجعل
أسفله أعلاه، ويحصلان معاً بجعل الطرف الأسفل من الشق الأيمن على عاتقه
الأيسر، هذا في الرداء المربع، أما المدور والمثلث فليس فيه إلا التحويل،
كذا في ((الأنوار)) و ((شرح الإقناع)) و((شرح المنهاج)).
وقال الحافظ في ((الفتح))(٢): قد استحب الشافعي في الجديد فعل ما هَمَّ
به النبي ◌ّلة من تنكيس الرداء مع التحويل الموصوف، وزعم القرطبي كغيره أن
الشافعي اختار في الجديد تنكيس الرداء لا تحويله، والذي في ((الأم)) ما ذكرته،
والجمهور على استحباب التحويل فقط، ولا ريب أن الذي استحبه الشافعي
أحوط، انتهى .
(١) انظر ((الأم)) (٢٤٦/١)، و((الروضة)) (٢٠٥/٢)، و((المجموع)) (٦٧/٥ - ٦٨).
(٢) ((فتح الباري)) (٤٩٨/٢).
١٢٧

١٣ - كتاب الاستسقاء
(١) باب
وحكى الخطابي عن الشافعي أن يجعل أعلاه أسفله، ويتوخّى أن يجعل
ما على شقه الأيمن على الشمال والعكس، قاله العيني(١). قلت: وهذا ما رَدَّه
الحافظ كما تقدم.
أما عند المالكية: فيصلي الإمام ركعتين جهراً بالقراءة بلا تكبير، ويخطب
بعدها على الأرض لا المنبر خطبتين، يفتتحهما بالاستغفار بدل التكبير،
ويستقبل القبلة بعدهما، ويبالغ في الدعاء مستقبلاً القبلة.
قال الباجي(٢): اختلف قول مالك في استقبال القبلة متى يكون، فروى
عنه ابن القاسم أنه يفعل ذلك إذا فرغ من الخطبة، وقال عنه علي بن زياد:
يفعل ذلك في أثناء خطبته، يستقبل القبلة ويدعو ما شاء ثم ينصرف فيستقبل
الناس، ويتم خطبته، وجه الأول أنه خطبة مشروعة، فلا يسن قطعها بذكر
كخطبتي العيد، ووجه الثاني أن السنة فيها خطبتان لا زيادة عليهما، فإذا أتى
بالدعاء مفرداً كان ذلك كالخطبة الثالثة، انتهى.
ويحوّل رداءه، قال الأبي(٣): اختلف في محله، ففي ((المدونة)): إذا فرغ
الإمام من خطبته، وأراد أن يدعو استقبل القبلة وحوّل رداءه ودعا، وعن مالك
أيضاً يُحَوِّل إذا أشرف على الفراغ، وعنه بين الخطبتين، فالتحويل على الأول
بعد الاستقبال، وعلى الثاني والثالث قبله. وفي ((الشرح الكبير)): المذهب أنه
قبل الدعاء وبعد الاستقبال، فبعد فراغه من الخطبة يستقبل فيحول فيدعو،
ويحول الذكور أرديتهم دون النساء.
وكيفية التحويل: أن يبدأ باليمين فيأخذ ما على عاتقه الأيسر من خلفه
(١) ((عمدة القاري)) (٢٤/٧/٤).
(٢) ((المنتقى)) (٣٣٢/١).
(٣) ((إكمال إكمال المعلم)) (٤٣/٣).
١٢٨

١٣ - كتاب الاستسقاء
(١) باب
يجعله على عاتقه الأيمن، ويأخذ بيسراه ما على عاتقه الأيمن يجعله على
الأيسر ولا ينكسه، مأخوذ من ((الأنوار)) و ((الشرح الكبير)) و ((المدونة)).
وحكى الحافظ في ((الفتح)) عن بعض المالكية: أنه لا يستحب شيء من
ذلك، أي التحويل والتنكيس، قال الزرقاني: وكان الإمام مالك يقول أولاً
بتقديم الخطبة على الصلاة، ثم رجع عنه إلى ما في ((الموطأ))، انتهى.
