Indexed OCR Text
Pages 201-220
٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر (٦) باب (٣٣٨) حديث فَإِذَا صَلَّى لِنَفْسِهِ، صَلَّى رَكْعَنَيْنِ . ٢١/٣٣٨ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنِ ابْنِ شِهَابِ، عَنْ صَفْوَإِنَ؛ أَنَّهُ قَالَ: جَاءَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ يَعُودُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ صَفْوَانَ، رجعنا صلينا ركعتين، فقال: تلك سنة أبي القاسم وَله)) وقد أورد الحافظ هذا الحديث في ((التلخيص))، ولم يتكلم عليه، قاله الشوكاني(١). (فإذا صلى لنفسه) منفرداً (صلى ركعتين) لأنهما وظيفة المسافر، ويشكل هذا الأثر على مذهب المالكية، إذ قال الباجي (٢): وحكم جميع الحاج بمنى القصر، غير أهلها، وكذلك عرفة يقصر بها جميع الحاج غير أهلها، وإنما وجب على المكي القصر بمنى وعرفة، وإن لم يكن بينه وبينهما ما تقصر في مثله الصلاة لثلاثة معانٍ، انتهى. ثم ذكر الوجوه، وحاصلها: أن شدة الانتقالات في هذه المواضع جعلت بمنزلة السفر. ٢١/٣٣٨ - (مالك عن ابن شهاب عن صفوان) بالفتح (ابن عبد الله بن صفوان) بن أمية بن خلف الجمحي المكي القرشي التابعي، كان زوج الدرداء بنت أبي الدرداء، قال ابن سعد: كان قليل الحديث، وجده صفوان، صحابي مشهور صاحب البردة التي سرقت من تحت رأسه، كما في أبي داود وغيره، وصاحب الدروع التي استعارها رسول الله وسلم يوم حنين، كما في البخاري وغيره (أنه قال: جاء عبد الله بن عمر) - رضي الله عنهما - (يعود) من العيادة (عبد الله بن صفوان) بن أمية بن خلف الجمحي المكي، وُلد على عهد النبي بَّ ذكره ابن حبان في الصحابة، ثم في التابعين، وذكره ابن سعد في الطبقة الأولى من المكيين التابعين، كان ممن يقوي أمر عبد الله بن الزبير، فقال له ابن الزبير: قد أذنت لك وأقلتك بيعتي، فأبى حتى قتل معه سنة ٧٣هـ وهو (١) ((نيل الأوطار)) (٤٢٧/٢). (٢) ((المنتقى)) (٢٦٧/١). ٢٠١ ٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر (٦) باب (٣٣٨) حديث فَصَلَّى لَنَا رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ انْصَرَفَ، فَقُمْنَا فَأَتْمَمْنَا . متعلق بأستار الكعبة (فصلى) ابن عمر - رضي الله عنهما - (لنا) إماماً (ركعتين) لكونه مسافراً (ثم انصرف) وسلم من الصلاة (فقمنا فأتممنا). قال الباجي: لا كراهة في إمامة المسافر للمقيم لأن صلاته لم تتغير، بخلاف عكسه، انتهى. قال الزرقاني(١): والمذهب كراهة الصورتين، غايته أن عكسه أقوى، فلعله أراد لا كراهة أكيدة، انتهى. قلت: ويوضح ذلك ما في ((الشرح الكبير))(٢) للمالكية، إذ قال: إن اقتدى مقيم به - أي بالمسافر - فكل منهما على سنته أي على طريقته، وكره ذلك لمخالفته نية إمامه كعكسه، وهو اقتداء المسافر بالمقيم، وتأكد الكره المخالفة المسافر سنته بلزومه الإتمام، ولذا تبعه بأن يتم معه إن أدرك معه ركعة والمعتمد الإعادة بوقت، فإن لم يدرك ركعة معه قصر إن لم ينوِ الإتمام وإلا أتم وأعاد بوقت، انتهى. فعلى هذا هذه الآثار كلها تخالف مسلك المالكية، إلا أن تحمل على بيان الجواز، وهذا كله عند المالكية، وأما عندنا الحنفية، فلا كراهة في الصورتين معاً . ثم ذكر ابن عبد البر في ((الاستذكار))(٣) ههنا مسألة يناسب ذكرها، وهي أن المسافر إذا اقتدى بمقيم، ثم أفسد صلاته فنقل عن أصل مالك: إذا صلى معه ركعة، ثم أفسدها يصلي أربعاً، وإن لم يدرك معه ركعة رجع إلى أصل صلاته ركعتين، وقال الشافعي وأصحابه: يصلي أربعاً؛ فإنه قد لزمه بدخوله في صلاتهم، وقال أبو حنيفة وأصحابه: (١) ((شرح الزرقاني)) (٣٠٢/١). (٢) (٣٦٥/١). (٣) انظر: ((الاستذكار)) (١١٧/٦). ٢٠٢ ٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر (٧) باب (٧) باب صلاة النافلة في السفر بالنهار والليل والصلاة على الدابة يصلي صلاة مسافر لأنه إنما يصلي وراءه أربعاً اتباعاً له، انتهى ملخصاً . (٧) صلاة النافلة في السفر بالنهار والليل زيادة الليل توجد في أكثر النسخ الموجودة من الهندية والمصرية إلا في بعض النسخ القديمة، وجعلها الزرقاني من زيادة ابن وضّاح، والأوجه عندي وجودها لإطباق النسخ وتطابق الروايات، ثم قال الحافظ في ((الفتح))(١): نقل النووي تبعاً لغيره أن العلماء اختلفوا في التنفل في السفر على ثلاثة أقوال: المنع مطلقاً، والجواز مطلقاً، والفرق بين الرواتب والمطلقة، وهو مذهب ابن عمر - رضي الله عنهما - كما أخرجه ابن أبي شيبة بإسناد صحيح، وأغفلوا قولاً رابعاً، وهو: الفرق بين الليل والنهار في