Indexed OCR Text
Pages 421-440
٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر (٢٣) باب (٣٨٥) حديث سابعها: يجب الإكثار منها من غير تقييد بعدد، قاله أبو بكر بن بكير من المالكية . ثامنها: كلما ذكر، قاله الطحاوي وجماعة من الحنفية، والحليمي وجماعة من الشافعية، وقال أبو بكر بن العربي من المالكية: إنه الأحوط، وكذا قاله الزمخشري. تاسعها: في كل مجلس مرة ولو تكرر ذكره مراراً، حكاه الزمخشري. عاشرها: في كل دعاء حكاه أيضاً الزمخشري، اهـ. وقال ابن العربي في ((شرح الترمذي)) (١): لا خلاف بين الأمة أن الصلاة على محمد ◌ّ فرض في العمر، اهـ. وهي مختار ((الدر المختار))(٢) إذ قال: هي فرض عملاً بالأمر في شعبان ثاني الهجرة مرة واحدة اتفاقاً في العمر، قال ابن عابدين: قوله: عملاً للتمييز، أي لأجل العمل بالأمر القطعي الثبوت والدلالة فهي فرض علماً وعملاً، لا عملاً فقط، وأما ما قيل: إن الأمر فيه للاستحباب إجماعاً، فهو خلاف الإجماع كما ذكره الفاسي في ((شرح الدلائل)). واختلف الطحاوي والكرخي في وجوبها على السامع والذاكر كلما ذكر الر، والمختار عند الطحاوي تكرار الوجوب كلما ذكر، ولو اتحد المجلس في الأصح، لا لأن الأمر يقتضي التكرار، بل لأنه تعلق وجوبها بسبب متكرر، وهو الذكر فيتكرر بتكرره، وتصير ديناً بالترك، فتقضى لأنها حق عبد، كالتشميت، بخلاف ذكره تعالى، والمذهب استحباب التكرار، وعليه الفتوى، والمعتمد قول الطحاوي، كذا ذكره الباقاني تبعاً لما صححه الحلبي (١) ((عارضة الأحوذي)) (٢٧١/٢). (٢) (٢٧٦/٢). ٤٢١ ٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر (٢٣) باب (٣٨٥) حديث وغيره، ورجحه في ((البحر)) بأحاديث الوعيد كرغم وإبعاد وشقاء وبخل وجفاء، اهـ. قال الحافظ في ((الفتح))(١): وقد تمسك بالأحاديث المذكورة من أوجب الصلاة عليه كلما ذكر؛ لأن الدعاء بالرغم والإبعاد والشقاء يقتضي الوعيد، والوعيد على الترك من علامات الوجوب، وأجاب من لم يوجب ذلك بأجوبة: منها: أنه قول لا يعرف عن أحد من الصحابة والتابعين، فهو قول مخترع، ولو كان ذلك على عمومه للزم المؤذن إذا أذن، وكذا السامع، وللزم القارئ إذا مر ذكره في القرآن، وللزم الداخل في الإسلام إذا تلفظ بالشهادتين، وفي ذلك من المشقة والحرج ما جاءت الشريعة السمحة بخلافه، وأطلق القدوري وغيره من الحنفية أن القول بالوجوب مخالف للإجماع المنعقد قبل قائله، لأنه لا يحفظ عن أحد من الصحابة أنه خاطبه ◌َّر، فقال: يا رسول الله صلى الله عليك، ولأنه لو كان كذلك لم يتفرغ أحد لعبادة أخرى، وأجابوا عن الأحاديث بأنها خرجت مخرج المبالغة في تأكيد ذلك وطلبه، وفي حق من اعتاد ترك الصلاة عليه ديدناً . وفي الجملة: لا دلالة على وجوب تكرر ذلك بتكرر ذكره وَّل في المجلس الواحد، واحتج الطبري لعدم الوجوب أصلاً مع ورود صيغة الأمر بذلك بالاتفاق من جميع المتقدمين والمتأخرين من علماء الأمة على أن ذلك غير لازم فرضاً حتى يكون تاركه عاصياً، فدل ذلك على أن الأمر فيه للندب، اهـ. ---- -- هذا إجمال الكلام على الصلاة في الجملة، وأما حكمها في الصلاة فقال ابن عبد البر (٢): وروي عن مالك والثوري والأوزاعي أنهم قالوا: الصلاة على (١) (١٦٨/١١). (٢) انظر: ((الاستذكار)) (٢٥٦/٦). .... .-- ٤٢٢ ---- -- ٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر (٢٣) باب (٣٨٥) حديث النبي ◌َّ مستحبة في التشهد الأخير، وتاركها مسيء، ومع ذلك فصلاة من لم يفعل ذلك تامة، وقال الشافعي: إذا لم يصلِّ المصلي على النبي ◌َّ في التشهد الآخر بعد التشهد وقبل التسليم أعاد الصلاة. وقال ابن قدامة في ((المغني))(١): وهي واجبة في صحيح المذهب، وهو قول الشافعي وإسحاق، وعن أحمد: أنها غير واجبة، قال المَرُّوذِيُّ: قيل لأبي عبد الله: إن ابن راهويه يقول: لو أن رجلاً ترك الصلاة على النبي ◌ّر في التشهد بطلت صلاته، قال: ما أجترئ، وقال في موضع: هذا شذوذ، وهذا يدل على أنه لم يوجبها، وهذا قول مالك والشافعي وأصحاب الرأي وأكثر أهل العلم، قال ابن المنذر: هو قول جُلِّ أهل العلم إلا الشافعي، وكان إسحاق يقول: لا يجزئه إذا ترك ذلك عمداً، قال ابن المنذر: وبالقول الأول أقول، لأني لا أجد الدلالة في إيجاب الإعادة عليه، وظاهر مذهب أحمد وجوبه، فإن أبا زرعة الدمشقي نقل عن أحمد أنه