Indexed OCR Text

Pages 61-80

١٢ - كتاب صلاة الكسوف
(١) باب
(٤٣٠) حدیث
فَسَجَدَ .
قلت: لكن فروعهم مصرحة بعدم تطويل الاعتدال، ففي ((الإقناع))(١):
في ركعة ركوعان يطيل التسبيح فيهما دون السجدات، فلا يطيلها كالجلوس
بينها والاعتدال من الركوع الثاني والتشهد، وهذا ما جرى عليه الرافعي،
والصحيح أنه يطولها، انتهى. وكذا في جملة فروعهم، والاختلاف في
السجدات فقط. قال في ((الأنوار لأعمال الأبرار)): ولا يطول السجدات،
وقيل: يطولها ولا يطول الاعتدال والتشهد وفاقاً، انتهى.
وقال النووي في ((الأذكار)): ولا يطول الاعتدال عن الركوع الثاني ولا
التشهد، انتهى. وهكذا عند الحنابلة. قال في ((الروض المربع))(٢): ثم يركع
فيطيل الركوع، وهو دون الركوع الأول، ثم يرفع فيسمع ويحمد كما تقدم ولا
یطیل، ثم يسجد، انتهى.
ولم أر التصريح به في ((فروع المالكية))، لكن سياق كلامهم يدل على
عدم التطويل، وكذلك لم أر التصريح بذلك في ((فروع الحنفية))، لكن قال
ابن عابدين في الواجبات: إن طول القيام في الرفع من الركوع ليس بمشروع،
انتهى. وأيضاً قالوا: إن من فاتته تسبيحات صلاة التسبيح في ركن يأتي بها في
الركن الذي يليه إلا تسبيحات الركوع، لا يأتي بها في القومة لأنه لا يشرع
تطويله. وفي ((شرح الإحياء)): أما الاعتدال بعد الركوع الثاني فلا يطول
بلا خلاف، وكذا التشهد، انتهى.
(فسجد) لم يذكر في هذه الرواية تطويل السجود، لكنه مذكور في هذه
الرواية عند البخاري، فقد أخرجه برواية عبد الله بن مسلمة عن مالك، ولفظه:
((ثم سجد فأطال السجود)) وبوَّب البخاري في (صحيحه)) طول السجود في
(١) (٣٩٣/١).
(٢) (٣١٢/١).
٦١

١٢ - كتاب صلاة الكسوف
(١) باب
(٤٣٠) حديث
الكسوف، قال الحافظ(١): أشار بهذا إلى رد من أنكره، واستدل بعض المالكية
على ترك إطالته بأن الذي شرع تطويله شرع تكراره، وهو استدلال بمقابلة
النص.
وأبدى بعضهم في مناسبة التطويل في القيام والركوع دون السجود، أن
القائم والراكع يمكنه رؤية الانجلاء، بخلاف الساجد، ولأن في تطويله
استرخاء الأعضاء، فقد يُفْضي إلى النوم، وكل هذا مردودٌ بثبوت الأحاديث
الصحيحة في تطويله، فقد أخرج البخاري في الباب حديث عبد الله بن عمرو
في الكسوف، وفي آخره: قالت عائشة: ((ما سجدت سجوداً قط كان أطول
منها)).
--
قال الحافظ: وتقدم قريباً في حديث عروة عن عائشة: ((فأطال السجود))،
وفي حديث أسماء بنت أبي بكر مثله، وللنسائي من وجه آخر عن عبد الله بن
عمرو بلفظ: ((فسجد وأطال السجود)) ونحوه عنده عن أبي هريرة، وللشيخين
من حديث أبي موسى: ((بأطول قيام وركوع وسجود رأيته قط))، ولأبي داود
والنسائي من حديث سمرة: ((كأطول ما سجد بنا في صلاة قط)) وكل هذه
الأحاديث ظاهرة في أن السجود في الكسوف يطول كما يطول القيام والركوع.
وأبدى بعض المالكية فيه بحثاً، قال: لا يلزم من كونه أطال أن يكون
بلغ به حد الإطالة في الركوع، وكأنه غفل عما رواه مسلم في حديث جابر
بلفظ: ((وسجوده نحو من ركوعه)) وهذا مذهب أحمد وإسحاق وأحد قولي
الشافعي، وبه جزم أهل الحديث من أصحابه، واختاره ابن سريج والنووي،
وتعقبه صاحب ((المهذب)) بأنه لم ينقل في خبر، ولم يقل به الشافعي، وردّ عليه
في الأمرين معاً، فإن الشافعي نص عليه في ((البويطي)) ولفظه: ((ثم يسجد
سجدتين طويلتين يقيم في كل سجدة نحواً مما قام في ركوعه))، انتهى.
(١) انظر: ((فتح الباري)) (٥٣٨/٢).
٦٢

١٢ - كتاب صلاة الكسوف
(١) باب
(٤٣٠) حديث
٠٠.
قلت: مذهب الإمام أحمد تطويل السجدتين كما حكى عنه الحافظ،
وصرح به في فروعه من ((النيل)) و ((الروض)). ومذهب الإمام الشافعي كما
حكى عنه أهل المتون من فروعه عدم التطويل(١)، لكن رد محققوهم على هذا
القول، وإليه أشار الحافظ.
قال النووي في ((الأذكار)): يطول السجود كالركوع، السجدة الأولى
كالركوع الأول، والثانية كالثاني، هذا هو الصحيح، وفيه خلاف معروف
للعلماء، ولا تَشُكَّنَّ فيما ذكرته من استحباب تطويل السجود، لكن المشهور في
أكثر كتبنا أنه لا يطول، فإن ذاك غلط أو ضعيف، بل الصواب تطويله، وقد
أوضحته بدلائله وشواهده في ((شرح المهذب))، انتهى.
ومذهب المالكية أيضاً التطويل، قال في ((الشرح الكبير)) (٢): وسجد
طويلاً ندباً كالركوع الثاني، أي يقرب منه في الطول، قال الدسوقي: اعلم أن
تطويل الركوع كالقراءة، وتطويل السجود كالركوع، قيل: إنه مندوب، وهو
لعبد الوهاب، وقال سند: إنه سنة يترتب السجود ((أي سجود السهو)) على
تر که، انتهى.
قال الزرقاني: قال مالك في المشهور: إنه يطيل السجود كالركوع،
انتهى. وفي ((المدونة))(٣): قلت لابن القاسم: هل تحفظ عن مالك في السجود
أنه يطيل كما يطيل في الركوع؟ قال: لا، إلا أن في الحديث: ((ركع ركوعاً
طويلاً)). قال ابن القاسم: وأحب إليّ أن يسجد سجوداً طويلاً، ولا أحفظ
طول السجود عن مالك، انتهى.
(١) وفي ((الاستذكار)) (٩٦/٧) قال مالك: لم أسمع أن السجود يطول في صلاة الكسوف
وهو مذهب الشافعي.
(٢) (٤٠٣/١).
(٣) (١٥١/١).
٦٣

