Indexed OCR Text
Pages 461-480
٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر (٢٤) باب (٣٨٧) حدیث وقال الباجي(١): ذهب بعض الناس إلى أن الرؤية هاهنا بمعنى العلم، قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَبِ اُلْفِيلِ ﴾﴾ وذهب الجمهور إلى أنها بمعنى الرؤية، قال: وهو الصحيح عندي، لأنه لو كان بمعنى العلم لم يبق لقوله: وراء ظهري معنى. وقريب منه ما قاله الحافظ(٢) إذ قال: اختلف في معنى الرؤية فقيل: المراد بها العلم إما بأن يوحى إليه كيفية فعلهم، وإما بأن يلهم، وفيه نظر، لأنه لو أريد العلم لم يقيده من وراء ظهري. وقيل: المراد به أنه يرى من عن يمينه ومن عن يساره مع التفات يسير، ويوصف من هناك بأنه وراء ظهره، وهذا ظاهره التكلف . والصواب المختار أنه محمول على ظاهره، وأن هذا الإبصار إدراك حقيقي خاص به على خرق العادة، وعلى هذا حمله البخاري فأخرجه في علامات النبوة، وكذا نقل عن الإمام أحمد وغيره، واختاره ابن الملك إذ قال: هي من الخوارق التي أعطيها عليه الصلاة والسلام، قال القاري: وظاهره أنه من جملة الكشوفات المتعلقة بالقلوب المنجلية لعلوم الغيوب. وقال الحافظ: ثم ذلك الإدراك يجوز أن يكون برؤية عين انخرقت له العادة فيه، فكان يرى من غير مقابلة، لأن الحق عند أهل السنة أن الرؤية لا يشترط لها عقلاً عضو مخصوص ولا مقابلة ولا قرب، وإنما تلك أمور عادية يجوز حصول الإدراك مع عدمها عقلاً، انتهى. وقال العيني(٣): قال الجمهور وهو الصواب: إنه من خصائصه وَله، وإن (١) ((المنتقى)) (٢٩٧/٢). (٢) ((فتح الباري)) (٥١٤/١). (٣) ((عمدة القاري)) (٤٠٤/٣). ٤٦١ ٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر (٢٤) باب (٣٨٧) حديث إبصاره إدراك حقيقي انخرقت له فيه العادة، وفيه دلالة للأشاعرة حيث لا يشترطون في الرؤية مواجهة ولا مقابلة، وجوزوا إبصار أعمى الصين بقعة أندلس، وهو الحق عند أهل السنة: أن الرؤية لا يشترط لها عقلاً عضو مخصوص ولا مقابلة ولا قرب، انتهى. وقال الأبي(١): الإدراك عند المعتزلة أشعة تنبعث من العين وتتصل بالمرئي، فتشترط عندهم الانبعاث من العين والاتصال بالمرئي ليرى، وهي عندهم شروط عقلية لا تنخرق، والإدراك عندنا معنى يخلقه الله تعالى عند فتح العين، فالمقابلة عندنا شرط عادي، ويجوز أن تنخرق فيخلق الإدراك في غير العين من الأعضاء، انتهى مختصراً. قلت: بل هو مجرب في هذا الزمان، فإن بعض العميان يقرؤون الكتاب بلمس اليد، وقيل: كانت له عين خلف ظهره يرى بها من وراءه دائماً، وقيل: كان بين كتفيه عينان مثل سم الخياط يبصر بهما لا يحجبهما ثوب ولا غيره، وقيل: بل كانت صورهم تنطبع في حائط قبلته كما تنطبع في المرآة فترى أمثلتهم فيشاهد أفعالهم، وظاهر الحديث: أن ذلك يختص بحالة الصلاة، ويحتمل أن يكون ذلك واقعاً في جميع أحواله، وقد نقل ذلك عن مجاهد، وحكى بقي بن مخلد أنه وَ ◌ّ كان يبصر في الظلمة كما يبصر في الضوء، وتعقب تخصيصه بالصلاة بأن جمعاً من المتقدمين صرحوا بالعموم، وعللوه بأنه إنما كان يبصر من خلفه، لأنه كان يرى من كل جهة، قاله الزرقاني (٢). ثم قال ابن عبد البر في ((الاستذكار))(٣): دفعت طائفة من أهل الزيغ هذا (١) ((إكمال إكمال المعلم)) (١٧٨/٢). (٢) ((شرح الزرقاني)) (٣٣٩/١). (٣) (٢٧١/٦). ٤٦٢ ------------ ٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر (٢٤) باب (٣٨٧) حديث الحديث، وقالوا: كيف تقبلون مثل هذا؟ وأنتم ترون حديث أبي بكرة إذا ركع دون الصف، فقال ◌َّ: ((أيكم ركع؟)) الحديث. وحديث أنس في الذي أسرع المشي حتى حفزه النفس فقال حين انتهى إلى الصف: الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، فقال ◌َله: ((من المتكلم؟)) الحديث. وذكروا مثل هذا. قال أبو عمر: فالجواب أنه ﴿ ﴿ كانت فضائله تزيد في كل وقت، ألا ترى أنه قال: ((كنت عبداً قبل أن أكون نبياً، وكنت نبياً قبل أن أكون رسولاً»، وقال ◌َله: ((لا يقولن أحد: أنا خير من يونس بن مَتّى))، وقال له رجل: يا خير البَرِيّة، فقال: ذاك إبراهيم عليه السلام، وقال له: يا سَيِّد ابنُ السادة أو يا شريف ابن الشرفاء، فقال: ذاك يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، وذلك قبل أن ينزل: ﴿إِنَّا فَحْنَا لَكَ﴾ فلما نزلت وفيها: ﴿لِغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا نَّقَدَّمَ مِن ذَلِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾(١) الآية، ولم