قال: كنت أتهيب ذلك ثم تبينت فإذا الصلاة واجبة، فظاهر هذا أنه رجع عن قوله الأول، اهـ. قلت: وعدَّ في ((نيل المآرب)) من الأركان قول: اللهم صلِّ على محمد، قال القاري في ((شرح الشفاء))(٢): قال القاضي أبو محمد بن نصر: الصلاة على النبي ◌ُّ واجبة في الجملة. وقال القاضي محمد بن سعيد: ذهب مالك وأصحابه وغيرهم من أهل العلم أي الأئمة المجتهدين إلى أن الصلاة على النبي 18 فرض بالجملة، لا تتعين في الصلاة، ومن صلى عليه مرة واحدة من عمره سقط الفرض عنه، وقال أصحاب الشافعي: الفرض منها هو منحصر في الصلاة، وأما في غير الصلاة فلا خلاف في أنها غير واجبة، اهـ. (١) (٢٢٨/٢ - ٢٢٩). (٢) (٧٢٨/٣). ٤٢٣ ٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر (٢٣) باب (٣٨٥) حديث قال ابن عبد البر(١): واحتج من قال: إن الصلاة على النبي وَل ليست من فرائض الصلاة بحديث ابن مسعود بلفظ: ((فإذا قلت ذلك، فقد قضيت الصلاة فإن شئت أن تقوم وإن شئت أن تقعد))، وكذلك سائر الآثار عن ابن مسعود وغيره في التشهد ليس في شيء منها ذكر الصلاة على النبي وَّر، وبحديث فضالة: أن رسول الله ويلير سمع رجلاً يدعو في صلاته لم يحمد الله ولم يصل على النبي ◌َّر، فقال له النبي ◌َّ -: ((إذا صلى أحدكم فليبدأ بحمد الله والثناء عليه، ثم يصلي على النبي وَّل، ثم يدعو بما شاء))، ولم يأمره بالإعادة، ولو كان فرضاً لأمره بالإعادة كما فعل بالذي لم يكمل ركوعه وسجوده، اهـ. وحجة الشافعي ومن قال بقوله في هذه المسألة: إن الله عز وجل أمرنا بالصلاة على النبي ◌َّ﴾ وأن نسلم عليه تسليماً، ثم جاء الأمر بالتشهد فعلمهم كيف يسلمون بقوله: ((السلام عليك أيها النبي ورحمة الله))، وقال لهم: إنه يقال في الصلاة لا غيرها، وقالوا له: قد علمنا السلام عليك يعنون في التشهد فكيف الصلاة؟ فعلمهم الصلاة عليه، وقال لهم: السلام كما علمتم فدلهم على أن ذلك قرين التشهد في الصلاة، قالوا: وقد وجدنا الأمة بأجمعها تفعل الأمرين جميعاً في صلاتها . ٠٠ قال أبو عمر: الأصل أن الفرائض لا تثبت إلا بدليل لا معارض له، أو بإجماع لا مخالف فيه، وذلك معدوم في هذه المسألة، إلا أني رأيت الفقهاء وأصحابهم إذا قام لأحدهم دليل من كتاب أو سنة أوجبوا به وأسقطوا موضع الخلاف، وحجة الشافعي - رضي الله عنه - فيها ضعيفة، ولست أوجب الصلاة على النبي ﴾ فرضاً في كل صلاة، ولكن لا أحب لأحد تركها وبالله التوفيق، انتهى مختصراً. (١) ((الاستذكار)) (٦/ ٢٥٧). ٤٢٤ ٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر (٢٣) باب (٣٨٥) حديث وفي (الدر المختار))(١): فرض الشافعي قول: اللّهم صلِّ على محمد، ونسبوه إلى الشذوذ ومخالفة الإجماع، قال ابن عابدين: نسبه قوم من الأعيان منهم الطحاوي وأبو بكر الرازي وابن المنذر والخطابي والبغوي وابن جرير الطبري، لكن نقل عن بعض الصحابة والتابعين ما يوافق الشافعي، اهـ. وكذا قال الحلبي في ((الكبيري)). قلت: لكن تقدم أن الإمام أحمد - رضي الله عنه - وافق الإمام الشافعي - رضي الله عنه - في القول بالوجوب، وفي ((الشرح الكبير)) للمالكية: والصلاة على النبي ◌َّ﴾ بعد التشهد سنة أو فضيلة، خلاف في التشهير، اهـ. وعدّ في ((الأنوار)) من المالكية الثالثة عشر من السنن: الصلاة على النبي ◌َّ بأي لفظ كان، وأفضلها اللهم صلِّ على محمد إلخ. قلت: وقال الحنفية أيضاً بسنية الصلاة في القعدة الأخيرة كما في جملة فروعهم من الشامي وغيره، قال الحلبي: سنة عندنا وعند الجمهور، قال في ((البدائع)) (٢): الصلاة على النبي ◌ّل في الصلاة ليست بفرض عندنا، بل هي سنة مستحبة، وعند الشافعي فرض وهي اللهم صلِّ على محمد، واحتج بقوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ﴾(٣) ومطلق الأمر للفرضية، وقال مَّ : ((لا صلاة لمن لم يصلِّ عليّ في صلاته)). ولنا ما روينا من حديث ابن مسعود وعبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي ومَثّل حكم بتمام الصلاة عند القعود قدر التشهد من غير شرط الصلاة على النبيِ نَّه، ولا حجة في الآية، لأن المراد منها الندب بدليل ما روينا، وروي (١) (٢١٣/٢). (٢) (٥٠٠/١). (٣) سورة الأحزاب: الآية ٥٦. ٤٢٥ ٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر (٢٣) باب (٣٨٥) حديث عن عمر وابن مسعود - رضي الله عنهما - أنهما