١٢ - كتاب صلاة الكسوف
(١) باب
(٤٣٠) حدیث
قال الباجي(١): واختلف أصحابنا في تطويل السجود، فقال ابن حبيب:
لا يطول السجود، وقال ابن القاسم: يطيل السجود، وجه قول ابن حبيب: أن
الإطالة نوع من التغيير فلم يلحق السجود كالتكرار، ووجه قول ابن القاسم
حديث عمرة عن عائشة، ومن جهة المعنى أن هذا ركن من أركان الصلاة
یتکرر فرضاً، فدخله التغییر کالركوع، انتهى.
۔
قلت: وكذلك عند الحنفية يطيل السجود فيها، صرح به أهل فروعهم،
ففي ((الدر المختار)): يطيل فيها الركوع والسجود والقراءة.
قال الزرقاني(٢): لم يذكر في حديث الباب ولا اللذين بعده تطويل
السجود، واحتج به من ذهب إلى أنه لا طول فيه قائلاً: لأن الذي شرع فيه
التطويل شرع تكراره كالقيام والركوع، ولم تشرع الزيادة في السجود، فلا يشرع
تطويله، وحكمة ذلك أن القائم والراكع يمكنه رؤية الانجلاء بخلاف الساجد،
فإن الآية علوية فناسب طول القيام لا السجود، ولأن في تطويله استرخاء
الأعضاء، فقد يفضي إلى النوم، وكل هذا مردود بثبوت الأحاديث الصحيحة
بتطویله، انتھی.
تنبيه: لم يذكر في الرواية الجلسة بين السجدتين، قال الزرقاني (٣): لا
إطالة بين السجدتين إجماعاً، وكذا في ((الشرح الكبير)) للمالكية: لا يطيل
الجلوس بين السجدتين إجماعاً، وفي ((المدونة)): قلت: فهل يوالي بين
السجدتين في قول مالك، ولا يقعد بينهما؟ قال: نعم، وذلك لأنه لو كان
بينهما قعود لذكر في الحدیث، انتهى.
(١) ((المنتقى)) (٣٢٧/١).
(٢) ((شرح الزرقاني)) (١/ ٣٧٣).
(٣) ((شرح الزرقاني)) (٣٧٤/١).
٦٤
--------- -

١٢ - كتاب صلاة الكسوف
(١) باب
(٤٣٠) حديث
ثُمَّ فَعَلَ فِي الرَّكْعَةِ الْآخِرَةِ مِثْلَ ذَلِكَ .
وفي ((الروض المربع)) (١): لا يطيل الجلوس بين السجدتين، وكذا صرح
به في فروع الشافعية، وهو مقتضى أصول الحنفية إذ قالوا: إن تطويل الجلوس
بين السجدتين غير مشروع.
قال الحافظ(٢) بعد ذكر حديث عبد الله بن عمرو عند ابن خزيمة والنسائي
وغيرهما بلفظ: ((ثم سجد فأطال حتى قيل: لا يرفع، ثم رفع فجلس فأطال
الجلوس حتى قيل: لا يسجد، ثم سجد)»: لفظ ابن خزيمة من طريق الثوري
عن عطاء، والثوري سمع منه قبل الاختلاط، فالحديث صحيح، ولم أقف في
شيء من الطرق على تطويل الجلوس بين السجدتين إلا في هذا، وقد نقل
الغزالي الاتفاق على ترك الإطالة، فإن أراد الاتفاق المذهبي فلا كلام، وإلا
فهو محجوج بهذه الرواية، انتهى.
وقال النووي في ((الأذكار)): قال أصحابنا: لا يطول الجلوس بين
السجدتين، بل يأتي به على العادة في غيرها، وهذا الذي قالوه فيه نظر، فقد
ثبت في حديث صحيح إطالته، وقد ذكرت ذلك واضحاً في ((شرح المهذب))
فالاختيار استحباب إطالته، انتهى.
قلت: وهكذا ينبغي للحنفية أن يصرحوا باستحباب تطويله، لأن الرواية
التي استدلوا بها في الكسوف صريحة في تطويله، وفي ((مسند أبي حنيفة)) من
حديث ابن عمر: فكان جلوسه بين السجدتين قدر سجوده، الحديث. لكن لم
أر التصريح به في الفروع.
(ثم فعل في الركعة الآخرة) بكسر الخاء أي الثانية (مثل ذلك) أي كما
فعل في الأولى، وسيأتي تفصيلها في الرواية الآتية، وذكر الفاكهاني أن في
(١) (٣١٣/١).
(٢) ((فتح الباري)) (٥٣٩/٢).
٦٥

