Indexed OCR Text

Pages 101-120

١٢ - كتاب صلاة الكسوف
(١) باب
(٤٣٢) حديث
٠٠٠
٠٠٫٠٠٠٠
عطاء، وأخرج النسائي في رواية عن شعبة عنه، قال العيني: وأخرجه الطحاوي
وأحمد في ((مسنده)) والبيهقي.
قلت: وهو هكذا في ((مسند أبي حنيفة)) عن عطاء بن السائب عن أبيه عن
عبد الله بن عمرو، قال: انكسفت الشمس، الحديث(١)، وذكر في ((الجواهر
المنيفة)) تخريجه وفيه: والحاكم، وقال: صحيح، ولم يخرجاه من أجل عطاء،
قال ابن الهمام: وهذا توثيق منه لعطاء، وقال الشيخ تقي الدين في ((الإمام)):
كل مَنْ روى عن عطاء إنما روى عنه في الاختلاط، إلا شعبة والسفيانان، قال
الشيخ قاسم بن قطلوبغا: فلا يبعد أن إمامنا كذلك، لأنه أكبر منهما وأقدم
سماعاً، انتهى.
ومنها: حديث سمرة بن جندب قال: بينا أنا وغلام من الأنصار نرمي
غرضين حتى إذا كانت الشمس قيد رمحين أو ثلاثة اسودّت، الحديث. وفيه:
فقام كأطول ما قام بنا في صلاة قط، ثم ركع كأطول ما ركع بنا في صلاة قط،
ثم سجد كأطول ما سجد بنا في صلاة قط، ثم فعل في الركعة الأخرى مثل
ذلك، أخرجه أبو داود والنسائي، قال النيموي(٢): إسناده صحيح. قلت:
وأخرجه مسلم بلفظ: ((وقرأ بسورتين وصلى ركعتين))، وقال العيني (٣): أخرجه
الأربعة، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.
ومنها: حديث أبي بكرة، قال: ((خسفت الشمس على عهد رسول الله وَال
فخرج يجر رداءه حتى انتهى إلى المسجد، فصلى بهم ركعتين، فانجلت
الشمس))، الحديث أخرجه البخاري (٤)، ولفظ النسائي: ((فصلى بهم ركعتين كما
(١) أخرجه أبو داود رقم (١١٨٤)، والنسائي (١٩/٥).
(٢) ((آثار السنن)) (١١٢/٢).
(٣) ((عمدة القاري)) (٢٩٨/٥).
(٤) في كتاب صلاة الكسوف (٢٣/٢).
١٠١

١٢ - كتاب صلاة الكسوف
(١) باب
(٤٣٢) حديث
تصلون)) وأخرجه ابن حبان، وقال: أي مثل صلاتكم في الكسوف.
ومنها حديث عبد الرحمن بن سمرة، قال: كنت أرمي بأَسْهُم لي بالمدينة
إذ كسفت الشمس، فنبذتها، وقلت: ((والله لأنظرن إلى ما حدث لرسول الله وَال
في كسوف الشمس، فانتهيت إليه وهو رافع يديه، فجعل يسبح ويحمد ويدعو،
حتى انجلت الشمس، فقرأ سورتين وصلى ركعتين)) أخرجه أبو داود ومسلم
والنسائي، وقال: ((فصلى ركعتين وأربع سجدات)) وأخرجه الحاكم بلفظ: قرأ
سورتين في ركعتين، وقال: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه، وأوله الشافعية
بوجوه، ذكرها الزيلعي(١)، وأنت خبير بأن باب التأويل واسع.
ومنها : حديث محمود بن لبيد قال: كسفت الشمس يوم مات إبراهيم ابن
رسول الله *، فقالوا: كسفت لموت إبراهيم، فقال رسول الله وَلٍ: ((إن
الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا
رأيتموهما كذلك فافزعوا إلى المساجد، ثم قام فقرأ فيما نرى ﴿الّر كِتَبُ﴾ ثم
ركع ثم اعتدل ثم سجد سجدتين، ثم قام ففعل مثل ما فعل في الأولى)). قال
النيموي(٢): رواه أحمد، وإسناده حسن، وقال الهيثمي: رجاله رجال
الصحيح، وبسط النيموي الكلام على صحة سماع محمود بن لبيد عنه وَلَه،
وأنه صلى معه ◌َلّ صلاة الكسوف.
ومنها: حديث النعمان بن بشير: ((أن رسول الله صلّ صلى في كسوف
الشمس نحواً من صلاتكم، يركع ويسجد)) قال النيموي: رواه أحمد والنسائي،
وإسناده صحيح، وأعلَّه البيهقي وغيره بالانقطاع، وقالوا: أبو قلابة لم يسمعه
من النعمان، لما رواه عفان عن عبد الوارث عن أيوب عن أبي قلابة عن رجل
عن النعمان .
(١) انظر: ((نصب الراية)) (٢٢٩/٢).
(٢) ((أثار السنن)) (١٢/ ١١٣).
١٠٢
--
---
----- ----