قالا: الصلاة على النبي وَل سنة في الصلاة على أن الأمر لا يقتضي التكرار، بل يقتضي الفعل مرة واحدة، وقد قال الكرخي من أصحابنا: إن الصلاة على النبي وّل فرض العمر كالحج، وليس في الآية تعيين حالة الصلاة، والحديث محمول على نفي الكمال لقوله وَلي: ((لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد)»، وبه نقول، اهـ. قال الحلبي: والتشهدات المروية عن ابن مسعود وابن عباس وأبي هريرة وجابر وأبي سعيد وأبي موسى وابن الزبير لم يذكر فيها شيء من ذلك، وما روي عنه ◌َّ: ((لا صلاة لمن لم يصلِّ عليّ))، أخرجه ابن ماجه، ضعفه أهل الحديث كلهم، ولو صح فمعناه كاملة، أو لمن لم يصلِّ عليّ في عمره، والجملة ليس له دليل يدل على الفرضية في الصلاة أصلاً، ولا خلاف أنها تفرض في العمر مرة، اهـ. وبسط الشوكاني في ((النيل)) (١) الكلام على دلائل الوجوب والاعتذار عنها وقال في آخره: والحاصل أنه لم يثبت عندي من الأدلة ما يدل على مطلوب القائلين بالوجوب، وعلى فرض ثبوته، فترك تعليم المسيء للصلاة لا سيما مع قوله ◌َّه: ((فإذا فعلت ذلك فقد تمت صلاتك)) قرينة صالحة لحمله على الندب، ونحن لا ننكر أن الصلاة عليه وَ له من أجلّ الطاعات التي يتقرب بها الخلق إلى الخالق، وإنما نازعنا في إثبات واجب من واجبات الصلاة، بغير دليل يقتضيه مخافة من التقول على الله بما لم يقل، ولكن تخصيص التشهد الأخير بها مما لم يدل عليه دليل صحيح، اهـ. ثم اختلفوا في أقل ما يجزئ من مقدار الصلاة، قال الحافظ في ((الفتح))(٢): وأما الشافعية فقالوا: يكفي أن يقول: اللّهم صلِّ على محمد، (١) انظر: ((نيل الأوطار)) (١٢٢/٢). (٢) ((فتح الباري)) (١٦٦/١١). ٤٢٦ ٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر (٢٣) باب (٣٨٥) حديث واختلفوا هل يكفي الإتيان بما يدل على ذلك كأن يقول: صلّى الله على محمد مثلاً، والأصح إجزاؤه، وذلك أن الدعاء بلفظ الخبر آكد فيكون جائزاً بالطريق الأولى، ومن منع وقف عند التعبد، وهو الذي رجحه ابن العربي، بل كلامه يدل على أن الثواب الوارد على الصلاة إنما يحصل لمن صلى عليه بالكيفية المذكورة، واتفق أصحابنا على أنه لا يجزئ أن يقتصر على الخبر، كأن يقول: الصلاة على محمد، إذ ليس فيه إسناد الصلاة إلى الله تعالى. واختلفوا في تعيين لفظ محمد، لكن جوزوا الاكتفاء بالوصف دون الاسم، كالنبي ورسول الله، لأن لفظ محمد وقع التعبد به فلا يجزئ عنه إلا ما كان أعلى منه، ولذا قالوا: لا يجزئ الإتيان بالضمير ولا بأحمد مثلاً في الأصح فيهما، وذهب الجمهور إلى الاجتزاء بكل لفظ أدى المراد بالصلاة عليه وَّل حتى قال بعضهم: لو قال في أثناء التشهد: الصلاة والسلام عليك أيها النبي أجزأ، وكذا لو قال: أشهد أن محمداً وَ ل عبده ورسوله، وحكى الفوراني عن صاحب ((الفروع)) في إيجاب ذكر إبراهيم وجهين، واحتج لمن لم يوجبه بأنه ورد بدون ذكره في حديث زيد بن خارجة عند النسائي بسند قوي، وفيه نظر لأنه من اقتصار بعض الرواة، فإن النسائي أخرجه من هذا الوجه بتمامه، وكذا الطحاوي. واختلفوا في إيجاب الصلاة على الآل، ففي تعيينها أيضاً عند الشافعية والحنابلة روايتان، والمشهور عندهم: لا، وهو قول الجمهور، وادّعى كثير منهم فيه الإجماع(١)، اهـ. وقال ابن عابدين: السلام يجزئ عن الصلاة وعلى النبي وَل، اهـ. وهذا صريح في أن المقصود المعنى دون اللفظ. (١) انظر: ((فتح الباري)) (١٦٦/١١). ٤٢٧ ٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر (٢٤) باب (٣٨٦) حديث (٢٤) باب العمل في جامع الصلاة ٦٩/٣٨٦ - حَدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكٍ، عَنْ نَافِعِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ بِّهِ كَانَ يُصَلِّي قَبْلَ الظَّهْرِ رَكْعَتَيْنِ، (٢٤) العمل في جامع الصلاة سيأتي الكلام على معنى الترجمة تحت الباب الآتي. ٦٩/٣٨٦ - (مالك، عن نافع، عن ابن عمر أن رسول الله وَ ل كان يصلي) وفي رواية للبخاري: صليت مع النبي ◌َّ، الحديث. قال العيني(١): المراد من المعية هذه مجرد المتابعة في العدد، وهو أن ابن عمر - رضي الله عنهما - صلى ركعتين وحده، كما صلى النبي ( 18 ركعتين، لا أنه - رضي الله عنه - اقتدى به عليه الصلاة والسلام فيهما، اهـ. (قبل الظهر ركعتين) وفي حديث عائشة: ((كان لا يدع أربعاً قبل