١٢ - كتاب صلاة الكسوف
(١) باب
(٤٣٠) حديث
ثُمَّ انْصَرَفَ وَقَدْ تَجَلَّتِ الشَّمْسُ.
بعض الروايات تقدير القيام الأول بنحو البقرة، والثاني بنحو آل عمران،
والثالث بنحو النساء، والرابع بنحو المائدة، وأشكل عليه بأن المختار أن القيام
الثالث أقصر من الثاني، والنساء أطول من آل عمران، وأجاب عنه الزرقاني:
بأنه إذا أسرع بقراءتها، ورتّل آل عمران كانت أطول، وتعقب الفاكهاني بأن
الحديث لا يعرف، وإنما هو قول الفقهاء، وإنما المعروف في حديث ابن عباس
أوّله، أي ذكر البقرة فقط.
وقال السبكي في ((شرح المنهاج)): قد ثبت بالأخبار تقدير القيام الأول
بنحو البقرة، وتطويله على الثاني والثالث، ثم الثاني على الرابع، وأما نقص
الثالث عن الثاني أو زيادته عليه فلم يرد فيه شيء فيما أعلم، فلأجله لا بعد في
ذكر سورة النساء فيه وآل عمران في الثاني، نعم إذا قلنا بزيادة ركوع ثالث،
فيكون أقصر من الثاني، انتهى. كذا في ((شرح الإحياء)).
(ثم انصرف) النبي ◌َّ﴿ من الصلاة (وقد تجلَّت) بفوقية وشدِّ لام كما
ضبطه الزرقاني(١)، وهكذا في النسخ الموجودة عندنا (الشمس) وفي رواية
ابن شهاب: ((انجلت الشمس قبل أن ينصرف)). وفيه ثلاثة أبحاث:
الأول: في وقت انجلاء الشمس في صلاة النبي وَله .
والثاني: لو انجلت الشمس حينئذ كيف تتم الصلاة؟.
والثالث: إن لم تنجل بعد الصلاة أيضاً، فهل تكرر الصلاة؟ وتقدم
الكلام على هذا البحث الثالث في المباحث المتقدمة.
وأما الأول: فقد اختلفت الروايات في ذلك، لكن أكثرها على أن
الانجلاء كان في الجلوس آخر الصلاة، ففي ((المشكاة)) بالحديث المتفق عليه،
(١) ((شرح الزرقاني)) (٣٧٤/١).
٦٦
" ------- ---

١٢ - كتاب صلاة الكسوف
(١) باب
(٤٣٠) حدیث
عن عبد الله بن عباس (١)، ((ثم انصرف وقد تجلت الشمس))، وهكذا في رواية
الباب عن عائشة، أخرجها البخاري وجماعة، وأخرج أبو داود عن جابر بن
عبد الله بلفظ: ((فقضى الصلاة وقد طلعت الشمس)). وأخرجه مسلم بلفظ:
((فانصرف وقد آضت الشمس)»، وأخرج البخاري ومسلم من حديث أسماء
بلفظ: ((فانصرف رسول الله ◌َّ وقد تجلت الشمس)).
وأخرج أبو داود من حديث سمرة: ((خرجنا فإذا هو بارز)) الحديث،
وفيه: ((فوافق تجلي الشمس جلوسه في الركعة الثانية ثم سلم)) وهكذا أخرجه
النسائي، وسيأتي ذكر هذا الحديث في مستدل الحنفية.
وأخرج أبو داود(٢) من حديث قبيصة الهلالي بلفظ: ((ثم انصرف
وانجلت)) ولفظ النسائي: ((فوافق انصرافه انجلاء الشمس))، وأخرج أبو داود من
حديث السائب عن عبد الله بن عمرو بلفظ: ((ففرغ رسول الله وَلّر من صلاته
وقد امحصت الشمس))، وأخرجه النسائي بلفظ: ((ثم رفع رأسه ــ أي من
السجدة - وانجلت الشمس)).
وأخرج أبو داود عن أُبَيّ بن كعب: ((صلى بهم وركع خمس ركعات، ثم
جلس كما هو مستقبل القبلة، يدعو حتى انجلى كسوفها))، وهكذا لفظ البيهقي
وغيره، وأخرج أبو داود من حديث النعمان بن بشير بلفظ: ((فجعل يصلي
ركعتين ركعتين، ويسأل عنها حتى انجلت))، ولفظ النسائي: ((ولم يزل يصلي بنا
حتى انجلت)) وهكذا لفظ البيهقي.
وأخرج مسلم وأبو داود والنسائي من حديث عبد الرحمن بن سمرة
(١) أخرجه البخاري في باب صلاة الكسوف جماعة رقم (١٠٥٢)، ((فتح الباري))
(٥٤٠/٢). وأخرجه مسلم رقم (٢٠٧٤).
(٢) ((سنن أبي داود)) (٤٤١/١) رقم (١١٨٥)، وأخرجه النسائي (١٤٨٥).
٦٧

١٢ - كتاب صلاة الكسوف
(١) باب
(٤٣٠) حديث
بلفظ: ((فانتهيت إليه وهو رافع يديه يسبح ويحمد ويهلل ويدعو حتى حُسِر عن
الشمس، فقرأ بسورتين وركع ركعتين)) (١)، وفي طريق آخر لمسلم، قال: ((فلما
حسر عنها قرأ سورتين وصلى ركعتين)) ..
وأخرج البخاري من حديث أبي بكرة بلفظ: ((فصلى بهم ركعتين فانجلت
الشمس))، وأخرج مسلم(٢) من حديث أبي سلمة عن عبد الله بن عمرو بن
العاص بلفظ: ((فركع ركعتين في سجدة، ثم قام فركع ركعتين في سجدة، ثم
جُلِّي عن الشمس)) وهكذا أخرجه النسائي من حديث أبي طعمة عن عبد الله بن
عمرو، وهذا راجع إلى ما سبق من أن الانجلاء وقع في الجلوس.
وأخرج مسلم من حديث عمرة عن عائشة بلفظ: ((فقام وقام الناس
وراءه، فقام قياماً طويلاً، ثم ركع فركع ركوعاً طويلاً، ثم رفع فقام قياماً
طويلاً، وهو دون القيام الأول، ثم ركع ركوعاً طويلاً، وهو دون الركوع
الأول، ثم رفع وقد تجلت الشمس)) وظاهره: أن الانجلاء وقع في الركوع
الثاني من الركعة الأولى.
قال النووي(٣) بعد حديث عبد الرحمن بن سمرة: هذا مما يُستشكل،
ويُظَنُّ أن ظاهره أنه ابتدأ صلاة الكسوف بعد انجلاء الشمس، وليس كذلك،
فإنه لا يجوز ابتداؤها بعد الانجلاء، والحديث محمول على أنه وجده في
الصلاة كما صرح به في الرواية الثانية، ثم جمع الراوي جميع ما جرى في
الصلاة من دعاء وتكبير وتهليل وقراءة سورتين، وكانت السورتان بعد الانجلاء
تتميماً للصلاة، فتمت جملة الصلاة ركعتين، أولها في حال الكسوف وآخرها
--
(١) أخرجه مسلم في (١٠) كتاب الكسوف، (٥) (الحديث: ٩١٣/٢٥) و(٩١٣/٢٧) بنحوه
وأخرجه أبو داود (١١٩٥) والنسائي (١٤٦٠).
(٢) أخرجه مسلم (٩١٠).
(٣) ((شرح صحيح مسلم للنووي)) (٦/ ٢١٧).
٦٨
-- --
.-----