وقال الباجي: الاستسقاء على ضربين؛ يبرز له ويجتمع بسببه، وهو الذي
سنت فيه الصلاة والخطبة، وقد تقدم ذكره، وضرب لا يبرز ولا يجتمع بسببه،
وإنما يكون الاجتماع كما فعل النبي وَلّ، لمجيء الرجل في حديث أنس يوم
الجمعة، انتهى.
أما عند الحنابلة(١): فهي كالعيد وقتاً وصفةً، فيصلي بهم ركعتين جهراً
مع تكبير الزوائد، ويخطب بعدها خطبة واحدة على الأصح على المنبر يفتتحها
بالتكبير تسع مرات، ويكثر فيها الاستغفار وقراءة آيات فيها الأمر بالاستغفار،
ويدعو رافعاً يديه ظهورهما إلى السماء بدعواته وّر، ويؤمن القوم، ثم يستقبل
القبلة في أثناء الخطبة فيدعو سراً، ثم يحول رداءه، فيجعل الأيمن على
الأيسر، ويحول الناس أرديتهم، كذا في ((الأنوار)) و ((نيل المآرب)).
وحكى العيني عن الخطابي أن القول بتكبير الزوائد رواية لأحمد،
والمشهور عنه أنه يكبر فيها واحدة تكبير الافتتاح، وهو قول مالك والثوري
والأوزاعي وإسحاق وأبي ثور وأبي يوسف ومحمد، وقال داود: إن شاء كبر
كما يكبر في العيد، وإن شاء كبر للاستفتاح فقط، انتهى. وفي ((شرح الإحياء))
عن الإمام أحمد: أنه لا خطبة، وإنما يدعو ويكثر الاستغفار.
السابع: إذا لم يمطروا بعد الصلاة أيضاً، فهل تكرَّرُ الصلاة؟ أو أمطروا
(١) ((الاستذكار (١٣٦/٧).
١٢٩

١٣ - كتاب الاستسقاء
(١) باب
قبل الصلاة فهل ينبغي لهم الصلاة؟ أما عند الحنفية ففي ((الطحطاوي على
المراقي)) وغيره: ويستحب الخروج للاستسقاء ثلاثة أيام للاتباع، ولأنه أقرب
إلى التواضع وأوسع للجمع، وإذا سقوا قبل الخروج، وقد كانوا تهيئوا له ندب
أن يخرجوا شكراً لله تعالى، ويستزيدون من فضله ورحمته، ولا يخرجون أكثر
من ثلاث لأنه لم ينقل، انتهى.
وأما عند المالكية، ففي ((الشرح الكبير)): كرر الاستسقاء استناناً في أيام
لا في يوم إن تأخر المطلوب بأن يحصل، أو حصل دون الكفاية، انتهى.
وقال الأبي في ((شرح مسلم)) (١): قال أصبغ: استُسْقِي لِنِيْلِ مصر خمسة
وعشرين يوماً متوالية، وحضرها ابن القاسم وابن وهب ورجال صالحون،
وصلاتها عند الخطبة إنما هو ما لم يؤدِّ إلى أمرٍ أشدّ، فإنه احتيج إلى
الاستسقاء بتونس مراراً، وإمام جامعها الشيخ، ولم يصلها بالناس، وقال:
خفت إن صليتها أن يشتدَّ أمر الطعام، ويقوى الهرج والغلاء، انتهى.
ولم أر في فروعهم الخروج لو استسقوا قبل الصلاة، وأما عند الشافعية
ففي ((شرح الإقناع)) و((حاشيته)): تكرر الصلاة مع الخطبتين حتى يسقوا، يعني
ثانياً وثالثاً، وأكثر، فإن الله تعالى يحب الملحِّين في الدعاء، والمرة الأولى
آكد في الاستحباب، فإن سقوا قبلها اجتمعوا لشكر ودعاء، وصلوا وخطب بهم
الإمام شكراً للَّه تعالى وطلباً للمزيد، انتهى.
--
وأما عند الحنابلة، ففي ((نيل المآرب))(٢): فإن سقوا في أول مرة فذاك
فضل من الله ونعمة، وإن لم يسقوا أولاً عادوا ثانياً فثالثاً، وإن سقوا قبل
الخروج، فإن تأهبوا للخروج خرجوا وصلوا صلاة الاستسقاء شكراً للَّه، وإن
(١) (٤٣/٣).