الظهر)) رواه البخاري وغيره، قال الداودي: هو محمول على أن كل واحد وصف ما رأى، وما قيل: يحتمل أن ابن عمر - رضي الله عنهما - نسي الركعتين من الأربع بعيد جداً، قاله الحافظ(٢)، ورجح من عند نفسه أنه محمول على اختلاف الأحوال، ويحتمل أنه كان يقتصر في المسجد على ركعتين، ويصلي في بيته أربعاً. وقال ابن القيم في ((الهدي))(٣): وهذا أظهر، يعني إذا صلى في بيته صلى أربعاً، وإذا صلى في المسجد صلى ركعتين، وقيل: يصلي في البيت ركعتين، ويخرج إلى المسجد فيركع ركعتين، فاقتصر ابن عمر - رضي الله عنهما - على الثاني وجمعت عائشة - رضي الله عنها - كليهما، قال ابن جرير: الأربع كانت (١) ((عمدة القاري)) (٥٣٦/٥) باب التطوع بعد المكتوبة. (٢) (فتح الباري)) (٥٨/٣). (٣) ((زاد المعاد)) (٢٩٨/١). ۔۔ ٤٢٨ ------- ------- -------- ٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر (٢٤) باب (٣٨٦) حديث وَبَعْدَهَا رَكَعَتَيْنِ، في كثير من أحواله، والركعتان في قليلها، قلت: ما قاله ابن جرير هو الظاهر، لأن الروايات في صلاته ويليه أربعاً أكثر من الركعتين. فقد روى البخاري وأبو داود والنسائي من رواية محمد بن المنتشر عن عائشة أن النبي و ﴿ كان لا يدع أربعاً قبل الظهر، وروى مسلم وأبو داود والنسائي والترمذي عن عبد الله بن شقيق قال: سألت عائشة عن صلاة رسول الله وَ عن تطوعه، فقالت: كان يصلي في بيتي قبل الظهر أربعاً، وعن علي قال: كان النبي ◌َّ يصلي قبل الظهر أربعاً وبعدها ركعتين، رواه الترمذي، وقال: حديث علي حسن. والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي ◌ّ﴾ ومن بعدهم، يختارون أن يصلي الرجل قبل الظهر أربع ركعات، وهو قول الثوري وابن المبارك وإسحاق، وسيأتي حديث أم حبيبة في ثنتي عشرة ركعة تطوعاً، وفيه أربع قبل الظهر، وركعتان بعدها، وعن أبي أيوب الأنصاري عن النبي ◌َ﴾ قال: ((أربع قبل الظهر ليس فيهن تسليم تفتح لهن أبواب السماء)) كذا في العيني(١). وقال أيضاً: روى سعيد بن منصور في ((سننه)) من حديث البراء، قال: قال رسول الله وَّر: ((من صلى قبل الظهر أربعاً كان كأنما تهجد من ليلته))، الحديث. وأخرج ابن أبي شيبة في ((مصنفه)) عن قابوس عن أبيه قال: أرسل أبي إلى عائشة - رضي الله عنها - أي الصلاة كانت أحب إلى رسول الله وَ ل ◌ّ أن يواظب عليها؟ قالت: كان يصلي أربعاً قبل الظهر يطيل فيهن القيام ويحسن فيها الركوع والسجود. (وبعدها ركعتين) وللترمذي وصححه من حديث أم حبيبة - رضي الله عنها - مرفوعاً: ((من حافظ على أربع ركعات قبل الظهر وأربع بعدها حرمه الله (١) ((عمدة القاري)) (٥٣٦/٥) باب التطوع بعد المكتوبة. ٤٢٩ ٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر (٢٤) باب (٣٨٦) حديث على النار))، وأخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه وغيرهم، والجمع بينهما أنه وَّ صلى ركعتين مرة، وأربعاً أخرى بياناً لأن الأمر فيه على التوسع، لكن الأكثر من فعله وَّر بعد الظهر ركعتين، وفيه حديث علي - رضي الله عنه - المتقدم قبل ذلك، وحديث الباب نص فيه. ويؤيده أيضاً حديث أم حبيبة الآتي في بحث الرواتب، وحديث أم حبيبة المذكور أعلّه جماعة، كما بسط في موضعه، وفي حديث كريب إذ أرسله ابن عباس وعبد الرحمن بن أزهر والمسور بن مخرمة إلى عائشة، ثم إلى أم سلمة قال النبي ◌ُّير: ((أتاني ناس من عبد القيس فشغلوني عن الركعتين اللتين بعد الظهر»، الحديث عند أبي داود وغيره، ثم لم يذكر في الحديث الصلاة قبل العصر. وروى أبو داود: من حديث أبي المثنى عن ابن عمر - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله ◌َله: ((رحم الله امرأً صلى قبل العصر أربعاً)) (١)، وهكذا أخرجه الترمذي وإلى ابن عمر - رضي الله عنهما - نسبه في ((المشكاة) وتبعه القاري. -- وما قال الزرقاني(٢) تبعاً للحافظ: روي عند أحمد وأبي داود والترمذي، وصححه ابن حبان عن أبي هريرة مرفوعاً: ((رحم الله امرأً صلى قبل العصر أربعاً))، فالظاهر عندي أنه وهم، لأن الرواية في تلك الكتب من مسانيد ابن عمر. وأخرج أبو داود من حديث علي: كان النبي ◌ُّ يصلي قبل العصر ركعتين. وقال العيني(٣): وروى أبو نعيم من حديث الحسن عن أبي هريرة مرفوعاً: ((من صلى قبل العصر أربع ركعات غفر الله عز وجل له مغفرة عزماً)) ..--- -..