Indexed OCR Text
Pages 401-420
٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر (٢٣) باب (٣٨٣) حديث وَبَارِكْ جزم به جماعة من الشراح، وإن ثبت أن إبراهيم كان له أولاد من غير سارة وهاجر فهم داخلون لا محالة، ثم المراد المسلمون منهم بل المتقون فيدخل فيهم الأنبياء والصديقون والشهداء والصالحون دون من عداهم، انتهى. قلت: وأخرج السيوطي في ((الدر)): عن ابن مردويه عن أنس - رضي الله عنه - أن رهطاً من الأنصار قالوا: يا رسول الله كيف الصلاة عليك؟ الحديث. وفي آخره: فقال فتىّ من الأنصار: يا رسول الله من آل محمد؟ قال: ((كل مؤمن))، فهذا النص في الباب. (وبارك) قال الباجي(١): البركة في كلام العرب التكثير، فيحتمل أن يراد به تكثير الثواب لهم ورفع درجاتهم، ويحتمل تكثير عددهم مع توفيقهم، وقال الأنباري: معنى قوله: تبارك اسمك، أي تقدس وتطهر فيكون المعنى طهرهم، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الْرّحْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِرَكُمْ تَطَّهِيرًا﴾ (٢)، اهـ. وقيل: المراد ثبات ذلك ودوامهم، من قولهم: بركت الإبل أي ثبتت على الأرض، وقال الحافظ: المراد بالبركة ههنا الزيادة في الخير والكرامة، وقيل: التطهير من العيوب والتزكية، وقيل: إثبات ذلك واستمراره من قولهم: بركت الإبل، وبه سميت بركة الماء بكسر أوله وسكون ثانيه لإقامة الماء فيها، والحاصل: أن المطلوب أن يعطوا من الخير أوفاه، وأن يثبت ذلك ويستمر دائماً، اهـ. قال السخاوي: ولم يصرح أحد بوجوب قوله: وبارك على محمد فيما عثرنا عليه غير أن ابن حزم ذكر ما يفهم منه وجوبها في الجملة، فقال: على (١) ((المنتقى)) (٢٩٥/١). (٢) سورة الأحزاب: الآية ٣٣. ٤٠١ -- - ٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر (٢٣) باب (٣٨٣) حديث عَلَى مُحَمَّدٍ وَأَزْوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، المرء أن يبارك عليه و 984 ولو مرة في العمر، وظاهر كلام صاحب ((المغني)) من الحنابلة وجوبها في الصلاة، قال المجد الشيرازي: الظاهر أن أحداً من الفقهاء لا يوافق على ذلك، قاله الزرقاني(١). قلت: لكن عُدَّ في ((نيل المآرب))(٢) من الأركان قول: اللهم صلِّ على محمد، وعُدَّ من السنن الصلاة على النبي وَّل في التشهد الأخير على آله والبركة عليه وعليهم والدعاء بعده، اهـ. ولم يصرح في ((المغني)) وجوب البركة (على) سيدنا (محمد وأزواجه وذريته كما باركت على آل إبراهيم). واختص سيدنا إبراهيم عليه السلام بالتشبيه بخلاف الأنبياء الأخر سيما سيدنا موسى عليه السلام إذا اختص بالتجلي لأن التجلي ذاك كان بالجلال فخر موسى صعقاً، والخليل كان التجلي له بالجمال لأن المحبة والخلة من آثار الجمال، قاله الزرقاني. وأجاب عنه في ((الدر المختار))(٣) بثلاثة أجوبة شرحها ابن عابدين، الأول: أنه سلم علينا ليلة المعراج حيث قال: أبلغ أمتك مني السلام. والثاني: أنه سمانا المسلمين كما أخبرنا عنه سبحانه وتعالى بقوله: ﴿هُوَ سَمَّنْكُمُ اٌلْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ﴾(٤). والثالث: أن المطلوب صلاة يتخذ الله تعالى بها نبينا وَ ل خليلاً كما اتخذ إبراهيم عليه السلام خليلاً، وقد استجاب الله تعالى دعاء عباده فاتخذه ل خليلاً كما في حديث ((الصحيحين)): ((ولكن صاحبكم خليل الرحمن))، وأجيب بأجوبة أخرى؛ منها: أن ذلك لأبوته، والتشبيه في الفضائل بالآباء مرغب فيه، ولرفعة شأنه في الرسل، وكونه أفضل بقية الأنبياء على (١) ((شرح الزرقاني)) (٣٣٥/١). (٢) انظر: (١/ ١٨١). (٣) (٢٧٥/٢). (٤) سورة الحج: الآية ٧٨. ٤٠٢ ٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر (٢٣) باب (٣٨٣) حديث إِنَّكَ حَمِيدٌ الراجح، ولموافقتنا إياه في معالم الملة المشار إليه بقوله تعالى: ﴿مِلَّةَ أَبِّكُمْ إِنَزَهِيمٌ﴾(١)، ولدوام ذكره الجميل المشار إليه بقوله تعالى: ﴿وَأَجْعَل لِيِ لِسَانَ (®﴾ (٢) وللأمر بالاقتداء به في قوله تعالى: ﴿أَنِ اتَِّعْ مِلَّةَ صِدْقٍ فِ آلْأَخِرِينَ إِبْرَهِيمَ حَنِيفًا﴾(٣)، أهـ. وفي ((الأنوار)) من المالكية: قال في ((حاشية الصفتي)): وإنما خص إبراهيم بالذكر دون غيره من بقية الأنبياء؛ لأنه ◌َ# رأى ليلة المعراج جميع الأنبياء، وسلّم عليه كل نبي ولم يسلم أحد منهم على أمته غير إبراهيم، فإنه قال: اقرأ أمتك مني السلام، فأمرنا أن نصلي عليه في آخر كل صلاة إلى يوم القيامة مجازاة له على إحسانه، أو لأن إبراهيم لما فرغ من بناء البيت، فقال: اللهم