يُغْفر لأحد قبله ما تأخر فقال حينئذ: ((أنا سيد ولد آدم ولا فخر))، انتهى. قال الزرقاني(٢): وفي أبي داود عن معاوية ما يدل على أن ذلك في آخر عمره، انتهى. وقال الأبي(٣): قالت عائشة - رضي الله عنها -: إنها زيادة زاده الله تعالى إياها فى حجته، انتهى. والفقه في الحديث الخشوع في الصلاة، وهو تارة يكون من فعل القلب كالخشية وتارة من فعل البدن كالسكون، وقيل: لا بد من اعتبارهما حكاه الرازي، وقال غيره: هو معنى يقوم بالنفس يظهر عنه سكون في الأطراف يلائم (١) سورة الفتح: الآية ٢. (٢) ((شرح الزرقاني)) (٣٣٩/١). (٣) ((إكمال إكمال المعلم)) (١٧٩/٢). ٤٦٣ ٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر (٢٤) باب (٣٨٧) حديث مقصود العبادة، ويدل على أنه من فعل القلب حديث علي - رضي الله عنه -: ((الخشوع في القلب)) أخرجه الحاكم، وحكى النووي الإجماع على عدم وجوبه، والحديث حجة لهم، لأنه عليه الصلاة والسلام قاله لما رأى منهم ما ينافي الخشوع؛ لأنه قال لهم لما رآهم يلتفتون، وهو منافٍ لكمال الصلاة فيكون مستحباً لا واجباً، لأنه ومَّ لم يأمرهم بالإعادة. وتعقب بأن في كلام غير واحد ما يقتضي وجوبه، وفي ((الزهد)) لابن المبارك عن عمار بن ياسر: لا يكتب للرجل من صلاته ما سها، انتهى. وبسط الكلام على الخشوع الحافظ في ((الفتح)). وفيه حثّ وتحريض للمصلي على ملازمته الخشوع، وقال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ◌َ الَِّينَ هُمْ فِ صَلَائِهِمْ خَشِعُونَ (٣)﴾. قال ابن عباس: مخبتون أذلاء، وقال الحسن: خائفون، وقال مقاتل: متواضعون، وقال علي: الخشوع في القلب، وأن تلين للمسلم كتفك، ولا تلتفت، وقال مجاهد: هو غض البصر وخفض الجناح، وقال عمرو بن دينار: ليس الخشوع الركوع والسجود، لكنه السكون وحسن الهيئة في الصلاة. وقال ابن سيرين: هو أن لا ترفع بصرك عن موضع سجودك، وقيل: هو جمع الهمة لها والإعراض عما سواها، وقال أبو بكر الواسطي: هو الصلاة الله تعالى على الخلوص من غير عوض، وعن ابن أبي الورد: يحتاج المصلي إلى أربع خلال حتى يكون خاشعاً إعظام المقام، وإخلاص المقال واليقين التمام، وجمع الهم، قاله العيني(١). وقال أيضاً: لا شك أن ترك الخشوع ينافي كمال الصلاة فيكون مستحباً . وقال أبو بكر الرازي في «أحكام القرآن)): الخشوع ينتظم هذه المعاني (١) ((عمدة القاري)) (٣٩٠/٤). ٤٦٤ ...........---..... ---- ----- ٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر (٢٤) باب (٣٨٨) حديث ٧١/٣٨٨ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ نَافِعِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْن عُمَرَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ل﴿ كَانَ يَأْتِي قُبَاءً كلها من السكون في الصلاة والتذلل وترك الالتفات والحركة والخوف من الله تعالى، انتهى. قال ابن عابدين عن القهستاني: يجب حضور القلب عند التحريمة، فلو اشتغل قلبه بتفكر مسألة مثلاً في أثناء الأركان فلا تستحب الإعادة، وقال البقالي: لم ينقص أجره إلا إذا قصر، وقيل: يلزم في كل ركن ولا يؤاخذ بالسهو، لأنه معفو عنه، لكنه لم يستحق ثواباً كما في ((المنية))، ولم يعتبر قول من قال: لا قيمة لصلاة من لم يكن قلبه فيها معه، كما في ((الملتقط)) و ((الخزانة)) و ((السراجية)) وغيرها، انتهى. ٧١/٣٨٨ - (مالك، عن نافع) كذا ليحيى وغيره، وقال جل الرواة: عن عبد الله بن دينار، قال ابن عبد البر: صحيح لمالك عنهما (١)، انتهى. (عن عبد الله بن عمر أن رسول الله (183 كان يأتي قباء) بالمد عند الأكثر، وتقدم مفصلاً في المواقيت، وفي رواية عبد الله بن دينار عند البخاري(٢): يأتي مسجد قباء كل سبت. واختلف في سبب إتيانه وَل#، فقيل: لزيارة الأنصار، وقيل: للتفرج في حيطانها، وقيل: للصلاة في مسجدها، وهو الأشبه لروايات عند الشيخين وغيرهما بلفظ: كان يأتي مسجد قباء، قاله الزرقاني(٣). وقال العيني(٤): يحتمل أن يقال: لما كان هو أول مسجد أسسه بعد (١) يعني أن هذا الحديث لمالك عن نافع، وأنه من حديث نافع، وعبد الله بن دينار جميعاً، عن ابن عمر إلخ. انظر: ((التمهيد)) (١٣ / ٢٦١). (٢) رقم الحديث (١١٩٣). (٣) ((شرح الزرقاني)) (٣٤٠/١). (٤) ((عمدة القاري)) (٥٧٢/٥). ٤٦٥ ٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر (٢٤) باب (٣٨٨) حديث رَاكِباً وَمَاشِياً . أخرجه البخاريّ في: ٢٠ - كتاب الصلاة في مسجد مكة والمدينة، ٤ - باب إتيان مسجد قباء ماشياً وراكباً . ومسلم في: ١٥ - كتاب الحج، ٩٧ - باب فضل مسجد قباء وفضل الصلاة فيه وزيارته، حديث ٥١٧. الهجرة، ثم أسس مسجد المدينة، وصار مسجد المدينة هو الذي يجمع فيه يوم الجمعة، وتنزله أهل قباء، ويتعطل مسجد قباء، ناسب أن يعقب يوم الجمعة بإتيان مسجد قباء يوم السبت والصلاة فيه لما فاته من الصلاة فيه يوم الجمعة، وكان له حسن العهد. وقال: ((حسن العهد من الإيمان)). ويحتمل أنه لما كان أهل قباء ينزلون إلى المدينة للجمعة أراد وعلاجه مكافأتهم بالذهاب إلى مسجدهم في اليوم الذي يليه، وكان يحب مكافأة أصحابه، ويحتمل أنه وَّر يشتغل بمصالح المسلمين من يوم الأحد، على القول بأنه أول أيام الأسبوع، ويشتغل يوم الجمعة بالتجميع، ويتفرغ يوم السبت لزيارة أصحابه، ويحتمل أنه ينزل يوم الجمعة بعض أهل قباء، ويتخلف بعضهم ممن لا تجب عليه، أو لعذر فيفوتهم مشاهدته ول#، فتدارك ذلك بإتيانه مسجد قباء، اهـ. (راكباً) تارة (وماشياً) أخرى بحسب ما تيسر، حالان مترادفان. قال الزرقاني(١): والواو بمعنى أو، زاد مسلم في رواية عبيد الله عن نافع: يصلي فيه ركعتين، وادعى الطحاوي أن هذه الزيادة مدرجة، قالها بعض الرواة لعلمه أنه لو كان من عادته أنه لا يجلس حتى يصلي. قال النووي(٢): فيه فضله وفضل مسجده، والصلاة وفضيلة زيارته، وأنه (١) (شرح الزرقاني)) (٣٤٠/١). (٢) ((شرح صحيح مسلم للنووي)) (٩/ ١٧٠). ٤٦٦ ---- --------- ٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر (٢٤) باب (٣٨٨) حديث يجوز زيارته راكباً وماشياً، وهكذا جميع المواضع الفاضلة يجوز زيارتها راكباً وماشياً، اهـ. وبتخصيص السبت بالمجيء احتج من قال بجواز تخصيص بعض الأيام بنوع من القرب، قال العيني(١): وهو كذلك، إلا في الأوقات المنهي عنها، كتخصيص ليلة الجمعة بالقيام ويومها بالصيام، وقد روي أنه رَلإر يأتي مسجد قباء صبيحة سبع عشرة من رمضان، وروي أنه 18 كان يأتي قباء يوم الاثنين، قاله العيني. قلت: فلم يبق التخصيص، وقال صاحب ((المفهم)): أصل مذهب مالك - رضي الله عنه - كراهة تخصيص شيء من الأوقات بشيء من القرب، إلا ما ثبت به توقيف، كذا في ((العيني)) وقال: فيه حجة على من كره تخصيص زيارة قباء يوم السبت، حكاه عياض عن محمد بن مسلمة من المالكية، مخافة أن يظن ذلك سنة، قال عياض: لعله لم يبلغه الحديث، اهـ. وإتيانها يوم السبت مستحب عندنا أيضاً، كما صرح به جمع من الفحول، وفي ((المسوى)): عليه أهل العلم، إن ذلك حسن جميل، وفي ((العالمكيرية)): يستحب أن يأتي قباء يوم السبت، اهـ. قال أبو عمر (٢): لا يعارضه حديث: ((لا تُعْمَلُ المطيُّ إلا إلى ثلاثة مساجد)) لأن معناه عند العلماء فيمن نذر على نفسه الصلاة في أحد الثلاثة يلزمه إتيانها دون غيرها، وأما إتيان قباء وغيرها من مواضع الرباط تطوعاً دون نذر فلا بأس بإتيانها، بدليل حديث قباء، اهـ. وقد احتج ابن حبيب من المالكية بإتيانه ول# مسجد قباء على أن المدني (١) ((عمدة القاري)) (٥٧٣/٥). (٢) ((الاستذكار)) (٦/ ٢٧٧). ٤٦٧ ٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر (٢٤) باب (٣٨٨) حديث إذا نذر الصلاة في مسجد قباء لزمه، وحكاه عن ابن عباس، قاله العيني (١). وقال الباجي(٢): إتيان قباء من المدينة ليس من أعمال المطي، لأنه من صفات الأسفار البعيدة، وقطع المسافات الطوال، ولا يقال لمن خرج إلى المسجد من داره راكباً: إنه أعمل المطي، وإنما يحمل ذلك على عرف الاستعمال في كلام العرب، ولا يدخل فيه أن يركب إنسان إلى مسجد من المساجد القريبة في جمعة أو غيرها، لأنه لا خلاف في ذلك، بل هو واجب في أوقات كثيرة، ولو أن آتياً أتى قباء وقصد من بلد بعيد وتكلف في السفر لكان مرتكباً للنهي، اهـ. وقد ورد في فضائل قباء روايات كثيرة ذكر بعضها العيني، منها ما قال. وروى عمر بن شبة في ((أخبار المدينة))(٣) بسند صحيح عن سعد بن أبي وقاص، قال: ((لأن أصلي في مسجد قباء ركعتين أحبّ إليّ من أن آتي بيت المقدس مرتين، لو يعلمون ما في قباء لضربوا إليه أكباد الإبل))، اهـ. وقال القاري(٤): قال ابن حجر: صح أن صلاة في مسجد قباء كعمرة، وفي رواية: ((من توضأ فأسبغ الوضوء، وجاء مسجد قباء فصلى فيه ركعتين، كان له أجر عمرة))، وفي أخرى صحيحة: ((من توضأ فأحسن وضوءه، ثم دخل مسجد قباء فركع فيه أربع ركعات كان ذلك عدل عمرة)»، اهـ. ١ ثم اختلف القدماء في المسجد الذي أسس على التقوى، قال الباجي(٥): ذهب مجاهد وعروة