١٢ - كتاب صلاة الكسوف
(١) باب
(٤٣٢) حديث
قال النيموي: قد صرح [صاحب] ((الكمال)) بسماعه من النعمان، وقد
رواه غير واحد من أصحاب أبي قلابة، كخالد وقتادة وعاصم الأحول عن
أبي قلابة عن النعمان، وكذلك أيوب عند أبي داود، وأحمد في رواية لغير
هذا السياق، كلهم بدون الواسطة، وقد تفرد بها عبد الوارث، فالمحفوظ
ما رواه الجماعة، وقال ابن التركماني(١): لو صحت الطريق الذي ذكره البيهقي
لم يدل على أنه لم يسمعه من النعمان، بل يحتمل أنه سمعه منه ثم من رجل
عنه، وقال ابن حزم: أبو قلابة أدرك النعمان، فروى هذا الخبر عنه، ثم رواه
عن آخر عنه، فحدث بكلتا روايتيه، وصرح ابن عبد البر في ((التمهيد)) بصحة
هذا الحديث، وقال: من أحسن حديث ذهب إليه الكوفيون حديث أبي قلابة
عن النعمان، انتهى كلامه.
قلت: وأخرجه الحاكم عن أبي قلابة عن النعمان بلفظ: ((فصلى ركعتين
حتى انجلت)) وقال: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه بهذا اللفظ،
وقال الذهبي: على شرطهما، ولم يخرجاه هكذا .
ومنها حديث النعمان أيضاً بلفظ: ((إذا رأيتموها فصلوا كأحدث صلاة
صليتموها من المكتوبة))، رواه النسائي وأحمد، قال النيموي(٢): إسناده
صحيح .
ومنها: حديث قبيصة الهلالي قال: ((كسفت الشمس على عهد
رسول الله وَلّ فخرج فزعاً يجر ثوبه، فصلى ركعتين أطال فيهما القيام، ثم
انصرف وقد انجلت، فقال: إنما هذه الآيات يخوف الله بها عباده، فإذا
رأيتموها فصلوا كأحدث صلاة صليتموها من المكتوبة)). قال النيموي(٣): رواه
(١) انظر: ((الجوهر النقي)) على هامش ((السنن الكبرى)) (٣٣٢/٣).
(٢) ((آثار السنن)) (١١٤/٢).
(٣) المصدر السابق (١١٢/٢).
١٠٣

١٢ - كتاب صلاة الكسوف
(١) باب
(٤٣٢) حديث
•
أبو داود والنسائي، وإسناده صحيح، قال البيهقي: سقط بين أبي قلابة وقبيصة
رجل، وهو هلال بن عامر، قال النووي في ((الخلاصة)): وهذا لا يقدح في
صحة الحديث، فإن هلالاً ثقة.
قلت: وأخرجه الحاكم عن أبي قلابة عن قبيصة، وقال: صحيح على
شرط الشيخين، ولم يخرجاه، والذي عندهما أنهما عللاه بحديث ريحان عن
عباد عن أيوب عن أبي قلابة عن هلال عن أبي قبيصة، وحديث يرويه موسى
عن وهيب لا يعلله حديث ريحان وعباد، وقال الذهبي: على شرطهما، وعلل
بحدیث ريحان.
ومنها: حديث ابن مسعود عند ابن خزيمة بلفظ: فصلى ركعتين، قاله
العيني(١)، قلت: روي في ((مسند أبي حنيفة)) عن حماد عن إبراهيم عن
علقمة عن عبد الله قال: انكسفت الشمس يوم مات إبراهيم ابن
رسول الله وَّة، فقام رسول الله له فخطب، فقال: ((إن الشمس والقمر آيتان
من آيات الله لا تنكسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتم ذلك فصلوا
واحمدوا اللَّه وكبروا وسبحوه حتى ينجلي أيهما انكسف))، ثم نزل
رسول الله وحده وصلى ركعتين.
ومنها: حديث علي أخرجه الطحاوي بلفظ: ((فرض النبي ◌َّ أربع
صلوات: صلاة الحضر أربع ركعات، وصلاة السفر ركعتين، وصلاة الكسوف
ركعتين، وصلاة المناسك ركعتين)) الحديث.
قال الزيلعي على ((الكنز)»: قد روى الركعتين جماعة من الصحابة،
والأخذ بها أولى لوجود الأمر به من النبي وَ لّر، وهو مقدم على الفعل، ولكثرة
رواته وصحة الأحاديث فيه، وموافقته الأصول المعهودة، ولا حجة لهم فيما
(١) ((عمدة القاري)) (٢٩٨/٥).
١٠٤
.----
-----

١٢ - كتاب صلاة الكسوف
(١) باب
(٤٣٢) حديث
روي من حديث عائشة وابن عباس، لأنه قد ثبت أن مذهبهما خلاف ذلك،
وصلى ابن عباس بالبصرة حين كان أميراً عليها ركعتين، والراوي إذا كان
مذهبه خلاف ما روى لا يبقى حجة، ولأنه روى أكثر من ركوعين، ولم يأخذوا
به، فكل جواب لهم عن الزيادة على ركوعين فهو جواب لنا عما زاد على
ركوع واحد، انتهى.
وتقدم في كلام ابن رشد أنه قال بعد ذكر حديث أبي بكرة وسمرة بن
جندب وعبد الله بن عمر والنعمان بن بشير: قال ابن عبد البر: وهي كلها آثار
مشهورة صحاح، ومن أحسنها حديث النعمان، انتهى.
والحاصل: أن الروايات التي استدل بها الحنفية مرجحة بوجوه كثيرة،
منها: أن روايات الفعل متعارضة، ولا وجه لترجيح بعض على بعض بعد صحة
ذاك البعض، وروايات القول سالمة للحنفية، ومنها: أنه إذا تعارض القول
والفعل يترجح القول، كما هو معروف عند أهل الفن، ومنها: أنها موافقة
للأصول المعهودة في الصلاة، فزيادة ركن في الصلاة لم تعهد، ومنها: أنها
مرجحة بالقياس.
قال الحافظ في ((الفتح)) (١): قد أشار الطحاوي إلى أن قول أصحابه
أجرى على القياس في صلاة النفل، لكن اعترض بأن القياس مع وجود النص
يضمحل، وبأن صلاة الكسوف أشبه بصلاة العيد، ونحوها مما يجمع فيه من
مطلق النوافل، فامتازت صلاة الجنازة بترك الركوع والسجود، وصلاة العيدين
بزيادة التكبيرات، وصلاة الخوف بزيادة الأفعال، فلذلك اختصت صلاة
الكسوف بزيادة الركوع فالأخذ به جامعٌ بين العمل بالنص والقياس بخلاف من
لم يعمل به، انتهى.
(١) ((فتح الباري) (٥٣٠/٢).
١٠٥

