Indexed OCR Text

Pages 81-100

١٢ - كتاب صلاة الكسوف
(١) باب
(٤٣١) حديث
فَقَامَ قِيَامَاً طَوِيلاً وَهُوَ دُونَ الْفِيَامِ الأَوَّلِ، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعَاً طَوِيلاً وَهُوَ
دُونَ الرُّكُوعِ الأَوَّلِ. ثُمَّ سَجَدَ. ثُمَّ انْصَرَفَ وَقَدْ تَجَنَّتِ الشَّمْسُ.
فَقَالَ: ((إِنَّ الشَّمْسَ وَالْفَمَرَ آبَتَانِ مِنْ أَيَاتِ اللَّهِ، لَا يَخْسِفَانِ لِمَوْتِ
أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ، فَاذْكُرُوا اللَّه)). قَالُوا:
يَا رَسُولَ اللَّهِ! رَأَيْنَاكَ تَنَاوَلْتَ شَيْئاً فِي مَقَامِكَ هَذَا،
الركوع الثالث (فقام) رابعاً (قياماً طويلا) وقدروه بنحو ((المائدة)) (وهو دون القيام
الأول) أي الثالث (ثم ركع ركوعاً طويلاً) رابعاً (وهو دون الركوع الأول) أي
الثالث (ثم سجد) سجدتين (ثم انصرف) من الصلاة (و) الحال أنها (قد تجلت
الشمس) وتقدم مبسوطاً قبل ذلك (فقال: إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا
يَخسفان) بفتح الياء وسكون الخاء وكسر السين ويجوز ضم أوله مع فتح السين
(لموت أحد ولا لحياته فإذا رأيتم ذلك) في أي وقت كان (فاذكروا الله)
عز وجل. فإن الذكر والدعاء لا توقيت لهما بخلاف الصلاة، فإنها تكره في
بعض الأوقات عند بعض الأئمة.
(قالوا) أي الصحابة: (يا رسول الله! رأيناك تناولت) هكذا في رواية
الأكثرين بصيغة الماضي، وفي بعض الروايات ((تناول)) على المضارع، بحذف
أحد التاءين، قاله العيني(١)، وسيأتي أن ذلك كان حين قيامه الثاني في الركعة
الثانية (شيئاً في مقامك هذا) وفي حديث جابر عند أحمد بإسناد حسن: فلما
قضى الصلاة قال له أُبَيّ بن كعب: ((شيئاً صنعته في الصلاة لم تكن تصنعه))
فذكر نحو حديث ابن عباس، إلا أن في حديث جابر أن ذلك كان في الظهر أو
العصر، فإن كان محفوظاً فهي قصة أخرى، ولعلها القصة التي حكاها أنس،
وذكر أنها وقعت في صلاة الظهر، وقد تقدم سياقه في ((باب وقت الظهر
عند الزوال)) عند البخاري، لكن فيه: ((عرضت عليّ الجنة والنار في عرض
(١) ((عمدة القاري)) (٣٢٥/٥).
٨١

١٢ - كتاب صلاة الكسوف
(١) باب
(٤٣١) حديث
ثُمَّ رَأَيْنَاكَ تَكَعْكَعْتَ. فَقَالَ: ((إِنّي رَأَيْتُ الْجَنَّةَ.
هذا الحائط)) حسب. وأما حديث جابر فهو شبيه بسياق ابن عباس في ذكر
العنقود وذكر النساء، قاله الحافظ (١).
(ثم رأيناك تكعكعت) بتاء أوله وكافين مفتوحتين بعد كليهما عين ساكنة، أي
تأخرت وتقهقرت، قال أبو عبيدة: كعكعته فتكعكع، وهو يدل أن كعكع متعد،
وتكعكع لازم، واختلف أهل اللغة في أنه ثلاثي مزيد أو رباعي مجرد، بسطه العيني.
وفي رواية مسلم: ((رأيناك كففت نفسك)) بفاءين خفيفتين من الكف، وهو المنع.
(فقال) النبي ◌َّ: (إني رأيت الجنة) هكذا في النسخ المصرية، وهكذا
في روايات الحديث، وزاد في النسخ الهندية بعدها: أو أريت الجنة.
والمراد رؤية عين(٢)، بأن كشف له دونها فرآها على حقيقتها، وطويت
المسافة بينهما حتى أمكنه أن يتناول منها، كبيت المقدس حيث وصفه لقريش،
وهذا أشبه بظاهر الحديث.
ويؤيده حديث أسماء بلفظ: ((دنت مني الجنة حتى لو اجترأت عليها
لجئتكم بقطف من قطافها)) ومنهم من حمله على أنها مثلت له في الحائط، كما
تنطبع الصورة في المرآة فرأى جميع ما فيها، ويؤيده حديث أنس المذكور
بلفظ: ((لقد عرضت عليّ الجنة والنار آنفاً في عرض هذا الحائط))، وفي رواية:
((لقد مثلت))، ولمسلم: ((لقد صورت)).
ولا يشكل بأن الانطباع إنما يكون في الأجسام الثقيلة، لأنه شرط
عادي، فيجوز خرق العادة، خصوصاً للنبي ◌َّ، نعم هذه قصة أخرى وقعت
في صلاة الظهر، ولا مانع أن يرى الجنة والنار مرتين، بل مراراً على صور
مختلفة، وأبعد من قال: إن المراد بالرؤية رؤية العلم، قال القرطبي: لا إحالة
في بقاء هذه الأمور على ظواهرها، لا سيما على مذهب أهل السنة.
(١) ((فتح الباري)) (٥٤٠/٢، ٥٤١).
(٢) انظر: ((فتح الباري)) (٥٤١/٢)، و((شرح الزرقاني)) (٣٧٧/١).
٨٢
=
..---

