Indexed OCR Text
Pages 181-200
٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر (٣) باب (٣٢٩) حديث ٣٢٩/ ١٢ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ سَالِم بْنِ عَبْدِ اللَّهِ؛ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ، رَكِبَ إِلَى ذَاتِ النُّصُبِ، فَقَصَر الصَّلاةَ فِي مَسِيرِهِ ذَلِكَ . قَالَ يَحْيَى: قَالَ مَالِكٌ: وَبَيْنَ ذَاتِ النُّصُبِ وَالْمَدِينَةِ أَرْبَعَةُ بردِ . آلاف ذراع، وعند المتأخرين: أربعة آلاف ذراع، وهذا الاختلاف مبني على اختلاف واقع في مقدار الذراع، فالقدماء قالوا: إنه اثنان وثلاثون أصبعاً، والمتأخرون قالوا: أربع وعشرون أصبعاً، والأصبع عند الكل ست شعيرات مضمومة البطون إلى الظهور، وكل شعيرة مقدار ست شعور من ذنب الفرس التركي كذا في ((السعاية)). ولا يذهب عليك أن الشيخ الجنجوهي على ما حكاه الوالد في ((تقرير الترمذي)) قال: إن الصحيح في استدلال الحنفية هي رواية مالك في ((الموطأ)): أربعة برد، وعلى هذا فلا خلاف بين الأئمة في ذلك. ١٢/٣٢٩ - (مالك، عن نافع، عن سالم بن عبد الله، أن عبد الله بن عمر ركب إلى ذات النصب (١)) بضم النون: موضع قُرْبَ المدينة، قال ياقوت الحموي: النصب بالضم ثم السكون والباء موحدة: الأصنام المنصوبة للعبادة، وهو موضع بينه وبين المدينة أربعة أميال، وقيل: هو من معادن القبلية، اهـ. (فقصر الصلاة في مسيره ذلك) قال أبو عمر في ((الاستذكار))(٢): ذكره ابن أبي شيبة أيضاً، قلت: ولفظه عن أيوب، عن نافع، عن سالم: أن ابن عمر خرج إلى أرض له بذات النصب، فقصر وهي ستة عشر فرسخاً. (قال يحيى: قال مالك: وبين ذات النصب والمدينة أربعة برد) وكذا نقله (١) انظر: ((فتح الباري)) (٢/ ٥٦٦). (٢) (٨٢/٦). ١٨١ ٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر (٣) باب (٣٣٠) حديث ٣٣٠/ ١٣ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ؛ أَنَّهُ كَانَ يُسَافِرُ إِلَى خَيْبَرَ فَيَقْصُرُ الصَّلاةَ. وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ؛ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَقْصُرُ الصَّلاةَ فِي مَسِيرِه الْيَوْمَ التَّمَّ. الشافعي عن مالك، ورواه عبد الرزاق عن مالك فقال: بينهما ثمانية عشر ميلاً، قلت: واختلف أهل النقل في بيان المسافة بينهما جداً، فتقدم عن ((معجم البلدان)): أن بينهما أربعة أميال، وتقدم عن رواية ابن أبي شيبة: بينهما ستة عشر فرسخاً، وفي ((المجمع)): ذات النصب: موضع على أربعة برد من المدينة . ١٣/٣٣٠ - (مالك، عن نافع، عن عبد الله بن عمر أنه كان يسافر) من المدينة على الظاهر (إلى خيبر) تقدم ضبطه (فيقصر الصلاة) في مسيره ذلك، وبين خيبر والمدينة ستة وتسعون ميلاً، قال العيني(١): على ستة مراحل من المدينة المنورة، وروى عبد الرزاق عن ابن جريج، عن نافع: أن ابن عمر - رضي الله عنهما - كان أدنى ما يقصر الصلاة فيه مالٌ له بخيبر، قال ابن عبد البر: ومالك أثبت في نافع من ابن جريج. (مالك، عن ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله أن عبد الله بن عمر) - رضي الله عنهما - قال في ((الاستذكار))(٢): وكذا رواه ابن جريج عن الزهري قال: أخبرني سالم أن ابن عمر (كان يقصر الصلاة في مسيرة اليوم التام)(٣) بالجر على الإضافة، وفي بعض النسخ: مسيره بالضمير المجرور، فيكون منصوباً على الظرفية، وظاهر هذا الأثر يخالف ما تقدم، لكن لو أريد به السفر (١) ((عمدة القاري)) (٣٨٤/٥). (٢) (٨٢/٦). (٣) أخرجه عبد الرزاق في ((مصنفه)) (٥٢٥/٢). ١٨٢ ..- ٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر (٣) باب (٣٣١) حديث ٣٣١/ ١٤ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ نَافِع؛ أَنَّه كَانَ يُسَافِرُ مَعَ ابْنِ عُمَرَ الْبَرِيدَ، فَلا يَقْصُرُ الصَّلاةَ. سائر اليوم بالجد والسرعة لا يخالف الروايات المتقدمة، قال ابن عبد البر في ((الاستذكار)): مسيرة اليوم التام بالسير الحثيث أربعة برد أو نحوها. ١٤/٣٣١ - (مالك عن نافع أنه كان يسافر) سمى الخروج إلى البريد ونحوه السفر مجازاً (مع عبد الله بن عمر) - رضي الله عنهما - (البريد) قال في ((الفتح الرحماني)): قال ابن سيده: البريد فرسخان، وقيل: ما بين كل منزلين بريد، وفي ((الجمهرة)): البريد عربي، ولا معتبر بالفراسخ عندنا، هو الصحيح، انتھی . وفي ((المجمع)) عن الزمخشري: البريد مُعَرَّبٌ - بريده دم - لأن بغال البريد كانت محذوفة الأذناب، كالعلامة لها، ويسكن الراء تخفيفاً، ثم سُمِّي الرسول الذي يركبه بريداً، والمسافة بين السِكَّتَيْن بريداً، والسِكَّةُ موضع كان يسكنه المرتبون من بيت أو قبة أو رباط، وكان يرتب في كل سكة بغال، وبعد ما بينهما فرسخان، وقيل: أربعة، انتهى. وقال المجد: البريد: المرتب، والرسول وفرسخان أو اثنا عشر ميلاً أو ما بين المنزلين، انتهى. (فلا يقصر الصلاة) قال ابن عبد البر(١): واختلف عن ابن عمر في أدنى ما يقصر إليه الصلاة، وأصحُّ ما في ذلك عنه ما رواه ابنه سالم ومولاه نافع، قال: ورواية مالك هذه تردُّ ما رواه محارب بن دثار عن ابن عمر: إني لأسافر ساعة من النهار، فأقصر الصلاة، انتهى. قلت: أخرج هذه الرواية ابن أبي شيبة في ((مصنفه))، والمرجح من هذا عندنا ما يوافق قوله، وهو الآتي في مستدلات الحنفية. (١) انظر ((الاستذكار)) (٨٣/٦) و((فتح الباري)) (٥٦٦/٢). ١٨٣ ----- ٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر (٣) باب (٣٣٢) حديث ١٥/٣٣٢ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ؛ أَنَّه بَلَغَهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاس، كَانَ يَقْصُرُ الصَّلاةَ فِي مِثْلِ مَا بَيْنَ مَكَّةَ وَالطَّائِفِ، ١٥/٣٣٢ - (مالك، أنه بلغه أن عبد الله بن عباس) قال ابن عبد البر: وما رواه عن ابن عباس هذا معروف من نقل الثقات متصل الإسناد عنهم من وجوه، ثم رواها في ((الاستذكار)) عن عبد الرزاق وغيره. وأخرج ابن أبي شيبة بسنده عن عطاء بن أبي رباح، قلت لابن عباس: أقصر إلى عرفة؟ قال: لا، قلت: أقصر إلى الطائف وإلى عسفان؟ قال: نعم، وذلك ثمانية وأربعون ميلاً، وعقد بيده(١) . (كان يقصر الصلاة في مثل ما بين مكة) بيت الله الحرام، تحت نقطة السرطان، طالعها الثريا، بيت حياتها الثور، وهي في الإقليم الثاني، وفي اشتقاقها أقوال، قال أبو بكر بن الأنباري: سُمّيت بها لأنها تمُُّ الجبارين: أي تذهب نخوتهم، ويقال: سميت بها لازدحام الناس بها، وقيل: مأخوذ من قولهم: قد امتكَّ الفصيل ضرع أمه، إذا مصَّه مصاً شديداً، يجذب جميع ما فيها فلم يبق فيها شيئاً، وسميت بها لما يأتونها من جميع الأطراف، ويقال: مكة اسم المدينة، وبكة: اسم البيت، وقال آخرون: مكة هي بكة، والميم بدل الباء، وقيل: سُمِّيت بها، لأن العرب في الجاهلية تقول: لا يتم حجنا حتى نأتي مكان الكعبة، فَنَمُكُّ فيها أي نصفر صفير المكاء، وفيه أقوال أخر ذكرها ياقوت في ((المعجم)) . (والطائف) قال ياقوت الحموي: الطائف بعد الألف همزة في صورة الياء ثم فاء، عَمَّرها حسين بن سلامة وسَدَّها ابنه، وهو عبد نوبي، وَزَرَ لأبي الحسين بن زياد صاحب اليمن في حدود سنة ٤٣٠، وبينهما ثلاثة مراحل أو اثنان، قاله الزرقاني(١). (١) أخرجه ابن أبي شيبة (٤٤٥/٢). ١٨٤ ! ٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر (٣) باب (٣٣٢) حديث وَفِي مِثْلِ مَا بَيْنَ مَكَّةَ وَعُسْفَانَ، وَفِي مِثْلِ مَا بَيْنَ مَكَّةَ وَجُدَّةَ . وقال ياقوت الحموي في ((معجم البلدان)): هي مسيرة يوم للطالع من مكة، ونصف يوم للهابط إلى مكة، وقال أيضاً: الطائف هو وادي وج، وهو بلاد ثقيف، بينها وبين مكة اثنا عشر فرسخاً، انتهى. (وفي مثل ما بين مكة وعسفان) نونه زائدة، يُذَكَّرُ وَيُؤَنّث، قال ياقوت الحموي: بضم أوله وسكون ثانيه ثم فاء، آخره نون، فعلان من عسفت المفازة يعسفها، وهو قطعها بلا هداية ولا قصد، وكذلك كل أمر يركب بغير رؤية، سميت بها لتعسف السيل فيها، قال أبو منصور: منهلة من مناهل الطريق بين الجحفة ومكة، وقيل: قرية جامعة بها منبر، ونخيل، ومزارع على ستة وثلاثين ميلاً من مكة، وهي حد تهامة. ومن عسفان إلى ملل يقال له: الساحل، والساحل على ليلة من المدينة، وقال السكري: عسفان على مرحلتين من مكة على طريق المدينة، والجحفة على ثلاث مراحل، غزا النبي ◌َّ بني لحيان بعسفان، انتهى. وقال الزرقاني: بين مكة وعسفان ثلاثة مراحل، انتهى. وقال المجد: كعثمان موضع على مرحلتين من مكة. (وفي مثل ما بين مكة وجدة) بضم الجيم: ساحل البحر بمكة، وقال ياقوت: بالضم والتشديد، والجدة في الأصل: الطريقة، والجدة: الخطة التي في ظهر الحمار، تخالف سائر لونه، وجدة: بلد على ساحل بحر اليمن، وهي فرضة مكة، بينها وبين مكة ثلاث ليال، عن الزمخشري. وقال الحازمي : بينهما يوم وليلة . وقال المجد: الجد: أبو الأب وأبو الأم والبخت والحظ والحظوة والرزق والعظمة وشاطئ النهر، كالجِدِّ والجِدّة والجُدَّة، ووجه الأرض كالجدة بالكسر، وجانب كل شيء وغير ذلك مما بسطه في ((القاموس))، والأوجه عندي في وجه التسمية هذه الثلاثة الأخيرة. ١٨٥ ٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر (٣) باب (٣٣٢) حديث قَالَ مَالِكٌ: وَذُلِكَ أَرْبَعَةُ بُرُدٍ. وَذُلِكَ أَحَبُّ مَا تُقْصَرُ إِلَيَّ فِيهِ الصَّلاةُ. (قال يحيى: قال مالك: وذلك) أي المذكور من المسافة بين هذه الأماكن (أربعة برد) وقد تقدم بيانها، والاختلاف في بيان المسافة بينها، قال الباجي(١): أكثر مالك من ذكر أفعال الصحابة لما لم يصح عنده في ذلك توقيفٌ عن النبي ڭ . (قال يحيى: قال مالك: وذلك) أي المذكور من كون المسافة المبيحة للقصر أربعة برد (أحبُّ ما يقصر) بالمثناة الفوقية أو التحتية على اختلاف النسخ (إليّ) متعلق بأحب (فيه) الضمير إلى الموصول (الصلاة) قال ابن عبد البر كما قال الأوزاعي: جمهور العلماء لا يقصرون الصلاة في أقل من أربعة برد، وهو مسيرة يوم تام بالسير القوي، ومن احتاط فلم يقصر إلا في مسيرة ثلاثة أيام كاملة، فأخذ بالأوثق، وبالله التوفيق، انتهى. قلت: وتوضيح مسلك المالكية في ذلك على ما في ((الشرح الكبير)) (٢): أن مسافة القصر أربعة برد، وكل بريد أربعة فراسخ، وكل فرسخ ثلاثة أميال، فهي ثمانية وأربعون ميلاً، والمشهور أن الميل ألفا ذراع، والصحيح أنه ثلاثة آلاف وخمسمائة، وهي باعتبار الزمان مرحلتان، أي سير يومين معتدلين، أو يوم وليلة بسير الإبل المُثْقَلَة بالأحمال على المعتاد، انتهى ما في ((الشرح الكبير)). وفي ((المدونة))(٣): قال ابن القاسم: كان مالك يقول قبل اليوم يقصر الصلاة في مسيرة يوم وليلة، ثم ترك ذلك، وقال: لا يقصر الصلاة إلا في مسيرة ثمانية وأربعين ميلاً كما قال ابن عباس في أربعة برد، انتهى. (١) ((المنتقى)) (٦٦٣/١). (٢) (٣٥٨/١). (٣) (١١٤/١). ١٨٦ -- ٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر (٣) باب (٣٣٢) حديث وفي ((الأنوار الساطعة)): شروط القصر عند المالكية سبعة: الأول: أن يكون السفر طويلاً أربعة برد فأكثر، والبريد: أربعة فراسخ، والفرسخ: ثلاثة أميال، والميل: ثلاثة آلاف وخمسمائة ذراع، والذراع: ستة وثلاثون أصبعاً، والأصبع: ست شعيرات، وكل شعيرة: ست شعيرات من شعر البرذون وهو البغل، انتهى. ثم ما ظهر لي من بعد التفحص الكثير أن مسافة القصر عند الأئمة الثلاثة سيما المالكية أكثر من المسافة التي عليها مداره عندنا الحنفية، والمشهور على ألسنة المشايخ، وهو الظاهر من بادي النظر على كتب الفروع خلافه، ووجهه أن مقدار الميل عندهم أزيد من المقدار الذي اختاره الحنفية كما ترى، فتأمل. ثم هذه الآثار كلها مستدلات المالكية في تقديره بمرحلتين أو أربعة برد، وإن اختلفت أقوال أهل الفن في بيان المسافة في أكثر هذه المواضع المذكورة في الكتاب. واستدل الحنفية في ذلك بقوله وَله: ((يمسح المقيم يوماً وليلة، والمسافر ثلاثة أيام ولياليها». قال في ((الهداية)): عمت الرخصة الجنس، ومن ضرورته عموم التقدير، قال القاري في ((شرح المشكاة))(١) نقلاً عن ابن الهمام(٢): فعم بالرخصة، وهي مسح ثلاثة أيام جنس المسافرين، لأن اللام في المسافر للاستغراق، لعدم المعهود المعين، ومن ضرورة عموم الرخصة الجنس، حتى إنه يتمكن كل مسافر من مسح ثلاثة أيام عموم التقدير بثلاثة أيام لكل مسافر. فالحاصل أن كل مسافر يمسح ثلاثة أيام، فلو كان السفر الشرعي أقل (١) انظر: ((مرقاة المفاتيح)) (٧٨/١). (٢) ((فتح القدير)) (٣/٢). ١٨٧ ٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر (٣) باب (٣٣٢) حديث قَالَ يَحْيَى: قَالَ مَالِكٌ: لَا يَقْصُرُ الَّذِي يُرِيدُ السَّفَرَ الصَّلاةَ، من ذلك لثبت مسافر لا يمكنه المسح ثلاثة أيام، وقد كان كل مسافر يمكنه ذلك، ولأن الرخصة كانت منتفية بيقين، فلا تثبت إلا بيقين ما هو