١٢ - كتاب صلاة الكسوف
(١) باب
(٤٣٢) حديث
قلت: مثل هذا الكلام عجيب من مثل الحافظ مع جلالة شأنه، فليس
القياس هناك بمقابلة النص، بل القياس يرجح إحدى المرويات، وشتان
ما بينهما، وما ذكر هو من القياس ليس بمطرد، لخروج صلاة الاستسقاء، مع
أنه وَ لَّ نَبَّ ههنا على التشبيه بقوله وَّرَ: ((كأحدث صلاة من المكتوبة)) فتأمل.
ومنها: ما سنح في خاطري أن الروايات المفسرة لقراءته ريل18 في
الكسوف لا تزيد على قراءة سورتين كما تقدمت في محلها، فلو كان في
الكسوف أربع قيام وأربع ركوعات لوردت أربع سور، وحَزْرُ عائشة - رضي الله
عنها - لسورة آل عمران كان في الركعة الثانية وهم قالوا: يقرؤها في القيام
الثاني من الركعة الأولى، فتأمل.
ومنها : أن الروايات المتضمنة لمسلك الحنفية معمولة عند الجمهور،
فقال بكفاية الركعتين بدون زيادة الركوع الشافعيةُ والحنابلةُ، كما تقدم في
محله .
قال الحافظ(١): ابتدأ البخاري أبواب الكسوف بالأحاديث المطلقة في
الصلاة بغير تقييد بصفة إشارة منه إلى أن ذلك يعطي أصل الامتثال، وإن كان
إيقاعها على الصفة المخصوصة عنده أفضل، وبهذا قال أكثر العلماء، انتهى.
واعتذرت الحنفية عن الروايات التي تخالف مختارهم بأنها متعارضة مضطربة.
قال ابن الهمام(٢): أحاديث تعدد الركوع مضطربة، والاضطراب موجب
للضعف، فوجب تركها، وبأنها تخالف قوله ◌َّله، والعبرة للقول إذا خالف
الفعل .
وبما في الزيلعي على ((الكنز)) إذ قال: وتأويل ما زاد على ركوع واحد
(١) ((فتح الباري)) (٥٢٩/٢).
(٢) ((فتح القدير)) (٤٣٢/١).
١٠٦
------
٠ ٠ ٠
۔

١٢ - كتاب صلاة الكسوف
(١) باب
(٤٣٢) حديث
أنه وسلّ طوّل الركوع فيها، فمل بعض القوم فرفعوا رؤوسهم، أو ظنوا أنه عليه
الصلاة والسلام رفع رأسه، فرفعوا رؤوسهم، أو رفعوا رؤوسهم على عادة
الركوع المعتاد فوجدوا النبي وَ ل# راكعاً فركعوا، ثم فعلوا ثانياً وثالثاً كذلك،
ففعل من خلفهم كذلك ظناً منهم أن ذلك من النبي ◌َّل، ثم روى كل واحد
منهم على ما وقع في ظنه .
ومثل هذا الاشتباه قد يقع لمن كان في آخر الصفوف، فعائشة - رضي الله
عنها - في صفوف النساء، وابن عباس - رضي الله عنه - في صفوف الصبيان،
والذي يدل على صحة هذا التأويل أنه عليه الصلاة والسلام لم يفعل ذلك
بالمدينة إلاّ مرة، فيستحيل أن يكون الكل ثابتاً، فعلم أن الاختلاف من الرواة
للاشتباه، انتهى.
وحكى الطحطاوي على ((المراقي)) هذا التأويل عن الإمام محمد، وقال:
فروى كلُّ واحد على حسب ما عنده من الاشتباه، قلت: وهذا أوجه، لأنه
تجمع به الروايات كلها .
وبما في الزيلعي أيضاً أنه عليه الصلاة والسلام كان يرفع رأسه، ليختبر
حال الشمس هل انجلت أم لا، فظنه بعضهم ركوعاً، فأطلق عليه اسمه، فلا
يعارض ما روينا، انتهى. وتعقبه الحافظ بأن فيه إخراج فعله ◌َّر عن العبادة
المشروعة .
وبما في ((المحيط البرهاني)): إنما ركع ركوعين على وجه الصورة لا على
وجه الحقيقة، لأنه قربت إليه الجنة والنار. وإنما رفع رسول الله و ◌َ﴾ رأسه من
الركوع فزعاً حين قربت منه النار، وكان ذلك رفعاً على وجه الصورة لا الحقيقة.
وبما في ((العرف الشذي)»(١): أن الركوع كان بدل السجود للآيات، مما
يراه النبي ێ .
(١) انظر: ((معارف السنن)) (١٩/٥).
١٠٧

١٢ - كتاب صلاة الكسوف
(٢) باب
(٢) باب ما جاء في صلاة الكسوف
وبما في ((البدائع)) (١): عن أبي عبد الله البلخي أنه قال: الزيادة ثبتت في
صلاة الكسوف لا للكسوف، بل لأحوال اعترضت، حتى روي: ((أنه ◌ُّر تقدم
في الركوع حتى كان كمن يأخذ شيئاً، ثم تأخر كمن ينفر عن شيء))، فيجوز أن
تكون الزيادة منه باعتراض تلك الأحوال، فمن لا يعرفها لا يسعه التكلم فيها .
وبما سنح في خاطري القاصر، أنه يحتمل أن الركوع كان بدل سجود
التلاوة، لما قد ورد في الروايات من قراءة سورة الحج، وفيها سجدتان
عندهم، والركوع بدل السجود كافٍ، كما فصل في الفقه، فتأمل.
والأوجه من الكل أن الأمر للأمة مقدم على فعله الخاص وَ الر، ففيه
احتمالات، سيما التخصيص، ولا يسع الإنكار عنه.
· ثم الأئمة الأربعة وجمهور الفقهاء على أن صلاة الكسوف ركعتان، وفي
((المحيط)) عن أبي حنيفة: إن شاءوا صلوها ركعتين وإن شاءوا أربعاً، وفي
((البدائع)): إن شاءوا أكثر من ذلك، هكذا رواه الحسن عن أبي حنيفة، وعند
الظاهرية: يصلى للكسوف من طلوع الشمس إلى الظهر ركعتين، ومن بعد
الظهر إلى المغرب أربع ركعات، وفي الخسوف من المغرب إلى العشاء ثلاث
ركعات، ومن العشاء إلى الفجر أربع ركعات، لحديث النعمان: ((فصلوا
كأحدث صلاة صليتموها من المكتوبة))، قاله العيني (٢).
(٢) ما جاء في صلاة الكسوف
قال الزرقاني(٣): أي غير ما تقدم. قلت: بل الأوجه أن الأولى كانت
فيما يعمل، وهذا فيما لا يعمل به للتقابل، والغرض من هذه خروج المرأة،
(١) (بدائع الصنائع)) (٦٢٨/١).
(٢) ((عمدة القاري)) (٢٩٧/٥).
(٣) ((شرح الزرقاني)) (٣٨١/١).
١٠٨