١٢ - كتاب صلاة الكسوف
(١) باب
(٤٣١) حديث
◌َنَا وَلْتُ مِنْهَا عُنْقُوداً. وَلَوْ أَخَذْتُهُ لأَكَلْتُمْ مِنْهُ مَا بَقِيَتِ الدُّنْيَا. وَرَأَيْتُ
الثَّارَ،
(فتناولت منها) أي الجنة (عنقوداً) بضم العين (ولو أخذته) قيل: يعارض
هذا قوله: فتناولت. وجمع بأن معنى قوله: ((تناولت)) وضعت يدي عليه بحيث
كنت قادراً على تحويله، ولو تمكنت من قطفه، وللقعنبي: ((ولو أصبته))، وفي
حديث أسماء: ((لو اجترأت عليها)). وقيل: تناولت لنفسي ولو أخذته لكم
حكاه الكرماني، وليس بجيد، وقيل: يحمل التناول على تكلف الأخذ لا
حقيقة الأخذ، وقيل: الإرادة مقدرة، أي أردت أن أتناول، ويؤيده حديث جابر
عند مسلم: ((ولقد مددتُ يدي وأنا أريدُ أن أتناول من ثمرها لتنظروا إليه، ثم
بدا لي أن لا أفعل))، ولعبد الرزاق من طريق مرسلة، ((أردت أن آخذ منها قطفاً
لأريكموه فلم يقدّر))، ولأحمد من حديث جابر: ((فحيل بيني وبينه)) (لأكلتم منه
ما بقيت الدنيا) .
قال ابن بطال: لم يأخذ العنقود لأنه من طعام الجنة، وهو لا يفنى،
والدنيا فانية لا يجوز أن يؤكل فيها ما لا يفنى، وقيل: لو رآه الناس لكان من
إيمانهم بالشهادة لا بالغيب، وقيل: لأن الجنة جزاء الأعمال، والجزاء بها لا
يقع إلا في الآخرة، وحكى ابن العربي عن بعض شيوخه معنى قوله: ((لأكلتم))
أن يخلق في نفس الآكل مثل الذي أكل دائماً بحيث لا يغيب عنه ذوقه،
وتعقب بأنه رأي فلسفي مبني على أن دار الآخرة لا حقائق لها، وإنما هي
أمثال، والحق أن ثمار الجنة لا مقطوعة ولا ممنوعة، وإذا قطعت خلقت في
الحال، فلا مانع أن يخلق الله تعالى مثل ذلك في الدنيا إذا شاء، ثم بيّن
سعيد بن منصور في روايته من وجه آخر أن التناول المذكور كان حين قيامه
الثاني من الركعة الثانية.
(ورأيت النار) وكانت رؤيته وَل﴿ النار قبل رؤيته الجنة لرواية عبد الرزاق،
((عرضت على النبي ◌َ﴿ النار فتأخر عن مصلاه، حتى إن الناس يركب بعضهم
٨٣

1
١٢ - كتاب صلاة الكسوف
(١) باب
(٤٣١) حديث
فَلَمْ أَرَ كَالْيَوْمِ مَنْظَراً قَطْ أَقْطَعَ. وَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا النِّسَاءَ))،
بعضاً، وإذا رجع عرضت عليه الجنة فذهب يمشي حتى وقف في مصلاه))،
ولمسلم من حديث جابر: ((لقد جيء بالنار حين رأيتموني تأخرت))، وفيه: ((ثم
جيء بالجنة وذلك حين رأيتموني تقدمت، حتى قمت في مقامي)) وزاد فيه:
((ما من شيء توعدونه إلا قد رأيته في صلاتي هذه)) وفي حديث سمرة عند
ابن خزيمة: ((لقد رأيت منذ قمت أصلي ما أنتم لاقون في دنياكم وآخرتكم)).
(فلم أر كاليوم) المراد باليوم الوقت الذي هو فيه (منظراً) بالنصب بلم أر
(قط) بشد الطاء أي أبداً (أفظع) أي أقبح وأشنع، صفة للمنصوب، نسب الزرقاني
أفظع إلى زيادة القعنبي، ولا يوجد في النسخ المصرية لكنه موجود في النسخ التي
بأيدينا من النسخ الهندية، أي لم أر منظراً مثل منظر رأيته اليوم، فحذف المرئي
وأدخل التشبيه على اليوم لبشاعة ما رأى، وقيل: الكاف اسم والتقدير: ما رأيت
مثل منظر هذا اليوم منظراً (ورأيت أكثر أهلها النساء) قال النووي(١): فيه دليل على
أن بعض الناس اليوم معذب في جهنم - أعاذنا الله منه -.
قال الزرقاني(٢): استشكل الحديث برواية أبي هريرة: ((إن أدنى أهل
الجنة منزلة من له زوجتان من الدنيا)) فمقتضاه أن النساء ثلثا أهل الجنة،
وأجيب بحمله على ما بعد خروجهن من النار، وما قيل بالتغليظ لغو لأنه إخبار
مترتب على الرؤية، وفي حديث جابر: ((وأكثر من رأيت فيها النساء اللاتي إن
اؤتمن أفشين، وإن سئلن بخلن، وإن سألن ألحفن وإن أعطين لم يشكرن)) فعلم
أن المرئي منهن من اتصف بصفات ذميمة.
(١) وحمله الشاه ولي الله الدهلوي على الرؤية المثالية، فقال في ذكر عالم المثال: دلت
الأحاديث على أن في العالم وجوداً غير عنصري تتمثل فيه المعاني بأجسام مناسبة لها
في الصفة، وتتحقق هناك الأشياء قبل وجودها في الأرض إلى آخر ما في ((فتح الملهم))
(٤٥٦/٢).
(٢) ((شرح الزرقاني)) (٣٧٨/١).
٨٤