وقتادة إلى أنه مسجد قباء، وذهب ابن عمر وابن المسيب (١) انظر: ((عمدة القاري)) (٥٧٣/٥). (٢) ((المنتقى)) (٢٩٨/١). (٣) («تاريخ المدينة)) (٤٢/١)، وانظر: ((فتح الباري)) (٦٩/٣)، و((عمدة القاري)) (٥٧٣/٥). (٤) ((مرقاة المفاتيح)) (١٩٢/٢). (٥) ((المنتقى)) (٢٩٧/١). ٤٦٨ ٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر (٢٤) باب (٣٨٩) حديث ٣٨٩/ ٧٢ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ مُرَّةَ؛ وهو رواية أشهب عن مالك أنه مسجد النبي و لو، اهـ. وبه جزم مالك في ((العتبية)) قال ابن رشد: هو الصحيح، وذهب الجمهور إلى أنه مسجد قباء، ويؤيده ظاهر الآية. وروى مسلم (١) عن أبي سعيد: ((سألت رسول الله وَّ عن المسجد الذي أسس على التقوى فقال: هو مسجدكم هذا»، ولأحمد والترمذي (٢) من وجه آخر عن أبي سعيد: «اختلف رجلان في المسجد الذي أسّس على التقوى، فقال أحدهما: هو مسجد النبي صَ لّ، وقال الآخر: هو مسجد قباء، فأتيا النبي ◌َ﴾ فسألاه عن ذلك، فقال: هو هذا، وفي ذلك يعني مسجد قباء خير كثير))، ولأحمد عن سهل بن سعد نحوه. قال الحافظ(٣): والحق أن كلاً منهما أسس على التقوى، وقوله تعالى ج في بقية الآية: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَنَطَهَرُواْ﴾، ويؤيد كون المراد مسجد قباء. وعند أبي داود بإسناد صحيح عن أبي هريرة مرفوعاً: نزلت فيه: ﴿رِجَالٌ يُحِبُونَ أَن يَطَهَرُواْ﴾ في أهل قباء، وعلى هذا فالسر في جوابه وَله: بأن المسجد الذي أسس على التقوى مسجده رفع توهم أن ذلك خاص بمسجد قباء، وقال الداودي وغيره: ليس في ذلك اختلافاً، لأن كلاً منهما أسس على التقوى، وكذا قال السهيلي وغيره. وفي ((التفسير الكبير)): قال القاضي: لا يمنع دخولهما جميعاً تحت هذا لأن قوله تعالى: ﴿لَّمَسْجِدُ أُسِسَ﴾ كقول القائل الرجل صالح أحق أن تجالسه، فلا يكون ذلك مقصوراً على واحد، اهـ. ٧٢/٣٨٩ - (مالك، عن يحيى بن سعيد) الأنصاري (عن النعمان بن مرة) (١) رقم الحديث (١٣٩٨). (٢) أخرجه أحمد (٢٣/٣ و٩١)، والترمذي (٣٢٣). (٣) انظر: (شرح الزرقاني)) (٣٤٠/١). ٤٦٩ ٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر (٢٤) باب (٣٨٩) حديث أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَّهِ قَالَ: «مَا تَرَوْنَ فِي الشَّارِبِ وَالسَّارِقِ وَالزَّانِي؟))، وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يُنْزَلَ فِيهِمْ. قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: ((هُنَّ فَوَاحِشُ، الأنصاري الزرقي المدني، ثقة من كبار التابعين، ووهم من عدّه في الصحابة، قال العسكري: لا صحبة له، وعدّه البخاري في التابعين، وقال أبو حاتم: حديثه مرسل، قال أبو عمر: لم يختلف رواة مالك في إرسال هذا الحديث عن النعمان، وليس للنعمان عند مالك غير هذا الحديث. (أن رسول الله بَّ قال) قال في ((الاستذكار)) (١): هكذا الرواية عن مالك مرسلاً، والحديث يتصل، ويستند من وجوه صحاح من حديث أبي سعيد وأبي هريرة، انتهى. وزاد الزرقاني(٢) غيرهما وذكر مُخرّجيها (ما ترون) أي تعتقدون، وقيل: بضم التاء أي تظنون اختبار منه ◌َّ بمسائل العلم على حسب ما يختبر به العالم أصحابه، ويحتمل أن [يكون] أراد به تقريب التعليم عليهم، فقرر معهم حكم قضايا يسهل عليهم ما أراد تعليمهم إياه، لأنه وَلّ إنما قصد أن يعلمهم أن الإخلال بإتمام الركوع والسجود كبيرة، وهي أسوأ حالاً مما تقرر عندهم أنه فاحشة، قاله الباجي(٣) . (في الشارب) للخمر (والسارق والزاني) قال النعمان: (وذلك) السؤال كان (قبل أن ينزل فيهم) أي الحدود يعني آياتها والمراد غير الشارب؛ لأنه لم ينزل فيه شيء، قاله أبو عبد الملك، قالوا: فيه حجة لجواز الحكم بالرأي لأنه وله إنما سألهم ليقولوا فيه برأيهم (قالوا) أي الصحابة: (الله ورسوله أعلم) كمال تأدّبٍ منهم حيث ردّوا العلم إلى الله عز وجل ورسوله وَّ (قال) مَّ: (هن) أي تلك المعاصي (فواحش) جمع فاحشة وهي ما فحش من الذنوب، يقال: هذا (١) (٦/ ٢٨٢). (٢) انظر: ((شرح الزرقاني)) (٣٤١/١). (٣) انظر: ((المنتقى)) (٢٩٨/١). ٤٧٠ ٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر (٢٤) باب (٣٨٩) حدیث وَفِيهِنَّ عُقُوبَةٌ، وَأَسْوَأُ السَّرِقَةِ الَّذِي يَسْرِقُ صَلاتَهُ))، قَالُوا: وَكَيْفَ يَسْرِقُ صَلاتَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: ((لا يُتِمُّ ركُوعَهَا ولا سُجُودَهَا)). خطأ فاحش وعيب