Indexed OCR Text

Pages 241-260

٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر
(٨) باب
(٣٤٧) حديث
وحديث عبد الله بن عمرو عند أحمد قال: بعث رسول الله وح لول سرية،
الحديث. وفيه: ثم خرج - أي رسول الله وَل - السبحة الضحى.
وحديث أبي موسى عند الطبراني مرفوعاً: من صلى الضحى أربعاً بني له
بيت في الجنة.
وحديث عتبان بن مالك عند أحمد: أن النبي ◌َّ صلى في بيته سبحة
الضحى .
وحديث عقبة بن عامر عند أحمد وأبي يعلى في ((مسنديهما)) مرفوعاً:
يقول تبارك وتعالى: ((يا ابن آدم اكفني أول النهار بأربع ركعات أكفك بهن آخر
يومك)».
وحديث علي - رضي الله عنه - عند النسائي في ((الكبرى)): أن
رسول الله ◌ّيّ كان يصلي من الضحى، وحديث معاذ بن أنس الجهني مرفوعاً:
((من قعد في مصلاه حين ينصرف من صلاة الصبح حتى يصلي ركعتي الضحى
لا يقول إلا خيراً غفر له خطاياه وإن كان مثل زبد البحر))، إسناده ضعيف.
وحديث النواس بن سمعان عند الطبراني مرفوعاً: يقول تبارك وتعالى:
((ابن آدم لا تعجزني من أربع ركعات في أول النهار أكفك آخره)).
وحديث أبي مرة الطائفي عند أحمد مرفوعاً: يقول عز وجل: ((ابن آدم))
الحديث، انتهى ما قاله العيني (١) بتغير من الزيادة والحذف.
وقال ابن عبد البر في ((الاستذكار)) (٢): وفي صلاة الضحى آثار مأثورة
كثيرة، منها حديث أبي ذر مرفوعاً: يصبح على كل سلامي بني آدم صدقة،
وفي آخره: يُجزئُ أحدكم من ذلك ركعتا الضحى، أخرجه مسلم(٣). وحديث
(١) ((عمدة القاري)) (٥٤٣/٥ - ٥٤٤).
(٢) (٦/ ١٤٧).
(٣) أخرجه مسلم في الصلاة (٧٢٠).
٢٤١

٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر
(٨) باب
(٣٤٧) حديث
أبي ذر أيضاً: ((أوصاني خليلي بثلاث لا أدعهن إن شاء الله أبداً صلاة
الضحى)) الحديث، وعن أبي الدرداء مثله، وحديث سهل بن معاذ عن أبيه
مرفوعاً: يقول الله عز وجل: ((يا ابن آدم صلِّ لي في أول النهار أربع ركعات
أكفك آخره)) حملوه على صلاة الضحى.
قلت: ومضت الروايات بمعناه عن عدة الصحابة، فالجمهور حملوها
على الضحى، ومن أنكره حملها على أربع ركعات الفجر من السنة والفرض،
والأوجه عندي حملها على الإشراق كما سيأتي، ومنها حديث أنس: قال له
رسول الله وَلّ: ((يا أنس صلِّ صلاة الضحى، فإنه صلاة الأوَّابين))، وحديث
أبي هريرة مرفوعاً: ((من حافظ على صلاة الضحى غفرت ذنوبه))، وحديث
زيد بن أرقم مرفوعاً قال: ((صلاة الأوَّابين إذا رمضت الفصال))، وأخرجه
مسلم (١)، وفيه قصة، انتهى كلام ابن عبد البر بتغير، وأحال أبو عمر أسانيدها
إلى ((التمهيد))(٢) وذكرنا تخريجها مختصراً.
وقال مرتضى الزبيدي في ((شرح الإحياء)»: ورد فيها أحاديث كثيرة
صحيحة مشهورة حتى قال ابن جرير الطبري: إنها بلغت حد التواتر، وفي
((مصنف ابن أبي شيبة)) (٣)، والبيهقي في (الشعب)) عن ابن عباس: أن صلاة
الضحى في كتاب الله ولا يغوص عليها إلا غواص، ثم قرأ: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ
أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيَهَا أُسْمُهُ يُسَيِّحُ لَهُ فِيَهَا بِالْغُدُوِّ وَالْأَصَالِ ﴾(٤).
وقال ابن العربي: هي كانت صلاة الأنبياء قبل محمد صلوات الله
(١) أخرجه مسلم برقم (٧٤٨) باب صلاة الأوَّابين في كتاب المسافرين.
(٢) ((التمهيد)) (١٣٩/٨ -١٤١).
(٣) (٢٩٨/٢).
(٤) سورة النور: الآية ٣٦.
٢٤٢
--

٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر
(٨) باب
(٣٤٧) حديث
عليهم، قال تعالى مخبراً عن داود عليه الصلاة والسلام: ﴿إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ
١٨
يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِّ وَالْإِشْرَاقِ
قال النووي في ((شرح مسلم)) (٢): ما صح عن ابن عمر - رضي الله
عنهما - أنه قال في الضحى: هي بدعة، محمول على أن صلاتها في المسجد
والتظاهر بها كما كانوا يفعلونها بدعة، لا أن أصلها في البيوت مذموم، قلت:
وهو المتعين، كيف وتقدم عن ابن عمر - رضي الله عنهما - مرفوعاً الترغيب
لها، والروايات في الباب كثيرة غير ما ذكرت، ذكرها الشوكاني وشُرَّاحُ
((الإحياء)) وغيرهم.
ومن أمعن النظر في الروايات المذكورة جزم بأنها تتضمن الصلاتين معاً
الإشراق والضحى سيما الروايات التي ورد فيها الترغيب لأربع ركعات في أول
النهار، فإنها أوفق بالإشراق.
وكذلك الروايات التي فيها: ((يصبح على سلامى بني آدم صدقة)) فإن
المناسب لأداء الحق أن يصليها صباحاً، والضحى المستحب لها ربع النهار
حين رمضت الفصال، وحديثا أنس وعلي المذكوران في أول الباب نصّان في
صلاة الإشراق.
قال في (الإحياء))(٣) و((شرحه)): أما وقتها - أي الضحى -، فقد روى
علي - رضي الله عنه - أنه لو كان يصلي الضحى ستاً في وقتين: الأول: إذا
أشرقت الشمس وارتفعت قيد رمح قام فصلى ركعتين، وهذه الصلاة المسماة
بصلاة الإشراق عند مشايخنا السادة النقشبندية .
(١) سورة صّ: الآية ١٨.
(٢) (٢٣٠/٥).
(٣) انظر: ((إحياء علوم الدين)) (١ / ١٩٧).
٢٤٣

٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر
(٩) باب
(٩) باب جامع سبحة الضحى
والثاني: إذا انبسطت الشمس، وكان في ربع السماء صلى أربعاً، قال
العراقي: أخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه من حديث علي: كان النبي ◌َّة
إذا زالت الشمس من مطلعها قيد رُمح أو رمحين، كقدر صلاة العصر من
مغربها، صلى ركعتين، ثم أمهل حتى إذا ارتفع الضحى صلى أربعاً، لفظ
النسائي، وقال الترمذي: حسن، اهـ.
وعند الطبراني(١) من حديث أبي أمامة وعقبة بن عامر: من صلى الصبح
في جماعة، ثم مكث حتى يسبح سبحة الضحى كان له كأجر حاج ومعتمر تام،
وفي رواية له عن أبي أمامة فقط: ثم جلس يذكر الله حتى تطلع الشمس، ثم
قام ركع ركعتين انقلب بأجر حجة وعمرة.
وأخرج ابن السني(٢) عن عائشة: ((من صلى الفجر فقعد في مصلاه فلم
يلغ بشيء عن أمر الدنيا يذكر الله عز وجل حتى يصلي الضحى أربع ركعات
خرج من ذنوبه)) الحديث. فهذا كله كالنص لصلاة الإشراق.
وروى عبد بن حميد وسمويه في ((فوائده)) عن ابن أبي أوفى بلفظ: صلاة
الأوّابين حين ترمض الفصال، وروى الديلمي عن أبي هريرة مرفوعاً: ((صلاة
الأوّابين صلاة الضحى)) فهذا كالنص في أن وقت الضحى عند شدة الهاجرة،
فلله الحمد والمنّة.
(٩) جامع سبحة الضحى
غرض الترجمة على الظاهر ذكر الروايات المتضمنة للنوافل المطلقة وقت
الضحى، فالفرق بين هذه الترجمة وبين ما تقدم ظاهر، إذ الغرض من الأولى
(١) انظر: ((عمدة القاري)) (٥٤٤/٥).
(٢) ((عمل اليوم والليلة)) (ص١٢٦) رقم (١٤٥).
٢٤٤

٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر
(٩) باب
(٣٤٨) حديث
٣١/٣٤٨ - حَدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ
عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ؛ أَنَّ جَدَّتَهُ،
بيان الصلاة المخصوصة المعروفة بصلاة الضحى، وهذه مطلق النوافل في وقت
الضحى، وهذا الفرق أوجه عندي.
ويحتمل أيضاً أن يكون الغرض من هذه الترجمة بيان الأحكام المتفرقة
لصلاة الضحى المعروفة من جواز جماعتها وبيان وقتها المختار، وهو شدة
الهاجرة، فيكون تقدير العبارة على الأول ((جامع السبحة وقت الضحى))،
والثاني ((جامع الأحكام لسبحة الضحى)).
٣١/٣٤٨ - (مالك، عن إسحاق بن عبد الله بن طلحة) الأنصاري (عن
أنس بن مالك) - رضي الله عنه -، وهو عم إسحاق أخو أبيه لأمه (أن جدته)
اختلف شرّاح الحديث في مرجع الضمير جداً فقيل: يعود على إسحاق، جزم
به ابن عبد البر(١) وعبد الحق وعياض، وصححه النووي إذ قال: الصحيح أنها
جدة إسحاق فتكون أم أنس، لأن إسحاق ابن أخي أنس لأمه، وقيل: إنها جدة
أنس، اهـ.
وكذا اختاره ابن الأثير في («أسد الغابة))(٢) إذ قال: إن أبا عمر قال: جدة
إسحاق، وقال ابن منده وأبو نعيم: جدة أنس، ويصح قول أبي عمر ولم تكن
الأنس جدة من أبيه ولا من أمه مسلمة حتى يحمل عليها، فما أقرب قول
أبي عمر من الصحيح، اهـ.
واختاره ابن رسلان إذ قال: الضمير لا يصح عوده على أنس على
الراجح لأنها أم أنس، وإنما يعود على إسحاق لأنها جدته أم أبيه عبد الله، اهـ.
قال الحافظ(٣): ومقتضى كلامهم أن اسم أم سليم مليكة، ومستندهم في
(١) ((التمهيد)) (٢٦٧/١).
(٢) (٣٩٨/٥).
(٣) انظر: ((فتح الباري)) (٤٨٩/١).
٢٤٥

٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر
(٩) باب
(٣٤٨) حديث
مُلَيْكَةَ،
ذلك ما رواه ابن عيينة عن إسحاق عن أنس: ((صففتُ أنا ويتيم في بيتنا خلف
النبي ◌ُّر وأمي أم سليم خلفنا)) وجزم ابن سعد وابن منده وابن الحصار بأنها
جدة أنس والدة أمه أم سليم، وهو مقتضى كلام إمام الحرمين في ((النهاية)) ومن
تبعه، وكلام عبد الغني في ((العمدة)) وهو ظاهر السياق، اهـ.
قلت: وبه جزم أبو نعيم، واختاره الحافظ في ((الإصابة))(١) إذ قال بعد
ذكر نسب مليكة: فظهر بذلك أن الضمير لأنس، وهي جدته أم أمه، وبطل قول
من جعل الضمير لإسحاق وبنى عليه أن اسم أم سليم مليكة، اهـ.
وبه قال الرافعي كما حكى عنه السيوطي. قلت: وهو المرجح في نظري
القاصر لوجوه؛ منها: لفظ العجوز في الرواية، ومنها: ما هو نص رواية
أبي الشيخ في ((فوائد العراقيين)) كما حكاها الحافظ بلفظ عن أنس قال:
((أرسلتني جدتي إلى النبي وَلّر. واسمها مليكة، فجاءنا فحضرت الصلاة))،
الحديث .
وما تمسك به الأولون من رواية ابن عيينة: لا حجة فيه إذا كان ◌َلّ كثيراً
ما يدخل على أم سليم، فلا مانع من أن تكون القصة لأم سليم أيضاً، ويؤيده
ما رواه أبو داود بسنده عن قتادة عن أنس بن مالك: ((أن النبي و 184- كان يزور
أم سليم، فتدركه الصلاة أحياناً فيصلي على بساط لنا وهو حصير ننضحه
بالماء)».
(مليكة) بضم الميم وفتح اللام هذا هو الصواب الذي قاله الجمهور،
وحكى عياض عن الأصيلي: أنها بفتح الميم وكسر اللام، وهذا غريب،
ضعيف، مردود، قاله النووي. وتقدم الاختلاف في أنها هي أم سليم أو
غيرها، فعلى الأول تقدمت ترجمتها في محله، وأما على الثاني كما هو
(١) (١٩٠/٨/٤).
٢٤٦
--
--------

٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر
(٩) باب
(٣٤٨) حديث
لِطَعَامِ، فَأَكَلَ مِنْهُ،
جَنَا الله
دَعَتْ رَسُولَ اللَّهِ
ونتام
المختار عندي، فهي والدة أم سليم، قال ابن سعد في ((الطبقات)): أم سليم
بنت ملحان فساق نسبها إلى عدي بن النجار، وأمها مليكة بنت مالك بن
عدي، فساق نسبها إلى مالك بن النجار، كذا في ((الفتح)).
قلت: وكذلك صنع ابن سعد في ترجمة أختها أم حرام فقال: أمها مليكة
بنت مالك بن عدي بن زيد مناة بن عدي بن عمرو بن مالك بن النجار، ولم
يذكر ترجمة مليكة بنت مالك مستقلاً.
وقال في ((الإصابة)): مليكة الأنصارية جرى ذكرها في ((الصحيحين)) من
رواية مالك عن إسحاق عن أنس: أن جدته مليكة دعت رسول الله وَ ل
الحديث. واختلف في الضمير، فقيل: لإسحاق، وقيل: لأنس، وبه جزم
أبو عمر، وقواه ابن الأثير بأن أنساً لم يكن في خالاته من تسمى مليكة، قال
الحافظ: قلت: النفي الذي ذكره مردود، فقد ذكر العدوي في نسب الأنصار أن
اسم والدة أم سليم مليكة، ولفظه: سليم بن ملحان وإخوته زيد وحرام وعباد
وأم سليم وأم حرام بنو ملحان وأمهم مليكة بنت مالك بن عدي بن زيد مناة بن
عدي بن عمرو بن مالك بن النجار، فظهر بذلك أن الضمير في جدته لأنس،
وبطل قول من جعل الضمير لإسحاق، اهـ.
(دعت رسول الله# لطعام) أي لأجل طعام صنعته (فأكل منه)
رسول الله وَّر، فيه إجابة الدعوة وإن لم تكن وليمة عرس، والأكل من
طعامها، وفيه أيضاً: من دُعي إلي وليمة أو ضيافة، فلا يأكل جميع ما تقدم،
بل يبقي منه، ويدل عليه من التبعيض، فإنه إذا أكل الجميع توهم صاحب
المنزل أنه لم يشبع منه ولم يكفه، فعلى هذا مسح الإناء مخصوص لغير
الضيف، قاله ابن رسلان.
قال ابن عبد البر: زاد إبراهيم وغيره: وأكلت معه، قال الحافظ(١): وهو
(١) ((فتح الباري)) (٤٨٩/١).
٢٤٧

٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر
(٩) باب
(٣٤٨) حديث
ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلَه: ((قُومُوا فَلأُصَلِّيَ لَكُمْ)). قَالَ أَنَسَُّ: فَقُمْتُ
إِلَی حَصِیرِ
مشعر بأن مجيئه كان لذلك لا ليصلي بهم ليتخذوا مكان صلاته مصلى، كما في
قصة عتبان، وهذا هو السر في كونه بدأ في قصة عتبان بالصلاة قبل الطعام،
وههنا بالطعام قبل الصلاة، فبدأ ◌َّ في كل منهما بأصل ما دُعي لأجله، اهـ.
ولم يرتض عن هذا الكلام العيني(١)، لكن الوجه ما قاله الحافظ، قال
ابن عبد البر: ثم دعا بوضوء فتوضأ ثم قال: قم فتوضأ، ومُرِ العجوز فلتتوضأ
ومُرْ هذا اليتيم فليتوضأ، اهـ.
فلا حجة فيه لترك الوضوء مما مست النار، ولذا قال الحافظ: استدل
بالحديث على ترك الوضوء مما مست النار، وفيه نظر لرواية الدارقطني في
((غرائب مالك))، ثم دعا بماء فتوضأ، الحديث.
(ثم قال رسول الله مَّلر: قوموا فلأصلي) بكسر اللام وضم الهمزة وفتح
الياء منصوب بلام كي، وفي رواية بسكون الياء تخفيفاً، أو يجعل اللام للأمر
وبقيت الياء كقراءة ((من يتقي ويصبر)) إجراء للمعتل مجرى الصحيح. وفي رواية
بحذف الياء، فلام الأمر ظاهر، وقيل غير ذلك. قال ابن مالك: روي بحذف
الياء وثبوتها مفتوحة وساكنة. قال السهيلي: الأمر ههنا بمعنى الخبر كقوله
تعالى: ﴿فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّعْمَنُ مَنَّأَ﴾ .
ويحتمل أن يكون أمراً لهم بالائتمام لارتباط فعلهم بفعله، قاله الحافظ.
وقال العيني: فيه ستة أوجه من الإعراب ثم بسطها (لكم) أي لأجلكم، فاللام
للتعليل أي لأجلكم، وليس المراد: ألا أصلي لتعليمكم، وليس فيه تشريك،
فيؤخذ منه أن المصلي لا يضره أن يكون له مع نية صلاته إرادة التعليم، فإنه
عبادة أخرى، قاله ابن رسلان.
(قال أنس: فقمت) ببناء المتكلم (إلى حصير) بفتح الحاء وكسر الصاد
(١) ((عمدة القاري)) (٣٣٨/٣).
٢٤٨

٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر
(٩) باب
(٣٤٨) حديث
لَنَا قَدِ اسْوَدَّ، مِنْ طُولِ مَا لَبِسَ، فَنَضَحْتُهُ بِمَاءٍ،
المهملتين، ذكر ابن سيده: إنها سفيفة تصنع من بردى وأسل، ثم تفرش، سمي
بذلك لأنه على وجه الأرض، ووجه الأرض يسمى حصيراً، والسفيفة بفتح
السين وبالفائين شيء يعمل من الخوص كالزنبيل، والأسل بفتح الهمزة والسين
المهملة وفي آخره لام نبات له أغصان كثيرة دقاق لا ورق لها، وفي
(«الجمهرة)): الحصير عربي سمي به لانضمام بعضها إلى بعض، وقال
الجوهري: الحصير: البارية، كذا في العيني(١).
وقال ابن بطال: إن كان ما يصلى عليه كبيراً قدر طول الرجل فأكثر فإنه
حصير، ولا يقال له: خمرة، وكل ذلك يصنع من سعف النخل وما أشبهه،
كذا في ((الفتح))(٢).
(لنا قد اسود) فيه الإشارة إلى قلة ما عندهم من الحصر، وإلا لم يكونوا
يخصون النبي و 8 إلا بأفضل ما عندهم (من طول ما لبس) بضم اللام وكسر
الموحدة، أي استعمل، ولبس كل شيء بحسبه، احتجّ به أصحاب مالك في
المسألة المشهورة بالخلاف، وهي: إذا حلف لا يلبس ثوباً، ففرشه، يحنث
عندهم خلافاً للجمهور، وأجابوا عنه بما في ابن رسلان مبسوطاً: أن مدار
الأيمان على العرف، اهـ.
(فنضحته) من النضح. وهو الرش أو الغسل الخفيف. وكلا المعنيين
محتمل (بماء) قال القاضي إسماعيل: ليلين لا لاحتمال نجاسته، وقال غيره:
النضح: طهور لما شك فيه لتطيب النفس، قال أبو عمر(٣): ثوب المسلم
محمول على الطهارة حتى يتيقن النجاسة، فالنضح لقطع الوسوسة فيما شك
فيه .
(١) ((عمدة القاري)) (٣٣٥/٣ - ٣٣٦).
(٢) ((فتح الباري)) (٤٨٨/١).
(٣) ((الاستذكار)) (١٥٢/٦).
٢٤٩

٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر
(٩) باب
(٣٤٨) حديث
فَقَامَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ وَ لَ، وَصَفَفْتُ أَنَا
وقال الباجي(١): الظاهر إنما نضحه لما خاف أن يناله من النجاسة.
وقال الحافظ: يحتمل النضح للتليين أو للتطهير، ولا يصح الجزم بالأخير، بل
المتبادر خلافه، لأن الأصل الطهارة، اهـ.
قلت: وبسط عليه الكلام الباجي، والأصل: أن النضح تطهير للمشكوك
عند المالكية خلافاً للجمهور، فالشراح المالكية حملوها على التطهير، وغيرهم
على التليين أو الغسل الخفيف.
(فقام عليه رسول الله وَل(1) فيه جواز الصلاة على الحصير، ويؤيده رواية
البخاري عن عائشة: ((أن النبي ◌َّ كان له حصير يبسطه ويصلي عليه))، وبوّب
البخاري على حديث الباب ((باب الصلاة على الحصير)) قال الحافظ(٢): فيه
إشارة إلى ما رواه ابن أبي شيبة وغيره من طريق شريح أنه سأل عائشة: أكان
النبي ◌َّهُ يصلي على الحصير، والله تعالى يقول: ﴿وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَفِينَ حَصِيرًا﴾؟
فقالت: لم يكن ليصلي على الحصير فكأنه لم يثبت عند المصنف، أو رآه شاذاً
مردوداً لمعارضته ما هو أقوى منه كحديث الباب وغيره، اهـ. قال الزرقاني(٣):
وفيه يزيد بن المقدام الراوي وهو ضعيف.
قال العيني: الصلاة على الحصير وسائر ما تنبته الأرض إجماع إلا مَنْ
شذّ بحديث ابن أبي شيبة قالوا: هذا غير صحيح لضعف يزيد بن المقدام،
والذي شذّ فيه هو عمر بن عبد العزيز. فإنه كان يسجد على التراب لكن يحمل
فعله هذا على التواضع.
(وصففت) بالمتكلم (أنا) بزيادة ضمير المنفصل، قال العيني: هكذا رواية
(١) ((المنتقى)) (٢٧٣/١).
((فتح الباري)) (٤٨٨/١).
(٢)
(٣) ((شرح الزرقاني)) (٣١٠/١).
٢٥٠
-...
------

٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر
(٩) باب
(٣٤٨) حديث
وَالْيَتِيُمُ وَرَاءَهُ، وَالْعَجُوزُ مِنْ وَرَائِنَا،
الأكثرين، وفي بعضها: فصففت واليتيم، وفيه خلاف بين البصريين والكوفيين،
فعند البصريين: لا يعطف على الضمير المرفوع إلا بعد أن يؤكد بضمير منفصل
ليحسن العطف، كقوله تعالى: ﴿أَسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ﴾ الآية، وعند الكوفيين:
يجوز ذلك بدون التأكيد، والأول أفصح، اهـ.
(واليتيم) بالرفع عطفاً على الضمير المرفوع، وبالنصب مفعول معه أي مع
اليتيم، وقال الكرماني: هو بالنصب ولو صحت رواية الرفع، فهو مبتدأ ووراءه
خبره، والجملة حال، قاله العيني(١). واليتيم في الناس من قبل الأب، وفي
البهائم من قبل الأم، وحكى الماوردي أنه يقال في بني آدم أيضاً، وفعيل فيه
لغير المبالغة، والألف واللام للعهد الذهني باعتبار راوي الحديث، وإلا فلم
یتقدم له ذکر، قاله ابن رسلان.
هو ضميرة بن أبي ضميرة مولى رسول الله وَّر، قاله عبد الملك بن
حبيب. وقال المنذري: له ولأبيه صحبة، عدادهما في أهل المدينة، وجزم
البخاري بأن اسم أبي ضميرة سعد الحميري، وقيل: سعيد، وقيل: روح،
ووهم من قال: اسم اليتيم روح، كأنه انتقل إليه من الخلاف في اسم أبيه،
وكذا وهم من قال: اسمه سليم، قاله الحافظ في ((الفتح)).
قلت: وكذا ما قاله القاري اسم عَلَم لأخي أنس، خلافاً لأهل الرجال
كلهم (وراءه) أي خلفه ◌َّر، فيه جواز النافلة جماعة، وبه قال أصحابنا: إذا لم
تكن على سبيل التداعي. وقال العيني: قال ابن حبيب عن مالك: لا بأس أن
يفعله الناس اليوم في الخاصة من غير أن يكون مشتهراً، مخافة أن يظنها
الجهال من الفرائض (والعجوز) الفَعول فيه لغير المبالغة، قاله ابن رسلان، هي
الجدة المذكورة قامت (من ورائنا) جملة اسمية وقعت حالاً، وفي حالة الرفع
تكون معطوفاً، قاله العيني.
(١) ((عمدة القاري)) (٣٣٩/٣).
٢٥١

-
٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر
(٩) باب
(٣٤٩) حديث
فَصَلَّى لَنَا رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ انْصَرَفَ.
أخرجه البخاريّ في: ١٠ - كتاب الأذان، ١٦١ - باب وضوء الصبيان ومتى
يجب عليهم الغسل والطهور، وحضورهم الجماعة.
ومسلم في: ٥ - كتاب المساجد، ٤٨ - باب جواز الجماعة في النافلة
والصلاة على حصير، حديث ٢٦٦.
٣٢/٣٤٩ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ
عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ؛
قال ابن عبد البر في ((الاستذكار))(١): لا خلاف في أن سنة النساء القيام
خلف الرجال، ولا يجوز لهن القيام معهم في الصف، وقال في محل آخر:
أجمع العلماء على أن المرأة تصلي خلف الرجل وحدها صفاً، وسنتها الوقوف
خلف الرجل لا عن يمينه، انتهى. وكذلك قال الباجي إذ قال: ويقتضي ذلك
أن المرأة المفردة إذا صلت خلف الصف صحت صلاتها، ولا خلاف في ذلك
نعلمه، اهـ. وسيأتي الكلام على الرجل المفرد.
ثم قال ابن رسلان: أدخل مالك هذا الحديث في ((جامع سبحة
الضحى))، واستدل به عياض لذلك، ولعل مالكاً بلغه أن صلاته ◌ّلر في دار
مليكة كانت ضحىً، ويحتمل أنه لم يبلغه ذلك، ولكن لما كانت الضحى نافلة
عَبَّرَ عنها بها وجعلها ينوب عنها، وقيل: إنما أخذ مالك أنها الضحى، لأن
الظاهر أن الصلاة كانت في وقت الغداة لدعوة الطعام، اهـ بتغير.
٣٢/٣٤٩ - (مالك، عن ابن شهاب) الزهري (عن عبيد الله) بضم العين
والإضافة (ابن عبد الله) بفتحها (ابن عتبة) بضمها (ابن مسعود، عن أبيه) هكذا
في جميع النسخ الهندية الموجودة عندي، وكذا في نسخة الباجي (٢)
(١) (٦ /١٥٥).
(٢) ((المنتقى)) (٣٧٤/١).
٢٥٢
--- - --- !!

٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر
(٩) باب
(٣٤٩) حديث
أَنَّهُ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ بِالْهَاجِرَةِ، فَوَجَدتُهُ يُسَبِّحُ،
فَقُمْتُ وَرَاءَهُ،
والزرقاني(١)، وليس في أكثر النسخ المصرية لفظ: أبيه، وهو سقوط من
الناسخ كما يظهر من ملاحظة كتب الرجال، وهو موجود أيضاً في ((موطأ
محمد)) وهو عبد الله بن عتبة بن مسعود الهذلي ابن أخي عبد الله بن مسعود
- رضي الله عنه -، ولد في عهده وَّل ووثقه جماعة، وهو من كبار التابعين مات
بعد سنة ٧٠هـ.
(أنه قال: دخلت على) أمير المؤمنين (عمر بن الخطاب) - رضي الله عنه -
(بالهاجرة) هو وقت شدة الحر وتقدم أنه الأولى في وقت الضحى، وقال اهلية:
((صلاة الأوّابين حين ترمض الفصال))، وأخرج ابن أبي شيبة بسنده إلى عمر
- رضي الله عنه - يقول: أضحوا عباد الله بصلاة الضحى (فوجدته) - رضي الله
عنه - (يسبح) أي يصلي السبحة وهي النافلة والظاهر الضحى (فقمت وراءه)
قال الباجي: الرجل الواحد يصلي خلف الصف، قال مالك: صلاته صحيحة
وبه قال أبو حنيفة والشافعي، وقال ابن حنبل وأبو ثور: تبطل صلاته، اهـ.
وفي ((الاستذكار))(٢): اختلف العلماء فيه قديماً، فقال مالك: لا بأس أن
يصلي الرجل خلف الصف وحده، وكره أن يجذب إليه أحداً، وقال أبو حنيفة
والشافعي وأصحابهما والليث والثوري: إن صلى خلف الصف وحده أجزأه،
وقال الأوزاعي وابن حنبل وإسحاق وأكثر أهل الظاهر: لا يصلي فإن فعل
فعليه الإعادة، اهـ.
قلت: وهذا الأثر يؤيد الأول؛ لأنه إذا بطلت صلاته فلا يصح البناء على
الباطل، وههنا ما استأنف الصلاة، وكذلك يؤيده ما تقدم من أثر نافع عن
(١) ((شرح الزرقاني)) (٣١١/١).
(٢) (٢٤٧/٦).
٢٥٣

٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر
(٩) باب
(٣٤٩) حديث
فَقَرَّبَنِي حَتَّى جَعَلَنِي حِذَاءَهُ، عَنْ يَمِينِهِ، فَلَمَّا جَاءَ يَرْفَأْ،
ابن عمر في ((العمل في صلاة الجماعة))، وكذلك يؤيدهم ما سيأتي في ((باب ما
يفعل من جاء والإمام راكع)) وسيأتي هناك في كلام ابن عبد البر شيء من أدلة
الفريقين (فقربني) تفعيل من القرب، قال تعالى: ﴿فَقَرَّهُ إِلَيْهِمْ﴾ الآية (حتى
جعلني حذاءه) بكسر الحاء المهملة وفتح الذال المعجمة مع المد أي مقابله،
فخرج بذلك من كان خلفه أو مائلاً عنه، وبوّب البخاري في ((صحیحه)) ((باب
يقوم عن يمين الإمام بحذائه سواء إذا كانا اثنين)) وذكر فيه حديث ابن عباس
في مبيته عند خالته ميمونة، قال الحافظ(١): وفي انتزاع هذا من الحديث الذي
أورده بُعدٌ، وروى عبد الرزاق عن ابن جريج قال: قلت لعطاء: الرجل يصلي
مع الرجل أين يكون منه؟ قال: إلى شقه الأيمن، قلت: أيحاذي به حتى يصف
معه لا يفوت أحدهما الآخر؟ قال: نعم، قلت: أتحب أن يساويه حتى لا
تكون بينهما فرجة؟ قال: نعم، اهـ.
قال العيني(٢): إن موقف المأموم إذا كان بحذاء الإمام على يمينه مساوياً
له وهو قول عمر وابنه وأنس وابن عباس والثوري وإبراهيم ومكحول والشعبي
وعروة وأبي حنيفة ومالك والأوزاعي وإسحاق، وعن محمد بن الحسن: يضع
أصابع رجليه عند عقب الإمام، وقال الشافعي: يستحب أن يتأخر عن مساواة
الإمام قليلاً، وعن النخعي: يقف خلفه إلى أن يركع فإذا جاء أحد وإلا قام عن
يمينه، اهـ.
(عن يمينه) لأنه مقام الواحد، وتقدم الكلام عليه مبسوطاً في ((العمل في
صلاة الجماعة)) (فلما جاء) عندنا (يرفأ) بفتح التحتية وسكون الراء وفتح الفاء
وهمز وإبداله، وقال الحافظ: بغير همز، وقد تهمز، وهي روايتنا من طريق
أبي ذر، اهـ. حاجب عمر - رضي الله عنه - ومن مواليه، أدرك الجاهلية ولا
(١) ((فتح الباري)) (١٩٠/٢).
(٢) ((عمدة القاري)) (٣٢٨/٤).
٢٥٤

٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر
(٩) باب
(٣٤٩) حديث
تَأَخَّرْتُ، فَصَفَفْنَا وَرَاءَهُ.
تعرف له صحبة، وحج مع عمر - رضي الله عنه - في خلافة الصديق - رضي الله
عنه -، وله ذكر في ((الصحيحين)) في منازعة العباس وعلي - رضي الله عنهما -
في صدقة رسول الله وَّر، قال الحافظ في ((الإصابة)) (١): روى سعيد بن منصور
عن أبي الأحوص عن أبي إسحاق عن يرفأ قال: قال لي عمر - رضي الله
عنه -: إني أنزلت نفسي من مال المسلمين منزلة مال اليتيم.
(تأخرت) عن حذائه (فصففنا) أي وقفنا (وراءه) أي خلف عمر - رضي الله
عنه -، فيه صحة الاقتداء بمن لم ينوِ إمامته، وتقدم مبسوطاً في محله.
قال الباجي(٢): إدخال مالك هذا الأثر في سبحة الضحى يدل على أحد
الأمرين: إما أنه أدخله لما كان حكم هذه الصلاة عنده حكم صلاة الضحى في
أنها نافلة محضة، والثاني أن يكون هذا وقت صلاة الضحى عنده، والهاجرة
هو وقت قوة الحر، وقد روي عن زيد بن أرقم: أنه رأى قوماً يصلون من
الضحى فقال: أما لقد علموا أن الصلاة في غير هذا الوقت أفضل، إنه وَ ل
قال: ((صلاة الأوّابين حين ترمض الفصال))، اهـ.
قال ابن عبد البر(٣): فيه أن عمر - رضي الله عنه - كان يصلي الضحى،
وكان ابنه ينكرها ويقول: وللضحى صلاة؟ وكذا كان لا يقنت ولا يعرف
القنوت، وروي القنوت عن أبيه عمر من وجوه، وكان ابن عمر - رضي الله
عنهما - يصلي بعد العصر ما لم تصفر الشمس، وكان عمر - رضي الله عنه -
يضرب الناس عليها بالدرة، ومثل هذا كثير من اختلافهما، اهـ.
(١) (٣٥٨/٦).
(٢) ((المنتقى)) (٢٧٤/١).
(٣) انظر: ((الاستذكار)) (١٥٩/٦).
٢٥٥