١٢ - كتاب صلاة الكسوف
(١) باب
(٤٣١) حديث
قَالُوا: لِمَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: ((لِكُفْرِهِنَّ))، قِيلَ: أَيَكْفُرْنَ بِاللَّهِ؟
قَالَ: ((وَيَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ،
قال الحافظ: (١) هذا يفسر وقت الرؤية في قوله وعمل لهن في خطبة العيد:
((تصدقن فإني رأيتكن أكثر أهل النار)) وتقدم في العيد الإلمام بتسمية القائل:
أيكفرن؟ انتهى. وذكر في العيد: أخرج البيهقي والطبراني وغيرهما من طريق
شهر بن حوشب عن أسماء بنت يزيد: أن رسول الله وَ﴿ خرج إلى النساء وأنا
معهن، فقال: (يا معشر النساء إنكن أكثر حطب جهنم))، فناديت رسول الله وله
وكنت عليه جريئة، لِمَ يا رسول الله وَلّ؟ قال: ((لأنكن تكثرن اللعن)) الحديث.
(قالوا) أي الصحابة على الظاهر: (لِمَ يا رسول الله؟) باللام في النسخ،
قال الزرقاني: وللقعنبي (بم)) بالباء، قلت: أخرجه البخاري (قال) وَالر:
(بكفرهن) بالباء في النسخ الهندية، وضبطه الزرقاني باللام، وعزا اللام إلى
القعنبي، وفي ((الحاشية)) عن ((المحلى)): في أكثر رواة ((الموطأ)) باللام، وهكذا
باللام في النسخ المصرية (قيل: أَيكفرن) بهمزة الاستفهام (بالله) عز وجل،
ولما كان حقيقة الكفر هو الكفر بالله عز وجل، سألوا ذلك (قال) و ◌َل :
(ويكفرن العشير) هكذا في النسخ بالواو، قال ابن عبد البر: هكذا ليحيى وحده
بالواو، ولم يزدها غيره، والمحفوظ عن مالك من رواية سائر الرواة بلا واو،
انتھی .
قال الحافظ (٢): كذا للجمهور عن مالك بلا واو، وكذا عند مسلم من
رواية حفص عن زيد بن أسلم، واتفقوا على أن زيادة الواو غلط من يحيى،
فإن كان المراد من تغليطه كونه خالف الرواة، فهو كذلك، وأطلق على الشذوذ
غلطاً، وإن كان المراد من التغليط فساد المعنى، فليس كذلك، لأن الجواب
(١) ((فتح الباري)) (٥٤٢/٢).
(٢) ((فتح الباري)) (٥٤٢/٢).
٨٥

١٢ - كتاب صلاة الكسوف
(١) باب
(٤٣١) حديث
وَيَكْفُرْنَ الإِحْسَانَ .
طابق السؤال، وزاد، وذلك أنه أطلق لفظ النساء فعم المؤمنة منهن والكافرة،
فلما قيل: يكفرن بالله، فأجاب: ويكفرن العشير كأنه قال: نعم يقع منهن الكفر
بالله، وغيره، لأن منهن من يكفر بالله، ومنهن من يكفر الإحسان.
وقال ابن عبد البر(١): وجه رواية يحيى أن يكون الجواب لم يقع على
وفق السؤال، لإحاطة العلم بأن من النساء من يكفرن بالله، فلم يحتج إلى
جوابه، لأن المقصود في الحديث خلافه، وقال الكرماني: لم يعد كفر العشير
بالباء كما عدى الكفر بالله، لأن كفر العشير لا يتضمن معنى الاعتراف، انتهى.
قال المجد: العشير: الزوج أو المعاشر، وقال الراغب: العشير:
المعاشر، قريباً كان أو معارِفَ، وفي المجمع: العشير: الزوج من العشرة،
وهو الصحبة، وقيل: أراد كل مخالط.
وقال العيني(٢): العشير، فعيل بمعنى معاشر، كالأكيل بمعنى المؤاكل من
المعاشرة، وهي المخالطة، وقيل: الملازمة، قالوا: المراد ههنا الزوج،
وحمله بعضهم على العموم، والعشير أيضاً الخليط والصاحب، والألف واللام
للعهد إن فسر بالزوج، وللجنس أو الاستغراق إن فسر بالمعاشر مطلقاً، وقال
الكرماني: الأصل الجنس، فيحمل عليه، وما عليه المحققون: الأصل العهد.
وقال الباجي(٣): العشير: الزوج، سمي به لأنه يعاشرها وتعاشره،
فيحتمل أن يراد به الزوج خاصة، بمعنى أنه اسم من أسمائه، ويحتمل أن يراد
به كل من يعاشرها من زوج أو غيره، انتهى.
(ويكفرن الإحسان) تفسير لقوله: يكفرن العشير، لأن المراد كفر إحسانه
(١) انظر: ((الاستذكار)) (١١٣/٧).
(٢) ((عمدة القاري)) (٨٤/٧/٤).
(٣) ((المنتقى)) (٣٢٩/١).
٨٦

١٢ - كتاب صلاة الكسوف
(١) باب
(٤٣٢) حديث
لَوْ أَحْسَنْتَ إِلَى إِحْدَاهُنَّ الذَّهْرَ كُلَّهُ، ثُمَّ رَأَتْ مِنْكَ شَيْئاً، قَالَتْ:
مَا رَأَيْتُ مِنْكَ خَيْراً فَقُلْ)).
أخرجه البخاريّ في: ١٦ - كتاب الكسوف، ٩ - باب صلاة الكسوف
جماعة .
ومسلم في: ١٠ - كتاب صلاة الكسوف، ٣ - باب ما عرض على النبي وَل
في صلاة الكسوف من أمر الجنة، والنار حديث ١٧.
٣/٤٣٢ - وحدّثني عَنْ مَالِكٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ
عَمْرَةَ .
٠٠٠٠
لا كفر ذاته، فالجملة مع الواو مبنية للأولى كقوله: أعجبني زيد وكرمه،
والمراد من كفر الإحسان تغطيته وعدم الاعتراف به أو جحوده وإنكاره كما يدل
عليه قوله: (لو أحسنت إلى إحداهن الدهر) بالنصب على الظرفية (كله) أي مدة
عمر الرجل أو المراد الزمان كله مبالغة (ثم رأت منك شيئاً) التنوين للتقليل أي
شيئاً قليلاً لا يوافق غرضها (قالت: ما رأيت منك خيراً) قليلاً أيضاً (قط).
وفي الحديث دليل على حرمة كفران الحقوق والنعم، إذ لا يدخل النار
إلا بارتكاب حرام، قال النووي: توعده على كفران العشير وكفران الإحسان
بالنار، يدل على أنهما من الكبائر، وقال ابن بطال: فيه دليل على أن العبد
يعذب على جحد الإحسان والفضل وشكر النعم، وقد قيل: إن شكر المنعم
واجب، وفيه دليل على عظم حق الزوج، قاله العيني(١).
وفي الحديث من الفوائد الكثيرة التي عدت في ((المطولات)): إطلاق
الكفر على من لا يخرج من الملة، وتعذيب أهل التوحيد على المعاصي، وأن
الجنة والنار مخلوقتان اليوم، وغير ذلك.
٣/٤٣٢ - (مالك: عن يحيى بن سعيد) الأنصاري (عن عمرة) بفتح
(١) انظر: ((عمدة القاري)) (٨٥/٧/٤).
٨٧