١٢ - كتاب صلاة الكسوف
(٢) باب
(٤٣٣) حديث
٤/٤٣٣ _ حَدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةً،
مَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ الْمُنْذِرِ، عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرِ الصَّذِّيقِ؛ أَنَّهَا
فَالَتْ: أَتَيْتُ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ◌ِلَهُ، حِينَ خَسَفَتِ الشَّمْسُ، فَإِذَا
النَّاسُ فِيَامٌ بُصَلُّونَ، وَإِذَا هِيَ قَائِمَةٌ تُصَلّي،
ففي ((المدونة))(١): قال مالك: أرى أن تصلي المرأة في بيتها، ولا أرى بأساً
أن تخرج المتجالات من النساء في خسوف الشمس، انتهى.
٤/٤٣٣ - (مالك، عن هشام بن عروة عن) زوجته (فاطمة بنت) عم هشام
(المنذر) بن الزبير بن العوام (عن) جدتهما لأبويهما (أسماء بنت) أول الخلفاء
الراشدين (أبي بكر الصديق) أفضل الأمة بالتحقيق (أنها قالت: أنيت عائشة)
- رضي الله عنها - بالنصب على المفعولية، زوج النبي ◌َ﴾ (حين خسفت)
بفتحات (الشمس) بالرفع (فإذا) للمفاجأة (الناس قيامٌ) مبتدأ وخبر، والقيام جمع
قائم (يصلون) للكسوف (وإذا هي) أي عائشة - رضي الله عنها - أيضاً (قائمة
تصلي» للكسوف.
بوّب عليه البخاري ((صلاة النساء مع الرجال في الكسوف)). قال
الحافظ (٢): أشار بها إلى رد من منع ذلك. وقال: يصلين فرادى، وهو منقول
عن الثوري وبعض الكوفيين، وفي ((المدونة)): تصلي المرأة في بيتها وتخرج
المتجالّة، وعن الشافعي يخرج الجميع إلا من كانت بارعة الجمال، وقال
القرطبي: روي عن مالك إنما يخاطب به من يخاطب بالجمعة، والمشهور عنه
خلاف ذلك، انتهى.
قال العيني(٣): إن أراد بالكوفيين أبا حنيفة وأصحابه، فليس كذلك لأن
(١) (١/ ١٥٢).
(٢) (فتح الباري)) (٢/ ٥٤٣).
(٣) ((عمدة القاري)) (٨٥/٧/٤).
١٠٩

- ----
١٢ - كتاب صلاة الكسوف
(٢) باب
(٤٣٣) حديث
فَقُلْتُ: مَا لِلنَّاسِ؟ فَأَشَارَتْ بِيَدِهَا نَحْوَ السَّمَاءِ، وَقَالَتْ: سُبْحَانَ اللَّهِ.
فَقُلْتُ: آيَةٌ؟ فَأَشَارَتْ بِرَأْسِهَا أَنْ، نَعَمْ، قَالَتْ: فَقُمْتُ حَتَّى تَجَلَّانِي
الْغَشْيُ .
أبا حنيفة يرى بخروج العجائز فيها، وفي ((التوضيح)): رخص مالك والكوفيون
للعجائز وكرهوا للشابة، وقال الشافعي: لا أكره لمن لا هيئة له بارعة من
النساء، ولا للصبية شهود صلاة الكسوف مع الإمام، بل أحب لهن، ونحب
لذات الهيئة أن تصليها في البيت، ورأى إسحاق أن يخرجن شباباً كن أو
عجائز، انتهى.
(فقلت) لعائشة: (ما للناس؟) قائمين فزعين، وفي رواية وهيب: ((ما شأن
الناس)) (فأشارت) عائشة - رضي الله عنها - (بيدها نحو السماء) تعني انكسفت
الشمس (وقالت: سبحان الله) قال الحافظ (١): أشارت قائلة سبحان الله، وقال
العيني(٢): المقولة تكون جملة، وسبحان الله ليس بجملة، فيقال: معناه ههنا
ذكرت، وما قال بعضهم أشارت قائلة فاسد، لأنها عطفت بفاء، فكيف يقدر
حالاً .
قال الباجي(٣): فيه حجة لأن النساء كالرجال في التسبيح دون التصفيق،
قلت: لكنه خارج عن موضوع النزاع (فقلت: آية؟) بهمزة الاستفهام وحذفها،
خبر مبتدأ محذوف أي أهي آية، والمعنى علامة للعذاب أو علامة لقرب الساعة
(فأشارت) عائشة (برأسها أن) بالنون، ويروى بالياء، وكلاهما حرف تفسير
لقولها: أشارت (نعم قالت) أسماء: (فقمت) في الصلاة (حتى تجلاني) بفوقية
مثناة وجيم ولام ثقيلة، أي غطّاني (الغشي) بالرفع، والغشي بفتح الغين وسكون
الشين المعجمتين آخره ياء آخر الحروف مخففة.
(١) (فتح الباري)) (١ / ١٨٣).
(٢) ((عمدة القاري)) (١٣٢/٢).
(٣) ((المنتقى)) (٣٣٠/١).
١١٠
--