فاحش، أي كبير شديد، والمعنى أنها كبائر (وفيهن عقوبة) يطلق على ما يعاقب به المعتدي، ولا يختص بجنس ولا قدر، أي فيهن عقوبة أخروية أو ستنزل والتنوين للتعظيم (وأسوأ) أي أقبح (السرقة) قال ابن عبد البر(١): رواية ((الموطأ)) بكسر الراء، والمعنى: أسوأ السرقة سرقة من يسرق صلاته . وقد جاء في القرآن: ﴿وَلَكِنَّ الْبِّ مَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ﴾(٢) أي ولكن البر برُّ من آمن بالله، ومن روى بفتح الراء، فالسرقة جمع سارق كالكفرة والفسقة، اهـ. فعلى هذا (الذي يسرق صلاته) خبر بلا تأويل، وعلى الأول فيحتاج إلى حذف المضاف: أي سرقة الذي يسرق صلاته، ولفظ ((المشكاة)) عن أحمد برواية أبي قتادة مرفوعاً: ((أسوأ الناس سرقة))، قال القاري: بكسر الراء، وتفتح على ما في ((القاموس)). قال الطيبي: هو تمييز. (قالوا: وكيف يسرق) أحد (صلاته) بالنصب (يا رسول الله؟ قال) وَاله (لا يتم ركوعها ولا سجودها) خصهما بالذكر لأن الإخلال يقع فيهما غالباً، وسماه سرقة باعتبار أنه خيانة فيما اؤتمن به. قال الباجي: ويحتمل أن يقال: إنه يسرقها من الحفظة الموكلين بحفظه. قال الطيبي(٣): جعل السرقة نوعين متعارفاً وغيرَ متعارف، وجعل الثاني أسوأ، لأن السارق إذا وجد مال أحد ينتفع به في الدنيا، وقد يستحلّ صاحبُه فينجو من عذاب الآخرة، بخلاف هذا، فإنه سرق حق نفسه من الثواب وأبدل العقاب منه، وليس في يده إلا الضرر. (١) ((الاستذكار)) (٦/ ٢٨١). (٢) سورة البقرة: الآية ١٧٧. (٣) انظر: ((شرح الزرقاني)) (٢٤١/١). ٤٧١ ٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر (٢٤) باب (٣٨٩) حديث · وبوّب شيخنا الدهلوي على الحديث: ((باب يجب الاطمئنان في الركوع والسجود)). وقال في ((المسوّى)): ذهب الشافعي إلى أنه لو ترك إقامة الصلب في الركوع والسجود والطمأنينة فيهما وفي الاعتدال عن الركوع والسجود فصلاته فاسدة، وذهب أبو حنيفة على تخريج الكرخي أن الطمأنينة واجبة في الركوع والسجود، سنة في الاعتدال عن الركوع والسجود، وهو الصحيح دراية، والمشهور عند أصحابه أن الطمأنينة غير واجبة، وكذا الاعتدال بعد الركوع والجلوس بين السجدتين، فالتشبيه بالسرقة للتحريم عند الشافعي وعند أبي حنيفة على المشهور للكراهية، اهـ. وقال ابن قدامة في ((المغني))(١): وهذا الرفع والاعتدال واجب، وبه قال الشافعي، وقال أبو حنيفة وبعض أصحاب مالك: لا يجب، لأن الله تعالى لم يأمر به، وإنما أمر بالركوع والسجود والقيام، فلا يجب غيره، ولأنه لو كان واجباً لتضمن ذكراً واجباً كالقيام الأول، ولنا أن النبي ◌َّ أمر به المسيء في صلاته، وداوم على فعله فيدخل في عموم قوله وَلّ: ((صلوا كما رأيتموني أُصلي)) وقولهم: لم يأمر الله به، قلنا: قد أمر الله بالقيام، وهذا قيام، وأمر النبي ◌َّ يجب امتثاله، وقد أمر به. وقولهم: لا يتضمن ذكراً واجباً ممنوعٌ، ثم هو باطل بالركوع والسجود، فإنهما ركنان ولا ذكر فيهما واجب على قولهم، اهـ. وقالَ ابن رشد (٢): ذهب أبو حنيفة إلى أن الاعتدال من الركوع وفي الركوع غير واجب، وقال الشافعي: هو واجب، واختلف أصحاب مالك، هل ظاهر مذهبه يقتضي أن يكون سنة أو واجباً، إذ لم ينقل عنه نص في ذلك، انتھی . (١) (١٨٥/٢). (٢) ((بداية المجتهد)) (١٣٥/١). ٤٧٢ -- ٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر (٢٤) باب (٣٨٩) حديث وأنت خبير بأن ما أوردوا على الحنفية لا يَرِد عليهم، لأن الروايات الدالة على الفرضية تدل عندهم على الوجوب، لكونها أخبار آحادٍ فحجج الحنفية حجة على من خالفهم، وحجج غيرهم ليست بحجة على الحنفية، إذ هو أخبار آحاد، وآيات الركوع والسجود ليست بمجملة. قال في ((البدائع))(١): ومنها أي الواجبات الأصلية في الصلاة، الطمأنينة، والقرار في الركوع والسجود، وهذا قول أبي حنيفة ومحمد وعند أبي يوسف والشافعي فرض، احتجا بحديث الأعرابي الذي قال له النبي ◌َّ﴾: ((قُمْ فصلِّ فإنك لم تُصَلِّ»، واحتج أبو حنيفة ومحمد لنفي الفرضية بقوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَرْكَعُواْ وَاسْجُدُوا﴾ أمر بمطلق الركوع والسجود، والركوع في اللغة الانحناء والميل، والسجود التطأطؤ والخفض، فإذا أتى بأصل الانحناء والوضع فقد امتثل لإتيانه بما ينطلق عليه الاسم، والطمأنينة دوام على أصل الفعل، والأمر بالفعل لا يقتضي الدوام عليه، وأما حديث الأعرابي فمن الآحاد، لا يصلح ناسخاً للكتاب، لكن يصلح مكملاً، فيحمل أمره بالاعتدال