١٢ - كتاب صلاة الكسوف
(١) باب
(٤٣٢) حديث
بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمُنِ، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ نَلِ﴾؛ أَنَّ يَهُودِيَّةً جَاءَتْ
تَسْأَلُهَا، فَقَالَتْ: أَعَاذَكِ اللَّهُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ. فَسَأَلَتْ عَائِشَةُ
قَال
رَسُولَ اللَّهِ فَلَهَ: أَيُعَذَّبُ النَّاسُ فِي قُبُورِهِمْ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ
،
وسلم
عَائِذاً بِاللَّهِ
فسكون (بنت عبد الرحمن) بن سعد بن زرارة الأنصارية (عن عائشة) أمّ المؤمنين
(زوج النبي بدليل أن يهودية) وفي رواية عن عائشة عند البخاري في الدعوات:
دخل عجوزان من يهود المدينة فقالتا: إن أهل القبور يعذبون في قبورهم،
فكذبتهما، قال الحافظ(١): هو محمول على أن إحداهما تكلمت وأقرتها
الأخرى فنسب القول إليهما مجازاً، والإفراد على المتكلمة، ولم أقف على
اسم واحدة منهما، انتهى.
قلت: هذا على اتحاد الروايتين، وعلى ما سيأتي من تعدد الوقعة،
فتحمل الروايتان على وقتين (جاءت تسألها) أي شيئاً تعطيه لها (فقالت: أعاذك
الله من عذاب القبر) دعاء من اليهودية لعائشة على عادة السؤال.
(فسألت عائشة) بالرفع (رسول الله) بالنصب على المفعولية ({َل*) مستفهمة
لأنها لم تعلمه قبل (أيعذب الناس) بضم الياء ببناء المجهول بعد همزة الاستفهام
(في قبورهم) ولما لم يطلع النبي ◌َّ على ذلك بعد (فقال رسول الله،﴿ ﴿ عائذاً بالله)
منصوب على المصدرية، فقد يجيء المصدر على وزن الفاعل، كما في قولهم:
عافاه الله عافية، ويجوز أن يكون ((عائذاً)) على بابه، فيكون منصوباً على الحال،
وذو الحال محذوف، أي أعوذ حال كوني عائذاً بالله، وروي بالرفع على أنه خبر
محذوف، أي أنا عائذ بالله، قاله العيني(٢)، زاد الحافظ(٣): وكأنَّ ذلك كان قبل
أن يطلع النبي وَيّ على عذاب القبر كما سيجيء.
:
(١) ((فتح الباري)) (٢٣٥/٣).
(٢) ((عمدة القاري)) (٣٢٠/٥).
(٣) ((فتح الباري)) (٥٣٨/٢).
٨٨
---- - --- - ----- "

١٢ - كتاب صلاة الكسوف
(١) باب
(٤٣٢) حديث
مِنْ ذُلِكَ.
(من ذلك) أي من عذاب القبر، وللبخاري عن مسروق: ((فسألت عائشة
رسول الله يل عن عذاب القبر؟ فقال: نعم، إن عذاب القبر حق)) الحديث.
وفي مسلم عن عروة عن عائشة: ((دخلت عليّ يهودية، وهي تقول: هل شعرت
أنكم تفتنون في القبور، فارتاع رسول الله صل﴿ وقال: ((إنما يفتن يهود))، ولبثنا
لياليّ، ثم قال رَّ: ((أوحي إليّ أنكم تفتنون في القبور، فسمعته يستعيذ من
عذاب القبر)).
وفي الروايتين تخالفٌ، لأنه يَّ أنكر على اليهودية في رواية، وأقرّها في
الآخرة، وجمع النووي تبعاً للطحاوي وغيره بأنهما قصتان، أنكر وَّل قول
اليهودية أولاً، ثم أَعْلِمَ به، ولم تعلم عائشة فجاءت اليهودية مرة أخرى،
فذكرت لها فأنكرت عليها مستندة إلى الإنكار الأول، فأعلمها وَلّر بأن الوحي
نزل بإثباته، وقول الكرماني يحتمل أنه وَل﴾ليتعوَّذُ سراً، فلما رأى استغراب
عائشة أعلن به، كأنه لم يقف على رواية مسلم المذكورة.
وأصرح منه ما رواه أحمد بإسناد على شرط البخاري عن سعيد بن عمرو
عن عائشة: ((أن يهودية كانت تخدمها، فلا تصنع عائشة - رضي الله عنها - إليها
شيئاً من المعروف، إلا قالت لها اليهودية: وقاك الله عذاب القبر، قالت:
فقلت: يا رسول الله هل للقبر عذاب؟ قال: ((كذب يهود، لا عذاب دون يوم
القيامة)) ثم مكث بعد ذلك ما شاء أن يمكث، فخرج ذات يوم نصف النهار،
وهو ينادي بأعلى صوته: ((أيها الناس استعيذوا بالله من عذاب القبر، فإن
عذاب القبر حق)). وفي هذا كله أنه 18ل علم به إذ هو في المدينة، في آخر
الأمر في صلاة الكسوف، وتقدم تاريخ الكسوف(١).
ويُشكل عليه قوله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾(٢)،
(١) انظر: ((فتح الباري)) (٢٣٦/٣).
(٢) سورة إبراهيم: الآية ٢٧.
٨٩