-
٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر
(١٠) باب
(٣٥٠) حدیث
(١٠) باب التشديد في أن يمر أحد بين يدي المصلّ
٣٣/٣٥٠ - حَدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ
عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ،
(١٠) التشديد في أن يمر أحد بين يدي المصلي
وسيأتي المراد من بين يدي المصلي وتحديده، والتشديد في ذلك أمر
مجمع عليه، قال ابن رشد (١): اتفق الجمهور على كراهية المرور بين يدي
المصلي لما جاء فيه من الوعيد، اهـ. وصرحت كتب الشافعية(٢) كلها بأن
المرور أمامه حرام، وصرحت كتب الحنفية والمالكية(٣) بالإثم على المار، إلا
أنهم قسموا أحوال المارّ والمصلي باعتبار الإثم وعدمه على أربعة أنحاء يأثم
المارُّ دون المصلي وعكسه، ويأثمان، وعكسه.
قال الزرقاني (٤): الأولى إذا صلى إلى سترة، وللمارُّ مندوحة فيأثم المارُّ دون
المصلي، والثانية إذا صلى في مشروع مسلوك بلا سترة أو متباعداً عنها، ولا يجد
المار مندوحة فيأثم المصلي دون المار، والثالثة مثل الثانية لكن يجد المار مندوحة
فيأثمان، والرابعة مثل الأولى لكن لا يجد المار مندوحة، فلا يأثمان، انتهى.
ونحوه عند الشامي: إلا أنه جعل التعرض للمار بدل إقامة السترة، فقال:
الأولى أن يكون للمار مندوحة، ولم يتعرض المصلي لذلك، وكذلك في
الصور الأخر فتأمل، وذكر في ((حاشية الزيلعي)) على ((الكنز)) عدم السترة، وهو
الأوجه عندي .
٣٣/٣٥٠ - (مالك، عن زيد بن أسلم) العدوي (عن عبد الرحمن بن
أبي سعيد الخدري) سعد بن مالك الأنصاري الخزرجي ثقة، روى له مسلم
(١) ((بداية المجتهد)) (١ / ١٨٠).
(٢) انظر: ((مغني المحتاج)) (٢٠٠/١).
(٣) انظر: ((فتح القدير)) (٢٨٧/١)، و((رد المحتار)) (٥٩٤/١)، و((الشرح الصغير)) (٣٣٦/١).
(٤) ((شرح الزرقاني)) (٣١٤/١).
٢٥٦

٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر
(١٠) باب
(٣٥٠) حديث
عَنْ أَبِهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَهْ قَالَ: ((إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ يُصَلِّي، فَلَا يَدَعْ
أَحَداً يَمُرُّ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَلْيَدْرَأْهُ مَا اسْتَطَاعَ،
والأربعة، مات سنة ١١٢ هـ وله ٧٧ سنة (عن أبيه) أبي سعيد الخدري، ورواه
ابن وهب عن مالك عن زيد عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد، قال ابن عبد البر
في ((الاستذكار)) (١): وهو محفوظ أيضاً، وعن أبي سعيد في هذا الحديث طرق
ذكرت بعضها في ((التمهيد))(٢)، انتهى.
(أن رسول الله ◌َي: قال: إذا كان أحدكم يصلي) إلى شيء يستره كما زاده
الشيخان بطريق أبي صالح عن أبي سعيد (فلا يدع) بفتح الدال أي لا يترك
(أحداً يمر بين يديه) أي بينه وبين السترة، وإلا فلا فائدة في السترة.
قال ابن رسلان: ظاهر النهي والوعيد مختص بمن مر، لا بمن وقف
مثلاً بين يدي المصلي أو قعد، لكن إن كانت العلة فيه التشويش على المصلي
فهي في معنى المارِّ، وظاهر الحديث عموم النهي في كل مصلٍّ، وخصه بعض
المالكية بالإمام والمنفرد، انتهى.
(وليدرأه) بسكون الدال المهملة، قال المجد: دَرَأَه كجَعَلَه درءاً، ودراءة
دفعه، انتهى. والمعنى: ليدفعه، قال ابن رسلان: الأمر وإن كان ظاهره
الوجوب، لكن ههنا للندب إجماعاً، انتهى.
وقال النووي(٣): لا أعلم أحداً من الفقهاء قال بوجوب هذا الدفع، بل
صرح أصحابنا أنه مندوب، قال الزرقاني: صرح أهل الظاهر بوجوبه، وكأن
النووي لم يراجع كلامهم، أو لم يعتدَّ بخلافهم، انتهى. وكذا حكاه العيني،
وقال في ((الدر المختار)) عن ((البدائع)): هو رخصة فتركه أفضل (ما استطاع) أي
(١) (٦/ ١٦١).
(٢) (١٨٥/٤).
(٣) ((شرح النووي على صحيح مسلم)) (٢٢٣/٤).
٢٥٧

٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر
(١٠) باب
(٣٥٠) حديث
فَإِنْ أَبَى فَلْيُقَاتِلْهُ،
على قدر طاقته بأسهل الوجوه، قاله ابن رسلان، قال القرطبي: يدفعه بالإشارة
ولطيف المنع، وذكر ابن عبد البر في ((الاستذكار)) والزرقاني عن ابن بطال
الإجماع على أنه لا يجوز له المشي من مكانه ليدفعه، ولا العمل الكثير في
مدافعته، لأنه أشد في الصلاة من المرور (فإن أبى) إلا أن يمر (فليقاتله) بكسر
اللام الجازمة وسكونها أي يزيد في دفعه أشدّ من الأول.
قال الزرقاني وابن رسلان: أجمعوا على أنه لا يلزمه أن يقاتله بالسلاح
لمخالفة ذلك لقاعدة الإقبال على الصلاة والاشتغال بها والخشوع فيها، انتهى.
وقال ابن عبد البر(١): أجمعوا على أنه لا يقاتله بسيف، ولا يخاطفه ولا يبلغ
معه مبلغاً يفسد به على نفسه صلاته، وفي إجماعهم على هذا يتبين لك المراد
من معنی الحدیث، انتھی.
وقال عياض: أجمعوا على أنه لا تلزمه مقاتلته بالسلاح، ولا بما يؤدي
إلى هلاكه، فإن دفعه بما يجوز فهلك من ذلك فلا قود عليه باتفاق العلماء.
وهل تجب ديته أم تكون هدراً؟ مذهبان للعلماء، وهما قولان في مذهب
مالك، قلت: وسيأتي البسط في ذلك، وأطلق بعض الشافعية أن له قتاله حقيقة
واستبعده في ((القبس))(٢).
قال الباجي: ويعدل عن ظاهر المقاتلة للإجماع، على أنه لا يجوز أن
يقاتله المقاتلة التي تفسد صلاته، انتهى. فعُلِم بهذه التصريحات أن ترك القتال
مجمع عليه، واختلفوا في توجيه الحديث كما سيأتي.
ثم قال ابن بطال: هل المقاتلة لخلل يقع في صلاة المصلي من المرور
أو لدفع الإثم عن المار؟ الظاهر الثاني، انتهى. وقال غيره: بل الأول أظهر،
(١) ((الاستذكار)) (١٦٣/٦).
(٢) (٣٤٤/١) وقال: إنَّ القتال هي المدافعة لغة.
٢٥٨
----
-- --
------

٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر
(١٠) باب
(٣٥٠) حديث
فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ)) .
أخرجه البخاريّ في: ٨ - كتاب الصلاة، ١٠٠ - باب يَرُدّ المصلّي من مرّ بين
یدیه .
ومسلم في: ٤ - كتاب الصلاة، ٤٨ - باب منع المارّ بين يديّ المصلّي،
حدیث ٢٥٨ و٢٥٩.
لأن إقبال المصلي على صلاته أولى له من الاشتغال بدفع الإثم عن غيره.
وقد روى ابن أبي شيبة عن ابن مسعود: ((أن المرور بين يدي المصلي
يقطع نصف صلاته))، وروى أبو نعيم عن عمر: ((لو يعلم المصلي ما ينقص من
صلاته بالمرور بين يديه ما صلى إلا إلى شيء يستره من الناس)). فهذان الأثران
مقتضاهما أن الدفع لخلل يتعلق بصلاة المصلي، ولا يختص بالمارِّ، وهما وإن
كانا موقوفين لفظاً، فحكمهما حكم الرفع، لأن مثلهما لا يقال بالرأي، قاله
الحافظ في ((الفتح))(١).
(فإنما هو) أي المار (شيطان) من باب التشبيه، حذف منه أداة التشبيه،
للمبالغة، يعني فعله فعل الشيطان، لأنه أبى إلا التشويش على المصلي، أو
المراد شيطان الإنس، وإطلاق الشيطان على المارد من الإنس سائغ، وقال
ابن بطال: فيه إطلاق لفظ الشيطان على من يفتن في الدين، وقال ابن رسلان:
فيه جواز إطلاق الشيطان على المسلم إذا فعل معصية، انتهى.
وقيل: المعنى الحامل له على ذلك شيطان، ويؤيده رواية الإسماعيلي
بلفظ: ((فإن معه الشيطان))، ولمسلم من حديث ابن عمر: ((فإن معه القرين))،
واستنبط ابن أبي جمرة بقوله: فإنما هو الشيطان أن المراد المدافعة [اللطيفة]،
لا حقيقة القتال، لأن مقاتلة الشيطان بالاستعاذة، لا بالسيف.
قلت: ويخالف حديث المقاتلة، إذ فيه الأمر بذاك حديث أم سلمة
(١) (فتح الباري)) (٥٨٤/١).
٢٥٩

٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر
·
(١٠) باب
(٣٥٠) حديث
- رضي الله عنها - قالت: كان النبي ◌ّ﴾مل يصلي في حجرته فمر بين يديه
عبد الله أو عمر بن أبي سلمة، فقال عليه السلام بيده هكذا، فرجع فمرت
زينب بنت أم سلمة، فقال بيده هكذا فمضت، فلما صلى عليه الصلاة
والسلام قال: ((هن أغلب))، رواه أحمد (١) وابن ماجه، وفي ((المحيط
البرهاني)): وروى عبد الله بن عباس والفضل بن عباس قالا: ((أتينا
رسول الله وَّ على أتانٍ))، الحديث. وفي آخره: ((فكان الأتان تتردد بين يدي
رسول الله مَّ وهو يمضي على صلاته)).
وعن أبي الدرداء - رضي الله عنه - قال: صلى رسول الله ولل الجمعة،
فلما قعد أراد الكلب أن يمر بين يديه، فقلت: سبحانك اللَّهم لا إله إلا أنت
يا حنان يا منَّان يا ذا الجلال والإكرام، اللَّهم اقتل هذا الكلب، فخرّ الكلب
ميتاً، قبل أن يضع رجليه موضع يديه، فلما فرغ رسول الله وَّر من الصلاة،
قال: ((من الداعي على الكلب؟)) فقلت: أنا، فقال: ((دعوت عليه في ساعة لو
دعوت على أهل الأرض أن يهلكوا لهلكوا))، ثم قال: ((ما حملك على هذا
الدعاء؟)) قلت: خشيت أن يمر بين يديك فيقطع صلاتك، قال: ((لا يقطع
الصلاة مرور شيء واذْرَؤُوا ما استطعتم))، انتهى.
فعُلم بهذين الحديثين أن النبي وَّر ترك الدرء. وقال الحافظ في ((الدراية))
عن ابن عباس: ((أنه مر بين يدي النبي ◌ُّ وليس شيء يستره عن الناس))؛
أخرجه البزار هكذا، واختلف العلماء في توجيه الحديث بعدما أجمعوا على
ترك القتال .
فقال الإمام محمد في ((موطئه))(٢): فإن أراد أن يمر بين يديه فليدرأه
(١) أخرجه أحمد (٢٩٤/٦) وابن ماجه (٩٤٨).
(٢) انظر: ((التعليق الممجد)) (٢٩/٢).
٢٦٠
----