١٢ - كتاب صلاة الكسوف
(٢) باب
(٤٣٣) حديث
وَجَعَلْتُ أَصُبُّ فَوْقَ رَأْسِى الْمَاءَ. فَحَمِدَ اللَّهَ رَسُولُ اللَّهِ وَلَهُ وَأَثْنَى
◌َعَلَيْهِ. ثُمَّ قَالَ: «مَا مِنْ شَيْءٍ كُنْتُ لَمْ أَرَهُ إِلَّا قَدْ رَأَيْتُهُ فِي مَقَامِي
قال القاضي: رويناه في مسلم وغيره بكسر الشين وتشديد الياء، وبإسكان
الشين وخفة الياء، وهما بمعنى الغشاوة، وذلك لطول القيام وكثرة الحر،
ولذلك صبت الماء عليها، قال الكرماني: هو مرض معروف يحصل بطول
القيام في الحر وغير ذلك، وعرفه أهل الطب بأنه تعطل القوى المحرَّكة
والحسَّاسة لضعف القلب واجتماع الروح.
وقال الكرماني: هو ضرب من الإغماء إلا أنه دونه، ولو كان شديداً
لكان كالإغماء، وهو ينقض الوضوء بالإجماع، قاله الزرقاني(١) تبعاً للحافظ
(وجعلت أصب) في موضع النصب لأنها خبر جعلت (فوق رأسي الماء) قال
العيني(٢): إذا تعطلت الحواس كيف صبت الماء عليها؟ يقال: أرادت بالغشي
الحالة القريبة منه، فأطلقت عليه مجازاً، أو كان الصب بعد الإفاقة، انتهى.
واختار الحافظ الأول، وقال: وهم من قال: إن الصب كان بعد الإفاقة، قال
النووي: هذا محمول على أنه لم تكثر أفعالها متوالية، لأن الأفعال إذا كثرت
متوالية أبطلت الصلاة، انتهى.
(فحمد الله) بالنصب (رسول الله) بالرفع (18) ولابن أبي أويس
وابن يوسف، فلما انصرف رسول الله وَر حمد الله (وأثنى عليه) بما هو أهله
(إنم قال: ما من شيء) من الأشياء، قال العيني: ((ما)) للنفي، وكلمة ((من)) زائدة
لتأكيد النفي، و(شيء)) اسم ما، و((لم أكن أريته)) في محل الرفع صفة لشيء،
و((إلا رأيته)) استثناء مفرغ محله الرفع على الخبرية، انتهى. (كنت لم أره) قبل
ذلك (إلا وقد رأيته) رؤية عين حقيقة على الظاهر، وتقدم مبسوطاً، وفي النسخ
المصرية: إلاّ قد رأيته بدون الواو (في مقامي) بفتح الميم، قال الكرماني:
(١) (شرح الزرقاني)) (٣٨١/١) و((فتح الباري)) (٢٨٩/١).
(٢) ((عمدة القاري)) (١٣١/٢).
١١١

١٢ - كتاب صلاة الكسوف
(٢) باب
(٤٣٣) حديث
هَذَا. حَتَّى الْجَنَّةُ وَالنَّارُ.
يحتمل المصدر، والزمان والمكان. قال العيني: لكن ههنا بمعنى المكان،
حال، تقديره: حال كوني في مقامي (هذا).
قال العيني (١): خبر مبتدأ محذوف، تقديره: في مقامي هو هذا، وقال
الزرقاني: صفة لمقامي، وتعسف من قال: خبر محذوف، قال العيني: لفظة
الشيء أعم العام، وقعت نكرة في سياق النفي وبعض الأشياء مما لا يصح
رؤيته. يقال: إن أهل الأصول قالوا: ما من عامٍّ إلا وقد خص، والمخصص
قد يكون عقلياً، أو عرفياً، فخصصه العقل بما صح رؤيته، والعرف بما يليق
أيضاً بأنه مما يتعلق بأمر الدين والجزاء ونحوهما. فإن قيل: هل رأى ذات الله
سبحانه وتعالى؟ يقال: نعم إذ الشيء يتناوله والعقل لا يمنعه، والعرف لا
يقتضي إخراجه، انتهى.
قلت: لكن الغاية الآتية تدل على خلافه، فإن الرؤية انتهت إلى الجنة
والنار، والله سبحانه وتقدس وراء الوراء من ذلك، ويؤيده أيضاً حديث جابر
عند مسلم(٢): ((مَا من شيءٍ تُؤْعَدُوْنَه إلاَّ قد رَأَيْتُهُ في صَلاَتِي هذه))،
ولابن خزيمة مِنْ حديث سمرة: ((لقد رأيت منذ قمت أصلي ما أنتم لاقُون في
دنياكم وآخرتكم»(٣).
فهذه الأحاديث صريحة في أن الرؤية كانت للثواب والعقاب لا كل
الأشياء، فتأمل. (حتى الجنة والنار) ضبط بالحركات الثلاثة فيهما، الرفع على
أن حتى ابتدائية، والجنة مبتدأ محذوف الخبر أي مرئية، والنصب على أنها
عاطفة على الضمير المنصوب في رأيته، والجر على أنها جارة أو عطف على
(١) ((عمدة القاري)) (١٣٣/٢).
(٢) أخرجه مسلم في كتاب الكسوف (٦٢٣/٢).
(٣) ((صحيح ابن خزيمة)) (٣٢٦/٢) ح (١٣٩٧).
١١٢
--
----- --