١٢ - كتاب صلاة الكسوف
(١) باب
(٤٣٢) حديث
ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللَّهِ مِ﴿، ذَاتَ غَدَاةٍ، مَرْكَباً. فَخَسَفَتِ الشَّمْسُ،
فَرَجَعَ ضُحَّى فمرّ بَيْنَ ظَهْرَانَي الْحُجَرِ .
وقوله تعالى: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾(١) فإنهما مكيتان، وأجيب عن
الأول بأنه لا يدل إلا بطريق المفهوم في حق من لم يتصف بالإيمان، وبالثاني
بأنه في حق آل فرعون، والذي أنكره وَّر في حق الموحِّدين، ثم علم ◌َّ أن
ذلك يقع على من يشاء الله منهم، قاله الحافظ(٢).
قلت: إلا أن رواية أحمد تنفي العذاب دون القيامة مطلقاً، فتأمل، وفي
هذه الرواية دلالة على أن عذاب القبر لا يختص بهذه الأمة، بخلاف السؤال
في القبر، فإنه مختلف فيه، حكى ابن القيم في ((الروح)) ثلاثة أقوال، ثالثها
التوقف .
(ثم ركب رسول الله و8َ#- ذات غداة) من إضافة المسمى إلى اسمه، أو
لفظ: ((ذات)) زائدة، وقال الداودي: إن لفظ ((ذات)) بمعنى ((في)). وأنكر عليه
ابن التين وغيره (مركباً) بفتح الكاف، قال الزرقاني: بسبب موت ابنه إبراهيم
(فخسفت) بفتحات (الشمس فرجع) رسول الله ◌َّر من الجنازة (ضحى) بضم
المعجمة مقصور منون .
(فمر بين ظهراني) بفتح المعجمة والنون، قيل: الألف والنون زائدة،
وقيل: الكلمة كلها زائدة، وفي النسخ المصرية: ((بين ظهري)) بدون زيادة
الألف والنون، والمعنى واحد (الحجر) بضم المهملة وفتح الجيم جمع حجرة،
والمراد بيوت أزواجه ول*، وكانت لاصقة بالمسجد، وفي رواية لمسلم عن
عائشة: ((فخرجت في نسوةٍ بين ظهري الحُجَرِ في المسجد، فأتى ◌َُّ من مركبه
حتى انتهى إلى مصلاه الذي كان يصلي فيه)).
(١) سورة غافر: الآية ٤٦.
(٢) انظر: ((فتح الباري)) (٢٣٦/٣).
٩٠
---

١٢ - كتاب صلاة الكسوف
(١) باب
(٤٣٢) حديث
ثُمَّ قَامَ يُصَلِّي وَفَامَ النَّاسُ وَرَاءَهُ. فَقَامَ فِيَامَاً طَوِيلاً. ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعاً
◌َطَوِيلاً. ثُمَّ رَفَعَ فَقَامَ قِيَامَاً طَوِيلاً وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الأَوَّلِ، ثُمَّ رَكَعَ
رُوعاً طَوِيلاً وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الأَوَّلِ، ثُمَّ رَفَعَ فَسَجَدَ. ثُمَّ قَامَ قِيَامَاً
طويلاً وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الأَوَّلِ، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعاً طَوِيلاً وَهُوَ ذُونَ
الرُّنُوعِ الأَوَّلِ. ثُمَّ رَفَعَ ثُقَامَ قِيَامَاً طَوِيلاً وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الأَوَّلِ، ثُمَّ
رَكَعَ زُّكُوعاً طَوِيلاً وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعَ الأَوَّلِ. ثُمَّ رَفَعَ. ثُمَّ سَجَدَ ثُمَّ
انْصَرَفَ فَقَالَ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ،
٠٠
(ثم قام يصلي) هكذا في النسخ الهندية والزرقاني، وأما في النسخ
المصرية: ((ثم قام فصلى)) والأول أوجه (وقام الناس وراءه، فقام قياماً طويلاً،
ثم ركع ركوعاً طويلاً، ثم رفع) رأسه من الركوع (فقام قياماً طويلاً وهو دون
القيام الأول، ثم ركع) ثانياً (ركوعاً طويلاً وهو دون الركوع الأول، ثم رفع)
رأسه من الركوع الثاني (فسجد) سجدتين (ثم قام) إلى الركعة الثانية فقام (قياماً
طويلاً، وهو دون القيام الأول، ثم ركع ركوعاً طويلاً) ثالثاً (وهو دون الركوع
الأول) من الركعة الأولى، أو دون الركوع الثاني منها، وهو الأوجه (ثم رفع)
رأسه .
(فقام قياماً طويلاً وهو دون القيام الأول) أي الثالث (ثم ركع ركوعاً طويلاً
وهو دون الركوع الأول) أي الثالث (ثم رفع) رأسه من الركوع (ثم سجد)
سجدتين (ثم انصرف؛ من الصلاة بعد التشهد بالسلام (فقال ما شاء الله أن
يقول) من أمر الصلاة والصدقة والذكر وغير ذلك.
وقد وردت الخطبة في عدة روايات، سيما من رواية سمرة وغيره في
البيهقي وغيره، ولخصها ابن القيم في ((الهدي)) (١) والزيلعي (٢) على (الهداية))
(١) ((زاد المعاد)) (٤٣٤/١ وما بعدها).
(٢) انظر: ((نصب الراية)) (٢٣٦/٢ - ٢٣٨).
٩١

١٢ - كتاب صلاة الكسوف
(١) باب
(٤٣٢) حديث
ثُمَّ أَمَرَهُمْ أَنْ يَتَعَوَّذُوا مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ.
أخرجه البخاريّ في: ١٦ - كتاب الكسوف، ٧ - باب التعوذ من عذاب القبر
في الكسوف.
ومسلم في: ١٠ - كتاب صلاة الكسوف، ٢ - باب ذكر عذاب القبر في صلاة
الخسوف، حديث ٨.
فارجع إليهما لو شئت (ثم أمرهم أن يتعوذوا من عذاب القبر) قال الزين بن
المنير: مناسبة ذلك أن ظلمة النهار بالكسوف تشابه ظلمة القبر، والشيء
بالشيء يذكر، فيخاف من هذا كما يخاف من هذا. وفيه أن عذاب القبر حق،
وفي (صحيح ابن حبان)) عن أبي هريرة مرفوعاً في قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً
ضَنْكًا﴾(١) قال: عذاب القبر، وفي ((الترمذي))(٢). عن علي قال: ما زلنا في شك
في عذاب القبر حتى نزلت: ﴿أَلْهَنَكُمُ التَّكَاثُرُ جَ حَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ ﴾﴾(٣).
وقال قتادة والربيع بن أنس في قوله: ﴿سَنُعَذِّبُهُمْ مَّرَّتَيْنٍ﴾(٤): إن إحداهما في
الدنيا والأخرى في عذاب القبر.
ثم الروايات الثلاث التي ذكرها المصنف في الباب تدل على تثنية الركوع
في كل ركعة من ركعتي الكسوف، وقد اختلفت الروايات في ذلك جداً، فقد
روي وحدة الركوع في كل ركعة كما سيأتي في آخر البحث، وقد روي ركوعان
في كل ركعة كما في روايات الباب من حديث عائشة، أخرجه الأئمة الستة في
كتبهم، ومن حديث ابن عباس أخرجه الشيخان والنسائي وأبو داود، قاله
المنذري.
وهو أيضاً حديث عبد الله بن عمرو بن العاص أخرجه الشيخان، وفيه
(١) سورة طه: الآية ١٢٤.
(٢) أخرجه الترمذي (١٣٥٥).
(٣) سورة التكاثر: الآيتان ١، ٢.
(٤) سورة التوبة: الآية ١٠١.
٩٢
----------
--------
---- -