من حج هذا البيت من شيوخ أمة محمد فهبه مني السلام، وقال إسحاق مثله لكهولهم، وإسماعيل لشبّانهم، وسارة لنسائهم، وهاجرة لرقيقهم، وقيل: لأن إبراهيم عليه السلام رأى في المنام جنة مكتوباً على أشجارها: لا إله إلا الله محمد رسول الله، فسأل جبرائيل عنها، فأخبره بقصتها، فقال: اللّهم أَجْرِ ذكري على لسان أمة محمد وَّل، قال: فاستجاب الله دعاءه، اهـ. وقال السخاوي: وقع ذلك إكراماً له ومكافأة له حيث دعا لأمة محمد وَله بقوله: ﴿رَبَّنَا أَغْفِرْ لِ وَلِوَلِدَنَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ الآية، وذكر بعد ذلك الأجوبة المذكورة (إنك حميد) فعيل من الحمد بمعنى مفعول، وهو من تحمد ذاته وصفاته، أو المستحق لذلك، أو بمعنى حامد أي يحمد أفعال عباده، حول للمبالغة، وقال الحافظ: بمعنى محمود، وأبلغ منه، وهو من حصل له من صفات الحمد أكملها ، اهـ. (١) سورة الحج: الآية ٧٨. (٢) سورة الشعراء: الآية ٨٤. (٣) سورة النحل: الآية ١٢٣. ٤٠٣ ٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر (٢٣) باب (٣٨٤) حديث مَجِيدٌ)). أخرجه البخاريّ في: ٦٠ - كتاب الأنبياء، ١٠ - باب حدثنا موسى بن إسماعيل . ومسلم في: ٤ - كتاب الصلاة، ١٧ - باب الصلاة على النبيّ وَّ بعد التشهد، حديث ٦٩. ٦٧/٣٨٤ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ نُعَيْم بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُجْمِرِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ؛ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ ويناسب المقام لزيادة الإعطاء والإفضال (مجيد) بمعنى ماجد من المجد، وهو الشرافة، وهو صفة من كمل في الشرف وهو مستلزم للعظمة والجلال كما أن الحمد يدل على صفة الإكرام. ومناسبة ختم هذا الدعاء بهذين الاسمين العظيمين أن المطلوب تكريم الله لنبيه وثناؤه عليه والتنويه به وزياد تقريبه، وذلك مما يستلزم طلب الحمد والمجد، ففي ذلك إشارة إلى أنهما كالتعليل للمطلوب، أو هو كالتذييل له، قاله الحافظ في ((الفتح))(١). وقال ابن رسلان: المجيد الكريم الفعال، وقيل: إذا قارن شرف الذات حسن الفعال سمي مجداً، اهـ. ٦٧/٣٨٤ - (مالك، عن نعيم) بضم النون وفتح العين المهملة مصغراً (ابن عبد الله) بفتح العين (المجمر) بضم الميم الأولى وكسر الثانية بينهما جيم ساكنة (عن محمد بن عبد الله) بن زيد بن عبد ربه الأنصاري المدني التابعي، وأبوه صحابي الذي أري الأذان، ذكره ابن حبان في ((الثقات))، له عند ((م د ت س)) هذا الحديث، وعند ((عخ د ت ق)) حديث الأذان، قال ابن منده: ولد في عهد النبي ◌َ ◌ّ﴾ (أنه) أي محمد (أخبره) أي نعيماً لا إشكال في ذلك في (١) (١١/ ١٦٣). ٤٠٤ ٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر (٢٣) باب (٣٨٤) حديث عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الأَنْصَارِيّ؛ أَنَّهُ قَالَ: أَتَانَا رَسُولُ اللَّهِ اَلِ فِي مَجْلِسِ سَعْدِ بْنُ عُبَادَةَ، سند ((الموطأ))، والحديث أخرجه الترمذي بلفظ: إن محمد بن عبد الله بن زيد الأنصاري، وعبد الله بن زيد الذي كان أري النداء بالصلاة أخبره، الحديث. وهذا يوهم أن محمداً وعبد الله كل واحد منهما أخبره، ويؤيد ذلك النسخ المصرية لمسلم، إذ فيها أخبراه بصيغة المثنى لكنه سهو من الناسخ، وما في الترمذي وغيره عبد الله بن زيد هو الذي أري النداء جملة معترضة لبيان الراوي إذ ليس لعبد الله هذا غير حديث الأذان على المشهور، ولو سلم له تعدد الروايات كما جزم به الحافظ وغيره فليس فيها ذكر هذه الرواية. (عن أبي مسعود الأنصاري) البدري عقبة بن عمرو(١) (أنه قال: أتانا رسول الله ( 18 في مجلس سعد (٢) بن عبادة) بضم العين وتخفيف الموحدة ابن دليم الأنصاري الساعدي سيد الخزرج، شهد العقبة مع السبعين، وكان أحد النقباء الاثني عشر، اختلف في شهوده بدراً، وشهد المشاهد بعدها كلها، تخلف عن بيعة أبي بكر - رضي الله عنه -، وخرج عن المدينة ولم يعد إليها، ومات بحوران من أرض الشام، اختلف في موته من سنة ١١هـ إلى سنة ١٥هـ، ولم يختلفوا في أنه وجد ميتاً ولم يشعروا بموته حتى سمعوا قائلاً يقول ولا يرون أحداً : نحن قتلنا سيد الخزرج سعد بن عبادة (٣) ورميناه بسهمين فلم نخط فؤاده فيقال: إن الجن قتلته، فيه: أن الإمام له أن يخص رؤساء الناس بزيارتهم في مجالسهم تأنيساً لهم. (١) انظر ترجمته في: ((أسد الغابة)) (٢٦٢/٣). (٢) له ترجمة في: ((أسد الغابة)) (٢٩٩/٢) و((تهذيب التهذيب)) (٣٧٥/٣). (٣) أخرجه الحاكم في: ((المستدرك)) (٢٥٣/٣) والطبراني في ((الكبير)) (١٦/٦) برقم (٥٣٥٩ - ٥٣٦٠) وعبد الرزاق في ((مصنفه)) برقم (٦٧٧٨). ٤٠٥ ٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر (٢٣) باب (٣٨٤) حديث فَقَالَ لَهُ بَشِيرُ بْنُ سَعْدٍ: أَمَرَنَا اللَّهُ أَنْ نُصَلِّ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَكَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ؟ قَالَ: فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ، حَتَّى تَمَنَّيْنَا أَنَّهُ لَمْ يَسْأَلُهُ، ثُمَّ قَالَ: ((قُولُوا اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ (فقال له بشير) بفتح الموحدة وكسر الشين المعجمة (ابن سعد) بسكون العين ابن ثعلبة الأنصاري الخزرجي، صحابي جليل بدري، والد النعمان، شهد العقبة والمشاهد كلها، يقال: إنه أول من بايع أبا بكر - رضي الله عنه - يوم السقيفة من الأنصار، استشهد بعين التمر مع خالد بن الوليد في خلافة الصديق - رضي الله عنه - (أمرنا) بفتحات (الله) بالضم على الفاعلية والمفعول قوله (أن نصلي عليك يا رسول الله) بقول الله عز وجل: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ صَلُواْ عَلَيْهِ وَسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا﴾(١) (فكيف نصلي عليك؟) زاد الحاكم وغيره: إذا نحن صلينا عليك في صلاتنا؟ . (قال) أبو مسعود: (فسكت رسول الله ◌َ﴾) يحتمل أن سكوته وَلّ كان حياء وتواضعاً إذ في ذلك الرفعة له، ويحتمل أن لم يكن عنده نص في ذلك إذاً فينتظر ما يأمره الله تعالى فيه، ويؤيده ما وقع عند الطبري من وجه آخر في هذا الحديث، فسكت حتى جاءه الوحي، كذا في ((الفتح)). (حتى تمنينا) أي وددنا (أنه) أي بشيراً (لم يسأله) وَّر عن ذلك مخافة أنه وَّ لم يرض السؤال، وشق عليه لما تقرر عندهم من النهي عن ذلك كما ذكره الحافظ في تفسير قوله تعالى: ﴿لَا تَسْثَلُواْ عَنْ أَشْيَاءَ﴾(٢) الآية (ثم قال: قولوا) قال الزرقاني(٣): الأمر للوجوب اتفاقاً، فقيل: في العمر مرة، وقيل: في كل تشهد يعقبه سلام، وقيل: كلما ذكر، اهـ، كما سيأتي مفصلاً. (اللّهم صلِّ على محمد) بما يليق به. (١) سورة الأحزاب: الآية ٥٦. (٢) سورة المائدة: الآية ١٠١. (٣) ((شرح الزرقاني)) (٣٣٦/١). ٤٠٦ ٠ ۔ -- --- - ٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر (٢٣) باب (٣٨٤) حديث واختلف في زيادة لفظ السيادة في أوله، وتقدم عن ابن رسلان: أن سلوك الأدب أولى، قال في ((الدر المختار))(١): وندب السيادة لأن زيادة الإخبار بالواقع عين سلوك الأدب فهو أفضل من تركه، ذكره الرملي الشافعي وغيره، وما نقل: لا تسودوني في الصلاة فكذب، قال الشامي: واعترض بأن هذا مخالف لمذهبنا لما مر من قول الإمام من أنه لو زاد في تشهده أو نقص كان مكروهاً . قلت: فيه نظر، فإن الصلاة زائدة على التشهد ليس معه، نعم ينبغي على هذا عدم ذكره في أشهد أن محمداً عبده ورسوله، انتهى. وقال الأبي في ((شرح مسلم))(٢): وما يستعمل من لفظ السيد والمولى حسن وإن لم يرد، والمستند فيه ما صح من قوله وَلير: ((أنا سيد ولد آدم))، اهـ. ومال الشوكاني في ((النيل))(٣) إلى أولويته، وقال السيوطي في ((الدر)): أخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن ماجه وابن مردويه عن ابن مسعود - رضي الله عنه - قال: إذا صليتم على النبي ◌َّ فأحسنوا الصلاة، قالوا: فعَلِّمْنا، قال: قولوا: ((اللّهم اجعل صلاتك ورحمتك وبركاتك على سيد المرسلين وإمام المتقين))، الحديث. قال السخاوي: كثير من الناس يقولون: اللّهم صلِّ على سيدنا محمد، وأتى في ذلك بحثاً، أما في الصلاة فالظاهر أنه لا يقال اتباعاً للفظ المأثور، وأما في غير الصلاة فقد أنكر ◌ّيّ على من خاطبه بذلك، كما في الحديث المشهور. وإنكاره يحتمل تواضعاً أو كراهة منه أن يحمد مشافهة، أو لأن ذلك (١) (٢٧٤/٢). (٢) (١٦٥/٢). (٣) انظر: ((نيل الأوطار)) (ج٢ ص ١٣٧) رقم (٧٨٤). ٤٠٧ -- ٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر (٢٣) باب (٣٨٤) حديث وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَبَارِك عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، كان من تحية الجاهلية، أو لمبالغتهم في المدح، وقد صح قوله وَ له: ((أنا سيد ولد آدم))، وقوله للحسن: إن ابني هذا سيد، وقوله لسعد: ((قوموا إلى سيدكم))، وورد قول سهل بن حنيف للنبي ◌ّله: يا سيدي في حديث عند النسائي، وقول ابن مسعود: اللّهم صلِّ على سيد المرسلين، وفي