١٢ - كتاب صلاة الكسوف
(٢) باب
(٤٣٣) حديث
المجرور، وهو شيء. ومفاد الإغياء أنه لم يرهما قبل مع أنه رآهما ليلة
المعراج، وهو قبل الكسوف بزمان، أجيب: بأن المراد ههنا في الأرض بدليل
قوله: في مقامي، أو باختلاف الرؤية، قاله الزقاني(١).
قلت: ومما ورد في جملة ما رأى النبي ◌ّ في صلاته الجنة والنار،
وأنهم يفتنون في قبورهم ويسألون كما تقدم في الحديث السابق. ورأى في
الجنة عنقوداً هَمَّ أن يأخذه. ورأى في النار أكثر أهلها النساء، ورأى فيها امرأة
تخدشها هرة ربطتها حتى ماتت جوعاً وعطشاً، ورأى عمرو بن مالك يجر
أمعاءه في النار، وكان أول من غَيَّر دين إبراهيم عليه السلام، كذا في
«الهدي)).
وزاد الزيلعي (٢): رأى جهنم يحطم بعضها بعضاً، ورأى فيها عمرو بن
لحي، وهو أول من سيَّب السوائب، ورأى فيها سارق الحاج بمحجنه، فإن
فُطِنَ له قال: إنما تعلق بمحجني، وإن غفل عنه ذهب، وأنه لا تقوم الساعة
حتى يخرج ثلاثون كَذّابون آخرهم الأعور الدجّال، وأنه متى يخرج فسوف
يزعم أنه الله، فمن آمن به وصدقه واتبعه لم ينفعه عمل صالح من عمل سلف،
ومن كفر به وكذبه لم يعاقب بشيء من عمله، وأنه سوف يظهر على الأرض
كلها إلا الحرم وبيت المقدس، ورأى الحميرية السوداء صاحبة الهرة، قلت:
ورأى صاحب السِّبتيّتين(٣) أخا بني الدعدع يدفع بعصاً ذات شعبتين في النار،
(١) ((شرح الزرقاني)) (٣٨١/١).
(٢) انظر: ((نصب الراية)) (٢/ ٢٣٧).
(٣) قال السندي: (صاحب السِّبتيَّتين) هكذا في نسخة النسائي وفي كتب الغريب صاحب
السائبتين، في ((النهاية)): سائبتان بدنتان أهداهما النبي ول# إلى البيت فأخذهما رجل
من المشركين فذهب بهما وسماهما سائبتين لأنه سيبهما لله تعالى. ((حاشية النسائي))
(١٣٩/٢).
١١٣

١٢ - كتاب صلاة الكسوف
(٢) باب
(٤٣٣) حديث
وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّكُمْ تُفْتَنُونَ فِي الْقُبُورِ مِثْلَ أَوْ قَرْيباً مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ
ورأى فيها سارق بدنة رسول الله به خير، كذا في روايات النسائي(١).
(ولقد أوحي إليّ) بالوحي الجلي أو الخفي (أنكم تفتنون) أي تمتحنون،
قال الجوهري: الفتنة: الامتحان والاختبار، تقول: فتنت الذهب: إذا أدخلته
النار. (في القبور) قال الباجي (٢): يقال: إنه سير أعلم بذلك في ذلك الوقت،
قال: وليس الاختبار في القبر بمنزلة التكليف والعبادة، وإنما معناه إظهار
العمل وإعلامٌ بالمآل والعاقبة كاختبار الحساب، لأن العمل والتكليف قد انقطع
بالموت وتخصيص القبر للعادة، أو كلّ موضع فيه مقره كبطن السباع فهو قبره،
قال السيوطي: وفي رواية أخرى: ((إن المؤمن يفتن سبعاً، والمنافق أربعين
صباحاً)).
(مثل) بلا تنوين (أو قريباً) بالتنوين، قال العيني: وروي بالتنوين فيهما
وبغير تنوين فيهما، ثم بَيَّنَ وجوه الإعراب، قال الزرقاني(٣): المشهور الأول،
ووجهه مثل فتنة الدجال، فحذف المضاف إليه وترك المضاف لدلالة ما بعده
على ذلك (من فتنة الدجال) الكذاب، قال الكرماني: وجه الشبه بين الفتنتين
الشدة والهول.
وقال الباجي(٤): ليس الاختبار بالقبر بمعنى التكليف وفتنة الدجال بمعنى
التكليف والتعبد، لكنه شبَّهها بها لشدتها وعظم المحنة بها وقلة الثبات معها،
والدجّال فعّال من الدجل، وهو الكذب والتمويه، وخلط الحق بالباطل، وقيل:
سُمِّيَ به لضربه في الأرض وقطعه أكثر نواحيها، ويقال: دجل الرجل إذا فعل
(١) انظر: ((سنن النسائي)) (١٣٩/٢)، و((موارد الظمآن)) (١٥٧ - ١٥٨).
(٢) (المنتقى)) (٣٣١/١).
(٣) ((شرح الزرقاني)) (٣٨٢/١).
(٤) ((المنتقى)) (٣٣١/١).
١١٤

١٢ - كتاب صلاة الكسوف
(٢) باب
(٤٣٣) حديث
(لا أَدْرِي أَيْنَهُمَا قَالَتْ أَسْمَاءُ) يُؤْتَى أَحَدُكُمْ
.
ذلك، وقيل: الدجل: طلي البعير بالقطران وغيره، ومنه سمي الدجال، ويقال
لماء الذهب: دجال بالضم، وشبّه الدجال به، لأنه يظهر خلاف ما يضمر،
ويقال: الدجل السحر والكذب، وكل كذّاب دجّال، وقال ابن دريد: سُمِّ به
لأنه يغطي الأرض بالجمع الكثير، كالدجلة تغطي الأرض بمائها، والدجل :
التغطية، كذا في ((العيني))(١).
(لا أدري) مقولة فاطمة (أيتهما) بتحتية وفوقية كلام إضافي مرفوع على
الابتداء، وقيل غير ذلك، يعني أن اللفظين من مثل أو قريباً (قالت أسماء)
وعند النسائي والإسماعيلي: عن أسماء، قام # خطيباً فذكر فتنة القبر التي
يفتن فيها المرء، فلما ذكر ذلك ضجّ المسلمون ضجّة حالت بيني وبين أن أفهم
آخر كلام رسول الله وسلّم، فلما سكت ضجيجهم قلت لرجل قريب مني: بارك
الله فيك، ماذا قال رسول الله وَ لّ في آخر كلامه؟ قال: قال: ((قد أوحي إليّ
أنكم تفتنون في القبور قريباً من فتنة الدجال)»، وللبخاري من طريق فاطمة عن
أسماء أيضاً(٢): أنه لَغَطَ نسوةٌ من الأنصار، وأنها ذهبت لتسكِّتهن فاستفهمت
عائشة عما قال ێ .
قال الحافظ(٣): فيجمع بين هذه الروايات بأنها احتاجت إلى الاستفهام
مرتين، وأنها لما حدثت فاطمة لم تبين لها الاستفهام الثاني، ولم أقف على
اسم الرجل الذي استفهمت منه على ذلك إلى الآن، انتهى. (يؤتى) ببناء
المجهول (أحدكم) بالرفع نائب الفاعل، أي يأتيه في قبره ملكان أسودان
أزرقان، يقال لأحدهما: المنكر، والآخر: النكير، رواه الترمذي وابن حبان
ولفظه: ((يقال لهما: منكر ونكير))، زاد الطبراني: ((أعينهما مثل قدور النحاس،
(١) ((عمدة القاري)) (١٣٢/٢).
(٢) أخرجه البخاري (٩٢٣).
(٣) ((فتح الباري)) (٢٣٧/٣).
١١٥