١٢ - كتاب صلاة الكسوف
(١) باب
(٤٣٢) حديث
٠
أيضاً حديث جابر انفرد به مسلم برواية أبي الزبير عنه، وفيه أيضاً حديث
أسماء انفرد به البخاري مبَيّناً أربع ركعات وأربع سجدات، وأخرجه مسلم
بدون ذكر الركعات، وكذا ((للموطأ)) والنسائي، كذا في ((جمع الفوائد))(١)، وفيه
أيضاً حديث أبي موسى الأشعري، قاله الحافظ في ((التلخيص)) ولم أجده في
غيره، وفيه أيضاً حديث سمرة بن جندب قاله الحافظ في ((التلخيص))(٢) ولم
يذكرهما في ((الفتح))، بل ذكر فيمن وافق عائشة غير من تقدم علياً عند أحمد،
وأبا هريرة عند النّسائي، وابن عمر عند البزار، وأم سفيان عند الطبراني.
واختار هذه الكيفية الأئمة الثلاثة والليث بن سعد وأبو ثور، قاله العيني(٣).
وقد روي ثلاث ركعات في كل ركعة من حديث جابر، أخرجه مسلم عن
عطاء عنه بلفظ: ((صلى ست ركعات بأربع سجدات))، وأخرجه أيضاً أحمد
والنسائي وأبو داود والبيهقي، وحكي عن الشافعي أنه غلط، قال الشوكاني:
يردُّها ثبوته في ((صحيح مسلم))، انتهى.
ومن حديث عائشة - رضي الله عنها - أخرجه مسلم بلفظ: ((صلى ست
ركعات وأربع سجدات))، وأخرجه أحمد والنسائي. وفي رواية لمسلم:
(ركعتين في ثلاث ركعات وأربع سجدات)). وأخرجه البيهقي والحاكم وقال:
صحيح على شرط الشيخين وأقره عليه الذهبي.
ومن حديث ابن عباس بلفظ: ((قرأ ثم ركع ثم قرأ ثم ركع ثم قرأ ثم ركع
والأخرى مثل ذلك)) رواه الترمذي وصححه، قلت: وروي عن ابن عباس
- رضي الله عنهما - من فعله أيضاً: أنه صلاها ست ركعات في أربع سجدات،
(١) (١/ ٢٨٧).
(٢) ((تلخيص الحبير)) (٦٢٣/٢).
(٣) ((عمدة القاري)) (٦٢/٧/٤).
٩٣

١٢ - كتاب صلاة الكسوف
(١) باب
(٤٣٢) حديث
واختار هذه الكيفية قتادة وعطاء بن أبي رباح وإسحاق وابن المنذر، قاله العيني.
قال الشوكاني(١): وهذه الأحاديث الصحيحة تردُّ ما حكي عن ابن
عبد البر والبيهقي من أن ما خالف أحاديث الركوعين معلَّلٌ أو ضعيف، وترد
ما حكي عن الشافعي وأحمد والبخاري من عدِّهم لما خالف أحاديث الركوعين
غلطاً. وقد روي أربع ركعات في كل ركعة من حديث ابن عباس بلفظ: قرأ ثم
ركع ثم قرأ ثم ركع ثم قرأ ثم ركع ثم قرأ ثم ركع، والأخرى مثلها، وفي
لفظ: صلَّى ثماني ركعات في أربع سجدات، رواه مسلم وأحمد والنسائي
وأبو داود.
قال الشوكاني: الحديث مع كونه في ((صحيح مسلم))، ومع تصحيح
الترمذي له قد قال ابن حبان(٢): إنه ليس بصحيح؛ لأنه من رواية حبيب بن
أبي ثابت عن طاوس، ولم يسمعه حبيب من طاوس، وحبيب معروف
بالتدليس، ولم يصرح بالسماع، وقد خالفه سليمان الأحول، فوقفه، وروي
أيضاً من حديث علي - رضي الله عنه - ذكره مسلم، فقال بعد حديث ابن عباس
المذكور: وعن علي مثل ذلك، أحاله على حديث ابن عباس، ولم يذكر لفظه،
وذكر لفظه النيموي عن ((مسند أحمد)).
--
قلت: وأخرجه البيهقي أيضاً بلفظ: فقرأ بـ ((يُس)) ونحوها ثم ركع نحواً
من قراءته السورة، ثم رفع رأسه، وقال: سمع الله لمن حمده، ثم قام قدر
السورة يدعو ويكبر، ثم ركع قدر قراءته حتى ركع أربع ركعات ثم قال:
سمع الله لمن حمده ثم سجد ثم قام في الركعة الثانية ففعل كفعله في الركعة
الأولى، الحديث.
(١) ((نيل الأوطار)) (٣٩٠/٤/٢).
(٢) انظر ((تلخيص الحبير)) (٩٦/٢).
٩٤
----- -

١٢ - كتاب صلاة الكسوف
(١) باب
(٤٣٢) حديث
٠ ٠ ٠ ٠,
وروي أيضاً من حديث حذيفة: ((أن رسول الله وَّ صلى عند كسوف
الشمس فقام فكبر ثم قرأ ثم ركع ثم رفع، صنع ذلك أربع ركعات قبل أن
يسجد ثم سجد سجدتين ثم قام في الثانية فصنع مثل ذلك))، الحديث.
وحكم عليه بالضعف لمحمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، ثم قال في
آخر الباب: قال الشيخ: ومن أصحابنا من ذهب إلى تصحيح الأخبار الواردة
في هذه الأعداد، وأن النبي ◌َسلّ فعلها مرات: مرة ركوعين في كل ركعة، ومرة
ثلاث ركوعات، ومرة أربع ركوعات، فأدى كل منهم ما حفظ، وذهب إلى هذا
إسحاق بن راهويه، ومحمد بن إسحاق بن خزيمة، وأبو بكر أحمد بن إسحاق
الصِّبْغي، والخطابي، واستحسنه أبو بكر محمد بن إبراهيم بن المنذر صاحب
((الخلافيات)) والذي أشار إليه الشافعي من الترجيح أصح، انتهى (١).
قلت: واختار هذه الكيفية طاووس وحبيب بن ثابت وابن جريج، قاله
العيني. وقال: ويحكى عن علي وابن عباس. وقد روي خمس ركعات في كل
ركعة من حديث أُبَيّ بن كعب، أخرجه أبو داود وعبد الله بن أحمد في
((زيادات المسند))، والبيهقي، وضعفه، والحاكم، وقال: الشيخان قد هجرا
أبا جعفر الرازي، ولم يخرجا عنه، وحاله عند سائر الأئمة أحسن الحال،
وهذا الحديث فيه ألفاظ ورواته صادقون، انتهى.
وأنت خبير بأنه تصحيح منه بلا مرية وإن لم يكن على شرط الشيخين إلا
أن الذهبي قال: هو منكر. وصحّحه ابن السكن وسكت عليه أبو داود، وقال
المنذري: في إسناده أبو جعفر فيه مقال، واختلف فيه قول ابن معين
وابن المديني، انتهى.
(١) انظر: ((السنن الكبرى)) (٣٣١/٣).
٩٥