١٢ - كتاب صلاة الكسوف
(١) باب
(٤٣٠) حديث
فَخَطَطَبَ النَّاسَ،
بعد الانجلاء، وهذا الذي ذكرته من تقديره لا بد منه، لأنه مطابق للرواية
الثانية ولقواعد الفقه ولروايات باقي الصحابة.
ونقل القاضي عياض عن المازري أنه تأوّله على صلاة ركعتين تطوعاً
مستقلاً بعد انجلاء الكسوف، لا أنها صلاة الكسوف، وهذا ضعيف مخالف
لظاهر الرواية، انتهى.
وأما الثاني: فلا إشكال فيه على أصول الحنفية لأنهم قالوا (١): بأن صلاة
الكسوف كهيئة النوافل، ولا تغيير فيها عندهم، فيُتمها على ما شُرِع كالنوافل،
واختلفت فيما بينهم الأئمة الذين قالوا بالتغيير فيها، فقالت الحنابلة كما في
((نيل المآرب)) و ((الروض المربع)): فإن تجلّ الكسوفُ فيها أتمها خفيفة، وفي
((الشرح الكبير)) للمالكية: وإن انجلت كلها في أثنائها بعد تمام ركعة بسجدتيها،
فقال سحنون: يُتمها بقيام وركوع فقط من غير تطويل، وقال أصبغ: يُتمها على
سنتها بلا تطويل، قولان بلا ترجيح، وأما إذا لم يتم ركعة بسجدتيها، فإنه
يتمها كالنوافل جزماً، انتهى.
وقالت الشافعية كما في ((التوشيح)) وغيره: ولا تجوز زيادة ركوع ثالث
فأكثر لتمادي الكسوف، ولا نقص أحد الركوعين اللذين نواهما للانجلاء،
انتهى .
(فخطب الناس) هذا أيضاً مختلف عند الأئمة، قال الإمام الشافعي
وإسحاق وغيرهما: بسُنِّيّة الخطبة فيها خلافاً للأئمة الثلاثة، قال في ((نيل
المآرب)): قال في ((الفروع)): لا تشرع لها خطبة، وفاقاً لأبي حنيفة ومالك،
انتھی .
(١) قال ابن عبد البر في ((الاستذكار)) (٩٦/٧): قال الكوفيون ومنهم أبو حنيفة والثوري
والحسن بن حيّ: صلاة الكسوف كهيئة صلاتنا ركعتان نحو صلاة الصبح، ثم الدعاء
حتى ينجلي .
٦٩

١٢ - كتاب صلاة الكسوف
(١) باب
(٤٣٠) حديث
وفي ((الروض المربع)) (١): ولا يشرع لها خطبة، لأنه عليه الصَّلاة والسَّلام
أمر بهما دون الخطبة، انتهى. قلت: لكن المالكية ندبوا بعد ذلك الوعظ، قال
في ((الشرح الكبير)(٢): وندب وعظٍ بعد الصلاة، انتهى.
ولا خلاف في ذلك بين الأئمة الثلاثة للحنفية، وقال العيني (٣): حديث
الباب صريح في الخطبة، وبها قال الشافعي وإسحاق وابن جرير وفقهاء
أصحاب الحديث، وقال أبو حنيفة ومالك وأحمد: لا خطبة فيها، قالوا: لأن
النبي ◌َّ أمرهم بالصلاة والتكبير والصدقة، ولم يأمرهم بالخطبة، ولو كانت
سنة لأمرهم بها، ولأنها صلاة كان يفعلها المنفرد في بيته، فلم يشرع لها
خطبة، وإنما خطب وَل﴿ل بعد الصلاة ليعلِّمهم حكماً، فكأنه مختصِّ به، وقيل:
خطب بعدها لا لها، بل ليردّهم عن قولهم: إن الشمس كسفت لموت إبراهيم
كما في الحديث، انتھی.
قال الباجي(٤): قوله: ((فخطب الناس)) يريد أنه أتى بكلام على نظم
الخطب، فيه ذكر الله تعالى وحمده وثناؤه ووعظ للناس، وليس بخطبتين، يرقى
لهما المنبر ويجلس في أولهما وبينهما، هذا قول مالك، والدليل على صحته
أن هذه صلاة نفل لم يجهر فيها بالقراءة، فلم يكن من سننها الخطبة كسائر
النوافل، انتهى.
وفي فروع الشافعية: يخطب الإمام بعدها خطبتين كالعيد، لكن لا تكبير
فيهما، لعدم وروده، وإنما تسن الخطبة للجماعة ولو مسافرين بخلاف المنفرد،
(١) (٣١٣/١).
(٢) (٤٠٣/١).
(٣) ((عمدة القاري)) (٣٠٩/٥).
(٤) ((المنتقى)) (٣٢٧/١).
٧٠