كل هذا دلالة واضحة وبراهين لائحة على جواز ذلك، والمانع يحتاج إلى دليل سوى ما تقدم لأنه لا ينهض دليلاً مع الاحتمالات المتقدمة، اهـ. (وعلى آل محمد) وهم أتباعه عند مالك كما تقدم، وقال ابن عبد البر في (الاستذكار)) (١): قال بعض أهل العلم: إن هذا كلام محتمل للتأويل، تفسيره حديث أبي حميد ومن تابعه، اللّهم صَلِّ على محمد وعلى أزواجه وذريته لأن لفظ الآل محتمل لوجوه؛ منها: الأهل، ومنها: الأتباع، وأن ما أجمله مرة فسره أخرى. (كما صليت على إبراهيم وبارك على آل محمد، كما باركت على آل إبراهيم) وفي رواية بدون لفظ: ((آل)) في الموضعين، فقيل: هي مقحمة في الحدیث. - - ورَدَّه الحافظ بأن ذكر محمد وإبراهيم، وآل محمد وآل إبراهيم ثابتة في أصل الخبر، وإنما حفظ بعض الرواة ما لم يحفظ الآخر، قال الحافظ في (الفتح)): وادّعى ابن القيم أن أكثر الأحاديث بل كلها مصرحة بذكر محمد وآل محمد، وبذكر آل إبراهيم فقط، أو بذكر إبراهيم فقط، قال: ولم يجئ في حديث صحيح بلفظ إبراهيم وآل إبراهيم معاً، وإنما أخرجه البيهقي من طريق يحيى بن السباق عن رجل عن ابن مسعود، ويحيى مجهول وشيخه مبهم، فهو سند ضعيف، وأخرجه ابن ماجه بسند قوي لكنه موقوف على ابن مسعود. (١) (٢٥٥/٦). ٤٠٨ - ٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر (٢٣) باب (٣٨٤) حديث فِي الْعَالَمِينَ، إِنَّكَ حَمِيد مَجِيدٌ، وَالسَّلامُ، كَمَا قَدْ عَلِمْتُمْ)). أخرجه مسلم في: ٤ - كتاب الصلاة، ١٧ - باب الصلاة على النبيّ وَّ بعد التشهد، حديث ٦٥. قال الحافظ (١): وغفل عما وقع في ((صحيح البخاري)) في الأنبياء في ترجمة إبراهيم عليه السلام من طريق عبد الله بن عيسى عن ابن أبي ليلى بلفظ: كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وكذا في قوله: كما باركت، وكذا وقع في حديث أبي مسعود البدري، أخرجه الطبري أيضاً في رواية الحكم عن ابن أبي ليلى، ثم بسط الحافظ الكلام على روايات من ذكر اللفظين معاً، فارجع إليه إن شئت. (في العالمين، إنك حميد مجيد) تقدم معناه (والسلام كما قد علمتم) روي بفتح العين وكسر اللام مخففة، وبضم العين وشد اللام، من العلم أو التعليم، قال البرقي: الأولى أصح، وقال النووي: كلاهما صحيح، قال البيهقي: إشارة إلى السلام الذي في التشهد وهو قول: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، فيكون المراد بقولهم: كيف نصلي عليك أي بعد التشهد، اهـ. قال الحافظ: وتفسير السلام بذلك هو الظاهر، وحكى ابن عبد البر فيه احتمالاً وهو أن المراد به السلام الذي يتحلل به من الصلاة، وقال: إن الأول أظهر، وكذا ذكر عياض وغيره، اهـ. قلت: ما قال البيهقي أي بعد التشهد لا دليل عليه، قال الحافظ في ((الفتح)): واستدل بالحديث على أن إفراد الصلاة عن التسليم لا يكره، وكذا العكس، لأن تعليم التسليم تقدم قبل تعليم الصلاة، فأفرد التسليم مدة في التشهد قبل الصلاة عليه، وقد صرح النووي بالكراهة، واستدل بورود الأمر بهما معاً في الآية، وفيه نظر؛ نعم يكره أن يفرد الصلاة، ولا يسلم أصلاً، أما لو صلى في وقت وسلّم في وقت آخر فإنه يكون ممتثلاً، اهـ. (١) انظر: ((فتح الباري)) (١٥٩/١١). ٤٠٩ ٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر (٢٣) باب (٣٨٤) حديث قال القاري في ((شرح الشفاء))(١): الواو تفيد الجمعية لا المعية كما عليه الأصولية، فلا دلالة له في الآية على كراهية إفراد الصلاة عن السلام وعكسه كما ذهب إليه النووي وأتباعه من الشافعية، وقد أوضحت ذلك في رسالة مستقلة ، اهـ. وقال القاري في ((شرح الشفاء))(٢): أما التسليم المأمور به يحتمل أن يكون بمعنى الانقياد كما في قوله تعالى: ﴿فَلَ وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾(٣) إلى قوله: ﴿وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا﴾ ويحتمل سلام التحية، فإن السلام تحية أهل الإسلام، أو خصوص الدعاء بالسلامة، اهـ. وفي ((الاستذكار))(٤): وفي هذين الحديثين من الفقه أنه يلزم من ورد عليه خبر محتمل لوجهين أو لوجوه في الكتاب أو السنة أن لا يقطع منهما على وجه حتى يقف على المراد إن وجد إلى ذلك سبيلاً ألا ترى إلى قوله: أمرنا الله أن نصلي عليك فكيف نصلي عليك؟ فما هذا والله أعلم إلا لما يحتمله لفظ الصلاة من المعاني، وقد اختلف الناس فيما لم يرد التوقيف به هل العموم أولى بذلك أو الخصوص في أقل ما يقع عليه الاسم، وذلك مبين في كتب الأصول - والحمد لله - انتهى. قال الشيخ في ((البذل))(٥): بقي ههنا بحثان(٦) يناسب التنبيه عليهما . (١) (٧٢١/٣). (٢) (٧٢٣/٣). (٣) سورة النساء: الآية ٦٥. (٤) (٢٥٣/٦). (٥) انظر: ((بذل المجهود)) (٣١٠/٥). (٦) قال الشيخ في هامش ((البذل)): ((هناك بحث ثالث أيضاً وهو إفراد الصلاة والسلام على غير الأنبياء)) فارجع إلى الشامي. ٤١٠ ٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر (٢٣) باب (٣٨٤) حدیث أولهما: في لفظ الترحم، اختلف فيه، فكره بعضهم أن يقال: وارحم محمداً أو يقال: وترحم محمداً، والحنفية قالوا: بعدم الكراهة، قال في ((الدر المختار))(١): وصح عدم كراهة الترحم ولو ابتداء، قال الشامي: ومفاده أنه لم يصح ندبه لعدم ثبوته في صلاة التشهد، ولذا قال في ((المنية)): والإتيان بما في الأحاديث الصحيحة أولى، وقال في ((الفيض)): الأولى تركه احتياطاً. وفي ((شرح المنهاج)) للرملي: قال النووي في ((الأذكار)): وزيادة: وارحم محمداً وآل محمد كما رحمت على إبراهيم بدعة، واعترض بورودها في عدة أحاديث صحح الحاكم بعضها، ورده بعض محققي أهل الحديث بأن ما وقع للحاكم وهم، وبأنها وإن كانت ضعيفة لكنها شديدة الضعف، فلا يعمل بها، ويؤيده قول أبي زرعة وهو من أئمة الفن بعد أن ساق تلك الأحاديث وبيّن ضعفها، ولعل المنع أرجح لضعف الأحاديث في ذلك. وبما تقرر علم أن سبب الإنكار كون الدعاء بالرحمة لم يثبت بطريق يعتدُّ بها، والباب باب إتباع لا ما قاله ابن عبد البر وغيره من أنه لا يدعى له وَالّ بلفظ الرحمة، فإن أراد النافي امتناع ذلك مطلقاً فالأحاديث الصحيحة صريحة في رده، فقد صح في سائر روايات التشهد: ((السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته))، وصَحَّ أنه وَّ أقرّ من قال: ((ارحمني ومحمداً))، ولم ينكر عليه سوى قوله: ولا ترحم معنا أحداً، انتهى. والبحث الثاني: في لفظ السيادة وتقدم الكلام عليه، قال الحافظ في ((الفتح)): ووقع في حديث ابن مسعود زيادة: ((وارحم محمداً وآل محمد كما صليت وباركت وترحمت على إبراهيم))، الحديث. أخرجه الحاكم في ((صحيحه)) فاغترّ بتصحيحه قوم، فوهموا فإنه من رواية يحيى بن السباق وهو (١) (٢/ ٢٧٣). ٤١١ ٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر (٢٣) باب (٣٨٤) حديث مجهول عن رجل مبهم، نعم أخرج ذلك ابن ماجه عن ابن مسعود من قوله قال: قولوا: ((اللّهم اجعل صلواتك ورحمتك وبركاتك على محمد عبدك ورسولك)»، الحديث. وبالغ ابن العربي في إنكار ذلك فقال: حذار مما ذكره ابن أبي زيد من زيادة: ((وترحم)) فإنه قريب من البدعة، لأنه ◌َّ علّمهم كيفية الصلاة بالوحي، ففي الزيادة استدراك عليه، انتهى. قال الحافظ (١): فإن كان إنكاره لكونه لم يصح فمسلم وإلا فدعوى من ادَّعى أنه لا يقال: ((ارحم محمداً)) مردود، لثبوت ذلك في عدة أحاديث أصحها في التشهد: ((السلام عليك أيها النبي)) الحديث، ثم وجدت لابن أبي زيد مستنداً، فأخرج الطبري في ((تهذيبه)) من طريق حنظلة بن علي عن أبي هريرة رفعه: من قال: ((اللّهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد))، الحديث. وفيه: («ترحم على محمد وعلى آل محمد كما ترحمت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم شهدت له يوم القيامة وشفعت له))، ورجال سنده رجال الصحيح، إلا سعيد بن سليمان فهو مجهول، وهذا كله فيما يقال مضموماً إلى السلام أو الصلاة، ووافق ابن العربي الصيدلاني من الشافعية على المنع، وقال أبو القاسم: يجوز ذلك مضافاً إلى الصلاة ولا يجوز مفرداً، ونقل عياض عن الجمهور الجواز مطلقاً. وقال القرطبي في ((المفهم)): هو الصحيح لورود الأحاديث، وخالفه غيره، ففي ((الذخيرة)) من كتب الحنفية عن محمد يكره ذلك لإيهامه النقص لأن الرحمة غالباً تكون عن فعل ما يلام. وجزم ابن عبد البر بالمنع فقال: لا يجوز لأحد إذا ذكر النبي وَ لّ أن يقول: رحمه الله، لأنه قال عليه السلام: ((من صلى عليّ)) ولم يقل: من ترحم عليّ، وإن كان معنى الصلاة الرحمة، لكن خص هذا اللفظ تعظيماً له فلا يعدل عنه إلى غيره، ويؤيده قوله تعالى: ﴿لَّا تَجْعَلُواْ دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ﴾ (١) انظر: ((فتح الباري)) (١٥٩/١١)، و((شرح الشفاء)) للقاري (٨٠١/٣). ,٠ ٤١٢ ٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر (٢٣) باب (٣٨٥) حدیث ٦٨/٣٨٥ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، قَالَ: رَأَيْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ يَقِفُ عَلَى قَبْرِ النَّبِيِّلَ﴾َ، فَيُصَلَّي عَلَى النَّبِيِّ ◌َّه الآية (١)، انتهى. وهو بحث حسن لكن في التعليل الأول نظر، والمعتمد الثاني، انتهى ما قاله الحافظ مختصراً. وفي ((البدائع))(٢): ولا يكره أن يقول فيها: ((وارحم محمداً)) عند عامة المشايخ، وبعضهم كرهوا ذلك، وزعموا أنه يوهم التقصير منه في الطاعة، ولذا لا يقال عند ذكره: رحمه الله، والصحيح: أنه لا يكره لأن أحداً وإن جلّ قدره من العباد لا يستغني عن رحمة الله تعالى، وقد روي عن النبي ◌َلو أنه قال: ((لا يدخل الجنة أحد بعمله إلا برحمة الله))، قيل: ولا أنت يا رسول الله؟ فقال: ((ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته))، انتهى. قلت: والسبب في أن لا يقال عند ذكره: رحمه الله لأنه صار شعاراً للأولياء كالصلاة للأنبياء. وفي ((البحر)) عن ((المنية)): روي عن بعض المشايخ أنه لا يقول: ارحم محمداً، وأكثر المشايخ على أنه يقوله للتوارث، وقال السرخسي: لا بأس به لأن الأثر ورد به من طريق أبي هريرة وابن عباس، ولأن أحداً وإن جلّ قدره لا يستغني عن رحمته تعالى، وصححه الشارح، ومحل الخلاف إنما هو في المضموم إلى الصلاة والسلام، فلذا اتفقوا على أنه لا يقال ابتداء: رحمه الله، انتهى. وقال القاري في ((شرح الشفاء))(٣): قال شمس الأئمة السرخسي وأصحابنا الحنفية: لا بأس بقول: وارحم محمداً، انتهى. ٦٨/٣٨٥ - (مالك، عن عبد الله بن دينار أنه قال: رأيت عبد الله بن عمر) - رضي الله عنهما - (يقف على قبر النبي لل فيصلي على النبي وَل (١) سورة النور: الآية ٦٣. (٢) (بدائع الصنائع)) (٥٠٠/١). (٣) (٨٠٢/٣). ٤١٣ ٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر (٢٣) باب (٣٨٥) حديث وَعَلَى أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ . وعلى أبي بكر وعمر) - رضي الله تعالى عنهما - قال الباجي(١): هكذا روى يحيى بن يحيى، وتابعه غيره، قال الزرقاني (٢): أنكر العلماء على يحيى ومن تابعه في الرواية قال: وإنما رواه القعنبي وابن بكير وسائر رواة ((الموطأ)): فيصلي على النبي وَل﴾ ويدعو لأبي بكر وعمر، ففرقوا بين لفظ: يصلي ويدعو، ولعل إنكارهم من حيث اللفظ الذي خالفه فيه الجمهور فتكون روايته شاذة، وإلا فالصلاة على غير النبي تجوز تبعاً كما ههنا، وإنما الخلاف فيها استقلالاً، انتهى مختصراً. وبوّب البخاري في (صحيحه)): ((باب هل يُصلى على غير النبي ◌َّ)). قال الحافظ(٣): أي استقلالاً أو تبعاً، ويدخل في الغير الأنبياء والملائكة والمؤمنون . أما الأنبياء فورد فيها أحاديث؛ منها: حديث علي في دعاء حفظ القرآن ففيه: وصلِّ عليّ وعلى سائر النبيين، أخرجه الترمذي والحاكم. وحديث أبي هريرة رفعه: صلوا على أنبياء، الحديث أخرجه إسماعيل القاضي بسند ضعيف، وذكر الحافظ عدة روايات في الباب، وتكلم عليها بالضعف، ثم قال: وثبت عن ابن عباس - رضي الله عنهما - اختصاص ذلك بالنبي وَلّ، أخرجه ابن أبي شيبة عن عكرمة عنه قال: ((ما أعلم الصلاة تنبغي على أحد من أحد إلا على النبي (وَلّ))، وهذا سند صحيح. وحكى القول به عن مالك، وقال: ما تعبدنا به، وجاء نحوه عن عمر بن عبد العزيز، وعن مالك يكره، وقال عياض: عامة أهل العلم على الجواز، انتهى. (١) ((المنتقى)) (٢٩٦/١). (٢) ((شرح الزرقاني)) (٣٣٧/٢). (٣) ((فتح الباري)) (١٦٩/١١). ٤١٤ ٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر (٢٣) باب (٣٨٥) حديث وقال القاضي عياض: عامة أهل العلم متفقون على جواز الصلاة على غير النبي ◌َّ، قال القاري (١): أي من سائر الأنبياء بل هي مستحبة لما روى البيهقي عن أبي هريرة - رضي الله عنه - والخطيب عن أنس مرفوعاً: ((صلوا على أنبياء الله ورسله فإن الله بعثهم كما بعثني، فيستحقون الصلاة كما أستحقها))، لأن المراد بها تعظيم من يُصلى عليه. ويؤيده الحديث الصحيح كما صليت على إبراهيم، وروي عن ابن عباس كما في ((الشعب)) للبيهقي، و ((سنن سعيد بن منصور)): أنه لا تجوز الصلاة على غير النبي ◌ُّ، ولعله - رضي الله عنه - أخذ من قوله تعالى في حق الأنبياء عليهم السلام: ﴿سَلَهُ عَلَى نُوجِ﴾ ﴿سَلَمُ عَلَىَ إَِّهِيمَ﴾ ﴿وَسَلَمُ عَلَى الْمُرْسَلِينَ ﴿٨َ﴾ ومن مفهوم قوله تعالى: ﴿صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا﴾ حيث يستفاد منه أن الجمع بينهما من خصوصياته وَال . وروي عنه: لا تنبغي الصلاة على أحد إلا النبيين، ولعله - رضي الله عنه - رجع عن قوله الأول، أو مراده الجمع، وقيل: مذهب مالك - رضي الله عنه - لا يجوز أن يُصلى على أحد من الأنبياء سوى محمد وَّ، وهذا النقل غير معروف من مذهبه، لكن