Indexed OCR Text

Pages 261-280

٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر
(١٠) باب
(٣٥٠) حديث
ما استطاع، ولا يقاتله، فإن قاتله كان ما يدخل عليه في صلاته من قتاله إياه
أشدّ عليه من ممرّ هذا بين يديه، ولا نعلم أحداً روى قتاله إلا ما روي عن
أبي سعيد الخدري، وليست العامة عليها، ولكنها على ما وصفت لك، اهـ.
فأشار الإمام محمد بهذا إلى شذوذ رواية المقاتلة لكونها مخالفة لجميع
الروايات الواردة في هذا الباب.
وأجاب الشامي: بأنه منسوخ لما في الزيلعي عن السرخسي: أن الأمر
بها محمول على الابتداء حين كان العمل في الصلاة مباحاً.
وقال ابن عبد البر في ((الاستذكار))(١): وأحسبه كلاماً خرج على التغليظ
ولكل شيء حدٌّ.
وتقدم من كلام القرطبي ما حاصله: أنه مبالغة في الدفع.
وقال الباجي(٢): يحتمل أن يراد به اللعن، فإن المقاتلة تكون في اللغة
والشرع بمعنى اللعن، قال تعالى: ﴿قَنَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ وقريب منه ما
في ((الزيلعي)) على ((الكنز)): يدعو عليه، قلت: يؤيده حديث: ((اللَّهم اقطع
أثره)) .
وقيل: المراد أن يؤاخذه على ذلك بعد تمام صلاته.
أو يقال: إنها محمولة على المتمرد، ويشير إليه لفظ الشيخان، ويؤيده
ما روي عن النووي أنه قال: ليمر بين يدي الضعيف فلا أكابره، ويمر المتجبر
فلا أدعه، وفي لفظ: ((فإذا مر وعليه ثياب يتمشى بطراً فلا أدعه))، أخرجه ابن
عبد البر في ((الاستذكار)).
(١) (٦ / ١٦٢) .
(٢) ((المنتقى)) (٢٧٥/١).
٢٦١

٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر
(١٠) باب
..-
ثم إن قاتل أحداً فأتلفه؟ لم أره في كتب الحنابلة، ولا ضمان عليه عند
الشافعية، قال في ((الروضة)): فلو دفعه في حالة سن الدفع، وتلف لا ضمان
عليه، لأنه من باب دفع الصائل، اهـ.
ونحوه في (شرح الإقناع)) وغيره، وفيه الدية عند المالكية على ما قاله
الدسوقي(١) إذ قال: ولو دفعه فأتلف له شيئاً كما لو خرق ثوبه أو سقط منه مال
ضمن على المعتمد، ولو دفعه دفعاً مأذوناً فيه، ولو دفعه فمات كانت ديته على
عاقلة دافعه على المعتمد لأنه لما كان مأذوناً فيه في الجملة صار كالخطاء،
فلذا لم يقتل فيه، وكانت الدية على العاقلة، وقيل: يكون هدراً، وقيل: الدية
في مال الدافع، اهـ.
وقال الأبي في ((شرح مسلم))(٢): فإن درأ المارَّ بما يجوز فهلك اتفقوا
على أنه لا قود فيه، واختلفوا حتى عندنا هل هو هدر أو فيه الدية؟، اهـ. وقال
عياض: لا قود عليه باتفاق العلماء، وهل تجب ديته أم تكون هدراً؟ فيه
مذهبان للعلماء، وهما قولان في مذهب مالك، وقال ابن شعبان: عليه الدية
في ماله كاملة، وقيل: هي على عاقلته، وقيل: هدر، ذكره ابن التين، كذا في
العيني(٣). وقال ابن رسلان: وإذا انتهى الأمر إلى الموت فلا قود اتفاقاً،
والصحيح في الدية المنع، وصحح الماوردي الوجوب، اهـ.
وفيه موجب القتل عندنا الحنفية قال في ((الدر المختار)): فلو ضربه،
فمات لا شيء عليه عند الشافعي خلافاً لنا على ما يفهم من كتبنا، قال
ابن عابدين: صرَّحوا في كتبنا بأنه رخصة، والعزيمة عدم التعرض له، فحيث
(١) ((حاشية الدسوقي)) (٢٤٦/١).
(٢) (٢٢٠/٢).
(٣) ((عمدة القاري)) (٥٩٢/٣).
٢٦٢
-----

٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر
(١٠) باب
(٣٥١) حديث
٣٤/٣٥١ - وحدّثني عَنْ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي النَّصْرِ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ
عُبَيْدِ الله، عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ؛ أَنَّ زَيْدَ بْنَ خَالِدِ الْجُهَنِيَّ أَرْسَلَهُ إِلَى
أُبِي جُهَيْم،
كان رخصة يتقيد بوصف السلامة، أفاده الرحمتي، بل قولهم: ولا يزيد على
الإشارة، صريح في أن الرخصة هي الإشارة، وأن المقاتلة غير مأذون لها
أصلاً، والأمر بها منسوخ، فإذا كانت المقاتلة غير مأذون بها عندنا كان قتله
جناية يلزمه موجبها من دية أو قود، فافهم، اهـ.
٣٤/٣٥١ - (مالك، عن أبي النضر) بالضاد المعجمة سالم بن أبي أمية
(مولى عمر بن عبيد الله) بضم العينين (عن بسر) بضم الموحدة وسكون السين
المهملة (ابن سعيد) بكسر العين (أن زيد بن خالد الجهني) بضم الجيم وفتح
الهاء الأنصاري الصحابي (أرسله إلى أبي جهيم) هكذا في جميع النسخ
الموجودة من الهندية والمصرية، أي بضم الجيم مصغراً، وهكذا ضبطه شرّاح
الحديث، وقال أهل الرجال: ويقال: أبو جهم، لكن الحافظ في ((الفتح))(١) في
((التيمم)) أنكر على مسلم في قوله: أبي جهم، وقال: الصواب أنه بالتصغير، اهـ،
ابن الحارث بن الصمة بكسر الصاد المهملة وشدِّ الميم ابن عمرو الأنصاري،
قال في ((الفتح الرحماني)): قال العيني: أبو الجهيم المصغر المذكور في المرور
هو بضم الجيم وفتح الهاء وسكون الياء آخر الحروف: هو عبد الله بن الحارث بن
الصمة الصحابي الخزرجي، وفي ((الصحابة)) شخص يقال له: أبو الجهم، هو
صاحب الأنبجانية اسمه عامر بن حذيفة، اهـ.
قلت: أما أبو جهم بسكون الهاء صاحب الأنبجانية تقدم الكلام على
ترجمته في ((القراءة في الصبح))، وأما أبو جهيم بن الحارث بن الصمة هذا
راوي حديث المرور، اختلف أهل الرجال في اسمه واسم أبيه على أقوالٍ :
(١) انظر: ((فتح الباري)) (٤٤٢/١).
٢٦٣

٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر
(١٠) باب
(٣٥١) حدیث
فقيل: هو عبد الله بن جهم، وقيل: عبد الله بن الحارث بن الصمة، وقيل: هو
بنفسه الحارث بن الصمة، ولفظ ابن فيما بين أبي الجهيم وحارث غلط، وقيل
غير ذلك، كما بسطه أهل الرجال نتركها روماً للاختصار.
لكن مما يجب التنبيه عليه أن لهذا الراوي في كتب الحديث روايتان؛
إحداهما: في المرور بين يدي المصلي، والثانية: في التيمم على الجدار،
واختلف أهل الرجال في أن الروايتين معاً لرجل واحد، أو هما اثنان؟ فمال
الحافظ في ((الإصابة)) إلى الأول، واختاره في ((الفتح))، إذ قال في حديث
المرور: أبو جهيم بن الحارث بن الصِمَّة الأنصاري، الذي تقدم حديثه في
((باب التيمم في الحضر))، اهـ.
وهو ظاهر كلام العيني في ((شرحه))(١)، إذ قال: أبو جهيم عبد الله بن
الحارث بن الصِمَّة الصحابي الخزرجي، للبخاري حديثان عنه، اهـ.
وقال أيضاً في ((السترة)): أبو جهيم مر في (باب التيمم في الحضر))
واختاره ابن القيسراني في ((الجمع بين رجال الصحيحين))، إذ قال: عبد الله بن
الحارث بن الصمة أبو جهيم، ويقال: أبو الجهم، سماه وكيع المدني
الأنصاري، روى عنه بسر بن سعيد وعمير مولى ابن عباس في الصلاة والتيمم
ثم ذكر حديث التيمم على الجدار وحديث المرور، ثم قال: ليس له غيرهما
في الكتابين، وإليه مال صاحب ((رجال جامع الأصول)) إذ قال: لأبي جهيم
هذا في كتابنا حديثان: أحدهما: في المار بين يدي المصلي، والثاني: في
السلام على من يبول، اهـ.
وجزم ابن الأثير في ((أسد الغابة)) (٢) إلى الثاني، فإنه ترجم أولاً
(١) ((عمدة القاري)) (٢٠٣/٣).
(٢) (٤٠٨/٤).
٢٦٤

٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر
(١٠) باب
(٣٥١) حديث
يَسْأَلُهُ: مَاذَا سَمِعَ مِنْ رَسُولِ اللَّه٤ِ﴿ فِي الْمَارِّ بَيْنَ يَدَي الْمُصَلِّي؟
أبو الجهيم، وقيل: أبو الجهم بن الحارث بن الصِمَّة الأنصاري، وقال: كان
أبوه من كبار الصحابة، وذكر فيها حديث التيمم في الحضر، ثم ذكر ترجمة
أبي جهيم عبد الله بن جهيم الأنصاري، وذكر حديث المرور بين يدي المصلي
ثم قال: جعل ابن منده وأبو نعيم هذا والذي قبله واحداً، وجعلهما أبو عمر
اثنين، والذي أظن أن الحق مع أبي عمر، انتهى مختصراً.
وقال العيني: قال ابن عبد البر: راوي حديث التيمم غير راوي حديث
المرور، وقال الحافظ في ((الفتح)): ويقال في كل منهما - أي أبي الجهيم هذا
وأبي الجهيم صاحب الأنبجانية - بحذف الألف واللام وإثباتهما، انتهى. ذكر
الدولابي: أبا الجهم بن الحارث، وذكر فيه حديث التيمم فقط دون المرور
(يسأله) أي أبا جهيم (ماذا سمع من رسول الله (﴿ السل في) حكم (المار بين
يدي المصلي؟) أي أمامه؟ قال العيني (١): هكذا أخرجه الستة، وقال ابن ماجه:
حدثنا هشام بن عمار حدثنا ابن عيينة عن أبي النضر عن بسر قال: أرسلوني
إلى زيد بن خالد، الحديث. وفي ((مسند البزار)): أنا أحمد بن عبدة ثنا سفيان
به، وفيه: أرسلني أبو جهم إلى زيد بن خالد، الحديث. قال أبو عمر في
((التمهيد)): رواه ابن عيينة مقلوباً، والقول عندنا قول مالك ومن تابعه، انتهى.
وقال الحافظ: (٢) هكذا روى مالك في ((الموطأ)) لم يختلف عليه في أن
المُرْسِلَ زيد، والمرسَل إليه أبو جهيم، وتابعه الثوري عن أبي النضر عند مسلم
وابن ماجه وغيرهما، وخالفهما ابن عيينة عن أبي النضر، فقال عن بسر:
أرسلني أبو جهم إلى زيد بن خالد أسأله، الحديث. أخرجه ابن أبي خيثمة،
ثم قال: سئل يحيى بن معين؟ فقال: هو خطأ، إنما هو كما قال مالك.
(١) ((عمدة القاري)) (٥٩٣/٣).
(٢) ((فتح الباري)) (١/ ٥٨٤).
٢٦٥

٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر
(١٠) باب
(٣٥١) حديث
فَقَالَ أَبُو جُهَيْم: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَ﴾: ((لَوْ يَعْلَمُ الْمَارُّ بَيْنَ يَدَي
الْمُصَلِّي،
وقال ابن عبد البر: هكذا رواه ابن عيينة مقلوباً، وقال ابن القطان: في
حديث البزار خطئ ابن عيينة، وليس خطؤه بمتعين، لاحتمال أن يكون أبو جهيم
بعث بسراً إلى زيد، وبعثه زيد إلى أبي جهيم يستثبت كل واحد منهما ما عند
الآخر، فأخبر كل واحد بمحفوظه، فشك أحدهما، وجزم الآخر، واجتمع
ذلك كله عند أبي النضر، قاله العيني(١).
(فقال أبو جهيم قال رسول الله بقي: لو يعلم المار بين يدي المصلي) أي
أمامه، وفي تحديد المقدار أقوال مختلفة عند العلماء. قال العيني: لم يحد
مالك في هذا حداً، إلا أن ذلك بقدر ما يركع فيه ويسجد، ويتمكن من دفع من
يمر بين يديه، وقيده بعض الناس بشبر وآخرون بثلاثة أذرع، وبه قال الشافعي
وأحمد، وهو قول عطاء، وآخرون: بستة أذرع، انتهى.
وقال أيضاً في موضع آخر: أما مقدار موضع يكره المرور فيه فقيل:
موضع سجوده، وهو مختار شمس الأئمة السرخسي وشيخ الإسلام وقاضي
خان، وقيل: مقدار صفين أو ثلاثة، وقيل: بثلاثة أذرع، وقيل: بخمسة،
وقيل: بأربعين ذراعاً، وقدر الشافعي وأحمد بثلاثة أذرع، ولم يحد مالك في
ذلك حداً إلا أن ذلك بقدر ما يركع فيه، ويسجد ويتمكن من دفع من مرّ بين
یدیه، انتھی.
قال الدسوقي: اختلف في حريم المصلي الذي يمنع المرور فيه، قال ابن
هلال: كان ابن عرفة يقول: هو ما لا يشوش عليه المرور فيه، ويحدّه بنحو
عشرين ذراعاً، ويؤخذ ذلك من تحديد مالك - رضي الله عنه - حريم البئر، بما
لا يضر تلك البئر بحفر بئر أخرى، ثم اختار ما لابن العربي من أن حريم
(١) ((عمدة القاري)) (٥٩٣/٣).
٢٦٦
----- ------
----
-----

٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر
(١٠) باب
(٣٥١) حديث
المصلي مقدار ما يحتاجه لقيامه وركوعه وسجوده، وقيل: إنه قدر رمية الحجر
أو السهم أو المضاربة بالسيف، أقوال، انتهى. هذا عند المالكية.
وأما عند الحنابلة ففي ((الشرح الكبير))(١): يستحب أن يدنو من سترته،
وينبغي أن يكون مقدار ذلك ثلاثة أذرع فما دون، قال أحمد: إن ابن عمر
- رضي الله عنهما - قال: صلّى النبي ◌َّ في الكعبة فكان بينه وبين الحائط
ثلاثة أذرع، قال مُهَنَّا: سألت أحمد عن الرجل يصلي كم ينبغي أن يكون بينه
وبين القبلة؟ قال: يدنو من القبلة ما استطاع.
وفي ((شرح الإقناع)) للشافعية: وبينهما وبين المصلي ثلاثة أذرع فأقل،
وفي ((روضة المحتاجين)): ويشترط في الساتر أن يكون طوله ثلثي ذراع فأكثر،
وأن يكون بينه وبين المصلي ثلاثة أذرع فأقل، وحينئذ يحرم المرور بين
المصلي وبين الساتر، انتهى.
وأما عند الحنفية ففي ((البذل)) (٢) عن ((البدائع)): لم يذكر في الكتاب قدر
المرور، واختلف المشايخ فيه، قال بعضهم: قدر موضع السجود، وقال
بعضهم: مقدار الصفين، وقال بعضهم: قدر ما يقع بصره على المار لو صلى
بخشوع، وفيما وراء ذلك لا يكره، انتهى.
وفي ((الدر المختار)): ويغرز سترة بقربه دون ثلاثة أذرع، قال ابن عابدين:
الأولى أن يبدل دون بقدر لما في ((البحر)) عن ((الحلية)): السنة أن لا يزيد ما
بينه وبينها على ثلاثة أذرع، بقي هل هذا شرط لتحصيل سنة الصلاة إلى السترة
حتى لو زاد على ثلاثة أذرع تكون صلاته إلى غير سترة، أم هو سنة مستقلة،
لم أره، انتهى.
(١) ((المغني مع الشرح الكبير)) (٦٩/٢).
(٢) (بذل المجهود)) (٣٦٧/٤).
٢٦٧

٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر
(١٠) باب
(٣٥١) حديث
-------
مَاذَا عَلَيْهِ، لَكَانَ أَنْ يَقِفَ أَرْبَعِينَ، خَيْراً
وفي ((رسائل الأركان)): والمرور المحرم المرور بينه وبين موضع
سجوده، والمراد بموضع السجود المكان الذي بينه وبين منتهى بصره إذا قام
متوجهاً إلى مكان يسجد فيه، وهو المختار، وقيل: بقدر صف، وقيل: بقدر
ثلاثة صفوف، وهذا كله في الصحراء، وأما في المسجد فالمعتبر فيما بينه وبين
جدار المسجد، انتهى. قلت: لكن المسجد مقيد بالصغير، وأما الكبير ففي
حكم الصحراء، كما سيأتي.
(ماذا عليه) أي من الإثم كما زاده الكشميهني في رواية للبخاري، لكن
قال الحافظ: ليست هذه الزيادة في شيء من الروايات، وكذا قال ابن عبد البر
كما بسطه الزرقاني، اللَّهم إلا أن يقال: إنها بمنزلة التفسير، وجملة ((ماذا عليه))
في محل نصب سادة مسدّ مفعولَي يعلم، وجوابُ لَو قوله: (لكان أن يقف) أي
المار، قاله الزرقاني(١). وأنكر الكرماني أن يكون هذا جواب لو كما سيأتي
(أربعين) سيأتي تمييزه.
وبَيَّن الكرماني(٢) لتخصيص الأربعين بالذكر حكمتين: إحداهما: كون
الأربعة أصل الأعداد، فلما أريد التكثير ضربت في عشرة، وثانيتهما: أن كل
طور الإنسان بأربعين كالنطفة والعلقة والمضغة، وكذا بلوغ الأشد، ويحتمل
غير ذلك، وفي ابن ماجه وابن حبان ((مائة عام))، وهذا يشعر بأن الأربعين
لمجرد التكثير، وجنح الطحاوي إلى أن التقييد بالمائة وقع بعد الأربعين زيادة
في المبالغة.
(خيراً) قال في ((الفتح الرحماني)) في خيراً روايتان: النصب والرفع، أما
النصب فظاهر، لأنه خبر كان، واسمه قوله: أن يقف، وأما الرفع، فقال
(١) ((شرح الزرقاني)) (٣١٣/٢).
(٢) انظر: ((عمدة القاري)) (٥٩٤/٣)، و((فتح الباري)) (٥٨٥/١).
---
٢٦٨
--
---

٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر
(١٠) باب
(٣٥١) حدیث
لَهُ مِنْ أَنْ يَمُرَّ بَيْنَ يَذَيْهِ)». قَالَ أَبُو النَّصْرِ: لا أَدْرِي، أَقَالَ أَرْبَعِينَ
يَوْماً، أَوْ شَهْراً، أَوْ سَنَةً .
أخرجه البخاريّ في: ٨ - كتاب الصلاة، ١٠١ - باب إثم المار بين يدي
المصلي .
ومسلم في: ٤ - كتاب الصلاة، ٤٨ - باب منع المار بين يدي المصلي،
حديث ٢٦١.
ابن العربي: هو اسم كان، ولم يذكر خبره، فخبره أن يقف، والتقرير لو يعلم
المارُّ ماذا عليه لكان خير وقوفه، اهـ.
وقال الزرقاني: بالنصب خبرُ كان، وفي رواية بالرفع على أنه اسمها
وسوغ الابتداء بالنكرة كونها موصوفة، ويحتمل أن اسمها ضمير الشأن والجملة
خبرها، اهـ.
(له من أن يمر بين يديه) أي أمامه لئلا يلحقه وزر المرور، قال
الكرماني: جواب لو ليس هو المذكور، بل التقدير لو يعلم ما عليه لوقف
أربعين، ولو وقف أربعين لكان خيراً له، اهـ. وإلا فظاهر اللفظ يقتضي أنه لو
علم بذلك لكان وقوفه خيراً له، وإذا لم يعلم بذلك لم يكن خيراً له.
وأنت خبير بأن عظم الإثم في المرور لا يتوقف على معرفة المار بقدره،
وإنما المراد أنه لو علم إثم المرور لرأى وقوفه أربعين خيراً له من المرور
ويؤثره عليه، واستنبط ابن بطال من قوله: ((لو يعلم))، أن الإثم يختص بمن
يعلم بالنهي وارتكبه، قال الحافظ: وأخذه من ذلك فيه بعدٌ، اهـ.
(قال أبو النضر: لا أدري، أقال) بهمزة الاستفهام، والضمير إلى بسر بن
سعيد أو رسول الله وَّ كذا قاله الكرماني، والظاهر الأول، قاله العيني (أربعين
يوماً أو شهراً أو سنة) قال الكرماني: أبهم المعدود تفخيماً للأمر وتعظيماً له،
قال الحافظ ابن حجر والعيني: والظاهر أنه عيّن المعدود، لكن شك الراوي
فيه، اهـ. وأخرج البزار بطريق ابن عيينة عن أبي النضر ((لكان أن يقف أربعين
خريفاً)) الحديث.
٢٦٩

-----
٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر
(١٠) باب
(٣٥٢ - ٣٥٣) حديث
٣٥/٣٥٢ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ
عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ؛ أَنَّ كَعْبَ الأَحْبَارِ، قَالَ: لَوْ يَعْلَمُ الْمَارُّ بَيْنَ يَدَيْ
الْمَصَلِّي، مَاذَا عَلَيْهِ، لَكَانَ أَنْ يُخْسَفَ بِهِ، خَيْراً لَهُ مِنْ أَنْ يَمُرَّ بَيْنَ
يَدَيْهِ .
٣٦/٣٥٣ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ؛ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ
عُمَرَ، كَانَ يَكْرَهُ أَنْ يَمُرَّ بَيْنَ أَيْدِي النِّسَاءِ، وَهُنَّ يُصَلِّينَ.
٣٥/٣٥٢ - (مالك، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار) بلفظ ضد
اليمين (أن كعب الأحبار قال) يحتمل أنه أخذه من الكتب السابقة لأنه حبرها،
(لو يعلم المارُ بين يدي المصلي ماذا عليه لكان أن يُخسَف) ببناء المجهول، قال
المجد: خسف المكان يخسف خسوفاً: ذهب في الأرض، والله بفلان الأرض:
غيبه فيها، اهـ. (به) أي بالمارِّ في الأرض (خيراً له من أن يمر بين يديه) أي
المصلي لأن عذاب الآخرة أشد وأبقى من الخسف الذي هو عذاب الدنيا .
٣٦/٣٥٣ - (مالك، أنه بلغه أن عبد الله بن عمر كان يكره أن يمر بين
يدي النساء) أيضاً (وهن يصلين) قال الباجي(١): إما أن يكون يكره ذلك كما
يكره المرور بين يدي المصلين من الرجال، ويحتمل أنه خص النساء بذلك
لدخوله إلى المسجد وخروجه منه، وهن في آخر الصفوف، فكره ذلك وإن كن
في طريقه، اهـ.
قال أبو عمر (٢): فيه كراهة المرور بين يدي المصلي، وإن لم يكن بحيث
تناله يده، لأن صفوف النساء كان بينها وبين صفوف الرجال شيء من
٠
البعد، اهـ.
قلت: ولكنها مقيد عندنا الحنفية بالمسجد الصغير، أما المسجد الكبير
(١) ((المنتقى)) (٢٧٦/١).
(٢) ((الاستذكار)) (١٧٠/٦).
٢٧٠
---
------------

٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر
(١١) باب
(٣٥٤) حديث
٣٧/٣٥٤ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ نَافِع؛ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ
عُمَرَ كَانَ لا يَمُرُّ بَيْنَ يَدَيْ أَحَدٍ، وَلَا يَدَعُ أَحَداً يَمُزُّ بَيْنَ يَدَيْهِ .
(١١) باب الرخصة في المرور بين يدي المصلي
فهو في حكم الفلاة عندنا، قال في ((الدر المختار)): ولا يفسدها نظره إلى
مكتوب ومرور مارِّ في الصحراء، أو في مسجد كبير بموضع سجوده في
الأصح، أو مروره بين يديه إلى حائط القبلة في بيت ومسجد صغير، فإنه كبقعة
واحدة مطلقاً، قال ابن عابدين: قوله في الأصح هو ما اختاره شمس الأئمة
وقاضي خان، وصاحب ((الهداية)) واستحسنه في ((المحيط))، وصححه الزيلعي،
ومقابله ما صححه التمرتاشي وصاحب ((البدائع))، اختاره فخر الإسلام،
ورجحه في ((النهاية) و((الفتح)) أنه قدر ما يقع بصره على المار، لو صلّى
بخشوع أي رامياً ببصره إلى سجوده، انتهى.
٣٧/٣٥٤ - (مالك، عن نافع أن عبد الله بن عمر) - رضي الله عنهما -
(كان لا يمر بين يدي أحد) يصلي لروايات الوعيد في ذلك (ولا يدع) بفتح
الدال أي لا يترك (أحدا يمر بين يديه) لرواية الأمر بالدفع للمار كما تقدم.
(١١) الرخصة في المرور بين يدي المصلي
أي أمامه، قال الباجي(١): الرخصة في الشرع الإباحة للضرورة، وقد
يستعمل في إباحة نوع من جنس الممنوع، فالترجمة تحتمل المعنيين، أن تكون
اللام للاستغراق، فتكون الإباحة رخصة لبعض الأحوال، وهو كونه مأموماً، أو
للعهد فتكون الإباحة للمعهود وهو المأموم، اهـ.
قلت: هكذا شرح الباجي ترجمة المصنف، وتبعه الزرقاني(٢)، وليس
(١) ((المنتقى)) (٢٧٦/١).
(٢) ((شرح الزرقاني)) (٣١٥/٢).
٢٧١

٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر
(١١) باب
بوجيه في نظري القاصر، بل غرض المصنف على ما يخطر في البال، هو
جواز المرور عند الضرورة، ويوضح ذلك ما سيأتي من قول يحيى، قال
مالك: وأنا أرى ذلك واسعاً إذا أقيمت الصلاة وبعدما يُحْرم.
قال ابن عبد البر في شرح هذا القول: هذا مع الترجمة يقتضي أن
الرخصة عنده لمن لم يجد من ذلك بداً، وغيره لا يرى بذلك بأساً، لحديث
ابن عباس وللآثار الدالة على أن سترة الإمام سترة لمن خلفه، وهو
الظاهر، اهـ
فعُلِم بذلك أن غرض المصنف عند ابن عبد البر: هو ذاك وإن مال ابن
عبد البر بنفسه إلى غير ذلك، كما أشار إليه بقوله: وهو الظاهر. ويؤيده أيضاً
ما قال الباجي في شرح هذا القول، كما سيأتي في محله، ويؤيده أيضاً تبويب
شيخنا العلامة الدهلوي في ((المصفَّى)) على حديث الباب بقوله: ((باب الرخصة
في المرور بين يدي الصف إذا أقيمت الصلاة)) لكن ((شُرَّاح الموطأ)) كلهم
متظافرون على أن غرض المصنف هو التقييد بالمؤتم.
وقال ابن عبد البر في (الاستذكار))(١) بعدما ذكر التشديد في حكم
السترة: هذا كله في الإمام والمنفرد، فأما المأموم فلا يضره من مرّ بين يديه،
كما أن الإمام والمنفرد لا يضر واحداً منهما من مرّ وراء سترته، لأن سترة
الإمام سترة لمن خلفه، وقد قيل: الإمام نفسه سترة لمن خلفه، وهذا كله
لا خلاف فيه بين العلماء، انتهى. وكذا نقل الزرقاني الاتفاق عن القاضي
عياض، وبوّب البخاري على حديث ابن عباس - رضي الله عنه - هذا: باب
سترة الإمام سترة لمن خلفه.
قال العيني(٢): وحكى ابن بطال وأبو عمر فيه الإجماع، قالا: وقد قيل:
(١) ((الاستذكار)) (١٦٢/٦).
(٢) انظر: ((عمدة القاري)) (٥٧١/٣).
٢٧٢

٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر
(١١) باب
الإمام نفسه سترة لمن خلفه، قلت: هكذا أطلق جمع من المشايخ الاتفاق على
ذلك، والمسألة خلافية كما سترى، اللَّهم إلا أن يقال: إن مرادهم بالاتفاق أن
لا يحتاج المأموم إلى سترة أخرى، وهذا الأمر مجمع عليه مع اختلافهم في أن
سترة الإمام سترة لمن خلفه، أو الإمام بنفسه سترة لمن خلفه، وهما قولان
المالكية كما في ((الشرح الكبير(١))، إذ قال: سترة لإمام وفَذٍّ، لا مأموم، لأن
إمامه سترة له، أو لأن سترة الإمام سترة له، قال الدسوقي: قوله: لأنّ إمامه
سترة له، هذا قول مالك في ((المدونة))، وقوله: أو لأن سترة الإمام إلخ، هذا
قول عبد الوهاب، ثم ذكر الكلام في أن الاختلاف بينهما لفظي أو حقيقي، ثم
قال: والحق أن الخلاف حقيقي، والمعتمد قول مالك، اهـ.
وفي ((الأنوار الساطعة)): والمأموم لا يطلب بالسترة لأن الإمام سترة لمن
خلفه، وفي ((الشرح الكبير))(٢) للحنابلة: وسترة الإمام سترة لمن خلفه، نص
عليه أحمد، وروي عن ابن عمر، وهو قول الفقهاء السبعة والنخعي ومالك
والشافعي وغيرهم، لأنه عليه السلام صلّى إلى سترة، ولم يأمرهم بنصب سترة
أخرى، وفي حديث ابن عباس قال: ((أقبلت على حمار أتان)) الحديث. وفي
(الروض المربع)): سترة الإمام سترة للمأموم، وفي ((روضة المحتاجين)): هل
الإمام يكون سترة لمن وراءه فقط أو للجميع؟ الظاهر الأول، اهـ.
وفي ((البحر الرائق)): أن سترة الإمام تجزئ عن أصحابه كما هو ظاهر
الأحاديث الثابتة في ((الصحيحين)) من الاقتصار على سترته وَل، وقد اختلف
العلماء في أن سترة الإمام هل هي بنفسها سترة للقوم وله، أو هي سترة له
خاصة، وهو سترة لمن خلفه؟ فظاهر كلام أئمتنا الأول، ولهذا قال في
((الهداية)): وسترة الإمام سترة لمن خلفه، اهـ.
(١) (٢٤٤/١).
(٢) (المغني مع الشرح الكبير)) (٦٦/٢).
٢٧٣