١٢ - كتاب صلاة الكسوف
(١) باب
(٤٣٠) حديث
٠
انتهى. قال في ((شرح الإحياء)): يخطب خطبتين بعد الصلاة بينهما جلسة فلا
تجزىء واحدة، هذا مذهب الشافعي، واستدل بحديث عائشة وأسماء: ((خطب
النبي ( 8# في الكسوف))، وقال أبو حنيفة ومالك: ليس في صلاة الكسوف
خطبة .
وقال ابن قدامة في ((المغني)): لم يبلغنا عن أحمد ذلك، وعَلَّلَه صاحب
((الهداية)) بأنه لم ينقل، قال الزيلعي(١): وحملوا الحديث على أنه ◌َّ قال ذلك
ليردهم عن قولهم: ((إن الشمس كسفت لموت إبراهيم))، والذي يدل على هذا
أنها أخبرت أنه عليه السَّلام خطب بعد الانجلاء، ولو كانت سنة لخطب قبله
كالصَّلاة والدعاء، ونقل صاحب ((الجوهرة)) إجماع أصحابنا على ذلك، قالوا:
لأنه أمر بالصلاة، ولم يأمر بالخطبة، ولو كانت مشروعة لبيّنها، انتهى.
قلت: ولعل هذا مراد صاحب ((الهداية)) إذ قال: لم ينقل، أي الأمر بها
كما نقل الأمر بالصلاة والذكر والدعاء وغير ذلك، وأما روايات الفعل فمحتملة
على أنها مختلفة في أن قوله عليه الصَّلاة والسَّلام: ((لا يخسفان لموت أحد
ولا لحياته))، كان قبل الصَّلاة أو بعدها كما لا يخفى على من نظر ألفاظها .
والأوجه عندي في الجمع بينهما كما جمع الحافظ بين مختلف الروايات
في الاستسقاء أنه وَّ خطب أولاً للردّ على زعمهم أنهما ينكسفان لموت
عظيم، وخطب بعد الصلاة لبيان ما رأى في الصلاة من الآيات، وكان دأبه ونَجيل
إخبار ما رأى أو نزل، فمن انكشف له شيء مثل ذلك فله الخطبة لإخباره،
وفي ((مسند أبي حنيفة)): عن حماد، عن إبراهيم، عن علقمة، عن ابن مسعود
قال: ((انكسفت الشمس يوم مات إبراهيم بن رسول الله وَل، فقام رسول الله وَله
فخطب فقال: إن الشمس والقمر آيتان)) الحديث، وفي آخره: ((ثم نزل وصلى
رکیتین)).
(١) انظر: ((نصب الراية)) (٣٣٢/١).
٧١

١٢ - كتاب صلاة الكسوف
(١) باب
(٤٣٠) حديث
فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: ((إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ
آيَاتِ اللَّهِ. لا يَحْسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ، وَلا لِحَيَاتِهِ. فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ
فَادْعُوا اللَّهَ. وَكَبِّرُوا،
(فحمد الله) عز وجل (وأثنى عليه) زاد النسائي عن سمرة: ((وشهد أنه
عبد الله ورسوله)) (ثم قال: إن الشمس والقمر آيتان) الآية: في كلام العرب
العَلامة، وقوله: (من آيات الله) يحتمل أن يريد به أن ذلك من آياته التي يستدل
بها على وحدانيته وقدرته وعظمته، ويحتمل أن يريد به أنهما من علامات
تخويفه وتحذيره بآياته وسطوته، قال عز اسمه: ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالْآَيَتِ إِلَّا
تَخْوِيفًا﴾(١)، قاله الباجي(٢). وفيه رد على بعض الفرق الضالة، كانوا
يعظمونهما، فبين أنهما آيتان مخلوقتان كسائر المخلوقات، يطرأ عليهما النقص
والتغيير .
(لا يخسفان) بفتح فسكون، ويجوز ضم أوله، وحكى ابن الصلاح منعه.
(لموت أحد) كما توهمه البعض تبعاً لما كان عليه أهل الجاهلية أن الكسوف لا
يكون إلا لموت عظيم (ولا لحياته) ذكره تبعاً(٣)، وإلا فهم لم يكونوا قائلين
بأنه لحياة أحد، لكنه وَ ل# رفع توهم من يقول: لا يلزم من نفي كونه سبباً للفقد
أن لا يكون سبباً للإيجاد (فإذا رأيتم ذلك) أي الكسوف في أحدهما لاستحالة
كسوفهما معاً في وقت واحد عادة (فادعوا الله وكبروا) أمر بالدعاء والتكبير
والثناء، لأنهما مما يُتَقرَّب به إليه، ويُسْتجلب رضاه تعالى، ويُسْتدفع بأسه
وسطوته .
(١) سورة الإسراء: الآية ٥٩.
(٢) ((المنتقى)) (١/ ٣٧٧).
(٣) قال القاري: وفي ((شرح السنة)): زعم أهل الجاهلية أن كسوف الشمس وكسوف القمر
يوجب حدوث تغير في العالم من موت وولادة وضرر وقحط ونقص ونحوها، فأعلم
النبي ◌َ# أن كل ذلك باطل، ((مرقاة المفاتيح)) (٣١٩/٣).
٧٢

١٢ - كتاب صلاة الكسوف
(١) باب
(٤٣٠) حديث
وَتَنصَذَّقُوا». ثُمَّ قَالَ: ((يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ! وَاللَّهِ! مَا مِنْ أَحَدٍ أَغْبَرَ مِنَ اللَّهِ
(و تصدقوا) وبؤَّب به البخاري في ((صحيحه)) اهتماماً به، فقال: ((باب
الصدقة في الكسوف)) وذلك لما ورد ((أن الصدقة تُطْفىء غضب الرب)) (ثم
قال) وَله: (با أمة محمد) خاطبهم بذلك إظهاراً لمعنى الشفقة، كما يقول أحد:
يا بُنَيَّ، وعدل عن قوله: يا أمتي؛ لأن المقام موضع تحذير، وفي قوله: أمتي
إشعارٌ بالتكريم.
(والله) أتى باليمين تأكيداً، وإلا فكلامه {* مما لا ريب فيه، قاله
الزرقاني. وزيادة اليمين ليست في النسخ المصرية (ما من أحد أغير) بالنصب
على أنه الخبر، ولفظ من زائدة، ويجوز الرفع على لغة تميم والجرّ على أنه
صفة لأحد، والخبر محذوف، قاله الحافظ(١). وقال أيضاً: هو أفعل تفضيل
من الغيرة بالفتح، وهي في اللغة تغير يحصل من الحمية والأنفة، أي ما من
أحد أشد غيرة (من الله) عزّ وجلّ.
وأصل الغيرة في الزوجين والأهلين، وكل ذلك محال على الله تعالى،
لأنه منزَّةٌ عن كل تغير ونقص، فتعين حمله على المجاز، فقيل: لما كانت ثمرة
الغيرة صون الحريم ومنعهم، وزجر من يقصد إليهم أطلق عليه ذلك، لكونه منع
من فعل ذلك، وزجر فاعله وتوعده، فهو من باب تسمية الشيء بما يترتب
عليه .
وقال ابن فورك: المعنى: ما أحد أكثر زجراً عن الفواحش من الله تعالى،
وقيل غير ذلك، قال ابن دقيق العيد: أهل التنزيه في مثل هذا على قولين: إما
ساكت وإما مؤوّل، على أن المراد بالغيرة شدة المنع والحماية، فهو من مجاز
الملازمة .
قال الطيبي وغيره: وجه اتصال هذا المعنى بما قبله من قوله: فاذكروا الله
(١) انظر: ((فتح الباري)) (٥٣٠/٢).
٧٣