--- (١) رواه أحمد في ((المسند)) (٢/ ١١٧) والترمذي في الصلاة (٤٣٠) وأبو داود في الصلاة (١٢٧١). (٢) ((شرح الزرقاني)) (٣٣٨/١). (٣) ((عمدة القاري)) (٥٣٩/٥). --- ٤٣٠ -- ٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر (٢٤) باب (٣٨٦) حديث وَبَعْدَ الْمَغْرِبِ رَكْعَتَيْنِ فِي بَيْتِهِ، وَبَعْدَ صَلاةِ الْعِشَاءِ رَكْعَتَيْنِ، والحسن لم يسمع عن أبي هريرة. قال النووي في ((شرح المهذب)): إنها سنة، وإنما الخلاف فى المؤكد منه . وقال في ((شرح مسلم)): لا خلاف في استحبابها عند أصحابنا، وممن كان يصليها أربعاً من الصحابة علي - رضي الله عنه -، وقال إبراهيم النخعي: كانوا يصلون أربعاً قبل العصر، ولا يرونها من السنة، وممن كان لا يصلي قبل العصر شيئاً سعيد بن المسيب والحسن البصري وسعيد بن منصور وقيس بن أبي حازم وأبو الأحوص، انتهى. (وبعد المغرب ركعتين) ولفظ (في بيته) لم يقل يحيى والقعنبي سوى هذا المحل كما سيأتي، وأما سنة المغرب، فقد روى الترمذي من حديث ابن مسعود أنه قال: ما أحصي ما سمعت رسول الله وَّة يقرأ في الركعتين بعد المغرب والركعتين قبل الفجر بـ ﴿قُلّ يَأَيُّهَا الْكَفِرُونَ ﴾﴾﴾ و﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُ (@)). وأخرجه ابن ماجه أيضاً، وفي الباب عن عبد الله بن جعفر عند الطبراني في ((الأوسط)) وابن عباس عند أبي داود وأبي أمامة عند الطبراني في ((الكبير))، وأبي هريرة عند النسائي وابن ماجه وهاتان الركعتان من السنن المؤكدة . وبالغ بعض التابعين فيهما، فروى ابن أبي شيبة في ((مصنفه)) عن سعيد بن جبير قال: ((لو تركت الركعتين بعد المغرب لخشيت أن لا يغفر لي))، وقد شذّ الحسن البصري فقال بوجوبهما، وروى ابن أبي شيبة عن ابن عمر - رضي الله عنهما - قال: ((من صلى بعد المغرب أربعاً كان كالمعقب غزوة بعد غزوة)). (١) قاله العینی'. ٠ (وبعد صلاة العشاء ركعتين) زاد ابن وهب وغيره لفظ: ((في بيته)) هاهنا (١) ((عمدة القاري)) (١٢٨/٥) باب الصلاة بعد الجمعة وقبلها. ٤٣١ ٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر (٢٤) باب (٣٨٦) حديث وَكَانَ لَا يُصَلِّ بَعْدَ الْجُمُعَةِ حَتَّى يَنْصَرِفَ، فَيَرْكَعَ رَكْعَتَيْنِ. أخرجه البخاريّ في: ١١ - كتاب الجمعة، ٣٩ - باب الصلاة بعد الجمعة وقبلها . ومسلم في: ٦ - كتاب صلاة المسافرين، ١٥ - باب فضل السنن الراتبة قبل الفرائض وبعدهن، وبيان عددهن، حديث ١٠٤. أيضاً (وكان لا يصلي بعد الجمعة حتى ينصرف) أي من المسجد إلى البيت. قال ابن بطال: والحكمة في ذلك أن الجمعة لما كانت بدل الظهر، واقتصر فيها على ركعتين، ترك التنفل بعدها في المسجد خشية أن يظن أنها التي حذفت، انتهى. (فيركع ركعتين) زاد ابن بكر لفظ: ((في بيته))، وسيأتي الكلام على رواتب الجمعة مبسوطاً . قال ابن عبد البر في ((الاستذكار))(١): هكذا رواية يحيى عن مالك، لم يذكر ((في بيته)) إلا في الركعتين بعد المغرب فقط، قلت: وهكذا في ((موطأ محمد)). قال ابن عبد البر: وتابعه القعنبي على ذلك، وقال ابن بكير في هذا الحديث: ((في بيته)) في موضعين: أحدهما في الركعتين بعد المغرب، والآخرة في الركعتين بعد الجمعة في بيته، وقال ابن وهب فيه: عن مالك ((في الركعتين بعد المغرب، والركعتين بعد العشاء)) في بيته، ولم يذكر انصرافه في الجمعة. وقد اختلف في ألفاظ هذا الحديث أصحاب نافع، واختلف فيه أيضاً عن ابن عمر، ذكرنا ذلك كله مبسوطاً في ((التمهيد))(٢)، اهـ. قلت: ولفظ عبيد الله عن نافع عند البخاري، فأما المغرب والعشاء ففي بيته. ثم الفقه في أثر ابن عمر - رضي الله عنهما - ثلاث مسائل: بيان الرواتب، وبحث أن التنفل في البيت أفضل أو في المسجد، وذكر الرواتب بعد -- (١) (٦/ ٢٦٧). (٢) (١٤/ ١٧٥). ٤٣٢ --- - ٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر (٢٤) باب (٣٨٦) حديث الجمعة، أما الأولى فقال الحافظ في ((الفتح)) (١) تحت حديث الباب: وفيه حجة لمن ذهب إلى أن للفرائض رواتب تستحب المواظبة عليها، وهو قول الجمهور، وذهب مالك - رضي الله عنه - في المشهور عنه إلى أنه لا توقيت في ذلك حمايةً للفرائض، لكن لا يمنع من تَطَوَّع بما شاء إذا أمن ذلك، وذهب العراقيون من أصحابه إلى موافقة الجمهور، انتهى. وقال الشوكاني(٢) تحت حديث ابن عمر وعائشة في الرواتب: والحديثان يدلان على مشروعية ما اشتملا عليه من النوافل، وأنها مؤقتة واستحباب المواظبة عليها، وإلى ذلك ذهب الجمهور، وقد روي عن مالك - رضي الله عنه - ما يخالف ذلك، وذهب الجمهور أيضاً إلى أنه لا وجوب لشيء من رواتب الفرائض، وروي عن الحسن البصري القول بوجوب ركعتي الفجر، اهـ. قال العيني(٣): والركعتان بعد المغرب من السنن المؤكدة، وبالغ بعض التابعين فيهما، فروى ابن أبي شيبة عن سعيد بن جبير قال: لو تركت الركعتين بعد المغرب لخشيت أن لا يغفر لي، وقد شذّ الحسن البصري فقال بوجوبهما ولم يقل مالك بشيء من التوابع للفرائض إلا ركعتي الفجر، اهـ. قلت: وحاصل ما تقدم من خلاف الإمام مالك - رضي الله عنه - في ذلك، أنه لا توقيت للرواتب عنده ولا تحديد لها خلافاً للأئمة الثلاثة، ففي ((المدونة)): قلت: هل كان مالك - رضي الله عنه - يوقت قبل الظهر للنافلة ركعات معلومة أو بعد الظهر أو قبل العصر أو بعد المغرب فيما بين المغرب والعشاء أو بعد العشاء؟ قال: لا، وإنما يوقت في هذا أهل العراق، اهـ. (١) ((فتح الباري)) (١١/ ٥١). (٢) ((نيل الأوطار)) (٢١٦/٢). (٣) (عمدة القاري)) (١٢٨/٥). ٤٣٣ ٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر (٢٤) باب (٣٨٦) حديث وفي ((الشرح الكبير)) (١): ندب نفل في كل وقت يحل فيه وتأكد الندب بعد صلاة المغرب كبعد ظهر وقبلها، كقبل عصر بلا حد يتوقف عليه، بحيث لو نقص عنه أو زاد فات أصل الندب، بل يأتي بركعتين وبأربع وست، وإن كان الأكمل ما ورد من أربع قبل الظهر وأربع بعدها وأربع قبل العصر وست بعد المغرب، اهـ وقال أيضاً بعيد ذلك: وهي أي صلاة الفجر ((يعني ركعتيه)) رغيبة أي رتبتها دون السنة، وفوق النافلة تفتقر لنية تخصها وتميزها عن مطلق النافلة، بخلاف غيرها من النوافل المطلقة، فيكفي فيه نية الصلاة، وكذا النوافل التابعة للفرائض بخلاف الفرائض والسنن، والرغيبة، وليس عندنا رغيبة إلا الفجر، اهـ. وكذا في ((الأنوار الساطعة)): والرواتب عند الحنابلة عشر ركعات، قال في ((الشرح الكبير)) لهم: ثم السنن الراتبة عشر ركعات: ركعتان قبل الظهر، وركعتان بعدها، وركعتان بعد المغرب، وركعتان بعد العشاء، وركعتان قبل الفجر، وهما آكد. وقال أبو الخطاب: أربع قبل العصر لرواية ابن عمر - رضي الله عنهما - رحم الله امرأً صلى قبل العصر أربعاً، وقال الشافعي: قبل الظهر أربعاً لرواية عائشة - رضي الله عنها -. ولنا ما روى ابن عمر: ((حفظت عن النبي ◌َّل عشر ركعات)) الحديث متفق عليه. وروى الترمذي نحو ذلك عن عائشة مرفوعاً، وقال: حسن صحيح، وقول النبي وقله: ((رحم الله امرأً)) الحديث، ترغيب فيها، ولم يجعلها من السنن الرواتب بدليل أن ابن عمر - رضي الله عنهما - لم يحفظها، اهـ. وكذا قال ابن قدامة في ((المغني)) (٢)، وكذا في ((نيل المآرب)) (٣) (١) (٣١٣/١). (٢) (٥٣٩/٢). (٣) (٢٠٢/١). ٤٣٤ ٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر (٢٤) باب (٣٨٦) حديث و ((الروض المربع)) (١): إن الرواتب المؤكدة عشر ركعات، وما حكي عن الإمام الشافعي - رحمه الله - رواية عنه، والروايات عنه في ذلك مختلفة، ولذا اختلف أصحاب النقل في ذلك كثيراً. والمرجح عندهم كما في ((حاشية الإقناع)) و (روضة المحتاجين)) وغير ذلك من كتب فروعهم، أن المؤكد عندهم عشرة كالحنابلة، والرواتب المؤكدة عندنا الحنفية ثنتا عشرة ركعة، قال في (الدر المختار)) (٢): وسن مؤكداً أربع قبل الظهر بتسليمة وركعتان قبل الصبح، وبعد الظهر والمغرب والعشاء، اهـ. وفي ((الكنز)): السنة قبل الفجر، وبعد الظهر، والمغرب، والعشاء ركعتان، وقبل الظهر أربع، اهـ. وما ذكرت الجمعة لما سيأتي بيانها مبسوطاً، وقد علمت مما تقدم أن الأئمة الثلاثة - رضي الله عنهم - القائلين بتوقيت الرواتب لم يختلفوا فيما بينهم إلا في تحديد الراتبة قبل الظهر، فقالت الحنفية: أربع، وقال الشافعي وأحمد: ركعتان، وتقدم تحت حديث ابن عمر - رضي الله عنهما - ما قال ابن جرير - رضي الله عنه -: إن الأربع أكثر من فعله ◌َ*، وركعتان قليل، وتقدم أيضاً ما يقوي قوله من الروايات. ويؤيد الحنفية نصاً ما رواه الجماعة إلا البخاري من حديث أم حبيبة - رضي الله عنها - أنها سمعت رسول الله وسلم يقول: ((ما من عبد مسلم يصلي الله في كل يوم بثنتي عشرة ركعة تطوعاً إلا بنى الله له بيتاً