(٢) انظر ((الأنوار الساطعة)) (ص٨، ٩).
١٣٠
-

١٣ - كتاب الاستسقاء
(١) باب
(٤٣٤) حديث
١/٤٣٤ - حَدَّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْن أَبي
بَكْرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْم؛ أَنَّهُ سَمِعَ عَبَّادَ بْنَ تَمِيم يَقُولُ: سَمِعْتُ
عَبْدَ اللَّهِ بْنَ زَيْدِ الْمَازِنِيَّ يَقُولُ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ لَ إِلَى الْمُصَلَّى،
لم يكونوا تأهبوا للخروج لم يخرجوا، وشكروا الله تعالى وسألوه المزيد من
فضله، انتهى .
١/٤٣٤ - (مالك عن عبد الله) بن محمد (بن أبي بكر) بن عمرو بفتح
العين (ابن حزم) المدني (أنه سمع عباد) بفتح المهملة وشد الموحدة (ابن تميم)
الأنصاري المازني المدني (يقول: سمعت) عمِّي (عبد الله بن زيد) بن عاصم
المدني (المازني) لا عبد الله بن زيد بن عبد ربه صاحب الأذان، كما زعم
ابن عيينة، وقد وَهَّمَه البخاري في (صحيحه)) (يقول: خرج رسول اللهِ وَّ) في
شهر رمضان سنة ست من الهجرة كما أفاده ابن حبان، قاله الحافظ في ((الفتح))
(إلى المصلى).
قال الحافظ(١): وحكى ابن عبد البر الإجماع على استحباب الخروج
إلى الاستسقاء والبروز إلى ظاهر المصر، لكن حكى القرطبي عن أبي حنيفة
أيضاً: أنه لا يستحب الخروج، وكأنه اشتبه عليه بقوله في الصلاة،
انتھی .
قلت: وهو كذلك، فإن فروع الحنفية مصرحة باستحباب الخروج إلى
الصحراء على اختلافهم في الصلاة، نعم استثنوا منه مسجد مكة وبيت
المقدس، كما في ((الشامي))، وفي ((شرح الإقناع)): يخرج بهم الإمام أو نائبه
إلى الصحراء تأسياً به وَلّ، وظاهر كلامهم لا فرق بين مكة وغيرها، وإن
استثنى بعضهم مكة وبيت المقدس، انتهى.
وفي ((الشرح الكبير)) للمالكية: خرجوا ندباً إلى المصلى، واستثنى في
(١) ((فتح الباري)) (٢/ ٤٩٢).
١٣١

١٣ - كتاب الاستسقاء
(١) باب
(٤٣٤) حديث
فَاسْتَسْقَى،
(الأنوار)) من بمكة، وكذا يستحب الخروج عند الحنابلة كما هو ظاهر سياق
فروعهم، ولم أر تخصيص مكة وغيرها. (فاستسقى) زاد في رواية للبخاري:
((فصلى ركعتين)) وتقدم مسالك الأئمة في ذلك.
قال العيني (١): احتج به أبو حنيفة على أن الاستسقاء دعاء وليس فيه
صلاة مسنونة، فإن الحديث لم يذكر فيه الصلاة، وقال النووي: لم يقل به غير
أبي حنيفة، وهذا ليس بصحيح، فإن ابن أبي شيبة روى بسنده عن إبراهيم
النخعي أنه خرج مع المغيرة بن عبد الله الثقفي يستسقي، قال: فصلى المغيرة،
فرجع إبراهيم حيث رآه يصلي، وروى أيضاً عن عمر بن الخطاب أنه استسقى،
فما زاد على الاستغفار، انتهى.
قلت: العجب من النووي يقوله مع أنه أحد الوجوه الثلاثة عن الشافعية
كما تقدم في المسالك، ثم ما استدل به العلامة العيني لقول الإمام مشكل لما
قد ورد في بعض طرق حديث الباب ذكر الصلاة، نعم يصح الاستدلال له بما
قاله السرخسي في ((مبسوطه)).