١٢ - كتاب صلاة الكسوف
(١) باب
(٤٣٠) حديث
أَنْ يَزْنِيَ عَبْدُهُ أَوْ تَزِنِيَ أَمَتُهُ. يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ! وَاللَّهِ! لَوْ تَعْلَمُونَ مَا
أَعْلَمُ، لَضَحِكْتُمْ قَلِيلاً، وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيراً)).
أخرجه البخاريّ في: ١٦ - كتاب الكسوف، ٢ - باب الصدقة في الكسوف.
ومسلم في: ١٠ - كتاب الكسوف وصلاته، ١ - باب صلاة الكسوف،
حديث ١.
إلخ، من جهة أنهم لما أمروا باستدفاع البلاء بالذكر والدعاء والصلاة
والصدقة، ناسب ردعهم عن المعاصي التي هي من أسباب جلب البلاء،
وخص منها الزنا، لأنه أعظمها، قاله الحافظ. (أن يزني عبده) متعلق بأغير أي
على أن يزني عبده (أو تزني أمته) قال الزرقاني: خصهما بالذكر رعاية لحسن
الأدب مع الله عز وجل، لتنزهه عن الزوجة والأهل ممن يتعلق بهم الغيرة
غالباً، ثم كرر النداء تأكيداً .
فقال: (يا أمة محمد) وفيه أيضاً أدب الواعظ أن يبالغ في التواضع في الوعظ،
فإنه أقرب إلى القبول، وانتفاع السامع (والله! لو تعلمون ما أعلم) من عظيم قدرته
تعالى وشدة انتقامه حفظنا الله منه، ومما رأى إذ ذاك من المناظر القبيحة من أهل النار
أو من سعة رحمته وحلمه سترنا الله تعالى بهما بفضله وكرمه، أو المعنى: لو دام
علمكم كما دام علمي، فإن علمه ◌َّ متواصل بخلاف علم غيره، قاله الحافظ (١).
(لضحكتم قليلاً) أي في زمان قليل، وقيل: القلة ههنا بمعنى العدم (ولبكيتم كثيراً)
خوفاً من الله عز وجل أو لتفكركم فيما تعلمون، أو لما فاتكم من رحمته عز اسمه.
وقول المهلب: المخاطب منه الأنصار لما كانوا عليه من محبة اللهو
والغناء، لا دليل عليه، سيما إذا كانت القصة في آخر زمنه وَلَّ، ورَدَّ عليه
جماعة، سيما الزين بن المنير، بالغ عليه في الرد والتشنيع، وفي الحديث
ترجيح التخويف في الوعظ على التوسع بالترخيص.
(١) انظر: ((فتح الباري)) (٥٣١/٢)، و((مرقاة المفاتيح)) (٣٢١/٣).
٧٤
--
------- --

١٢ - كتاب صلاة الكسوف
(١) باب
(٤٣١) حديث
٢/٤٣١ - وحدّثني عَنْ مَالِكٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَّمَ، عَنْ
◌َطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ؛ أَنَّهُ قَالَ: حَسَفَتِ الشَّمْسُ،
فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﴿ل، وَالنَّاسُ مَعَهُ، فَقَامَ قِيَاماً طَوِيلاً نَحْواً مِنْ
سُورَةِ الْبَقَرَةِ.
٢/٤٣١ - (مالك عن زيد بن أسلم) العدوي (عن عطاء بن يسار) بتحتية
ومهملة خفيفة ضد اليمين (عن عبد الله بن عباس أنه قال: خسفت) بفتحات
الشمس) زاد القعنبي: على عهد رسول الله وَ﴾ (فصلى رسول الله { له و) صلى
(الناس معه) فيه مشروعية الجماعة، وتقدم الكلام (فقام قياماً طويلاً) زاد في
بعض النسخ بعد ذلك لفظ: قال، ولا حاجة إليه (نحواً من سورة البقرة).
فيه بحثان: الأول: أن ظاهر الحديث أن القراءة كانت سراً، وكذلك قول
عائشة في بعض طرق حديثها: فحزرت قراءته فرأيت أنه قرأ بسورة البقرة،
واختلفت الأئمة في ذلك، فقال بالجهر أبو يوسف ومحمد صاحبا أبي حنيفة،
وأحمد وإسحاق وابن خزيمة وابن المنذر وغيرهما من محدثي الشافعية،
وابن العربي من ((المالكية))، وقال الطبري: يُخَيَّر بين الجهر والإسرار، وقال
الأئمة الثلاثة: يسر في الشمس ويجهر في القمر كذا في ((الفتح))(١)، وفي
((البدائع)): لا يجهر بالقراءة عند أبي حنيفة، ويجهر عند أبي يوسف، وقول
محمد مضطرب، ذكر في عامة الروايات قوله مع أبي حنيفة - رضي الله عنه -،
وفي ((الشامي)) عن محمد رحمه الله روايتان، انتهى.
قال النووي: مذهبنا ومذهب مالك وأبي حنيفة والليث بن سعد وجمهور
الفقهاء: أنه يسر في كسوف الشمس ويجهر في خسوف القمر، وما حكاه
النووي عن مالك هو المشهور عنه، بخلاف ما حكى عنه الترمذي من الجهر،
فقد حكى عن مالك الإسرار ابن المنذر في ((الإشراف)) وابن عبد البر في
(١) ((فتح الباري)) (٢/ ٥٥٠).
٧٥