في الجنة)) لمسلم وأبي داود وابن ماجه. وزاد الترمذي والنسائي: أربعاً قبل الظهر وركعتين بعدها وركعتين بعد المغرب وركعتين بعد العشاء وركعتين قبل صلاة الغداة. (١) (٢٢٢/١). (٢) (٥٤٥/٢). ٤٣٥ ٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر (٢٤) باب (٣٨٦) حديث وعن عائشة - رضي الله عنها - قالت: ((كان يصلي في بيتي قبل الظهر أربعاً، ثم يخرج فيصلي بالناس، ثم يدخل فيصلي ركعتين، وكان يصلي بالناس المغرب، ثم يدخل فيصلي ركعتين، ويصلي بالناس العشاء، ويدخل بيتي، فيصلي ركعتين)) الحديث لمسلم وأبي داود، والترمذي بعضه، كذا في ((جمع الفوائد)»(١). وعنها: ((أن النبي وَل* كان إذا لم يصلِّ قبل الظهر أربعاً صلى بعدها)) للترمذي. وعن صفوان رفعه: من صلى أربعاً قبل الظهر كان كأجر عتق رقبة، أو قال: أربع رقاب من ولد إسماعيل ((للأوسط)) بخفي. وعن البراء بن عازب رفعه: ((من صلى قبل الظهر أربع ركعات كأنما تهجد من ليلته)) الحديث (للأوسط)) بخفي، وله بضعف عن أنس مثله. وأخرج الترمذي وابن ماجه عن عائشة مرفوعاً: ((من ثابر على ثنتي عشرة ركعة من السنة بنى الله له بيتاً في الجنة، أربع ركعات قبل الظهر وركعتين بعدها)) الحديث. قال الترمذي: غريب من هذا الوجه، ومغيرة بن زياد تكلم فيه بعض أهل العلم من قبل حفظه. ٠٠ وأخرج ابن عدي في ((الكامل)) من حديث أبي هريرة مرفوعاً: ((من صلى ثنتي عشرة ركعة بني له بيت في الجنة، ركعتين قبل الفجر وأربعاً قبل الظهر)) الحديث. وضعف محمد بن سليمان، وقال: إنه مضطرب الحديث، قاله الزيلعي . وأنت خبير بأن عشر ركعات منها مؤيدة بروايات ابن عمر وغيره الصحاح، وأربع ركعات قبل الظهر مؤيدة بما تقدم من الروايات الكثيرة، فانجبر ضعفها . (١) ((جمع الفوائد)) (١/ ٣١١). ٤٣٦ - ---------- - ٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر (٢٤) باب (٣٨٦) حديث وقد بسط في حاشية ((مسند أبي حنيفة)) تخريج الروايات الصريحة في الأربع قبل الظهر. وقال: إنه 18 كان يصلي الأربع في البيت، فروتها الأزواج المطهرات، وإذا دخل المسجد ركع الركعتين تحية المسجد، فظنهما ابن عمر - رضي الله عنهما - سنة الظهر، ولم يعلم بالأربع التي صلاها في البيت، ويمكن أن يكون مطلعاً على الأربع، لكنه ظنها صلاة فيء الزوال. وأن الأخبار إذا تعارضت صير إلى آثار الصحابة، وأكثرهم على الأربع كما نقلنا عن الترمذي، وأن الاحتياط في العبادة هو الثبوت، وأن الأزواج أعرف في هذا الباب من ابن عمر - رضي الله عنهما - لوقوعها في البيت، وأن علياً - رضي الله عنه - أعلم من ابن عمر - رضي الله عنهما - وأفقه، وأدخل منه عليه ◌َ﴾، اهـ. وبقي هاهنا أمران: الأول: في معنى الرواتب، قال ابن دقيق العيد: في تقديم النوافل على الفرائض، وتأخيرها عنها معنى لطيف مناسب، أما في التقديم فلأن النفوس لاشتغالها بأسباب الدنيا بعيدة عن الخشوع والحضور التي هي روح العبادة، فإذا قُدِّمت النوافل على الفرائض آنست النفس بالعبادة، وتكيّفت بحالة تُقَرِّبُ من الخشوع، وأما تأخيرها عنها، فقد ورد أن النوافل جابرة لنقص الفرائض، فإذا وقع الفرض ناسب أن يقع بعده ما يجبر الخلل الذي يقع فيه، اهـ. قال الدسوقي: إن النفل البعدي وإن كان جابراً للفرض في الواقع، لكنه يكره نية الجبر به، لعدم العمل، بل يفوض وإن كان حكمه الجبر في الواقع، اهـ. وفي ((الدر المختار)): شرعت البعدية لجبر النقصان، والقبلية لقطع طمع الشيطان، وبسط ابن عابدين في معنى الجبر، وقال: يقول الشيطان: إنه لم يترك ما ليس بفرض فكيف يترك ما هو فرض؟ اهـ. ٤٣٧ ٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر (٢٤) باب (٣٨٦) حديث وقال أيضاً: ويأتي بالسنة ولو صلى منفرداً على الأصح، لكونها مكملات، وأما في حقه ◌َّ فلزيادة الدرجات، اهـ. والثاني: في ترتيبها قال في ((نيل المآرب)): أفضل الرواتب سنة الفجر ثم المغرب، ثم سنة الظهر والعشاء سواء في الفضيلة، هذا عند الحنابلة. وتقدم أن ركعتي الفجر رغيبة عند المالكية، والباقي تطوعات، وأما عند الشافعية فقال الأردبيلي في (الأنوار)): أفضل النوافل العيد، ثم الكسوف، ثم الخسوف، ثم الاستسقاء، ثم الوتر، ثم ركعتا الفجر، ثم سائر الرواتب، ثم التراويح إلخ. وفي ((التوشيح)): ركعتا الفجر أفضل الرواتب بعد الوتر، اهـ. ثم اختلفوا بعد ذلك هل القبلية أفضل أم البعدية؟ وذكر في ((تحفة الحبيب))(١) القولان: أحدهما: أن البعدية أفضل لأن القبلية كالمقدمة، وتلك تابعة للفرائض حقيقة. والتابع يشرف بشرف متبوعه، والثاني ما هو مقتضى كلام ((البهجة)) وغيره أنهما سواء، اهـ. واختلفت أقوال الحنفية في ذلك قال في ((الدر المختار))(٢): آكدها سنة الفجر اتفاقاً ثم الأربع قبل الظهر في الأصح، لحديث: ((من تركها لم تنله شفاعتي))، ثم الكل سواء، قال ابن عابدين: قوله: في الأصح استحسنه في ((الفتح)) إذ قال: ثم اختلف في الأفضل بعد ركعتي الفجر، قال الحلواني: ركعتا المغرب فإنه ير لم يدعهما سفراً ولا حضراً، ثم التي بعد الظهر لأنها سنة متفق عليها بخلاف التي قبلها، لأنها قيل: هي للفصل بين الأذان والإقامة، ثم التي بعد العشاء، ثم التي قبل الظهر، وقيل: التي بعد العشاء (١) (٤١٤/١). (٢) (٥٤٨/٢). ٤٣٨ -------- ----- ٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر (٢٤) باب (٣٨٦) حديث وقبل الظهر وبعده وبعد المغرب كلها سواء، وقيل: التي قبل الظهر آكد، وصححه الحسن، وقد أحسن، اهـ. وفي ((البحر)) عن ((القنية)): اختلف في آكد السنن بعد سنة الفجر فقيل: كلها سواء، والأصح أن الأربع قبل الظهر آكد، اهـ. وهكذا صححه في ((العناية)) و ((النهاية)) لأن فيها وعيداً معروفاً، اهـ. قال ابن عابدين: لعله للتنفير عن الترك أو شفاعته الخاصة بزيادة الدرجات، وأما الشفاعة العظمى فعامة لجميع المخلوقات، اهـ. أما الثانية: فقال ابن عبد البر (١): قد اختلفت الآثار وعلماء السلف في صلاة النافلة في المسجد، فكرهها قوم لهذا الحديث، والذي عليه العلماء أنه لا بأس بالتطوع في المسجد لمن شاء إلا أنهم مجمعون على أن صلاة النافلة في البيوت أفضل، لقوله وَلجر: ((صلاة الرجل في بيته أفضل من صلاته في مسجدي إلا المكتوبة)) (٢)، اهـ. وقال الحافظ(٣) تحت حديث الباب: استدل به على أن فعل النوافل الليلية في البيوت أفضل من المسجد بخلاف رواتب النهار، وحكي ذلك عن مالك والثوري، والظاهر أن ذلك لم يقع عمداً، وإنما كان ◌َلّ يتشاغل بالناس في النهار غالباً، وبالليل يكون في بيته غالباً، وأغرب ابن أبي ليلى فقال: لا تجزئ سنة المغرب في المسجد، حكاه عبد الله بن أحمد عنه عقب روايته لحديث محمود بن وليد(٤)، رفعه: ((أن الركعتين بعد المغرب من صلاة البيوت))، اهـ. (١) ((الاستذكار)) (٢٦٧/٦). (٢) أخرجه أبو داود برقم (٥٧٠). (٣) ((فتح الباري)) (٣/ ٥٠). (٤) كذا في الأصل والصواب: محمود بن لبيد، كما في ((فتح الباري)) (٥١/٣). ٤٣٩ ٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر (٢٤) باب (٣٨٦) حديث قال الأبي في ((الإكمال)) (١): رجح النخعي وعبيدة إيقاع النفل الرواتب في البيت لفعله 18 ذلك، ولقوله وَله: ((صلاة أحدكم في بيته أفضل إلا المكتوبة))، ولئلا تخلو البيوت من الصلاة، ولئلا يختلط أمرها، فيعتقد أنها من الفرائض، ورجح غيرهما إيقاعها في المسجد، وقال مالك والثوري: صلاة النهار بالمسجد وصلاة الليل بالبيت، وَوَجَّهه ابن رشد بأنه بالنهار يشتغل بأهله فإن أمن فبالبيت أفضل، وسمع ابن القاسم تنفل الغريب بمسجده وّ أحبّ إليّ. قال ابن رشد: لأن الغريب لا يُعْرف، وغيره يُعْرف، وعملُ السِرِّ أفضل، وفي ((المدارك)) عن سحنون: أنه ما رؤي يتنفل في المسجد قط، اهـ. وفي (المدونة))(٢): سألت مالكاً عن الرجل يوتر في المسجد ثم يريد أن يتنفل في المسجد؟ قال: يترك قليلاً ثم يقوم فيتنفل ما بدا له، وقال مالك: من أتى المسجد وقد صلى القوم فيه المكتوبة فأراد أن يتطوع قبل المكتوبة؟ قال: لا أرى بذلك بأساً. قلت: ما حكوا عن الإمام مالك أن النوافل الليلية مطلقاً في البيت أفضل يشكل عليه ما في فروعهم، قال في ((الشرح الكبير))(٣): وندب إيقاع نفل بمسجد المدينة بمصلاه و لو. قال الدسوقي: إن قلت: هذا يخالف ما تقرر من أن صلاة النافلة في البيوت أفضل من فعلها في المسجد، قلت: يحمل كلام المصنف على الرواتب، فإن فعلها في المساجد أولى، كالفرائض بخلاف النفل المطلق، فإن فعلها في البيوت أفضل ما لم يكن في البيت ما يشغل عنها، أو يحمل كلامه على من صلاته بمسجده عليه السلام أفضل من صلاته في البيت كالغرباء، فإن صلاتهم النافلة بمسجد النبي ◌َّ أفضل من صلاتهم لها في (١) (٣٧١/٢). (٢) (١ / ٩٧). (٣) (٣١٤/١). ٤٤٠