ولأبي حنيفة قوله تعالى: ﴿ اَسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا﴾(٢) الآية، فإنما
أمرنا بالاستغفار في الاستسقاء، بدليل قوله تعالى: ﴿يُرْسِلِ السَّمَآءَ عَلَيْكُمْ
مِّدْرَارًا ﴾﴾(٣). وفي حديث أنس - رضي الله عنه - أن الأعرابي لما سأل
رسول الله ◌َو أن يستسقي وهو على المنبر رفع يديه يدعو فما ينزل على المنبر
حتى نشأت سحابة فمطرنا إلى الجمعة القابلة، الحديث، وأن عمر خرج
للاستسقاء فما زاد على الدعاء، فلما قيل له في ذلك؟ قال: لقد استسقيت لكم
(١) ((عمدة القاري)) (٢٥/٧/٤).
(٢) سورة نوح: الآية ١٠.
(٣) سورة نوح: الآية ١١.
١٣٢
---

١٣ - كتاب الاستسقاء
(١) باب
(٤٣٤) حديث
بمجاديح (١) السماء، الحديث، وروي: أنه خرج بالعباس، فأجلسه على المنبر،
ووقف بجنبه يدعو ويقول: اللَّهم إنا نتوسَّل إليك بعمّ نبيك، ودعا بدعاء طويل
فما نزل على المنبر حتى سقوا، فدل أن في الاستسقاء الدعاء، انتهى.
قال العيني(٢): عَلَّق في الآية نزول الغيث بالاستغفار في الآية لا
بالصلاة، فكان الأصل فيه الدعاء والتضرع دون الصلاة، ويشهد لذلك
أحاديث، منها: حديث عبد الله بن زيد عند البخاري، وحديث أنس عنده
أيضاً(٣): ((أن رجلاً دخل المسجد يوم الجمعة))، وحديث كعب بن مرة عند
ابن ماجه، قال: ((جاء رجل إلى النبي وَل﴾، فقال: يا رسول الله استسق الله،
فرفع رسول الله مَّ، فقال: اسقنا غيثاً مغيناً))، الحديث.
قلت: أخرجه الحاكم بالشك عن كعب بن مرة، أو مرة بن كعب، وقال:
صحيح على شرطهما، وبهذا أخرجه عن شعبة بإسناده عن مرة، ولم يشك فيه،
ومرة بن كعب صحابي مشهور، وحديث جابر عند أبي داود قال: ((أتت
النبيِ وَّل بواكٍ، فقال: اللَّهم اسقنا غيثاً مغيثاً»، الحديث.
قلت: أخرجه الحاكم وقال: صحيح على شرطهما، وحديث أبي أمامة
عند الطبراني قال: ((قام رسول الله ◌َ﴾له في المسجد ضحىً، فكبر ثلاثاً، ثم
قال: اللَّهم اسقنا، ثلاثاً))، الحديث، وحديث عبد الله بن جراد عند البيهقي:
أن النبي وقّ كان إذا استسقى قال: ((اللَّهم غيثاً))، الحديث، وحديث عبد الله بن
عمرو عند أبي داود: ((أن رسول الله * كان إذا استسقى قال: اللَّهم اسق
(١) (مجاديح السماء) المجاديح: واحدها مجدحٌ وهو: نجم من النجوم كانت العرب تزعم
أنه يُمطر كقولهم في الأنواء، والمراد به: جعل الاستغفار استسقاء، ((غريب الحديث))
(٣٦٠/٣).
(٢) انظر: ((عمدة القاري)) (٣٥/٧/٤).
(٣) رقم الحديث (١٠١٤).
١٣٣

١٣ - كتاب الاستسقاء
(١) باب
(٤٣٤) حديث
عبادك)) الحديث، وحديث عمير مولى آبي اللحم عند أبي داود والترمذي
والحاكم، وصححه: ((أنه رأى النبي (وَ لّ يستسقي عند أحجار الزيت))، وحديث
أبي الدرداء عند البزار والطبراني قال: ((قحط المطر على عهد رسول الله وليه
فسألنا النبي (وَّ يستسقي لنا فاستسقى لنا))، الحديث.
وحديث أبي لبابة عند الطبراني في ((الصغير)) قال: ((استسقى
رسول الله ◌َ، فقال أبو لبابة: إن التمر في المرابد يا رسول الله وَله، فقال:
اللَّهم اسقنا حتى يقوم أبو لبابة عرياناً، ويَسُدُّ مثقب مربده بإزاره، وما نرى في
السماء سحاباً، فأمطرت، فاجتمعوا إلى أبي لبابة فقالوا: إنها لن تُقْلِعَ حتى
تقوم عرياناً، وتسدّ مثقب مربدك بإزارك، ففعل فأصحت)).