١٢ - كتاب صلاة الكسوف
(٢) باب
(٤٣٣) حديث
فَيُقَالُ لَهُ: مَا عِلْمُكَ بِهَذَا الرَّجُلِ؟
وأنيابهما مثل صياصي البقر، وأصواتهما مثل الرعد))، زاد عبد الرزاق:
((يحفران بأنيابهما ويطآن في أشعارهما))، وقيل: إن أحدهما يسأل المسلمين
والآخر الكافرين.
قال القاري(١): فيه نظر لأنه مخالف لظواهر الأحاديث، انتهى. وذكر
بعض الفقهاء أن ذاك اسم اللذين يسألان المذنب، واسم اللذين يسألان المطيع
(بشر وبشير))، وفي ((اللمعات)) عن السيد السنمهودي: ولم أقف على
الأصول(٢) لما قاله، وهو الظاهر، انتهى.
(فيقال له) أي للمقبور، فإن قيل: كيف يكلمان الجميع في وقت واحد،
يقال: يمكن أن يكون لهما أعوان أو يكشف لهما جميع الأرض كملك
الموت، قاله القاري. (ما علمك) مبتدأ وخبر، وعدل عن خطاب الجمع في
قوله: تفتنون في قبوركم إلى خطاب المفرد، لأن السؤال يكون لكل واحد
بانفراده (بهذا الرجل) أي بمحمد رسل﴿، ولم يقل بي؛ لأنه حكاية عن قول
الملائكة، ولا يقولان برسول الله و ل﴾ لئلا يصير تلقيناً، قال عياض: يحتمل أنه
مُثِّلَ للميت في قبره، والأظهر أنه سُمِّيَ له، انتهى(٣).
وفي ((الصحيحين)) من حديث أنس: ((ما كنت تقول في هذا الرجل،
لمحمد)) الحديث، فقال الطيبي وشراح ((المصابيح)): اللام للعهد الذهني، وفي
الإشارة إيماء إلى تنزيل الحاضر المعنوي منزلة الصوري مبالغة، وقوله:
لمحمد ◌ّ# بيان من الراوي للرجل، وقال السيد جمال الدين: الأولى أن يقال
لمحمد من كلام الرسول ليلة، والتعبير بمحمد دون النبي أو الرسول يؤذن
بذلك، انتھی.
(١) انظر: ((مرقاة المفاتيح)) (١٩٩/١).
(٢) هكذا في الأصل والظاهر ((أصل)) كما في ((اللمعات)) (١٩٧/١).
(٣) انظر: ((شرح الزرقاني)) (٣٨٢/١).
١١٦

١٢ - كتاب صلاة الكسوف
(٢) باب
(٤٣٣) حديث
فَأَمَّا الْمُؤْمِنُ أَوِ الْمُوقِنُ (لَا أَدْرِي أَيَّ ذُلِكَ قَالَتْ أَسْمَاءُ) فَيَقُولُ: هُوَ
مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ. جَاءَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى. فَأَجَبْنَا، وَآمَنَّا، وَاتَّبَعْنَا .
فَيْقَالُ لَهُ: نَمْ صَالِحاً. قَدْ عَلِمْنَا إِنْ كُنْتَ لَمُؤْمِنَاً.
وقال الطيبي: دعاؤه بالرجل من كلام الملك عبّر بهذه العبارة التي ليس
فيها التعليم امتحاناً، انتهى.
(فأما المؤمن أو الموقن) أي المصدق بنبوته وَ ل# (لا أدري) مقولة فاطمة
(أيّ ذلك) اللفظين (قالت أسماء) جملة معترضة، بينت فاطمة أنها شَكَّتْ هل
قالت أسماء لفظ ((المؤمن)) أو ((الموقن)) قال الباجي: والأظهر لفظ المؤمن
لقوله: آمنا، دون أيقنا، ولقوله: لَمؤمناً (فيقول) المؤمن في جوابهما: (هو
محمد رسول الله ( 80 جاءنا بالبينات) أي المعجزات الدَّالة على نبوته (والهدى)
أي الدلالَّة الموصلة إلى البغية أو الإرشاد إلى الطريق الحق الواضح. (فأجبنا)
أي قبلنا نبوته (وآمنا) برسالته (واتبعنا) ما جاء به إلينا .
(فيقال له: نم) حال كونك (صالحاً) أي منتفعاً بأعمالك وأحوالك،
والصلاح كون الشيء في حد الانتفاع، ويجوز أن يكون معناه صالحاً لأن تكرم
بنعيم الجنة (قد علمنا إن) بالكسر أي الشأن (كنت لمؤمناً) وفي رواية الأويسي:
((لموقناً)) بالقاف، واللام عند البصريين للفرق بين إن المخففة وبين النافية،
وعند الكوفيين: إن بمعنى ما، واللام بمعنى إلّ، وحكى ابن التين فتح الهمزة
على جعلها مصدرية، ورُدَّ بدخول اللام، وأجيب بأن اللام تمنع إذا جعلت لام
ابتداء، وعند جماعةٍ من النحاة ليست للابتداء فيسوغ الفتح.
ثم قال الباجي(١): أراد بالنوم العودة لما كان عليه من الموت سماه نوماً
لما صحبه من الراحة، انتهى .
وفي حديث أبي سعيد عند سعيد بن منصور ((يقال له: نم نومة العروس
فيكون في أحلى نومة نامها أحد حتى يبعث))، وللترمذي من حديث أبي هريرة
(١) ((المنتقى)) (٣٣٠/١).
١١٧