يمكن أن يكون مراده الجمع بين الصلاة والسلام، فإنه حينئذ یکون وفق مشربه، انتھی. قلت: ما أجود هذا لو وجد في موضع من كتب المذهب، فيكون تخصيص الصلاة لسيد المرسلين، وتخصيص السلام بما سواه من الأنبياء والملائكة، وتخصيص الرضوان بالصحابة، وتخصيص الرحمة بما دونهم، فتأمل . وأما الملائكة فقال الحافظ: لا أعرف فيه حديثاً نصاً، وإنما يؤخذ ذلك (١) ((شرح الشفاء)) (٨٢٩/٣ وما بعدها). .... ٤١٥ ٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر (٢٣) باب (٣٨٥) حديث من الذي قبله إن ثبت لأن الله تعالى سماهم رسلاً، انتهى. وسيأتي في كلام ابن القيم استحباب ذلك للملائكة. وقال القاري(١): قال أبو محمد الجويني: الصلاة كالسلام يعني لا يجوز على غير الأنبياء والملائكة إلا تبعاً، انتهى. وأخرج عبد الرزاق والقاضي إسماعيل وابن مردويه والبيهقي في ((الشعب)) عن أبي هريرة مرفوعاً: ((صلوا على أنبياء الله ورسله فإن الله بعثهم كما بعثني)). وفي ((الدر المختار)): لا يُصلى على غير الأنبياء ولا غير الملائكة إلا بطريق التبع. قال ابن عابدين: لأن في الصلاة معنى التعظيم ما ليس في غيرها ولا يليق ذلك بمن يُتَصَّور منه الخطايا والذنوب إلا تبعاً بأن يقول: ((اللّهم صلِّ على محمد وآله وصحبه وسلم)) لأن فيه تعظيم النبي ◌َّ، انتهى. وأما المؤمنون فقال الحافظ (٢): اختلف فيه فقيل: لا تجوز مطلقاً استقلالاً، وتجوز تبعاً فيما ورد به النص أو ألحق به، لقوله تعالى: ﴿لَّا تَجْعَلُواْ دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ﴾(٣) الآية، ولأنه لما علمهم السلام قال: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، ولما علّمهم الصلاة قصر ذلك عليه وعلى أهل بيته، وهذا القول اختاره القرطبي في ((المفهم)) وأبو المعالي من الحنابلة، وهو اختيار ابن تيمية، وقالت طائفة: تجوز تبعاً مطلقاً، ولا تجوز استقلالاً، وهذا قول أبي حنيفة وجماعة، وقال طائفة: تكره استقلالاً لا تبعاً، وهي رواية عن أحمد، وقال النووي: هو خلاف الأولى، وقالت طائفة: تجوز مطلقاً وهو مقتضى صنيع البخاري، وروي عن الحسن ومجاهد، ونص عليه أحمد في رواية أبي داود، وبه قال إسحاق وأبو ثور وداود والطبري. -- - (١) ((مرقاة المفاتيح)) (٢٤٠/٢). (٢) ((فتح الباري)) (١٧٠/١١). (٣) سورة النور: الآية ٦٣. ٤١٦ ٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر (٢٣) باب (٣٨٥) حدیث واحتجوا بقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِى يُصَلّى عَلَيْكُمْ وَمَلَتِكَتُهُ﴾، وفي ((صحيح مسلم)) من حديث أبي هريرة مرفوعاً: إن الملائكة تقول لروح المؤمن: صلى الله عليك وعلى جسدك. وأجاب المانعون عن ذلك كله بأن ذلك صدر من الله ورسوله، ولهما أن يخصا من شاءا بما شاءا، وليس ذلك لأحد غيرهما. وقال البيهقي: يحمل قول ابن عباس بالمنع إذا كان على وجه التعظيم لا ما إذا كان على وجه الدعاء بالرحمة والبركة. قال ابن القيم: المختار أن يصلى على الأنبياء والملائكة وأزواج النبي وَله وآله وذريته وأهل الطاعة على سبيل الإجمال، وتكره في غير الأنبياء لشخص مفرد بحيث يصير شعاراً، ولا سيما إذا ترك في حق مثله أو أفضل منه، كما يفعله الرافضة، فلو اتفق وقوع ذلك في بعض الأحايين من غير أن يتخذ شعاراً لم یکن به بأس، انتهى. قال العيني(١) تحت حديث الصدقة: اللهم صلِّ على آل أبي أوفى احتج به من جوّز الصلاة على غير الأنبياء عليهم السلام بالاستقلال، وهو قول أحمد أيضاً، وقال أبو حنيفة وأصحابه ومالك والشافعي والأكثرون: إنه لا يُصلى على غير الأنبياء عليهم السلام استقلالاً، ولكن يُصلى عليهم تبعاً، والجواب عن هذا أن هذا حقه عليه الصلاة والسلام، له أن يعطيه لمن شاء، وليس لغيره ذلك، انتهى. وأجاب عنه الأبي في ((شرح مسلم))(٢): بأن الصلاة من الله ورسوله وقل بمعنى الدعاء والرحمة، وهي منا بمعنى التعظيم، فيجوز من الله ورسوله، ولا يجوز منا أن نعظم غير الأنبياء بما نعظم به الأنبياء، انتهى. (١) ((عمدة القاري)) (٥٥٦/٦) برقم (١٤٩٧). (٢) (١٦٤/٢). ٤١٧ ٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر (٢٣) باب (٣٨٥) حديث قال الحافظ(١): والحجة فيه أنه صار شعاراً للنبي وَل، فلا يشاركه فيه غيره، فلا يقال: قال أبو بكر وَلّ، وإن كان معناه صحيحاً، وقريب منه أنه لا يقال: قال محمد عز وجل، لأنه صار شعاراً لله عز وجل، ويقوى المنع بأن الصلاة على غير النبي ◌َ﴿ صار شعاراً لأهل الأهواء، يصلون على من يعظّمونه من أهل البيت وغيرهم. وهل المنع في ذلك حرام أو مكروه أو خلاف الأولى؟ حكى الأوجه الثلاثة النووي في ((الأذكار)) وصحح الثاني، وقد روى إسماعيل بن إسحاق في ((أحكام القرآن)) بإسناد حسن عن عمر بن عبد العزيز أنه كتب: أما بعد؛ وإن ناساً من القُصَّاص أَحْدَثُوا في الصلاة على خلفائهم وأمرائهم عدل الصلاة على النبي، فإذا جاءك كتابي هذا، فمرهم أن تكون صلاتهم على النبيين ودعاؤهم للمسلمين ويدعو ما سوى ذلك، ثم أخرج عن ابن عباس بإسناد صحيح: لا تصلح الصلاة على أحد إلا على النبي وَلّل، ولكن للمسلمين والمسلمات الاستغفار، انتهى. وقال ابن القيم في ((الهدي)): وفصل الخطاب في هذه المسألة أن الصلاة على غير النبي و ﴿ إما أن تكون على آله وأزواجه وذريته أو غيرهم، فإن كان الأول فهي مشروعة تبعاً، وجائزة منفرداً، وأما الثاني فإن كان الملائكة وأهل الطاعة عموماً الذين يدخل فيهم الأنبياء وغيرهم جاز ذلك أيضاً، كأن يقال: اللَّهم صلِّ على ملائكتك المقربين وأهل طاعتك أجمعين، وإن كان شخصاً معيناً أو طائفة معينة كره، ولو قيل: بتحريمه لكان له وجه، سيما إذا جعله شعاراً، ومنع منه نظيره أو خيراً منه كالرافضة، انتهى، قاله السخاوي. وقال الحافظ(٢): اختلف في السلام على غير الأنبياء بعد الاتفاق على (١) ((فتح الباري)) (٥٣٤/٨) برقم (٤٧٩٨). (٢) ((فتح الباري)) (١٧٠/١١). - -- .-- ------ --- --- ٤١٨ - ٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر (٢٣) باب (٣٨٥) حديث مشروعيته في تحية الحي، فقيل: يشرع مطلقاً، وقيل: بل تبعاً، ولا يفرد لواحد لكونه صار شعاراً للرافضة، ونقله النووي عن الشيخ أبي محمد الجويني، انتھی . قال ابن عابدين: أما السلام فنقل اللقاني في شرح ((جوهرة التوحيد)) عن الجويني أنه في معنى الصلاة، فلا يستعمل في الغائب، ولا يفرد به غير الأنبياء، فلا يقال: علي عليه السلام، وسواء في هذا الأحياء والأموات إلا في الحاضر. والظاهر أن العلة في منع السلام ما قاله النووي في علة منع الصلاة: إن ذلك شعار أهل البدع، ولأن ذلك مخصوص في لسان السلف بالأنبياء عليهم السلام كما أن قولنا: عز وجل مخصوص بالله تعالى، فلا يقال: محمد عز وجل، وإن كان عزيزاً جليلاً، انتهى. وقال السخاوي في (القول البديع)): قد اختلفوا في السلام هل هو في معنى الصلاة، فيكره أن يقال: عن علي عليه السلام وما أشبه ذلك، فكرهه طائفة منهم أبو محمد الجويني، وفرق آخرون بينه وبين الصلاة بأن السلام يشرع في حق كل مؤمن من حي وميت، وغائب وحاضر، وهو تحية أهل الإسلام بخلاف الصلاة، فإنها من حقوق الرسول 3 184، ولذا يقول المصلي: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، ولا يقول: الصلاة علينا، فعلم الفرق، اهـ. وفقه الأحاديث المتقدمة الصلاة على النبي ◌َّ، قال ابن عبد البر في (الاستذكار)) (١): وأجمع العلماء على أن الصلاة على النبي ◌َّل فرض على كل مؤمن، لقوله عز وجل: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَمَنُواْ صَلُواْ عَلَيْهِ وَسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا﴾(٢)، ثم (١) (٢٥٥/٦). (٢) سورة الأحزاب: الآية ٥٦. ٤١٩ ٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر (٢٣) باب (٣٨٥) حديث اختلفوا في كيفية ذلك وموضعه، فذهب مالك وأبو حنيفة وأصحابهما إلى أن الصلاة على النبي ◌ّ﴾ فرض في الجملة بعقد الإيمان، ولا يتعين في الصلاة ولا في وقت من الأوقات، ومن قول بعضهم: إن من صلى على النبي ◌ُّ مرة واحدة في عمره فقط سقط فرض ذلك عنه، وبقي مندوباً إليه في سائر عمره مقدار ما یمکنه، اهـ. وقال الحافظ في ((الفتح))(١): وأما حكمها فحاصل ما وقفت عليه من كلام العلماء فيه عشرة مذاهب: أولها: قول ابن جرير الطبري: إنها من المستحبات، وادعى الإجماع على ذلك. ثانيها: مقابله وهو نقل ابن القصار وغيره الإجماع على أنها تجب في الجملة بغير حصر، لكن أقل ما يحصل به الإجزاء مرة. -- -- ثالثها: تجب في العمر في صلاة أو في غيرها، وهي مثل كلمة التوحيد، قاله أبو بكر الرازي من الحنفية وابن حزم وغيرهما، وقال القرطبي المفسر: لا خلاف في وجوبها في العمر مرة، وأنها واجبة في كل حين وجوب السنن المؤكدة، وسبقه ابن عطية. 1 -- رابعها: تجب في القعود آخر الصلاة بين قول التشهد وسلام التحلل، قاله الشافعي ومن تبعه. خامسها: تجب في التشهد، وهو قول الشعبي وإسحاق بن راهويه. سادسها: تجب في الصلاة من غير تعيين المحل، نقل ذلك عن أبي جعفر الباقر. - (١) انظر: ((فتح الباري)) (١٥٢/١١ - ١٥٣). ٤٢٠