المطلقة، وقولاً خامساً، وهو أن نفي التطوع في السفر محمول على ما بعد الصلاة خاصة، فلا يتناول ما قبلها، ولا المطلقة، انتهى. قلت: وإلى هذا الأخير مال البخاري، إذ بوّب ((باب من لم يتطوع في السفر دبر الصلاة))(٢)، وذكر بعده ((باب من تطوع في السفر في غير دبر الصلاة))(٣) قلت: وهناك قول سادس، وهو مختار ابن القيم في ((الهدي)) إذ قال: وكان ◌َّ في السفر يواظب على سنة الفجر، والوتر أشد من جميع النوافل دون سائر السنن، ولم ينقل عنه في السفر أنه وُّ صلى سنة راتبة غيرهما، ولذلك كان ابن عمر - رضي الله عنهما - لا يزيد على ركعتين، وسُئل عن سنة الظهر (١) ((فتح الباري)) (٢/ ٥٧٨). (٢) ((صحيح البخاري مع فتح الباري)) (٢/ ٥٧٧). (٣) (فتح الباري)) (٢/ ٥٧٨). ٢٠٣ ٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر (٧) باب (٣٣٩) حديث ٢٢/٣٣٩ - حَدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنْ نَافِعِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ؛ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يُصَلِّي مَعَ صَلاةِ الْفَرِيضَةِ فِيَّ السَّفَرِ شَيْئاً، قَبْلَهَا وَلا بَعْدَهَا ، في السفر فقال: لو كنت مسبِّحاً لأتممت، وهذا من فقهه - رضي الله عنه . فإن الله سبحانه وتعالى خَفَّف عن المسافر في الرباعية شطرها، فلو شرع له الركعتان قبلها أو بعدها لكان الإتمام أولى به، انتهى. (والصلاة على الدابة) أعمُّ من الفرض والنفل، وسيأتي الكلام عليهما قريباً، وعلى كليهما اختلفوا في أنه يعم الحضر والسفر أم لا؟ وعلى كليهما يختص بالضرورة أولا؟ وعلى كليهما يشترط استقبال القبلة أم لا؟ فهذه الصور كلها طويل الباع، والكلام على جميع أنواعها متعسر جداً، ومذهب الحنفية في ذلك ما في ((الهداية)) إذ قال: ومن كان خارج المصر تنفّل على دابته إلى أي جهة توجهت، يومئ إيماء، لحديث صلاته 18 على حمار وهو متوجه إلى خيبر، ولأن النوافل غير مختصة بوقت، فلو ألزمناه النزول والاستقبال تنقطع عنه القافلة، أو ينقطع هو عن القافلة. أما الفرائض مختصة بوقت والسنن الرواتب نوافل، وعن أبي حنيفة - رضي الله عنه -: ينزل لسنة الفجر، لأنه آكد من سائرها، والتقييد بخارج المصر ينفي اشتراط السفر، والجواز في المصر، وعن أبي يوسف - رضي الله عنه -: أنه يجوز في المصر أيضاً، ووجه الظاهر أن النص ورد خارج المصر، والحاجة إلى الركوب فيه أغلب، انتهى. ٢٢/٣٣٩ - (مالك، عن نافع، عن عبد الله بن عمر) - رضي الله عنهما - (أنه لم يكن يصلي مع صلاة الفريضة في السفر شيئاً) من النوافل (قبلها) أي الفريضة (ولا بعدها) لأن السفر روعي فيه التخفيف حتى قصرت الفريضة، فالنوافل أولى بالتخفيف، وظاهر لفظ مسلم في الحديث الطويل عن ابن عمر، وفيه فرأى ناساً قياماً، فقال: ما يصنع هؤلاء؟ قلت: يسبِّحون، قال: لو كنت ٢٠٤ ٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر (٧) باب (٣٣٩) حديث مسبِّحاً لأتممت صلاتي، الحديث يدل على كراهة التنفل، لكن يشكل عليه ما سيأتي من ابن عمر بنفسه، وسيأتي الجواب عنه. ثم قال ابن عبد البر في ((الاستذكار))(١): ذكر مالك في هذا الباب الآثار المختلفة الدالة على أن الإنسان مخير في فعل النوافل في السفر، إن شاء فعل فحصل على ثوابه، وإن شاء قصر، انتهى. والمشهور عن جميع السلف جوازه. قال ابن العربي: أجمع الناس على أن النافلة في السفر جائزة، فإنها موقوفة على اختيار العبد ونظره لنفسه، ولم يصح عن النبي ◌ّ أنه تنفّل في السفر نهاراً في مسيره، وحديث البراء مجهول، انتهى. قلت: لكنه ثابت بغير حديث البراء أيضاً كما سيأتي في الدلائل. وقال النووي: اتفق العلماء على استحباب النوافل المطلقة في السفر. واختلفوا في استحباب النوافل الراتبة فتركها ابن عمر وآخرون، واستحبها الشافعي والجمهور، انتهى. قال الباجي(٢): وأكثر العلماء على جواز تنفل المسافر بالليل والنهار، على راحلته وعلى الأرض، وبه قال مالك وأبو حنيفة والشافعي وابن حنبل وغيرهم، انتھی. قال العيني(٣): قال الترمذي: اختلف أهل العلم بعد النبي ◌َّ فرأى بعض أصحاب النبي 18 أن يتطوع الرجل في السفر، وبه يقول أحمد وإسحاق، ولم ير طائفة من أهل العلم أن يصلي قبلها ولا بعدها، ومعنى من لم يتطوع في السفر قبول الرخصة، ومن تطوع فله في ذلك فضل كثير، وقول أكثر أهل العلم: يختارون التطوع في السفر. (١) (١٢١/٦). (٢) ((المنتقى)) (٣٦٨/١). (٣) ((عمدة القاري)) (٤١١/٥). ٢٠٥ ٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر (٧) باب (٣٣٩) حديث إِلَّا مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ، فَإِنَّهُ كَانَ يُصَلِّي عَلَى الأَرْضِ، وَعَلَى رَاحِلَتِهِ، حَيْثُ تَوَجَّهَتْ . وقال السرخسي في ((المبسوط)) والمرغيناني: لا قصر في السنن، وتكلموا في الأفضل، قيل: الترك ترخيصاً، وقيل: الفعل تقرباً، وقال الهنداوني: الفعل أفضل في حال النزول، والترك في حال السير، وقال هشام: رأيت محمداً كثيراً لا يتطوع في السفر قبل الظهر ولا بعدها، ولا يدع ركعتي الفجر والمغرب، وما رأيته يتطوع قبل العصر ولا قبل العشاء، ويصلي العشاء ثم يوتر، اهـ. قلت: وسيأتي عن كلام الشيخ عبد الغني في ((الإنجاح)): أن المختار عندنا هو ما قاله الهندواني. وفي ((الكبيرى))(١): هو أعدل الأقوال، ونحوه في ((الدر المختار)) إذ قال: ويأتي المسافر بالسنن إن كان في حال أمن وقرار، وإلا بأن كان في خوف وفرار أي سير لا يأتي بها هو المختار، اهـ. (إلا من جوف الليل، فإنه كان يصلي على الأرض وعلى راحلته) وتقدم عن الباجي جوازه عن الأئمة الأربعة والجمهور (حيث توجّهَت به) راحلته إلى القبلة أو غيرها، وسيأتي الكلام عليه من أنه هل يجب استقبال القبلة في التحريمة أم لا، لكن مما يجب التنبيه عليه أن قوله: ((حيث توجهت به)) قيد احتراز، لا يجوز الصلاة على الدابة إلا من حيث توجهت به، فلو صلى أحد مقلوباً لا يجوز، قال في ((الشرح الكبير)) (٢): وصوب أي جهة سفر قصر لراكب دابة فقط عوض عن القبلة، قال الدسوقي: يعني أن جهة السفر عوض للمسافر عن جهة القبلة في النوافل بشرط أن يكون سفره يصح فيه قصر الصلاة، وأن يكون راكباً لدابة ركوباً معتاداً، اهـ. (١) (ص٥٤٥). (٢) (٢٢٥/١). ٢٠٦ ٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر (٧) باب (٣٤٠) حديث ٣٤٠/ ٢٣ - وحدّثني عَنْ مَالِكٍ؛ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ، وَعُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ، وَأَبَا بَكْرِ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمُنِ، كَانُوا يَتَنَقَّلُونَ فِي السَّفَرِ . قَالَ يَحْيَى: وَسُئِلَ مَالِكٌّ عَنِ الثَّافِلَةِ فِي السَّفَرِ؟ فَقَالَ: لَا بَأْسَ بِذْلِكَ، بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّ بَعْضَ أَهْلِ الْعِلْم وقال في ((الدر المختار)) (١) من فروع الحنفية: ويتنفل المقيم راكباً خارج المصر مومئاً إلى أيّ جهة توجهت دابته، قال ابن عابدين: فلو صلى إلى غير ما توجهت به دابته لا يجوز لعدم الضرورة، اهـ. وقال ابن قدامة في «المغني))(٢): حيث كانت وجّهتُه فإن عدل عنها نظرت، فإن كان عدوله إلى جهة الكعبة جاز لأنها الأصل، وإنما جاز تركها للعذر، فإذا عدل إليها أتى بالأصل، وإن عدل إلى غيرها عمداً فسدت صلاته لأنه ترك قبلته عمداً، اهـ. ٢٣/٣٤٠ - (مالك، أنه بلغه أن القاسم بن محمد) بن أبي بكر الصديق (وعروة بن الزبير) بن العوام (وأبا بكر بن عبد الرحمن) والثلاثة من الفقهاء تقدم ذكر الأوّلَين، والثالث هو أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام بن المغيرة المخزومي أحد الفقهاء السبعة، قيل: اسمه محمد، وقيل: اسمه أبو بكر، وكنيته أبو عبد الرحمن، والصحيح أن اسمه وكنيته واحد، وُلد في خلافة عمر - رضي الله عنه - واستصغر يوم الجمل، يقال له: راهب قريش لكثرة صلاته، وكان مكفوفاً، اختلف في موته من سنة ٩٣هـ إلى سنة ٩٥هـ (كأنوا يتنقلون في السفر) والظاهر يعم الليل والنهار. (قال يحيى: وسئل مالك عن) جواز (النافلة في السفر، فقال) الإمام: (لا بأس بذلك بالليل والنهار، وقد بلغني أن بعض أهل العلم) كما تقدم عن بعضهم، وسيأتي عن غيرهم، قال ابن عبد البر: وفي قوله: بعض أهل العلم (١) (٥٨٨/٢). (٢) (٩٨/٢). ٢٠٧ ۔۔ ٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر (٧) باب (٣٤١) حديث كَانَ يَفْعَلُ ذُلِكَ . ٢٤/٣٤١ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، قَالَ: بَلَغَنِي عَنْ نَافِع؛ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَرَى ابْنَهُ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَتَنَفَّلُ فِي السَّفَرِ، فَلا يُنْكِرُ عَلَيْهِ. إشارة إلى أن بعضهم لا يفعل ذلك (كان يفعل ذلك) أي التنفل بالليل والنهار. ٢٤/٣٤١ - (مالك، قال: بلغني) قال الزرقاني: زاد ابن وضاح عن نافع، اهـ. قلت: هذه الزيادة موجودة في النسخ الهندية التي بأيدينا والنسخ المصرية خالية(١) عنها، فتأمل (أن عبد الله بن عمر كان يرى ابنه عبيد الله) بضم العين المهملة (ابن عبد الله يتنفل في السفر فلا ينكر ذلك عليه) بظاهره يشكل ما تقدم من إنكاره على المتنفلين. وتوضيح الإشكال أن أثر الباب صريح في أنه - رضي الله عنه - لا ينكر على ابنه في التنفل في السفر، وأوضح منه ما سيأتي منه - رضي الله عنه - بنفسه أنه يتطوع في السفر على راحلته. وأخرج مسلم (٢) عن حفص بن عاصم: صحبت ابن عمر - رضي الله عنهما - في طريق مكة فصلى لنا الظهر ركعتين، ثم أقبل وأقبلنا معه حتى جاء رحله وجلسنا معه، فحانت منه التفاتة فرأى ناساً قياماً فقال: ما يصنع هؤلاء؟ قلت: يُسَبِّحُون، قال: لو كنت مسبِّحاً لأتممت صلاتي، صحبت رسول الله وَّه فكان لا يزيد في السفر على ركعتين، وصحبت أبا بكر وعمر وعثمان كذلك. ---- وأخرج البخاري(٣) منه المرفوع، وأخرج أيضاً: سافر ابن عمر - رضي الله عنهما - فقال: صحبت النبي وقّ فلم أره يسبح في السفر، وقال الله تعالى جلّ ذكره: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِ رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةُ حَسَنَةٌ﴾ (٤). (١) ولكن في نسخة ((الاستذكار)) (١٢٠/٦) هذه الزيادة موجودة. (٢) (٦/٣ - ٧) باب صلاة المسافرين وقصرها. (٣) ((صحيح البخاري)) برقم (١١٠١). (٤) سورة الأحزاب: الآية ٢١. ٢٠٨ ٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر (٧) باب (٣٤١) حديث ويمكن الجمع بينهما بما تقدم في كلام الحافظ (١) أن مذهب ابن عمر - رضي الله عنهما - الفرق بين الرواتب والمطلقة، فيمكن الإنكار على الأول والإثبات للثاني، ويظهر من صنيع البخاري - رضي الله عنه - أنه جمع بالفرق بين الرواتب البعدية وغيرها، واختار الحافظ في ((الفتح)) هذا الجمع، وما أحسن هذا لولا أحاديث ابن عمر - رضي الله عنهما - بنفسه في إثبات الرواتب البعدية . فقد أخرج الترمذي(٢) عن عطية عن ابن عمر - رضي الله عنهما - قال: صليت مع النبي ◌ُّ الظهر في السفر ركعتين وبعدها ركعتين، وحسنه الترمذي، وروى أيضاً عن عطية ونافع عن ابن عمر - رضي الله عنهما - قال: صليت مع النبي ◌ُّ في الحضر والسفر ركعتين، فصليت معه في الحضر الظهر أربعاً وبعدها ركعتين، وصليت معه في السفر الظهر ركعتين وبعدها ركعتين، والعصر ركعتين ولم يصل بعدها شيئاً، والمغرب في الحضر والسفر سواء ثلاث ركعات وبعدها ركعتين. فالأوجه في الجواب ما اختاره شيخ مشايخنا الشاه عبد الغني - رضي الله عنه - في ((الإنجاح)) إذ قال: قال العيني: فيحمل حديث النفي على الغالب من أحواله، وما رواه الترمذي على أنه فعله في بعض الأوقات لبيان الاستحباب، انتهى. والأوجه أن يحمل حديث النفي على حالة السير وحديث الثبوت على حالة القرار كما هو المختار من مذهبنا، انتهى. قلت: ويمكن الجمع بأن يحمل النفي على الصلاة في الأرض والإثبات على الدابة راكباً، فإنه - رضي الله عنه - حكى عن النبي ◌ّ﴾ أنه كان ينزل (١) ((فتح الباري)) (٢/ ٥٧٧). (٢) أخرجه الترمذي في الصلاة (٥٥١ - ٥٥٢). ٢٠٩ ٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر (٧) باب (٣٤١) حديث للمكتوبة ويتطوع على بعيره، ثم رأيت أن الحافظ حكى هذا الجمع عن ابن بطال، فهذا حسن عندي من الكل، فلله الحمد والمنة، ويؤيده الرواية المصدر بها الباب بلفظ: ((لا يصلي مع المكتوبة شيئاً))، وكذا في رواية مسلم: فرأى ناساً قياماً أي موضع الفرض، فالإنكار هو على أدائها في ذاك الموضع خاصة دون على مطلق الأداء. وأخرج محمد في ((موطئه))(١) بسنده إلى مجاهد قال: صحبت ابن عمر - رضي الله عنهما - من مكة إلى المدينة، فكان يصلي الصلوات كلها على بعيره نحو المدينة. ويومئ برأسه إيماء إلا المكتوبة والوتر، فإنه كان ينزل لهما، فسألته عن ذلك فقال: كان رسول الله ◌َّلا يفعله، الحديث. وقد أخرج بمعنى ذلك روايات عديدة فهذه بمنزلة النص في المعنى الذي قلنا. إذ الظاهر من قوله: يصلي الصلوات كلها المعتادة، فكان - رضي الله عنه - يصلي الرواتب كلها لكن على البعير، وينكر على من يصلي على الأرض في أوقات السير، فتأمل. هذا وقد تقدم عن ابن عبد البر أن اختلاف الروايات في الباب دليلٌ على أن الكل موسّعٌ والإنسان مخير في فعل النوافل في السفر، إن شاء فعل فيحصل ثوابه، وإن شاء قصر به، وقد ركع النبي ◌َّر في السفر ركعتي الفجر، كما ورد ذلك في حديث أبي قتادة عند مسلم في قصة النوم عن صلاة الصبح، ففيه: ثم صلى ركعتين قبل الصبح، ثم صلى الصبح، وله من حديث أبي هريرة في هذه القصة ثم دعا بماء فتوضأ ثم صلى سجدتين، الحديث. ونحوه للدارقطني من طريق الحسن بن عمران بن حصين. قال صاحب ((الهدي)): لم يحفظ عن النبي وَل أنه صلى سنة الصلاة (١) انظر: ((التعليق الممجد)) (٥٨١/١). -- ٢١٠ ٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر (٧) باب (٣٤٢) حديث ٢٥/٣٤٢ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى الْمَازِنِيِّ، عَنْ أَبِي الْحُبَابِ سَعِيدٍ قبلها ولا بعدها في السفر إلا ما كان من سنة الفجر، قال الحافظ: ويردُّ على إطلاقه ما رواه أبو داود(١) والترمذي من حديث البراء بن عازب قال: سافرت مع النبي ◌ّ﴾ ثمانية عشر سفراً، فلم أره ترك ركعتين إذا زاغت الشمس قبل الظهر، وكأنه لم يثبت عنده، لكن الترمذي استغربه، ونقل عن البخاري أنه رآه حسناً، وقد حمله بعض العلماء على سنة الزوال لا على الراتبة قبل الظهر، والله أعلم، انتهى. قلت: هذا وإن أمكن حمله على سنة الزوال، لكن لا يمكن الإنكار عما تقدم من روايتي ابن عمر، وفيهما إثبات راتبة الظهر والمغرب معاً، وروي عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: صلاتان لم يكن رسول الله وَلل يتركهما سراً ولا علانية في سفر ولا حضر، ركعتان قبل الصبح وركعتان بعد العصر. في ((جمع الفوائد))(٢) عن الشيخين وغيرهما، هذا والروايات القولية التي ندب فيها النبي 18 بالرواتب تتناول بعمومها الحضر والسفر، فقد روي عن عائشة - رضي الله عنها - رفعته: ((من ثابر على ثنتي عشرة ركعة من السنة))، الحديث للترمذي والنسائي. وعن أم حبيبة رفعته: ((من حافظ على أربع ركعات قبل الظهر وأربع بعدها))، الحديث لأصحاب السنن، وعن أبي أيوب رفعه: ((أربع قبل الظهر ليس فيهن تسليم))، الحديث لأبي داود، وغير ذلك من الروايات الكثيرة التي ذكرها أصحاب الحديث، والسنن كلها بعمومها تتناول السفر أيضاً. ٢٥/٣٤٢ - (مالك، عن عمرو) بفتح العين (ابن يحيى المازني، عن أبي الحباب) بضم الحاء المهملة والموحدتين المخففتين (سعيد) بفتح السين (١) أخرجه أبو داود (٤٧٢/١ - ٤٧٣) والترمذي (٤٣٥/٢). (٢) (٣٠٦/١). ٢١١ ٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر (٧) باب (٣٤٢) حديث ابْنِ يَسَارِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْن عُمَر؛ أَنَّهُ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَ وسام يُصَلِّي وَهُوَ عَلَى حِمَارٍ، (ابن يسار) المدني (عن عبد الله بن عمر) - رضي الله عنهما - (أنه قال: رأيت رسول الله لم يصلي) قال ابن عبد البر: لم يذكر مالك التطوع فيه، وذكره جماعة عدها في (الاستذكار))(١) (وهو على حمار) قالوا: لم يتابع عمرو على لفظ حمار، وإنما المعروف المحفوظ في حديث ابن عمر على راحلته كما قاله النسائي وغيره، لكن له شاهد عن يحيى بن سعيد، عن أنس: أنه رأى النبي يصلي على حمار وهو ذاهب إلى خيبر، رواه السراج بإسناد حسن. قال النووي(٢): قال الدارقطني وغيره: هذا غلط من عمرو بن يحيى، والمعروف في صلاته وَّل على راحلته أو على البعير، والصواب أن الصلاة على الحمار فعل أنس كما ذكره مسلم، ولذا لم يذكر البخاري حديث عمرو، هذا كلام الدارقطني ومتابعيه، وفي الحكم بتغليط رواية عمرو نظر لأنه ثقة، نقل شيئاً محتملاً فلعله كان الحمار مرة، والبعيرة مرة أو مرات، لكن قد يقال: إنه شاذٌّ، فإنه مخالف لرواية الجمهور في البعير والراحلة، والشاذِّ مردود، انتهى. وأنت خبير بأن حكم الشذوذ مشكل بعد أن أقرَّ بنفسه أن لا مخالفة بینھما . قال ابن عبد البر(٣): إنما أنكر العلماء لفظ الحمار دون المعنى، قال العيني(٤): فيه إشارة إلى أنه لا يشترط أن تكون الدابة طاهرة الفضلات، لكن يشترط أن لا يماسّ الراكب ما كان غير طاهر منها، وتنبيهٌ على طهارة عرق الحمار، وكان الأصل أن يكون عرقه كلحمه لأنه متولّد منه، ولكن خُصَّ (١) ((الاستذكار)) (١٢٤/٦). (٢) ((شرح النووي على صحيح مسلم)) (٢١١/٥). (٣) ((الاستذكار)) (١٢٥/٦). (٤) ((عمدة القاري)) (٤٠٧/٥) باب صلاة التطوّع على الحمار. ٢١٢ ٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر (٧) باب (٣٤٣) حديث وَهُوَ مُتَوَجِّهٌ إِلَى خَيْبَرَ. أخرجه مسلم في: ٦ - كتاب صلاة المسافرين، ٤ - باب جواز صلاة النافلة على الدابة في السفر حيث توجهت به، حديث ٣٥. ٢٦/٣٤٣ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ . . .. عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ كَانَ يُصَلِّ عَلَى رَاحِلَتِهِ، بطهارته لركوب النبي 8* إياه، وعن هذا قال أصحابنا: كان ينبغي أن يكون عرق الحمار مشكوكاً، لأن عرق كل شيء يعتبر بسؤره، لكن لما ركبه النبي صَلىالله رسام معرورياً، والحر حَرُّ الحجاز، والثِقْل ثِقْلُ النبوة حكم بطهارته، انتهى. قال