:
١٢ - كتاب صلاة الكسوف
(٢) باب
(٤٣٣) حدیث
وَأَمَّا الْمُنَافِقُ أَوِ الْمُرْتَابُ (لَا أَدْرِي أَيَّتَهُمَا قَالَتْ أَسْمَاءُ) فَيَقُولُ: لا
أَدْرِي. سَمِعْتُ النَّاسَ يَقُولُونَ شَيْئاً، فَقُلْتُهُ)).
أخرجه البخاريّ في: ٤ - كتاب الوضوء، ٣٧ - باب من لم يتوضأ إلا من
الغشي المثقل.
ومسلم في: ١٠ - كتاب صلاة الكسوف، ٣ - باب ما عرض على النبي ◌َل
في صلاة الكسوف من أمر الجنة والنار، حديث ١١.
يقال له: ((نم فينام نومة العروس الذي لا يوقظه إلا أحبُّ أهله إليه حتى يبعثه
الله من مضجعه ذلك)).
وفي ((الصحيحين)) من حديث أنس يقال: ((انظر إلى مقعدك من النار
أبدلك الله به مقعداً من الجنة فيراهما جميعاً))، ولابن حبان وابن ماجه من
حديث أبي هريرة وأحمد من حديث عائشة: ((يقال له: على اليقين كنت، وعليه
مت، وعليه تبعث إن شاء الله)).
وفي ((الصحيحين)) عن قتادة: ذكر لنا أنه يُفسحُ له في قبره سبعون ذراعاً،
ويملأ خضراً إلى يوم يبعثون، وفي الترمذي وابن حبان من حديث أبي هريرة:
((فيفسح له في قبره سبعون ذراعاً في سبعين ذراعاً، وينور له كالقمر ليلة البدر))،
وفي ((المشكاة)) عن أبي داود وغيره من حديث البراء: ((فينادي منادٍ من السماء
أن صدق عبدي، فافرشوه من الجنة وألبسوه من الجنة، وافتحوا له باباً إلى
الجنة قال: فيأتيه من رَوْحها وطيبها ويفسح له مد بصره))(١) .
(وأما المنافق) أي غير المصدق بقلبه، وهو في مقابلة المؤمن (أو المرتاب) أي
الشاكُّ، وهو في مقابلة الموقن، ولفظ المرتاب يشترك فيه الفاعل والمفعول، والفرق
بالقرينة، وأصله مرتيب بفتح الياء في المفعول وكسرها في الفاعل من الريب وهو
الشك (لا أدري) مقولة فاطمة (أيتهما قالت أسماء فيقول) في جوابهما: (لا أدري) من
هو (سمعت الناس يقولون) فيه (شيئاً فقلته) يعني قلت ما كان الناس يقولونه.
(١) انظر: ((فتح الباري)) (٢٣٨/٣).
١١٨

١٢ - كتاب صلاة الكسوف
(٢) باب
(٤٣٣) حديث
قال القاري (١): المراد بالناس المؤمنون، وهذا قول المنافق، لأنه كان
يقول في الدنيا: لا إله إلا الله محمد رسول الله تقية لا اعتقاداً، وأما الكافر
فلا يقول في القبر شيئاً، أو يقول: لا أدري فقط، ويحتمل أن يقول الكافر
أيضاً دفعاً لعذاب القبر عن نفسه، وقال ابن حجر: إن أراد بالناس المسلمين،
فهو كذب منه حتى في المنافق، لأنه ليس المقصود مجرد قول اللسان، بل
اعتقاد القلب، وإن أراد به من هو بصفته فهو جواب غير نافع له، انتهى.
قال القاري: الأظهر الثاني، أي المراد بالناس: الكفار، ومراده بيان
الواقع لا الجواب النافع، وعلى تقدير أن يراد بالناس: المسلمون لا محذور
أيضاً في كذبهم، إذ هو دأبهم، قال تعالى: ﴿فَْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحِلِفُونَ لَكُمْ﴾ الآية،
وقال تعالى حكاية عن قولهم: ﴿وَلَّهِ رَيِّنَا مَا كُنَا مُشْرِكِينَ﴾، انتهى. زاد الشيخان
من حديث أنس: فيقولان: ((لا دريت ولا تليت))، ولعبد الرزاق: ((لا دريت
ولا أفلحت، ويضربانه بمطرقةٍ من حديد ضربة))، وفي حديث البراء: ((لو
ضرب بها جبل لصار تراباً)).
قال النووي(٢): مذهب أهل السنة إثبات عذاب القبر، وقد تظاهرت عليه
الدلالة من الكتاب والسنة قال عز اسمه: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا
وَعَشِيًّا﴾(٣). وأما الأحاديث فلا تحصى كثرة، ولا مانع في العقل من أن
يعيد الله الحياة في جزء من الجسد، أو في الجميع على خلاف بين
الأصحاب، فيثيبه ويعذبه، ولا يمنع من ذلك كون الميت قد تفرقت أجزاؤه
كما يشاهد في العادة، أو أكلته السباع والطيور وحيتان البحر، لشمول علم الله
تعالى وقدرته .
(١) انظر: ((مرقاة المفاتيح)) (١٩٨/١).
(٢) انظر: ((مرقاة المفاتيح)) (١٩٧/١).
(٣) سورة غافر: الآية ٤٦.
١١٩

١٢ - كتاب صلاة الكسوف
(٢) باب
(٤٣٣) حديث
فإن قيل: نحن نشاهد الميت على حاله، فكيف يسأل ويقعد ويُضْرَب ولا
يظهر أثر؟ فالجواب: أنه ممكن وله نظير في الشاهد، وهو النائم فإنه يجد لذة
وألماً يسمعه ويتفكر فيه ولا يشاهد ذلك جليسه، وكذلك جبرئيل عليه السلام
يأتي النبي وَ ل ◌ّ فيوحي بالقرآن المجيد ولا يراه أصحابه، قاله القاري. قلت:
وتقدم قريباً من قال: إن قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكً﴾ و﴿أَلَهَنَكُمُ
اُلْتَّكَاثُرُ ﴿﴾ و﴿سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ﴾ كلها في عذاب القبر.
١٢٠
-------