على الوجوب ونفيه الصلاة على نفي الكمال وتمكن النقصان الفاحش الذي يوجب عدمها من وجه، على أن الحديث حجة عليهما، فإن النبي ◌ّ مكّن الأعرابي من المضي في صلاته في جميع المرات، ولم يأمره بالقطع، فلو لم تكن تلك الصلاة جائزة لكان الاشتغال بها عبثاً، إذ الصلاة لا يمضى في فاسدها . ثم الطمأنينة واجبة عند أبي حنيفة ومحمد، كما ذكره الكرخي، حتى لو تركها ساهياً يلزمه سجود السهو، وذكر الجرجاني أنها سنة لا يجب سجود السهو بتركها، والصحيح ما ذكره الكرخي؛ لأنها من باب إكمال الركن، وإكمال الركن واجب كإكمال القراءة بالفاتحة، ألا ترى أن النبي ◌َّ ألحق صلاة الأعرابي بالعدم، والصلاة إنما يقضي عليها بالعدم إما لانعدامها أصلاً بترك الركن، أو (١) (٣٩٨/١). ٤٧٣ ٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر (٢٤) باب (٣٩٠) حديث ٣٩٠/ ٧٣ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ هِشَام بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَل﴿ قَالَ: ((اجْعَلُوا مِنْ صَلاتِكُمْ فِي بُيُوتِكُمْ)). بانتقاصها بترك الواجب، فتصير عدماً من وجه، وأما ترك السنة فلا يلتحق بالعدم، لأنه لا يوجب نقصاً فاحشاً، ولذا يكره تركها أشد الكراهة، حتى روي عن أبي حنيفة أنه قال: أخشى أن لا تجوز صلاته، انتهى مختصراً. ٧٣/٣٩٠ - (مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه أن رسول الله وَلَ. قال) قال السيوطي(١): قال ابن عبد البر: هذا الحديث مرسل عند جميع رواة ((الموطأ))، وقد أخرجه(٢) الشيخان وأبو داود برواية يحيى القطان عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر مرفوعاً: ((اجعلوا في بيوتكم من صلاتكم ولا تتخذوها قبوراً))، انتهى. وقال أبو عمر: روي مسنداً بوجوه ذكرت بعضها في ((التمهيد))(٣) (اجعلوا من صلاتكم في بيوتكم) قال في ((الاستذكار))(٤): للعلماء في معناه قولان: أحدهما: أنه أراد به النافلة، فتكون ((من)) زائدةً كما يقال: ما جاءني من أحد، قلت: ويؤيده ما ورد في عدة روايات من الأمر بالنوافل في البيوت، وقال آخرون: اجعلوا بعض صلاتكم يعني المكتوبات في البيوت ليقتدي بكم أهلوكم، ومن لا يخرج من(٥) المسجد، وذكر بعض مرجحاته. قال الزرقاني(٦): فأومأ إلى ترجيح أن المراد الفريضة، وحكاه عياض عن (١) (تنوير الحوالك)) (ص ١٨٥). (٢) أخرجه البخاري في: ٨ - كتاب الصلاة برقم (٤٣٢) وفي: ١٩ - كتاب التهجد برقم (١١٨٧) ومسلم في: كتاب صلاة المسافرين، برقم (٧٧٧) وأبو داود في: كتاب الصلاة برقم (١٠٤٣). (٣) (٣٣٢/٢٢). (٤) (٢٨٦/٦). (٥) هكذا في الأصل ولكن في ((الاستذكار)): ومن لا يخرج إلى المسجد منكم. (٦) ((شرح الزرقاني)) (٣٤٢/١). ٤٧٤ --- ٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر (٢٤) باب (٣٩١) حدیث ٧٤/٣٩١ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ نَافِع؛ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَقُولُ: إِذَا لَمْ يَسْتَطِعِ الْمَرِيضُ السُّجُودَ أَوْمَأَ بِرَأْسِهِ إِيمَاء، وَلَمْ يَرْفَعْ إِلَى جَبْهَتِهِ شَيْئاً . بعضهم، قال القرطبي: من للتبعيض، والمراد النوافل، قال الحافظ: وليس فيه ما ينفي الاحتمال، قال الباجي: الصحيح النافلة، والمكتوبة ليس بصحيح، وقال النووي: لا يجوز حمله على الفريضة. قال العيني(١): قال الجمهور: هو في النافلة لإخفائها، وللحديث: ((أفضل الصلاة صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة)). ولفظة: ((من)) زائدة، فيكون التقدير: اجعلوا صلاتكم في بيوتكم، ويكون المراد النوافل، ويحتمل أن يكون من للتبعيض، والمراد من الصلاة مطلق الصلاة، ويكون المعنى: اجعلوا بعض صلاتكم، وهو النفل من الصلاة المطلقة، والصلاة المطلقة تشمل النفل والفرض، على أن الأصح منع مجيء ((من)) زائدة في الكلام المثبت، ولا يجوز حمل الكلام على الفريضة، لا كلها ولا بعضها، لأن الحث على النفل في البيت، وذلك لكونه أبعد من الرياء وأصون من المحبطات، وليتبرك به البيت، وتنزل فيه الرحمة والملائكة وتنفر الشياطين، انتهى بتغير. ٧٤/٣٩١ - (مالك، عن نافع أن عبد الله بن عمر كان يقول: إذا لم يستطع المريض السجود أومأ برأسه إيماء) وذلك يجزيه ويقوم مقام السجود في أداء الفرض (ولم يرفع إلى جبهته شيئاً) يسجد عليه فيكره عند أكثر العلماء. قال أبو عمر في ((الاستذكار))(٢): وعليه أكثر أهل العلم من السلف والخلف، وروي عن أم سلمة أنها سجدت على مرفقة