ابن عابدين: عرق الحمار طاهر عند أبي حنيفة في الروايات المشهورة كما ذكره القدوري، وقال شمس الأئمة الحلواني: نجسٌ إلا أنه جُعل عفواً في الثوب والبدن للضرورة، قال في ((شرح المنية))(١): وهذا الاستثناء إنما يصح على القول بأن الشك في الطهارة، فإذا قيل: إن سؤر الحمار مشكوك في طهارته ونجاسته، وعرق كل شيء كسؤره صحّ أن يقال إلا أن عرق الحمار طاهر، أي من غير شك لأنه وَ لّ ركب الحمار معرورياً في حر الحجاز، والغالب أنه يعرق ولم يرو أنه # غسل ثوبه أو بدنه منه، انتهى. (وهو متوجّه إلى خيبر) بخاء معجمة في أوله وراء في آخره، يومئ إيماء كما زاده الحنيني عن مالك خارج ((الموطأ)»، قاله السيوطي(٢). ٢٦/٣٤٣ - (مالك، عن عبد الله بن دينار، عن عبد الله بن عمر) قال ابن عبد البر: كذا رواه جماعة رواة ((الموطأ))، ورواه يحيى بن مسلمة، عن قعنب، عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر، والصواب ما في ((الموطأ)) (أن رسول الله وَله كان يصلي على راحلته) وهي الناقة التي تصلح لأن ترتحل، ويقال لكل مركب ذكراً كان أو أنثى، والتاء للمبالغة ((الفتح الرحماني)). (١) ((شرح المنية)) (ص١٧٠). (٢) ((تنوير الحوالك)) (ص١٦٧). ٢١٣ ٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر (٧) باب (٣٤٣) حديث فِي السَّفَرِ، حَيْثُ تَوَجَّهَتْ بِهِ . وقال الأزهري: هو المركب النجيب ذكراً كان أو أنثى، والهاء للمبالغة (في السفر حيث ما توجهت به) يعني ولو إلى غير القبلة، قال الباجي(١): ظاهره لا يخص فريضة من نافلة غير أنه قد علم بالإجماع المنع من صلاة الفرض على غير الأرض لغير عذر فوجب حمله على النافلة. قلت: بل هو مصرح في رواية البخاري بسنده إلى ابن عمر - رضي الله عنهما - قال: ((كان رسول الله وَليل يسبح على الراحلة قبل أي وجه توجه، ويوتر عليها غير أنه لا يصلي عليها المكتوبة))، فهذا وأمثاله نص في أن المراد بالصلاة التطوع، وسيأتي الكلام عليها في آخر الحديث، وأما صلاة الفريضة على الراحلة فلا يخلو إما أن يكون لغير ضرورة، فلا خلاف نعلمه في أن ذلك غير جائز، وإن كان لضرورة فلا يخلو أن يكون لخوف أو مرض أو طين ثم فصلها، وقال النووي: المكتوبة لا تجوز إلى غير القبلة، ولا على الدابة، وهذا مجمع عليه إلا في شدة الخوف، اهـ. وقال في ((الفتح الرحماني)): إذا اشتد الخوف فيجوز الفرض على الدابة كما يجوز إذا كان له عذر، ثم عدّ من الأعذار المطر بشرط أن لا يجد مكاناً يابساً، ويكون الطين بحال يغيب وجهه فيه، قال: ومن الأعذار أيضاً كون الدابة جموحاً لو نزل لا يمكنه الركوب، ومنها اللص، والمرض، وكونه شيخاً كبيراً لا يجد من يركبه، والخوف من السبع. وفي ((المحيط)): يجوز الصلاة على الدابة في هذه الأحوال كلها، ولا يلزمه الإعادة إذا زال العذر، وهذا كله إذا كان خارج المصر، اهـ. وقال ابن عابدين: اعلم ما عدا النوافل من الفرض والواجب بأنواعه لا يصح على الدابة إلا لضرورة كخوف لص على نفسه أو دابته، والصلاة على المحمل الذي على الدابة كالصلاة على الدابة، اهـ. (١) ((المنتقى)) (٢٦٩/١)، ٢١٤ : --------------- ٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر (٧) باب (٣٤٣) حديث قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينارٍ: وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ يَفْعَلُ ذُلِكَ. أخرجه البخاريّ في: ١٨ - كتاب تقصير الصلاة، ٨ - باب الإيماء على الدابة . ومسلم في: ٦ - كتاب صلاة المسافرين، ٤ - باب جواز صلاة النافلة على الدابة في السفر حيث توجهت به، حديث ٣٧. (قال عبد الله بن دينار: وكان عبد الله بن عمر يفعل ذلك) عَقَّبَ الموقوفَ بالمرفوع بياناً لاستمرار العمل، والجمهور على إباحته في كل سفر قصيراً كان أو طويلاً، وخصه مالك - رضي الله عنه - بسفر القصر، لأن الروايات وردت فیه (زرقاني))(١). قال النووي: (٢) التنفل على الراحلة في السفر حيث توجهت جائزٌ بإجماع المسلمين، وشرطه أن لا يكون سفر معصية، سواء قصير السفر وطويله، فيجوز في الجميع عندنا وعند الجمهور، وعن مالك: لا يجوز إلا في سفر تقصر فيه الصلاة، وهو قول غريب، ومحكي عن الشافعي، وقال أبو سعيد الإصطخري من أصحابنا: يجوز التنفل على الدابة في البلد، وهو محكي عن أنس بن مالك وأبي يوسف صاحب أبي حنيفة، اهـ. قال الشوكاني: جواز التطوع على الراحلة للمسافر قبل جهة مقصده إجماعٌ كما قال النووي والعراقي والحافظ وغيرهم، وإنما الخلاف في جواز ذلك في الحضر، فجوزه أبو يوسف، وأبو سعيد الإصطخري من أصحاب الشافعي، وأهل