وحديث ابن عباس عند أبي عوانة، قال: ((جاء أعرابي إلى النبي وَل
فقال: يا رسول الله وَّ﴿ لقد جئتك من عند قوم ما يتزوَّدُ لهم راع، ولا يَخْطِرُ
لَهُم فَحْلٌ، فصعد المنبر فحمد الله ثم قال: اللَّهمَّ اسقنا»، الحديث. قلت:
وأخرجه ابن ماجه، قال الشوكاني: رجاله ثقات، وسكت عنه الحافظ في
((التلخيص))(١) .
وحديث سعد بن أبي وقاص عند أبي عوانة: ((أن رسول الله وَل* نزل
وادياً لا ماء فيه، وسبقه المشركون إلى الماء، فقال بعض المنافقين: لو كان
نبياً لاستسقى لقومه، فبلغ ذلك النبي (ّر فبسط يديه))، الحديث. وفيه: فما رد
يديه حتى أظلتنا السحاب. وحديث عامر بن خارجة عن جده عند أبي عوانة
أيضاً: ((أن قوماً شكوا إلى النبي وَلّ قحط المطر، فقال: احثوا على الركب،
ثم قولوا: يا رب يا رب، قال: ففعلوا فسقوا حتى أحبُّوا أن يكشف عنهم))،
وحديث الشفاء عند الطبراني في ((الكبير)): ((أن النبي ◌َّ استسقى يوم الجمعة
(١) ((تلخيص الحبير)) (٩٥/٢).
١٣٤
---
---

١٣ - كتاب الاستسقاء
(١) باب
(٤٣٤) حدیث
في المسجد ورفع يديه))، الحديث، وخالد بن إلياس ضعيف. ومن حديث
الواقدي عن مشايخه قال: قدم وفد بني مرة بن قيس، ورسول الله صل في
المسجد، فشكوا إليه السَّنَة، فقال رسول الله وَ لقول: ((اللهم اسقهم الغيث))،
وقال الواقدي: لما قدم وفد سلامان سنة عشر فشكوا إليه الجدب، فقال
رسول الله وَلر بيديه: ((اللَّهم اسقهم الغيث في دارهم)) الحديث.
وفي ((دلائل النبوة)) للبيهقي، عن أبي وجرة: أتى وفد فزارة بعد تبوك
فشكوا إليه السَّنَة، فصعد المنبر، ورفع يديه، قال: ((فوالله ما رأوا الشمس
سبتاً)). وفي ((سنن سعيد بن منصور)) بسندٍ جيدٍ إلى الشعبي، قال: خرج عمر
- رضي الله عنه - يستسقي فلم يزد على الاستغفار، وفي ((مراسيل أبي داود))
عن عطاء بن يسار: أن رجلاً من نجد أتى رسول الله وهل فقال: يا رسول الله
أجدبنا وهلكنا فادع الله، فدعا رسول الله وَّل، الحديث. فهذه الأحاديث
والآثار كلها تشهد لأبي حنيفة أن الاستسقاء استغفار ودعاء، انتهى بتغير.
وقال ابن القيم (١): ثبت أنه وُّل* استسقى على وجوه: أحدها: يوم
الجمعة على المنبر. الثاني: وعد الناس يوماً يخرجون فيه إلى المصلى، فخرج
لما طلعت الشمس متواضعاً متضرعاً، فلما وافى المصلى صعد المنبر، إن صح
وإلا ففي القلب منه شيء، فحمد الله وأثنى عليه، ثم ذكر الخطبة، وقال في
آخره: ثم حَوَّل إلى الناس ظهره، واستقبل القبلة وحوَّل إذ ذاك رداءه وهو
مستقبل القبلة، وأخذ في الدعاء، ثم نزل، فصلَّى ركعتين كالعيد.
الثالث: أنه استسقى على منبر المدينة استسقاء مجرداً في غير يوم جمعة
ولم يحفظ عنه ◌ّ في هذا الاستسقاء صلاة. الرابع: أنه استسقى وهو جالس
في المسجد فرفع يديه ودعا .