١٢ - كتاب صلاة الكسوف
(١) باب
(٤٣٢) حديث
٠٠
والعجب من البيهقي يُضَعّف الحديث، وذكر في القنوت حديث أبي جعفر
الرازي وحكى عن الحاكم أنه قال: هذا إسناد صحيح، كذا في ((الجوهر)).
وأخرج البيهقي في ((المعرفة)) عن علي: أنه صلى كل ركعة بخمس
ركوعات، وقال: هذا مرسل. وذكره الحافظ في ((الفتح)) من ((مسند البزار))،
وهذا القول مختار العترة جميعاً، كما حكاه الشوكاني، هذا ما وقفت عليه من
الروايات في عدد الركوع.
وفي ((شرح الإحياء)): روي عن النبي ◌َّ ثلاث ركعات في ركعة، وأربع
في ركعة، وخمس في ركعة، وست في ركعة، وثمان ركعات في ركعة، انتهى.
وفي ((الكبرى)): حتى روي إلى عشر ركعات في كل ركعة، وقال العيني: وعند
سعيد بن جبير وإسحاق بن راهويه في رواية، ومحمد بن جرير الطبري، وبعض
الشافعية: لا توقيت في ذلك، بل يطيل أبداً ويسجد حتى تنجلي، انتهى.
هذا، وقد اختلفت الأئمة والفقهاء في العمل بهذه الأحاديث، فمنهم من
رأى الجمع بينها، وحكى البيهقي عن محققي الشافعية أنهم اختاروا تصحيح
هذه الأحاديث، والجمع بينها كما تقدم قريباً، وقواه النووي في ((شرح مسلم))،
قال الحافظ(١): وإلى ذلك نحا إسحاق، لكن لم تثبت عنده الزيادة على أربع،
وأبدى بعضهم أن حكمة الزيادة في الركوع والنقص كان بحسب سرعة الانجلاء
وبطئه، فحين وقع الانجلاء في أول ركوع اقتصر على مثل النافلة، وحين أبطأ
زاد ركوعاً ثانياً، وحين زاد الإبطاء زاد ثالثاً، وهكذا إلى غاية ما ورد، وتُعُقِّبَ
بأن الإبطاء لا يعلم في أول الحال، ولا الركعة الأولى، وقد اتفقت الروايات
على أن ركوع الركعتين سواء.
-----
وفي ((البداية)): قال أبو عمر: وبالجملة فإنما صار كل فريق إلى ما روي
(١) ((فتح الباري)) (٢/ ٥٣٢).
٩٦
----
---

١٢ - كتاب صلاة الكسوف
(١) باب
(٤٣٢) حديث
عن سلفه، ولذلك رأى بعض أهل العلم أن هذا كله على التخيير، وممن قال
بذلك الطبري، قال القاضي (ابن رشد): وهو الأولى، فإن الجمع أولى من
الترجيح .
ومنهم من اختار الترجيح، فقد قال بكل نوع مما ورد جماعة من
الصحابة والتابعين، كما قاله النووي وغيره، لكن جمهور الأئمة والفقهاء على
ترجيح الركوعين في كل ركعة، قال ابن رشد في ((البداية)(١): ذهب مالك
والشافعي وجمهور أهل الحجاز وأحمد(٢) إلى أن صلاة الكسوف ركعتان، في
كل ركعة ركوعان، وذهب أبو حنيفة والكوفيون إلى أن صلاة الكسوف ركعتان
على هيئة صلاة العيد والجمعة.
والسبب في اختلافهم اختلاف الآثار الواردة في هذا الباب، ومخالفة
القياس لبعضها، وذلك أنه ثبت من حديث عائشة وابن عباس الركوعان في كل
ركعة، قال أبو عمر: هذان الحديثان من أصح ما روي في هذا الباب، فمن
أخذ بهذين الحديثين ورجحهما على غيرهما من قبل النقل قال: صلاة الكسوف
ركعتان في كل ركعة ركوعان، وورد من حديث أبي بكرة وسمرة بن جندب
وعبد الله بن عمر والنعمان بن بشير: أنه ◌َّ صلى في الكسوف ركعتين كصلاة
العيد .
قال ابن عبد البر: وهي كلها آثار مشهورة صحاح، ومن أحسنها حديث
أبي قلابة عن النعمان، فمن رجح هذه الآثار لكثرتها وموافقتها للقياس، أعني
موافقتها لسائر الصلوات، قال: صلاة الكسوف ركعتان، وحكي عن ابن
عبد البر أنه قال: أصح ما في الباب ركوعان، وما خالف ذلك فمعلل أو
(١) (بداية المجتهد)) (٢١٠/١).
(٢) وحكى المناوي في (شرح الشمائل)) مذهب أحمد ثلاث ركوعات فليحرر، ش.
٩٧