١٢ - كتاب صلاة الكسوف
(١) باب
(٤٣١) حديث
((الاستذكار)). قال المازري: إن ما حكاه الترمذي عن مالك رواية شاذة
ما وقفت عليه في غير كتابه، قال: وذكرها ابن شعبان عن الواقدي عن مالك،
وقال القاضي عياض في (الإكمال)) والقرطبي في ((المفهم)): إن معن بن عيسى
والواقدي رويا عن مالك الجهر، ومشهور قول مالك الإسرار، قاله العيني(١).
وقال ابن العربي في ((العارضة)): اختلف قول مالك، فروى المصريون أنه
يسر، وروى المدنيون أنه يجهر، والجهر عندي أولى (٢)، ويحتمل أنه مَّ فعل
الوجهين لبيان الجواز، انتهى. وفي ((المدونة))(٣): قال مالك: لا يجهر بالقراءة
فيها، قال: وتفسير ذلك أنه وَّلّ لو جهر بشيء فيها لعرف.
قال الحافظ: واحتج الشافعي بقول ابن عباس: قرأ نحواً من سورة
البقرة، لأنه لو جهر لم يحتج إلى تقدير، وتعقب باحتمال أن يكون بعيداً منه،
لكن ذكر الشافعي تعليقاً عن ابن عباس: أنه صلى بجنب النبي صَلّ في
الكسوف، فلم يسمع منه حرفاً، انتهى.
قال الزرقاني(٤): وقول بعضهم: إن ابن عباس كان صغيراً، فمقامه آخر
الصفوف، فلم يسمع القراءة، فحزر المدة مردود بقول ابن عباس: قمت إلى
جانب النبي ◌َّر، فما سمعت منه حرفاً، قاله أبو عمر.
واحتج أيضاً من قال بالإسرار بحديث سمرة بن جندب، قال: صلى بنا
النبي ◌َ﴾ في كسوف الشمس لا نسمع له صوتاً، رواه الترمذي وأبو داود
(١) ((عمدة القاري)) (٩٢/٧/٤).
(٢) قلت: الحافظان البدر العيني وابن حجر كلاهما مال إلى أحاديث الجهر مع خلاف
مذهبیھما .
(٣) (١٥١/١).
(٤) ((شرح الزرقاني)) (٣٧٦/١).
٧٦
-----
---

١٢ - كتاب صلاة الكسوف
(١) باب
(٤٣١) حديث
٠٠٠ ٢٠
والنسائي وابن ماجه، والطحاوي أخرجه من أربعة طرق، وقال الترمذي: هذا
حديث حسن صحيح.
قال الزيلعي(١): ورواه ابن حبان في ((صحيحه)) مطولاً بلفظ أبي داود،
ورواه الحاكم في ((المستدرك)) مطولاً ومختصراً، وقال: صحيح على شرط
الشيخين، ولم يخرجاه، وأما حديث ابن عباس فرواه أحمد في ((مسنده))،
وكذلك أبو يعلى الموصلي في ((مسنده))، وأبو نعيم في ((الحلية))، والطبراني في
((معجمه))، والبيهقي في ((المعرفة)) من طريق ابن لهيعة، كما رواه أحمد، ومن
طريق الحكم بن أبان، كما رواه الطبراني، ومن طريق الواقدي كما رواه
أبو نعيم، ثم قال: وهؤلاء وإن كانوا لا يحتج بهم، لكنهم عدد، وروايتهم
توافق الصحيحة عن ابن عباس أنه قرأ نحواً من سورة البقرة، كما أخرجاه في
((الصحيحين))، ويوافق أيضاً حديث عائشة: ((فحزرت قراءته))، ويوافق أيضاً
حديث سمرة، وإنما الجهر عن الزهري فقط، وهو وإن كان حافظاً فيشبه أن
يكون العدد أولى بالحفظ من الواحد، انتهى. وحكى البيهقي عن الإمام أحمد
حديث عائشة في الجهر ينفرد به الزهري، وقد روينا من وجه آخر عن عائشة ثم
عن ابن عباس ما يدل على الإسرار بها، انتهى.
قلت: وأوّله الجمهور بأنه محمول على خسوف القمر، كما بسطه
الحافظ في ((الفتح)) وتعقب برواية الإسماعيلي، إذ فيها التصريح بكسوف
الشمس، وأوّله الآخرون بجهر آية أو آيتين، على أن رواية الرجال في ذلك
أولى، كذا في ((شرح الإحياء))، وفي ((البدائع)) (٢): ولأبي حنيفة حديث سمرة
وابن عباس.
(١) ((نصب الراية)) (٢٣٣/٢).
(٢) (٦٢٩/١، ٦٣٠).
٧٧

١٢ - كتاب صلاة الكسوف
(١) باب
(٤٣١) حديث
وقال وَلّ: ((صلاة النهار عجماء))(١)، ولأن القوم لا يقدرون على التأمل
في القراءة لتصير ثمرة القراءة مشتركة الاشتغال قلوبهم بهذا الفزع، كما لا
يقدرون على التأمل في سائر الأيام في صلاة النهار، لاشتغال قلوبهم
بالمكاسب .
وحديث عائشة يعارض بحديث ابن عباس، فبقي الاعتبار الذي ذكرنا مع
ظواهر الأحاديث الأخر، ونحمل ذلك على أنه جهر ببعضها اتفاقاً، كما روي
((أن النبي ◌َّ كان يسمع الآية والآيتين في صلاة الظهر أحياناً))، انتهى.
البحث الثاني: أن ظاهر الحديث أن القراءة بنحو البقرة، وللدارقطني عن
عائشة أنه قرأ في الأولى بـ ((العنكبوت)) و((الروم))، وفي الثانية بـ ((يَس)) قاله
الزرقاني، قلت: وأخرج البيهقي (٢) عن علي قال: كسفت الشمس فصلى علي
فقرأ بـ ((يَس)) ونحوها، الحديث، وفي آخره: ثم حدثهم أن رسول الله وَله
كذلك فعل، وأخرج أيضاً عن عائشة: أن رسول الله وَلو قرأ في الأولى
بـ ((العنكبوت)) وفي الثانية بـ ((لقمان)) أو ((الروم))، الحديث.
وأخرج أبو داود(٣) عن أُبَيّ بن كعب: ((أن النبي ◌َّ صلى بهم فقرأ
بسورة من الظُّوَلِ، وركع خمس ركعاتٍ ثم قام الثانية، فقرأ سورة من الطوَلِ،
ورکع خمس رکعات)).
--- -
وأخرج البيهقي عن علي قال: فصلى بمن عنده فقرأ سورة ((الحج))
(١) ((مصنف ابن أبي شيبة)) (٣٦٤/١)، انظر: ((التمهيد)) (٣١٠/٣). وقال أبو يوسف
ومحمد بن الحسن: يجهر بالقراءة في صلاة الكسوف وحجتهم إجماع العلماء على أن
كل صلاة سُنَّتها أن تصلّى في جماعةٍ من الصلوات المسنونات فسُنَّتها الجهر، انظر:
(الاستذكار)) (١٠٥/٧).
(٢) («السنن الكبرى)) (٣٣٠/٣).
(٣) ((سنن أبي داود)) (٤٤٠/١).
٧٨
----