(١) ((زاد المعاد)) (٤٥٦/١).
١٣٥

١٣ - كتاب الاستسقاء
(١) باب
(٤٣٤) حديث
الخامس: أنه استسقى عند أحجار الزيت. السادس: أنه استسقى في
بعض غزواته لما سبقه المشركون إلى الماء، وقال بعض المنافقين: لو كان نبياً
استسقى، فبسط يديه ودعا، فما رد يديه حتى أظلَّتْهم السحاب وأغِيْثَ وَّ في
كل مرة استسقى فيها، واستسقى مرة فقام إليه أبو لبابة، فقال: إن التمر في
المرابد، الحديث، انتهى.
فعلم بذلك أنه ◌َّ استسقى مرات كثيرة، ولم تنقل الصلاة فيها إلا مرة
واحدة، وهذا هو المراد بقول صاحب ((الهداية)): لم تنقل الصلاة أي في غالب
أحواله، فما نقل من الصلاة مرة واحدة لا بد أن يحمل على بيان الجواز،
وأخرج ((الحاكم)) عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: سمعت رسول الله وَل
يقول: ((خرج نبي من الأنبياء يستسقي، فإذا هو بنملة رافعة بعض قوائمها إلى
السماء، فقال: ارجعوا فقد استجيب لكم من أجل شأن النملة)) وقال: هذا
صحيح الإسناد.
وأجابوا عما ورد من الصلاة فيه، بما في ((الفتح)) عن ((الكافي)) الذي هو
جمع كلام محمد: لا صلاة فيه، إنما فيه الدعاء. بلغنا عن النبي ◌َّ أنه
خرج ودعا. وبلغنا عن عمر - رضي الله عنه - أنه صعد المنبر، فدعا
واستسقى، ولم يبلغنا عن النبي ◌َّ في ذلك صلاة إلا حديث واحد شاذٌّ لا
يؤخذ به، انتهى.
-. -
وقال السرخسي: والأثر الذي روي أنه ونَ﴿ صلّى شاذٌّ فيما تعم به
البلوى، وما يحتاج الخاص والعام إلى معرفته لا يقبل فيه شاذّ، وهذا مما تعم
به البلوی في ديارهم، انتهى.
وقال العيني(١): وأجيب عن الأحاديث التي فيها الصلاة، أنه وَّ فعلها
(١) ((عمدة القاري)) (٢٥/٧/٤).
١٣٦
----

١٣ - كتاب الاستسقاء
(١) باب
(٤٣٤) حديث
وَحَوَّلَ رِدَاءَهُ
مرة، وتركها أخرى، وذا لا يدل على السُّنّة، وإنما يدل على الجواز، انتهى.
وفي ((المحيط البرهاني)): روي عن أبي حنيفة وأبي يوسف - رحمهما الله -
أنهما قالا: لم يبلغنا في ذلك إلا حديث واحد شاذَّ لا يؤخذ به، واختلفت
النقلة والرواة، أنه بأي معنى سُمِّي شاذاً، منهم من قال: إنما سُمِّي شاذاً لأن
عمر - رضي الله عنه - لم يصلِّ في الاستسقاء، وعلي - رضي الله عنه - كذلك،
ولو كانت هذه سُنَّةً مشهورةً، لما خَفِيَتْ عليهما ولا خير في سنة خَفِيَتْ على
عمر - رضي الله عنه - وعلي - رضي الله عنه -.
ومنهم من قال: سمي شاذاً، لأنه ورد ونُقِل في بليّة عامة، والواحد إذا
روى حديثاً في بليّة عامة عُدَّ ذلك شاذاً، ويُستنكر منه، انتهى.
وحكى القاري(١) عن ابن الهمام وجه الشذوذ أن فعله ◌َّل﴾. لو كان ثابتاً
لاشتهر نقلُه اشتهاراً واسعاً، ولفعله عمر حين استسقى، ولأنكروا عليه إذا لم
يفعل، لأنها كانت بحضرة جميع الصحابة لتوفر الكل في الخروج معه
عليه الصلاة والسلام للاستسقاء، فلما لم يفعل ولم ينكروا ولم تشتهر روايتها
في الصدر الأول، بل هو عن ابن عباس وعبد الله بن زيد على اضطراب في
كيفيتها عن ابن عباس وأنس، كان ذلك شذوذاً فيما حضره الخاص والعام
والصغير والكبير. واعلم أن الشذوذ يراد باعتبار الطرق إليهم إذ لو تيقنًا عن
الصحابة المذكورين رفعه لم يبق إشكال.