١٢ - كتاب صلاة الكسوف
(١) باب
(٤٣٢) حدیث
ضعيف، وكذا قال البيهقي(١).
وقال ابن القيم (٢) بعد ذكر الرواية: لكل ركعة ركوعان، وهذا الذي صح
عنه ◌َّة، وروي عنه: أنه صلاها بصفات أخر كل ركعة بثلاث ركوعات، وكل
ركعة بأربع ركوعات، وكل ركعة بركوع واحد، لكن كبار الأئمة لا يصححون
ذلك كالإمام أحمد والبخاري والشافعي، ويرونه غلطاً، وقال البخاري في رواية
أبي عيسى الترمذي عنه: أصح الروايات عندي أربع ركعات في أربع سجدات،
والمنصوص عن أحمد أنه أخذ بحديث عائشة وحده، في كل ركعة ركوعان
وسجودان، وقال في رواية المروزي: أذهب إلى أن صلاة الكسوف أربع
ركعات وأربع سجدات، وأذهب إلى حديث عائشة، أكثر الأحاديث على هذا،
وهذا اختيار أبي بكر، وقدماء الأصحاب، وهو اختيار شيخنا أبي العباس
ابن تيمية، وكان يُضَعِّفُ كل ما خالفه من الأحاديث ويقول: هي غلط، انتهى.
قلت: وقد عرفت أن الروايات المتضمنة للزيادة على ركوعين بعضها
مخرج في الصحيح وبعضها مصحح من أئمة الفن بالتصريح، فحكم هؤلاء
الكبار بضعف كل ما خالف مختارهم من الأعاجيب.
قال ابن التركماني: وإذا كان الآتي بالزيادة عدلاً ثقة، وقد خرجت
روايته بالزيادة في الصحيح وجب قبول روايته، انتهى. قلت: لا سيما إذا حكم
عليها أحد من أئمة الفن بالتصحيح صريحاً.
وقال ابن رشد في ((البداية)): وهذا الذي خرجه مسلم لا أدري كيف قال
أبو عمر فيها: إنها وردت من طرق ضعيفة، انتهى. على أن بعض الأئمة الذين
غلطوا الروايات المتضمنة للزيادة على ركوعين أباحوا العمل على تلك
(١) ((السنن الكبرى)) (٣٢٧/٣).
(٢) ((زاد المعاد)) (٤٣٦/١).
٩٨

١٢ - كتاب صلاة الكسوف
(١) باب
(٤٣٢) حديث
الروايات، وهذا أيضاً عجب، فإن الرواية إذا صارت غلطاً كيف يصح العمل
بها .
قال في ((نيل المآرب)) من فروع الحنابلة: وإن أتى في صلاة الكسوف في
كل ركعة بثلاث ركوعات أو أربع أو خمس، فلا بأس، أي لا حرج في ذلك،
ولا يزيد على خمس ركوعات في كل ركعة، ولا على سجدتين، لأنه لم يرد به
نص، والقياس لا يقتضيه الشرع، انتهى.
وكذا في ((الروض المربع)) (١)، وذكر حديث جابر: بست ركوعات،
وحديث ابن عباس: بثماني ركعات، وحديث أبي: في كل ركعة خمس
ركوعات، ثم قال: قال النووي: وبكل نوع قال بعض الصحابة، وذكر أيضاً:
يصح فعلها كنافلة، أي بركوع واحد.
قال في ((نيل المآرب)): ويحمل النص بالركوع الزائد على الفضيلة،
وكذلك الشافعية صرحوا في فروعهم بأن لها ثلاث صور كما تقدم. إحداها أن
يصليها كسنة الظهر، أي ركعتان بركوع واحد في كل ركعة، وأهل فروعهم لم
يجوزوا الزيادة على ركوعين، لأن رواية الركوعين أصح وأشهر.
لكن في ((شرح الإحياء)): قال الرافعي: أقلها أن يُحْرِم بنية صلاة
الكسوف ويقرأ الفاتحة ويركع، ثم يرفع ويقرأ الفاتحة ثم يركع ثانياً، ثم يرفع
ويطمئن ثم يسجد، فهذه ركعة، ثم يصلي ركعة ثانية كذلك، فهي ركعتان في
كل ركعة قيامان وركوعان، ويقرأ الفاتحة في كل قيام، فلو تمادى الكسوف
فهل يزيد ركوعاً ثالثاً، وجهان: أحدهما: يزيد ثالثاً ورابعاً وخامساً، حتى
ينجلي الكسوف، قاله ابن خزيمة والخطابي وأبو بكر الصِّبْغي من أصحابنا،
الأحاديث الواردة، ولا محمل لها إلا التمادي، وأصحها لا تجوز الزيادة،
(١) (٣١٥/١).
٩٩

١٢ - كتاب صلاة الكسوف
(١) باب
(٤٣٢) حديث
وروايات الركوعين أصح وأشهر، فيؤخذ بها، انتهى. نعم لم أر التصريح
بجواز الزيادة أو النقصان في فروع المالكية.
وقالت الحنفية: تُصلَّى كسائر النوافل بركوع واحد وقيام واحد في كل
ركعة، وبه قال إبراهيم النخعي وسفيان الثوري، ويروى ذلك عن ابن عمر
وأبي بكرة وسمرة بن جندب وعبد الله بن عمر وقبيصة الهلالي والنعمان بن
بشير وعبد الرحمن بن سمرة وعبد الله بن الزبير، ورواه ابن أبي شيبة عن
ابن عباس، قاله العيني(١)، وقال الحلبي: رواه ابن أبي شيبة عن ابن عباس أنه
فعله وهو أمير البصرة، ورواه الطحاوي عن المغيرة بن شعبة، وبه أخذ داود
وأصحابه، انتهى.
قلت: وهي إحدى الصور الثلاث للشافعية، وأباحته الحنابلة كما تقدم
قريباً، واستدلوا على ذلك بروايات كثيرة.
منها، حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: انكسفت الشمس على
عهد رسول الله ◌ّ فقام ◌َّلير لم يكد يركع ثم ركع فلم يكد يرفع، ثم رفع فلم
يكد يسجد، ثم سجد، الحديث. أخرجه أبو داود والنسائي والترمذي في
(الشمائل)) عن عطاء بن السائب عن أبيه عن عبد الله بن عمرو. وقال الحاكم
في ((المستدرك)) (٢): صحيح، ولم يخرجاه من أجل عطاء، وقال المنذري:
أخرج البخاري لعطاء حديثاً مقروناً بأبي بشر، وقال أيوب: هو ثقة، وفرق
الإمام أحمد وغيره بين من سمع منه قديماً وحديثاً .
وقال تقي الدين في ((الإمام)): كل من روى عن عطاء، روى عنه في
الاختلاط إلا شعبة وسفيان، وأصحاب ((السنن)) أخرجوه عن جماعة عن
(١) ((عمدة القاري)) (٢٩٧/٥).
(٢) (٣٢٩/١)، وانظر: ((نصب الراية)) (٢٢٨/٢).
١٠٠
----