لرمد كان بها، وعن ابن عباس: أنه أجاز ذلك، وعن عروة أنه فعله، وليس العمل إلا على ما روي (١) (عمدة القاري)) (٤٤٦/٣). (٢) (٢٨٩/٦). ٤٧٥ ٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر (٢٤) باب (٣٩١) حديث عن ابن عمر، وقد روي عنه بوجوه مختلفة، ثم ذكرها. فقال في آخرها: وعليه العمل عند مالك وأصحابه وأكثر الفقهاء، انتهى. وفي ((المدونة))(١): قلت لابن القاسم: فإن كان لا يستطيع السجود على الأرض وهو إذا جعلت له وسادةٌ استطاع أن يسجد عليها إذا رفع له عن الأرض شيء، قال: لا يسجد عليه في قول مالك ولا يرفع له شيء يسجد عليه، إن استطاع أن يسجد على الأرض، وإلا أومأ إيماء، قال ابن القاسم: فإن رُفع إليه شيء وجهل ذلك لم يكن عليه إعادة، كذلك بلغني عن مالك - رضي الله عنه -، انتهى. وفي الدسوقي من رواية ابن شعبان: من رفع ما يسجد عليه إذا أومأ جهده صحت وإلا فسدت، انتهى. وقال ابن قدامة في ((المغني))(٢): وإن وضع بين يديه وسادةً أو شيئاً عالياً جاز إذا لم يمكنه تنكيس وجهه أكثر من ذلك، وحكى ابن المنذر عن أحمد أنه قال: أختار السجود على المرفقة(٣)، وهو أحبّ إليّ من الإيماء، وكذلك قال إسحاق، وجوّزه الشافعي وأصحاب الرأي، ورخّص فيه ابن عباس، وسجدت أم سلمة على المرفقة، وكره ابن مسعود السجود على عُود، وقال: يومئ إيماءً، وجه الجواز أنه أتى بما يمكنه من الانحطاط فأجزأه، كما لو أومأ، فأما إن رفع إلى وجهه شيئاً فسجد عليه، فقال بعض أصحابنا: لا يُجْزئه، ورُوِي عن ابن مسعود وابن عمر وجابر وأنس: أنهم قالوا: يُؤْمئ، ولا يرفع إلى وجهه شيئاً، وهو قول عطاء ومالك والثوري، وروى الأثرم عن أحمد قال: أي ---- --- (١) (٧٨/١). (٢) ((المغني)) (٥٧٦/٢). (٣) المرفقة: المخدّة. ٤٧٦ ٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر (٢٤) باب (٣٩١) حديث ذلك فعل فلا بأس يومئ أو يرفع المرفقة فيسجد عليها، قيل له: المِرْوَحة؟ قال: لا، وعن أحمد أنه قال: الإيماء أحبُّ إليّ وإن رفع إلى وجهه شيئاً فسجد عليه أجزأه، وهو قول أبي ثور، ولا بد من أن يكون بحيث لا يمكنه الانحطاط أكثر من ذلك. ووجهُ ذلك أنه أتى بما أمكنه من وضع رأسه فأجزأه كما لو أوما، ووجه الأول أنه سجد على ما هو حاملٌ له فلم يُجْزِه، كما لو سجد على يديه، انتھی . وفي ((الروض)): ولا بأس بالسجود على وسادة ونحوها، وإن رفع له شيء عن الأرض فسجد عليه ما أمكنه صح وكره، انتهى. ولم أر هذا الفرع في فروع الشافعية نصاً. وأما عند الحنفية فقال في ((الهداية)): فإن لم يستطع الركوع والسجود أومأ إيماء، ولا يرفع إلى وجهه شيئاً يسجد عليه، لقوله عليه الصلاة والسلام: ((إن قدرت على أن تسجد على الأرض فاسجد، وإلا فأوم برأسك)) فإن فعل ذلك وهو يخفض رأسه أجزأه لوجود الإيماء، وإن وضع ذلك على جبهته لا يُجزئه لانعدامه، انتهى. وفي (البحر)) (١): لا يرفع إلى وجهه شيئاً ليسجد عليه، فإن فعل وهو يخفض رأسه صح، وإن لم يخفض رأسه لم يُجْزِ، لأن الفرض في حقه الإيماء، ولم يوجد، فإن لم يخفض فهو حرام لبطلان الصلاة، وقال تعالى: ﴿وَلَا نُبْطِلُواْ أَعْمَلَكُمْ﴾ . وأما نفس الرفع المذكورة فمكروه، صرح به في ((البدائع)) (٢) وغيره، لما (١) ((البحر الرائق)) (٢٠٠/٢). (٢) ((بدائع الصنائع)) (٢٨٩/١). ٤٧٧ ٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر (٢٤) باب (٣٩١) حديث روي أن النبي ◌ّ دخل على مريض يعوده فوجده يصلي كذلك، فقال: ((إن قدرت أن تسجد على الأرض فاسجد، وإلا فأوم برأسك)). وروي أن ابن مسعود دخل على أخيه يعوده فوجد يصلي، ويُرْفع إليه عود، فيسجد عليه فنزع ذلك من يد من كان في يده، وقال: هذا شيء عرض لكم الشيطان، أومِ بسجودك، وروي أن ابن عمر - رضي الله عنهما - رأى ذلك من مريض، فقال: أتتخذون مع الله آلهة (١)، انتهى. واستدل للكراهة في ((المحيط)) بنهيه ◌َّطير، وهو يدل على كراهة التحريم، انتھی . قلت: وأخرج الزيلعي(٢) في ((البزار)) هذه الروايات، وذكر ابن أبي شيبة الآثار المختلفة في الباب. قال ابن عابدين(٣): هذا محمول على ما إذا كان يحمل إلى وجهه شيئاً يسجد عليه بخلاف ما إذا كان موضوعاً على الأرض، يدل عليه ما في ((الذخيرة)) حيث نقل عن الأصل الكراهة في الأول، ثم قال: فإن كانت الوسادة موضوعة على الأرض، وكان يسجد عليها جازت صلاته، فقد صح أن أم سلمة كانت تسجد على مرفقة موضوعة بين يديها لِعلّة كانت بها، ولم يمنعها رسول الله له من ذلك، فإن مفاد هذه المقابلة