--
٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر
(١١) باب
(٣٥٥) حدیث
٣٨/٣٥٥ - حَدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ
عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ؛
أَنَّهُ قَالَ: أَقْبَلْتُ رَاكِباً عَلَى أَتَانٍ، وَأَنَا يَوْمَئِذٍ قَدْ نَاهَزْتُ الاحْتِلامَ،
وَرَسُولُ اللَّهِ وَ يُصَلِّي لِلنَّاسِ، بِمِنَّى،
٣٨/٣٥٥ - (مالك، عن ابن شهاب) الزهري (عن عبيد الله) بضم العين
(ابن عبد الله) بفتح العين (ابن عتبة) بضم العين فمثناة فوقية ساكنة (ابن مسعود)
- رضي الله عنه - (عن عبد الله بن عباس) - رضي الله عنه - (أنه قال: أقبلت)
بصيغة المتكلم جملة (راكباً) نصب على الحال (على أتان) بفتح الهمزة فمثناة
في آخره نون، الأنثى من الحمير، وقد يقال بكسر الهمزة، قاله العيني(١)،
وشَذَّه القاري، قال الكرماني: هي أنثى من الحمير، ولا يقال: أتانة، اهـ.
(وأنا يومئذ قد ناهزت) أي قاربت، قال العيني: يقال: ناهز الصبي البلوغ
إذا قاربه وداناه، قال صاحب ((الأفعال)): ناهز الصبي الفطام: دنا منه، ونهز
الشيء: أي قرب، وقال شمر: المناهزة: المبادرة، فقيل: للأسد نهز لأنه يبادر
ما يفترسه، اهـ.
(الاحتلام) المراد به البلوغ، قال الكرماني: يقال: ناهز الصبي البلوغ:
إذا قاربه، والمراد بالاحتلام البلوغ الشرعي، مشتق من الحلم، بالضم، هو
ما يراه النائم.
واختلف العلماء في سن ابن عباس - رضي الله عنهما - عند وفاته وَالچ،
فقيل: عشر، وقيل: ثلاثة عشر، وقيل: خمسة عشر، اهـ. قال ابن عبد البر:
فيه إجازة شهادة من علم الشيء صغيراً وأداه كبيراً، وهذا أمر لا خلاف فيه
(ورسول الله (وَل(1) حينئذ (يصلي للناس بمنى) حكى الكرماني عن الجوهري
مقصوراً موضع بمكة، وهو مذکر یصرف، انتهى.
(١) ((عمدة القاري)) (٩٦/٢).
٢٧٤
--------
-- -------

٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر
(١١) باب
(٣٥٥) حدیث
فَمَرَرْتُ بَيْنَ يَدَيْ بَعْضِ الصَّفِّ،
قال الزرقاني(١): بالصرف أجود من عدمه، سميت بذلك لما يمنى أي
يراق بها من الدماء، والأجود كتابتها بألف، انتهى.
قال الكرماني: إن قلت: علم للبقعة فيكون غير منصرف، قلت: لما
استعمل منصرفاً علم أنهم جعلوه علماً للمكان، قال النووي: فيه لغتان:
الصرف والمنع، ولذا يكتب بالألف والياء والأجود صرفها وكتابتها
بالألف، اهـ.
قال الحافظ(٢): كذا قال مالك وأكثر أصحاب الزهري، ولمسلم من
رواية ابن عيينة بعرفة، قال النووي: يحمل ذلك على أنهما قضيتان، وتُعقِّب
بأن الأصل عدم التعدد لا سيما مع اتحاد مخرج الحديث، فالحق أن قوله:
بعرفة شاذ، ولمسلم أيضاً من رواية معمر عن الزهري: وذلك في حجة الوداع
أو الفتح، هذا الشك من معمر لا يعول عليه، والحق أن ذلك كان في حجة
الوداع، اهـ.
(فمررت) ببناء المتكلم (بين يدي بعض الصف) مجاز عن القدام، لأن
الصف لا يَدَ له، وبعض الصف يحتمل أن يكون المراد منه صف من الصفوف،
أو بعض من الصف الواحد، يعني المراد به إما جزء من الصف أو جزئي منه،
قاله العيني(٣). ظاهر السياق يدل على أنه لم يكن سترة، لأن ابن عباس أورده
في معرض الاستدلال، وهو منصوص رواية (٤) البخاري إذ فيه ((إلى غير جدار))،
ولفظ البزار أصرح منه إذ قال: والنبي ◌ُّل يصلي المكتوبة، ليس شيء يستره.
(١) (شرح الزرقاني)) (٣١٥/١).
(٢) (فتح الباري)) (٧١٣/١) برقم (٤٩٣).
(٣) ((عمدة القاري)) (٩٧/٢) برقم (٧٦).
(٤) لكن بوّب عليها البخاري ((سترة الإمام سترة لمن خلفه)) ووجهه العيني بأن المراد سترة
غير الجدار، فتأمل، انتهى. ((ش)).
٢٧٥

٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر
(١١) باب
(٣٥٥) حديث
فَنَزَلْتُ، فَأَرْسَلْتُ الأَتَانَ تَرْتَعُ، وَدَخَلْتُ في الصَّفِّ، فَلَمْ يُنْكِرْ ذلِكَ
عَلَيَّ أَحَدٌ.
أخرجه البخاريّ في: ٨ - كتاب الصلاة، ٩٠ - باب سترة الإمام سترة من
خلفه .
ومسلم في: ٤ - كتاب الصلاة، ٤٧ - باب سترة المصلي، حديث ٢٥٤.
(فنزلت) بصيغة المتكلم (فأرسلت الأنان ترتع) بفوقيتين مفتوحتين وضم
العين، أي تأكل ما تشاء، من رتعت الماشية ترتع، وقيل: تسرع في المشي،
وجاء بكسر العين بوزن تفتعل من الرعي، حذفت الياء من ترتعي تخفيفاً،
والأول أوجه لرواية البخاري بلفظ: فرتعت (ودخلت) قال العيني: بالواو عطف
على أرسلت، ولفظ البخاري في الحج: ((أقبلت أسير على أتان حتى صرت
بين يدي الصف، ثم نزلت عنها))، ولمسلم: ((فسار الحمار بين يدي بعض
الصف)) (في الصف فلم ينكر ذلك عليّ أحد).
قال ابن دقيق العيد: استدل ابن عباس - رضي الله عنهما - بترك الإنكار
على الجواز، ولم يستدل بترك إعادتهم للصلاة، لأن ترك الإنكار أكثر فائدة،
قال الحافظ (١): وجهه أن ترك الإعادة يدل على صحتها فقط لا على جواز
المرور، وترك الإنكار يدل عليهما معاً، ويستنبط معه أن ترك الإنكار حجة على
الجواز بشرطه، وهو انتفاء الموانع من الإنكار وثبوت العلم بالاطلاع على
الفعل، اهـ.
واستنبط العيني(٢) من الحديث عشرة فوائد فارجع إليه إن شئت، والعمدة
منها المرور أمام الصف، وروايات ابن عباس - رضي الله عنهما - كلها مع
الاختلاف في ألفاظها متظافرة على أنه - رضي الله عنه - دخل في الصف، ولم
ينكر عليه أحد، واختلفوا في محمل الحديث.
(١) (فتح الباري)) (٧١٣/١) برقم (٤٩٣).
(٢) انظر: ((عمدة القاري)) (٩٨/٢).
٢٧٦
.--
----

٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر
(١١) باب
(٣٥٦) حديث
٣٩/٣٥٦ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ؛ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ سَعْدَ بْن
أَبِي وَقَّاصٍ كَانَ يَمُرُّ بَيْنَ يَدَيْ بَعْضِ الصُّفُوفِ، وَالصَّلاةُ قَائِمَةٌ.
قال الأبي في ((شرح(١) مسلم)): قوله: فلم ينكر ذلك على أحد، لم
يختلف في جواز ذلك لهذا الحديث، واختلفوا في وجه الجواز، فقيل: لأن
الإمام سترة لهم، وقيل: لأن سترة الإمام سترة لهم، اهـ.
قلت: اختلفوا في ذلك على أربعة: تقدم الاثنان منها، والأول منهما
مختار المالكية، والثاني مختار البخاري، إذ بوب به على ذلك الحديث،
والقول الثالث: أن منع المرور مختص بالإمام والمنفرد، ويختص منه حكم
المؤتم، هو مختار الباجي، وحكى القاضي عياض وابن عبد البر عليه
الإجماع، والرابع ما يظهر من تبويب المصنف في ((الموطأ)): أن الحكم يستثنى
منه الضرورة، وأوضح منه ما بوّب عليه شيخنا الدهلوي في ((المصفى)) بلفظ:
((الرخصة في المرور بين يدي الصف إذا أقيمت الصلاة)).
قال العيني(٢) في فوائد الحديث: الثالث: فيه احتمال بعض المفاسد،
لمصلحة أرجح منها، فإن المرور أمام المصلين مفسدة، والدخول في الصلاة
وفي الصف مصلحة راجحة، فاغتفرت المفسدة للمصلحة الراجحة من غير
إنكار، اهـ.
٣٩/٣٥٦ - (مالك، أنه بلغه أن سعد بن وقاص) أحد العشرة المبشرة
(كان يمر بين يدي) أي قدّام (بعض الصفوف) وفي المصرية: بين يدي بعض
الصف (و) الحال أن (الصلاة قائمة) قال الباجي(٣): يحتمل أن يريد بذلك أنهم
في نفس الصلاة، ويحتمل أن يريد حين إقامتها، وعليه يدل قول مالك، أو
(١) ((إكمال إكمال المعلم)) (٢١٩/٢).
(٢) ((عمدة القاري)) (٩٨/٢) برقم (٧٦).
(٣) ((المنتقى)) (٢٧٧/١).
٢٧٧

٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر
(١١) باب
(٣٥٧) حديث
قَالَ مَالِكٌ: وَأَنَا أَرَىْ ذُلِكَ وَاسِعاً، إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلاةُ، وَبَعْدَ
أَنْ يُحْرِمَ الإِمَامُ، وَلَمْ يَجِدِ الْمَرْءُ مَدْخِلاً إِلَى الْمَسْجِدِ إِلَّا بَيْنَ
الصُّفُوفِ .
٤٠/٣٥٧ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ؛ أَنَّهُ بَلَغَهُ
حمل إقامة الصلاة على إقامتها قبل الإحرام، وجوز ذلك بعد الإحرام غير أنه
قيد ذلك بعدم المدخل إلى المسجد إلا بين الصفوف، اهـ. وفي ((المدونة))(١):
وكان سعد بن أبي وقاص يدخل المسجد فيمشي بين الصفوف والناس في
الصلاة حتى يقف في مصلاه، يمشي عرضاً بين يدي الناس.
(قال يحيى: قال مالك: أنا أرى ذلك واسعاً) أي جائزاً (إذا أقيمت الصلاة
وبعد أن يحرم الإمام ولم يجد المرء مدخلاً) أي طريقاً (إلى المسجد) والصف
(إلا بين الصفوف) قال أبو عمر(٢): هذا مع الترجمة يقتضي أن الرخصة عنده
لمن لم يجد من ذلك بداً، وغيره لا يرى بذلك بأساً للآثار الدالة على أن سترة
الإمام سترة لمن خلفه، قال الباجي: قيده مالك بعدم المدخل إلى المسجد
وحديث ابن عباس يدل على جوازه مع عدم الحاجة فيحتمل أن مالكاً قصد
الاحتياط، فأجاب عمن لم يجد طريقاً، ولم يجب عمن وجده، أو يقال: إن
سبب الإباحة هو ما ذكره إلا أن الحكم قد يكون أوسع من الحاجة إليه،
كالفطر في السفر لمن لا تلحقه المشقة، اهـ مختصراً. ولفظ ((المدونة)): قال
مالك: لا أكره أن يمر الرجل بين يدي الصفوف والإمام يصلي بهم لأن الإمام
سترة لهم، اهـ.
٤٠/٣٥٧ - (مالك، أنه بلغه) وهذا البلاغ أخرجه سعيد بن منصور بإسناد
صحيح عن علي وابن عباس، وأخرجه ابن عبد البر بسنده عنهما في
(١) (١٠٩/١).
(٢) انظر: ((شرح الزرقاني)) (٣١٦/١).
٢٧٨
-
--

٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر
(١١) باب
(٣٥٧) حدیث
أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبِ قَالَ: لا يَقْطَعُ الصَّلاةَ شَيْءٌ، مِمَّا يَمُرُّ بَيْنَ
يَدَي الْمُصَلَّي.
وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنِ ابْنِ شِهَابِ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ؛
أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَقُولُ: لا يَقْطَعُ الصَّلاةَ شَيْءٌ، مِمَّا يَمُرُّ
بَيْنَ يَدَي الْمُصَلِّي.
(الاستذكار))(١)، وأخرج الطحاوي(٢) بسنده عن قتادة عن سعيد بن المسيب:
أن علياً وعثمان قالا: لا يقطع صلاة المسلم شيء، وادرؤوا عنها ما استطعتم،
وبطريق آخر عن الحارث عن علي قال: لا يقطع صلاة المسلم الكلب ولا
الحمار ولا المرأة ولا ما سوى ذلك من الدواب، وادرؤوا ما استطعتم (أن
علي بن أبي طالب) - رضي الله عنه - (قال) موقوف (لا يقطع الصلاة شيء مما
يمر بين يدي المصلي) وسيأتي ما يخالفه من الروايات في قطع الصلاة.
(مالك، عن ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله، أن عبد الله بن عمر)
- رضي الله عنه - (كان يقول: لا يقطع الصلاة شيء مما يمر بين يدي المصلي)
رواه مالك موقوفاً، وأخرج الطحاوي برواية سفيان عن الزهري عن سالم قيل
لابن عمر: إن عبد الله بن عياش يقول: يقطع الصلاة الكلب والحمار، فقال
ابن عمر: لا يقطع صلاة المسلم شيءٌ، وفي طريق آخر: عن عبيد الله بن عمر
عن نافع وسالم عن ابن عمر قال: لا يقطع الصلاة شيء وادرؤوا ما استطعتم،
وروي مرفوعاً أيضاً برواية ابن عمر وأنس وأبي أمامة عند الدارقطني، وبرواية
أبي سعيد عند أبي داود وجابر عند الطبراني، وفي إسناد كل منها ضعف، قاله
(٣)
الزرقاني(٣).
(١) (١٧٩/٦).
(٢) (شرح معاني الآثار)) (٢٦٨/١)، و((مصنف ابن أبي شيبة)) (١/ ٢٨٠).
(٣) انظر: ((شرح الزرقاني)) (٣١٦/١).
٢٧٩

٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر
(١١) باب
(٣٥٧) حديث
وقد ورد في الروايات ما يخالفها، فروي عن أبي ذر مرفوعاً: إذا قام
أحدكم يصلي فإنه يستره إذا كان بين يديه مثل آخرة الرحل، فإنه يقطع صلاته
الحمار والمرأة والكلب الأسود، قال عبد الله بن الصامت: يا أبا ذر ما بال
الكلب الأسود من الأحمر والأصفر؟ قال: يا ابن أخي سألت رسول الله وَل
عما سألتني، فقال: الكلب الأسود شيطان، رواه مسلم. وله أيضاً عن أبي
هريرة مرفوعاً: تقطع الصلاة المرأة والحمار والكلب وبقي ذلك مثل مؤخرة
الرحل، ورواه الطبراني عن الحكم بن عمرو وابن ماجه عن عبد الله بن مغفل
نحوه من غير تقييد بالأسود، ولأبي داود عن ابن عباس مثله، لكن قيد المرأة
بالحائض .
واختلف العلماء في العمل بهذه الأحاديث، قال النووي(١): قال مالك
وأبو حنيفة والشافعي وجمهور العلماء من السلف والخلف: لا تبطل الصلاة
بمرور شيء من هؤلاء ولا غيرهم، اهـ.
واختلفوا في تأويل أحاديث القطع، فمال الطحاوي وغيره إلى أن حديث
أبي ذر وما وافقه منسوخ بحديث عائشة في ((الصحيحين)) أنه ذكر عندها ما يقطع
الصلاة، فقالت: شبّهتمونا بالحمر والكلاب، والله لقد رأيت النبي ◌ُّل يصلي
وإني على السرير بينه وبين القبلة مضطجعة، الحديث. وتعقب بأن النسخ إنما
يصار إليه إذا علم التاريخ وتعذر الجمع، والتاريخ هاهنا لم يتحقق والجمع لم
يتعذر، ووجه النسخ بأن ابن عمر من رواة حديث القطع وقد حكم بعدم قطع
شيء، وهو من أمارات النسخ.
ومال الشافعي وغيره إلى تأويل القطع بنقص الخشوع، لا الخروج من
الصلاة، ويؤيده أنه عليه السلام سئل عن حكمة التقييد بالأسود، فقال: إنه
-11
(١) ((شرح صحيح مسلم)) للنووي (٤/ ٢٢٧).
٢٨٠
-- -