(وحَوَّل رداءه) وكان طوله ستة أذرع في عرض ثلاثة، وطول إزاره
أربعة أذرع وشبرين في ذراعين وشبر، كان يلبسهما في الجمعة والعيدين. ذكره
الواقدي، والحديث حجة، لمن قال: باستحباب التحويل، وتقدم مسالك
الأئمة في ذلك مبسوطاً، ومن أنكر سُنِّيته، قال: إنما التحويل لم يكن من سنة
الصلاة، بل كان للتفاؤل أو غيره.
(١) ((مرقاة المفاتيح)) (٣٣٢/٣).
١٣٧

١٣ - كتاب الاستسقاء
(١) باب
(٤٣٤) حديث
قال الحافظ(١): واختلف في حكمة هذا التحويل، فجزم المهلب بأنه
للتفاؤل بتحويل الحال عما عليه. وتعقبه ابن العربي: بأن من شرط التفاؤل أن
لا يقصد إليه، قال: وإنما التحويل أمارة بينه وبين ربه، قيل له: حول رداءك
ليتحول حالك.
وتُعُقِّب: بأن الذي جزم به يحتاج إلى نقل، والذي ردّه ورد فيه حديث
رجاله ثقات. أخرجه الحاكم، والدارقطني عن جابر ورجح الدارقطني إرساله،
وعلى كل حال فهو أولى من القول بالظن.
وقال بعضهم: إنما حوَّل ليكون أثبت على عاتقه عند رفع يديه في
الدعاء، فلا يكون سنة في كل حال. وأجيب: بأن التحويل من جهة إلى جهة
لا يقتضي الثبوت على العاتق، فالحمل على المعنى الأول أولى، فإن الإتباع
أولى من تركه لمجرد احتمال الخصوص، انتهى.
وقال العيني(٢): أبو حنيفة - رضي الله عنه ــ لم ينكر التحويل الوارد في
الأحاديث، وإنما أنكر كونه من السنة، لأن تحويله ولو كان تفاؤلاً، فلا يكون
سنة. قال صاحب ((الهداية)): وما رواه كان تفاؤلاً، قال ابن الهمام: اعتراف
بروايته، ومنع استنانه، لأنه فعل الأمر لا يرجع إلى معنى العبادة، وإن التحويل
كان تفاؤلاً جاء مصرحاً به في ((المستدرك)) من حديث جابر، وصححه قال:
حول رداءه ليتحول القحط. وفي ((طوالات الطبراني)) من حديث أنس: وقلب
رداءه لكي ينقلب القحط إلى الخصب. وفي ((مسند إسحاق)): لتتحول السَّنَةُ من
الجدب إلى الخصب، ذكره من قول وکیع، انتهى.
قال الحلبي: ليس في الحديث ما يدل على أنه سُنَّةٌ أو مندوب لكل إمام
(١) ((فتح الباري)) (٤٩٩/٢).
(٢) ((عمدة القاري)) (٢٥/٧/٤).
١٣٨
..... -

١٣ - كتاب الاستسقاء
(١) باب
(٤٣٤) حديث
حِينَ اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ .
أخرجه البخاريّ في: ١٥ - كتاب الاستسقاء، ٤ - باب تحويل الرداء في
الاستسقاء .
ومسلم في: ٩ - كتاب صلاة الاستسقاء، حديث ١.
وَسُئِلَ مَالِكٌ، عَنْ صَلاةِ الاسْتِسْقَاءِ كَمْ هِيَ؟ فَقَالَ: رَكْعَتَانِ .
مع عدم فعله ◌َّر في غيره من الأوقات كما في (الصحيحين)) وغيرهما، وكذا
عدم فعل الصحابة كعمر وغيره، فهو محمول منه صلّ في تلك المرة على
التفاؤل .