١٢ - كتاب صلاة الكسوف
(١) باب
(٤٣١) حديث
قَالَ: ثُمَّ دَكَعَ كُتُوعاً طويلاً. ثُمَّ رَفَعَ فَقَامَ قِيَاماً طَوِيلاً وَهُوَ ذُونَ
الْقِيَامِ الأَوَّلِ، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعاً طَوِيلاً وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الأَوَّلِ. ثُمَّ
سَجَدَ، ثُمَّ قَامَ قِيَامَاً طَوِيلاً وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الأُوَّلِ،
و ((يَس)) لا أدري بأيهما بدأ، ثم ركع أربع ركعات، ثم سجد في الرابعة، ثم
قام فقرأ بسورة ((الحج)) و ((يَس)) الحديث، لم يرفعه سليمان الشيباني عن
الحكم، ورفعه الحسن بن الحر عنه.
وأخرج أبو داود عن عائشة: ((فقام فحزرت قراءته فرأيت أنه قرأ سورة
((البقرة)) وساق الحديث، ثم سجد سجدتين، ثم قام فأطال القراءة، فحزرت
قراءته فرأيت أنه قرأ بسورة ((آل عمران)) وكذلك أخرج عنها البيهقي وغيره.
فعلم بهذه الروايات أن لا تحديد في القراءة في هذه الصلاة، وأن
التطويل أولى، وأيضاً كما يظهر من ملاحظة هذه الروايات أن قراءة سورة
(البقرة)) في مجموع القيام الأول يعني إلى السجدتين وسورة ((آل عمران)) في
الركعة الثانية، فالظاهر أن القراءة في كل قيام واعتدال بمثل ((يَس)) والمجموع
كنحو ((البقرة))، لكن يزيد على هذا القيام على اثنين (ثم ركع ركوعاً طويلاً)
وهو الركوع الأول (ثم رفع) رأسه من الركوع كما في نسخة (فقام قياماً طويلاً)
وهو الاعتدال الأول (وهو دون القيام الأول) وقدروه بنحو ((آل عمران)) كما
تقدم، لكن في رواية عائشة: أن آل عمران حزرتها بعد السجدتين الأوليين.
(ثم ركع ركوعا) ثانياً (طويلاً وهو دون الركوع الأول) ثم رفع رأسه من
الركوع (ثم سجد) سجدتين، وتقدم الكلام على طولهما (ثم قام) إلى الركعة
الثانية فقام ثالثاً (قياماً طويلاً) وقدروه بنحو (النساء))، وأشكل عليه بأنها أكبر
من ((آل عمران)) كما تقدم، وحزرَتْ عائشة هذا القيام بنحو ((آل عمران)» (وهو
دون القيام الأول) يحتمل أن يراد منه القيام الأول في الركعة الأولى أو القيام
الذي يليه. قال ابن عبد البر(١): أيُّ ذلك كان فلا حرج إن شاء الله تعالى.
(١) ((الاستذكار)) (٩٦/٧).
٧٩

١٢ - كتاب صلاة الكسوف
(١) باب
(٤٣١) حديث
ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعَاً طَوِيلاً وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الأَوَّلِ. ثُمَّ رَفَعَ
وفي (المدونة)) (١): قال مالك: إنما يعني دون القيام الذي يليه، وكذلك
قال في الركوع، إنما يعني دون الركوع الذي يليه، وقال الباجي (٢): إنما يريد
القيام الذي يليه لأنه أبين في وصفه، لأننا إن صرفناه إلى أول قيامه لم يعلم أن
تقدير الثاني كان أكثر منه أو أقل، فكانت إضافته إلى الذي يليه أولى، انتهى.
وبوّب البخاري في ((صحيحه)) ((باب الركعة الأولى في الكسوف أطول)).
قال الحافظ(٣): قال ابن بطال: لا خلاف أن الركعة الأولى بقيامها وركوعيها
تكون أطول من الركعة الثانية بقيامها وركوعيها .
قال النووي: اتفقوا على أن القيام الثاني وركوعه فيهما أقصر من القيام
الأول وركوعه فيهما، واختلفوا في القيام الأول من الثانية وركوعه، هل هما
أقصر من القيام الثاني من الأولى وركوعه، أو يكونان سواءً؟ قيل: وسبب هذا
الخلاف فهم معنى قوله: ((وهو دون القيام الأول)) هل المراد به الأول من
الثانية، أو يرجع إلى الجميع فيكون كل قيام دون الذي قبله؟ ورواية
الإسماعيلي ((الأولى فالأولى أطول)) تعين المعنى الثاني، ويرجحه أيضاً أنه لو
كان المراد من قوله: ((القيام الأول)) أول قيام من الأولى فقط، لكانَ القيام
الثاني والثالث مسكوتاً عن مقدارهما، فالأول أكثر فائدة.
قلت: لكن تقديرهم القيام الثالث بـ ((النساء))، والقيام الثاني بـ ((آل عمران))
يؤيد المعنى الثاني، كما تقدم من كلام السبكي، لكن الأوجه الأول.
(ثم ركع ركوعاً) ثالثاً (طويلاً وهو دون الركوع الأول) يجري فيه أيضاً
الاحتمالان المذكوران في القيام الثالث كما تقدم مبسوطاً. (ثم رفع) رأسه من
(١) (١٥٢/١).
(٢) ((المنتقى)) (٣٢٨/١).
(٣) ((فتح الباري)) (٥٤٨/٢ و٥٤٩).
٨٠
-------------- -----
---