والاستدلال عدم الكراهة في الموضوع على الأرض المرتفع، ثم رأيت القهستاني صرح بذلك، انتهى. وأثر أم سلمة - رضي الله عنها - أخرجه ابن أبي شيبة في ((مصنفه)) بطرق ولم أر في شيء منها أنه لم يمنعها رسول الله ێد. (١) انظر: ((مجمع الزوائد)) (٢٠١/١). (٢) انظر: ((نصب الراية)) (١٧٥/٢) قوله: في ((البزار)) والظاهر من ((البزار)). (٣) ((رد المحتار على الدر المختار)) (٦٨٥/٢). ٤٧٨ ٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر (٢٤) باب (٣٩٢) حديث ٧٥/٣٩٢ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمُن؛ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ إِذَا جَاءَ الْمَسْجِدَ، وَقَدْ صَلَّى النَّاسُ، بَدَأَ بِصَلاةِ الْمَكْتُوبَةِ، وَلَمْ يُصَلِّ قَبْلَهَا شَيْئاً. ٧٥/٣٩٢ - (مالك، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، أن عبد الله بن عمر) - رضي الله عنهما - (كان إذا جاء المسجد وقد) الواو حالية (صلى الناس بدأ) - رضي الله عنه - (بصلاة المكتوبة) هكذا في أكثر النسخ، وفي بعضها بدأ بالمكتوبة، والمعنى واحد (ولم يصل قبلها شيئاً) قال الباجي(١): يريد أن الصلاة التي جاء لها، وحضر وقتها، وصلّاها الناس دونه، لم يصل قبلها شيئاً، فيحتمل أن يريد لضيق الوقت، ويحتمل أن يفعل ذلك مع سعته، انتهى. قال أبو عمر في ((الاستذكار))(٢): قد ذهب إليه جماعة من أهل العلم قديماً وحديثاً، ورخص آخرون في الركوع قبل المكتوبة إذا كان وقت تجوز فيه الصلاة النافلة، وكان فيه سعة ركعوا ركعتين تحية المسجد، ثم أقاموا الصلاة وصلّوا، وكل ذلك مباح حسن، إذا كان وقت تلك الصلاة واسعاً، قال مالك: من أتى مسجداً قد صلي فيه فلا بأس أن يتطوع قبل المكتوبة إذا كان في سعة من الوقت، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه، وكذلك قال الشافعي وداود بن علي، وقال الثوري: ابدأ بالمكتوبة ثم تطوّع ما شئت، وقال الحسن بن حي: يبدأ بالفريضة ولا يتطوع حتى يفرغ من الفريضة، قال: فإن كانت الظهر فرغ منها ثم من الركعتين بعدها، ثم يصلي الأربع التي قبلها، وقال الليث: كل واجب من صلاة فريضة أو صلاة نذر أو صيام بدأ بالواجب قبل النفل. وقد روي عنه خلاف هذا، انتهى. وفي ((المدونة))(٣): قال مالك: من أتى المسجد وقد صلى القوم فيه (١) ((المنتقى)) (٢٩٩/١). (٢) (٢٩٠/٦). (٣) (١/ ٩٧). ٤٧٩ ٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر (٢٤) باب (٣٩٣) حديث ٧٦/٣٩٣ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ نَافِع؛ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ مَرَّ عَلَى رَجُلٍ وَهُوَ يُصَلِّي، فَسَلَّم عَلَيْهِ، فَرَدَّ الرَّجُلُ كَلاماً، المكتوبة، فأراد أن يتطوع قبل المكتوبة قال: فلا أرى بذلك بأساً، قلت لابن القاسم: فما قوله فيمن نسي صلاة فذكرها، فأراد أن يتطوع قبلها؟ قال: لا يتطوع قبلها، وليبدأ بها، قلت: أليس هذا مثل الأول؟ قال: لا، لأن ذلك عليه بقية من الوقت، انتهى. وفي ((الهداية)): ومن أتى مسجداً قد صُلِّي فيه فلا بأس بأن يتطوع قبل المكتوبة ما بدا له ما دام في الوقت، قيل: هذا في غير سنة الظهر والفجر، لأن لهما زيادة مزية، وقيل: هذا في الجميع لأنه عليه الصلاة والسلام واظب عليها عند أداء المكتوبات بالجماعة، ولا سنة دون المواظبة، والأولى أن لا يتركها في الأحوال كلها، لكونها مكملات للفرائض إلا إذا خاف فوت الوقت، انتھی . وقال ابن عابدين: إن التطوع على وجهين: سنة مؤكدة، وهي الرواتب، وغير مؤكدة، وهي ما زاد عليها، والمصلي لا يخلو إما أن يؤدي الفرض بجماعة أو منفرداً فإن كان بجماعة، فإنه يصلي السنن الرواتب قطعاً، فلا يخير فيها مع الإمكان، لكونها مؤكدة، وإن كان يؤديه منفرداً فكذلك الجواب في رواية، وقيل: يتخيّر، والأول أحوط لأنها شرعت قبل الفرض لقطع طمع الشيطان عن المصلي، وبعده لجبر نقصان تمكن في الفرض، والمنفرد أحوج إلى ذلك. والنص الوارد فيها لم يفرق فيجري على إطلاقه، إلا إذا خاف فوت الوقت، لأن أداء الفرض في وقته واجب، وأما ما زاد على السنن الرواتب فيتخيّر المصلي فيه مطلقاً، يعني سواء صلى الفرض منفرداً أو بجماعة، انتهى. ٧٦/٣٩٣ - (مالك، عن نافع، أن عبد الله بن عمر مر على رجل وهو) أي الرجل (يصلي فسلم) بفتح السين على بناء الفاعل والضمير إلى ابن عمر - رضي الله عنهما - (عليه) أي على المصلي (فرد الرجل) المصلي (كلاماً) يعني ٤٨٠ --- --- --- -- - --