الظاهر، وقال ابن حزم: وقد روينا عن إبراهيم النخعي قال: كانوا يصلون على رحالهم ودوابهم حيثما توجهت، قال: وهذه حكاية عن الصحابة والتابعين عموماً في الحضر والسفر، قال النووي: وهو محكي عن أنس . (١) (شرح الزرقاني)) (٣٠٣/١). (٢) ((شرح النووي على صحيح مسلم)) (٢١٠/٥ - ٢١١). ٢١٥ ٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر (٧) باب (٣٤٣) حديث وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، قَالَ: رَأَيْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكِ فِي . قال العراقي: استدل من ذهب إلى ذلك بعموم الأحاديث التي لم يصرح فيها بذكر السفر، وهو ماشٍ على قاعدتهم في أنه لا يحمل المطلق على المقيد بل يحمل على كل منها، فأما من يحمل المطلق على المقيد وهم الجمهور، فحمل الروايات المطلقة على المقيد، وظاهر الأحاديث عدم الفرق بين السفر الطويل والقصير، وإليه ذهب الشافعي وجمهور العلماء، وذهب مالك إلى أنه لا يجوز إلا في سفر تقصر فيه الصلاة، وهو محكي عن الشافعي لكنها حكاية غريبة، اهـ. وفي ((الاستذكار))(١): قال مالك وأصحابه: لا يتطوع على الراحلة إلا في سفر تقصر في مثله الصلاة، لأن الروايات التي حكاها ابن عمر وغيره وردت فيما يقصر فيه الصلاة، وقال الشافعي، وأبو حنيفة وأصحابهما، والحسن بن حي، والليث، وداود: إنه يجوز (٢) التطوع خارج المصر في كل سفر قصيرٍ أو طويلٍ لأن الروايات ليس فيها شيء من التحديد، فوجب الامتثال بالعموم. وقال أبو يوسف: يصلي في المصر أيضاً لرواية أنس: أنه صلى على حمار في أزقَّة المدينة، لكن قال فيه بعض الرواة: لفظ في السفر فبطل قول من قال: في أزِقَّةِ المدينة، وقال بعض أصحاب الشافعي: إن مذهبهم جواز التنفل على الدابة في السفر والحضر، قال الأثرم: قيل لأحمد بن حنبل: أيتنفَّلُ على الدابة في الحضر؟ قال: أما في السفر فقد سمعنا، وأما في الحضر فما سمعت، انتهى مختصراً. وتقدم مذهب الحنفية مبسوطاً في أول الباب. (مالك، عن يحيى بن سعيد) الأنصاري (قال: رأيت أنس بن مالك في (١) (١٢٩/٦)، وانظر: ((التمهيد)) (٧٨/١٧). .- (٢) هكذا في الأصل، هذا هو الصواب، وأما في ((الاستذكار)): لا يجوز التطوع، هو خطأ. ٢١٦ .- ٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر (٧) باب (٣٤٣) حديث السَّفَرِ، وَهُوَ يُصَلِّي عَلَى حِمَارٍ، وَهُوَ مُتَوَجّهُ إِلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ، يَرْكَعُ ويَسْجُدُ، إِيمَاءً، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَضَعَ وَجْهَهُ عَلَى شَيْءٍ. أخرجه البخاريّ في: ١٨ - كتاب تقصير الصلاة، ١٠ - باب صلاة التطوّع على الحمار. ومسلم في: ٦ - كتاب صلاة المسافرين، ٤ - باب جواز صلاة النافلة على الدابة في السفر حيث توجهت به، حديث ٤١. السفر) بالتعريف في النسخ المصرية والتنكير في الهندية (وهو يصلي) التطوع (على حمار) قال ابن بطال: لا فرق بين التنفل في السفر على الحمار والبغل وغيرهما، ويجوز له إمساك عنانها وتحريك رجليه، إلا أنه لا يتكلم ولا يلتفت ولا يسجد على قربوس سرجه، بل يكون السجود أخفض من الركوع، وهذا رحمة من الله تعالى على عباده، كذا في العيني (وهو متوجه إلى غير القبلة) وتقدم أنه يجب صوب سفره (يركع ويسجد إيماء) لكل منهما، ويجعل السجود أخفض من الركوع. قال الحافظ في ((الفتح))(١): الإيماء للركوع والسجود لمن لم يتمكن من ذلك، وبهذا قال الجمهور، وروى أشهب عن مالك: أن الذي يصلي على الدابة لا يسجد بل يومئ، اهـ. (من غير أن يضع وجهه على شيء) من البرذعة وغيرها، زاد الشيخان عن ابن سيرين عن أنس قال: لولا أني رأيت ◌َل# فعله لم أفعله، وهذه الأحاديث تبين أن قوله تعالى: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ الَّهِ﴾(٢) محمولةٌ على النوافل وإن كان في الآية قولان آخران لأهل التفسير كما ذكرهما في ((الاستذكار)) (٣)، (١) (فتح الباري)) (٢٧٦/٢). (٢) سورة البقرة: الآية ١١٥. (٣) (٦/ ١٢٧). ٢١٧ ٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر (٧) باب (٣٣٣) حديث الأول: أنها نزلت في قول اليهود في القبلة لما حُوِّلت، والآخر: أنها نزلت في قوم صلوا في السفر إلى جهات مختلفة للظلمة . وقال ابن قدامة في ((المغني))(١): ولنا قول الله تعالى: ﴿وَلَّهِ الْمَشْرِقُ وَاْمَغْرِبُ﴾ الآية، قال ابن عمر - رضي الله عنهما -: نزلت هذه الآية في التطوع خاصة حيث توجه به بعيرك، اهـ. وتجمع بينها وبين قوله تعالى: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَةٌ﴾ بحمله