(حين استقبل القبلة) اختلفت الروايات في وقت التحويل، وأفاد حديث
الباب: أن التحويل وقع حين استقبال القبلة، وفي حديث علي بن عبد الله
بسنده عن عبد الله بن زيد، عند البخاري: ((فاستقبل القبلة وحول رداءه))، وفي
حديث آدم بسنده، عن عبد الله بن زيد، عند البخاري أيضاً قال: ((رأيت
النبي ◌َ ل* يوم خرج يستسقي، فحوّل إلى الناس ظهره، واستقبل القبلة يدعو ثم
حوّل رداءه ثم صلى ركعتين)).
وأخرج أبو داود عن عبد الله بن زيد ((أنه ◌َّ: لما أراد أن يدعو استقبل
القبلة ثم حوّل رداءه)). وأخرج أبو داود، من حديث عائشة قالت: ((خرج
رسول الله 18 حين بدا حاجب الشمس، فقعد على المنبر، فكبر وحمد الله،
وقالت بعد ذكر الخطبة: ثم حوّل إلى الناس ظهره، وقَلَّب أو حوّل رداءه، ثم
أقبل على الناس، ونزل فصلى ركعتين))، الحديث. وأخرج البيهقي عن
أبي هريرة قال: ((خرج النبي ◌َ ◌ّل يوماً يستسقي، فصلى ركعتين، ثم خطبنا فدعا
الله وحوّل وجهه نحو القبلة ثم حول رداءه)).
(قال يحيى): و (سئل) ببناء المجهول الإمام (مالك عن) عدد (صلاة
الاستسقاء: كم هي؟) وعن كيفيتها (فقال: ركعتان) وهي إجماع عند من قال
١٣٩

١٣ - كتاب الاستسقاء
(١) باب
(٤٣٤) حديث
وَلَكِنْ يَبْدَأُ الإِمَامُ بِالصَّلاةِ قَبْلَ الْخُطْبَةِ.
بالصلاة (ولكن يبدأ الإمام بالصلاة قبل الخطبة) وهو المرجح عند من قال:
بالصلاة في الاستسقاء، وتقدم الخلاف في ذلك في مسالك الأئمة، قال
العيني: وذهب إلى أن الخطبة فيها قبل الصلاة عمر بن عبد العزيز، والليث بن
سعد، وروي ذلك عن عمر وابن الزبير والبراء وزيد بن أرقم - رضي الله
عنهم -. وقال مالك، والشافعي، وأبوٍ يوسف، ومحمد: إن الصلاة قبل
الخطبة، انتهى.
واختلفت فيها الروايات أيضاً. ولفظ حديث عبد الله بن زيد، عند
الشيخين كما حكاه الحافظ في ((التلخيص)) وغيره: أن النبي ◌ُّ خرج إلى
المصلى فاستسقى، فاستقبل القبلة، وحول رداءه، ثم صلى ركعتين. قال
البيهقي: رواه الثوري، ويزيد بن هارون، وعثمان بن عمرو الطيالسي، عن ابن
أبي ذئب، بدون لفظ: ثم، وكذلك رواه سفيان عن الزهري بدون لفظ: ثم،
ورواه معمر عن الزهري، فوصف الصلاة أولاً ثم وصف تحويل الرداء.
قال الحافظ في ((الفتح)) (١): استدل به على أن الخطبة فيها قبل الصلاة.
وهو مقتضى حديث عائشة عند أبي داود، وابن حبان، قالت: شكا الناس إلى
رسول الله ﴿ قحط المطر، فأمر بمنبر وضع له في المصلى، فخرج حين بدا
حاجب الشمس، فقعد على المنبر الحديث بطوله وفيه ذكر الدعاء، والخطبة،
وفي آخره: ثم أقبل على الناس، ونزل فصلى ركعتين. وفي حديث ابن عباس
عند أحمد، وأصحاب ((السنن)): فخرج النبي وَلّ متبذلاً متواضعاً متضرعاً حتى
أتى المصلى فرقي المنبر، وفي حديث أنس عند الطبراني في ((الأوسط)): أنه وعَ الخيل
استسقى، فخطب قبل الصلاة، واستقبل القبلة، وحول رداءه ثم نزل فصلى
ركعتين، كذا في ((نصب الراية))(٢).
(١) (٤٩٩/٢).
(٢) (٢٢١/١).
١٤٠
-