على الفرائض، قال الحافظ (٢): وقد أخذ بمضمون هذه الأحاديث فقهاء الأمصار إلا أن أحمد بن حنبل وأبا ثور استحبا أن يستقبل القبلة بالتكبير حال ابتداء الصلاة، انتهى. وذكر الباجي الشافعي مع أحمد بن حنبل في استقبال القبلة عند ابتداء التكبير، وكذا ذكر أهل الفروع من الحنفية الاشتراط عند الشافعية، والظاهر أنه وهم، لأن الحافظ أعلم بمذهبه لم يذكر الاستحباب إلا عن أحمد. وقال ابن قدامة في ((المغني))(٣): وإن كان يعجز عن استقبال القبلة في ابتداء الصلاة كراكب راحلة لا تطيعه أو كان في قطار أي جماعة الإبل التي تربط بعضها ببعض، فليس عليه استقبال القبلة في شيء من الصلاة، وإن أمكنه افتتاحها إلى القبلة، تخرج فيه روايتان، إحداهما: يلزمه لرواية أنس عند أحمد وأبي داود أنه عليه الصلاة والسلام استقبل بناقته القبلة فكبّر، والثانية: لا يلزمه لأنه جزء من أجزاء الصلاة أشبه سائر أجزائها، والحديث يحمل على الفضيلة والندب، انتھی. وفي ((الاستذكار)) (٤): هذا الأمر مجمع عليه لا خلاف فيه بين العلماء (١) (٩٦/٢). (٢) ((فتح الباري)) (٢/ ٧٠١) رقم الحديث (١٠٩٩). (٣) (٩٨/٢). (٤) (١٢٦/٦). ٢١٨ ------- -- --- -- ---... ٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر (٨) باب (٨) باب صلاة الضحى كلهم يجيز التطوع للمسافر على دابته حيث تَوَجَّهَت به للقبلة وغيرها، إلا أن منهم جماعة يستحبون أن يفتتح المصلي صلاته مستقبل القبلة، ثم لا يبالي حيث توجَّهَت به راحلته، وهو قول الشافعي وأحمد بن حنبل، وأبي ثور، انتهى. وكذا نقل الإجماع على جوازه صاحب ((الفتح الرحماني)) عن الترمذي والعيني، وقال ابن عابدين من الحنفية: لا يشترط استقبال القبلة في الابتداء لأنه لما جازت الصلاة إلى غير جهة الكعبة جاز الافتتاح إلى غير جهتها، انتهى . (٨) صلاة الضحى قال القاري(١): قيل: التقدير صلاة وقت الضحى، والظاهر أن الإضافة بمعنى في، كصلاة الليل وصلاة النهار، فلا حاجة إلى القول بالحذف، وقيل: من باب إضافة المسبب إلى السبب كصلاة الظهر، انتهى. وهي بالضم والقصر فوق الضحوة وهي ارتفاع أول النهار، والضَّحاء بالفتح والمد: هو إذا علَتِ الشمس إلى ربع السماء فما بعده، قاله العيني (٢). وقال المجد: الضحو، والضحوة، والضحية: كعشية ارتفاع النهار، والضحى فويقه، ويذكَّر ويصغَّر ضُحَيّا بلا هاء، والضحاء بالمد: إذا قرب انتصاف النهار، وبالضم والقصر: الشمس، انتهى. وقال ابن العربي في ((العارضة)): الضحى مقصور مضموم الضاد، هو طلوع الشمس، والضحاء ممدود ومفتوح الضاد هو إشراقها وضياؤها وبياضها . قال الطيبي: المراد وقت الضحى، وهو صدر النهار حين ترتفع الشمس، وقال ميرك: الضحوة: ارتفاع النهار، والضحى بالضم والقصر: شروقه، وبه (١) ((مرقاة المفاتيح)) (١٩٨/٣). (٢) انظر: ((عمدة القاري)) (٥٤٠/٥). ٢١٩ (٨) باب ٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر • سُمِّيَ صلاة الضحى، وقيل: وقت الضحى عند مضي ربع اليوم إلى قبيل الزوال، وقيل: هذا وقته المتعارف، وأما وقته فوقت صلاة الإشراق، وقيل: الإشراق أول الضحى، اهـ (١) قال ابن العربي (٢): هي كانت صلاة الأنبياء قبل محمد مرَلّ، قال تبارك وتعالى مخبراً عن داود عليه الصلاة والسلام: ﴿إِنَّا سَخَرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِحْنَ بِالْعَشِّ وَالْإِشْرَاقِ (٣)﴾ فأبقى الله من ذلك في دين محمد رَّر العصر صلاة العشي، ونسخ صلاة الإشراق، اهـ، أي في حق الأمة، وإلا فهي مختلف فيها في حق النبي ◌َّله، والمذهب المنصوص عند الشافعي وجمهور أصحابه وجوبها عليه وَله كما في هامش ((الروضة)). واختلف أهل العلم في حكمها على الأمة، قال الحافظ في ((الفتح))(٣): جمع ابن القيم في ((الهدي)) الأقوال في صلاة الضحى فبلغت ستة، الأول: مستحبة، واختلف في عددها كما سيأتي قريباً، والثاني: لا تشرع إلا لسبب لما أنه وَّر لم يفعلها إلا بسبب، واتفق وقوعها في وقت الضحى، والثالث: لا تستحب أصلاً، وصحَّ عن عبد الرحمن بن عوف أنه لم يصلها، وكذلك ابن مسعود، الرابع: يستحب فعلها تارة وتركها تارة بحيث لا يواظب عليها، وهذه إحدى الروايتين عن أحمد، لرواية أبي سعيد ((كان النبي ◌َّ يصلي الضحى حتى نقول لا يدعها ويدعها حتى نقول: لا يصليها))، أخرجه الحاكم، وعن عكرمة: ((كان ابن عباس يصليها عشراً ويدعها عشراً))، وقال الثوري عن منصور: كانوا يكرهون أن يحافظوا عليها كالمكتوبة. (١) انظر: ((مرقاة المفاتيح)) (١٩٨/٣). (٢) عَارضة الأحوذي (٢٥٧/٢). (٣) ((فتح الباري)) (٥٥/٣). ----- ٢٢٠ ------