سفر في الشرع، وهو فيما عَيَّنَّاهُ إذ لم يقل أحد بأكثر منه، انتهى. ورَدُّ ابن حجر على ابن الهمام مردودٌ عليه، وأصحابنا ما أخذوا بخبر الشيخين: ((لا تسافر المرأة ثلاثة أيام)) الحديث، لمعارضته لخبرهما، أيضاً: (لا تسافر يومين))، بل لمسلم: ((يوماً))، بل صح بريداً، انتهى. وقال ملك العلماء: حديث مسح المسافر ثلاثة أيام في حد الاستفاضة يجوز به نسخ الكتاب إن كان تقييد المطلق نسخاً، انتهى. قلت: بل هو بيان لمجمل الكتاب، وأيضاً استدل الحنفية بحديث علي بن ربيعة الوالبي: سألت عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - إلى كم تقصر الصلاة؟ فقال: أتعرف السويداء؟ قال: لا، ولكني قد سمعت بها، قال: هي ثلاث ليال قواصد، فإذا خرجنا إليها قصرنا الصلاة، رواه محمد بن الحسن في ((الآثار))، وإسناده صحيح، قاله النيموي(١). فهذا نص في موضع الخلاف أن المدار عند ابن عمر - رضي الله عنهما - على ثلاث ليال، فما ورد منه القصر في مواضع متفرقة يكون قصده فيها إلى موضع، هي ثلاث ليال. وعن إبراهيم بن عبد الله قال: سمعت سويد بن غفلة الجعفي يقول: إذا سافرت ثلاثاً فاقصر، رواه محمد بن الحسن في ((الحجج))، وإسناده صحيح، قاله النيموي . (قال يحيى: قال مالك: لا يقصر الذي يريد السفر الصلاة) منصوب على (١) ((آثار السنن)) (٦٣/٢)، و((كتاب الآثار)) (ص٣٩). ١٨٨ ------ - ٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر (٣) باب (٣٣٢) حديث حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ بُيُوتِ الْقَرْيَةِ. المفعولية (حتى يخرج من بيوت القرية) قال الزرقاني(١): وهذا مجمع عليه، اهـ. وفي (الحاشية)) عن ((المحلى)): وبه قال أبو حنيفة والشافعي والجمهور، وقال الشوكاني(٢): قال ابن المنذر تبعاً للحافظ: أجمعوا على أن مريد السفر يقصر إذا خرج عن جميع بيوت القرية التي يخرج منها، واختلفوا فيما قبل الخروج من البيوت، فذهب الجمهور إلى أنه لا بد من مفارقة جميع البيوت، وذهب بعض الكوفيين إلى أنه إذا أراد السفر يصلي ركعتين، ولو كان في منزله . ومنهم من قال: إذا ركب قصر إن شاء، ورجح ابن المنذر الأول بأنهم اتفقوا على أنه يقصر إذا فارق البيوت، واختلفوا فيما قبل ذلك، فعليه الإتمام على أصل ما كان عليه حتى يثبت أن له القصر، ولا أعلم أن النبي ◌َّ قصر في سفر من أسفاره إلا بعد خروجه من المدينة، اهـ. وفي ((البذل))(٣) عن العيني: عندنا إذا فارق بيوت المصر يقصر، وقال الشافعي: في البلد يشترط مجاوزة السور لا مجاوزة الأبنية المتصلة بالسور خارجة، وحكى الرافعي وجهاً أن المعتبر مجاوزة الدور، ورجح الرافعي هذا الوجه . وفي ((المغني)) (٤) لابن قدامة: ليس لمن نوى السفر حتى يخرج من بيوت مصره أو قريته ويخلفها وراء ظهره، قال: وبه قال مالك والأوزاعي وأحمد والشافعي وأبو إسحاق وأبو ثور، وعن عطاء وسليمان بن موسى: أنهما كانا (١) ((شرح الزرقاني)) (٣٠٠/١). ((نيل الأوطار)) (٤٧٩/٢). (٢) (٣) ((بذل المجهود)) (٦/ ٢٧٧). (٤) (١١١/٣). ١٨٩ ٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر (٣) باب (٣٣٢) حديث وَلا يُتِمَّ، حَتَّى يَدْخُلَ أَوَّلَ بُيُوتِ الْقَرْيَةِ، أَوْ يُقَارِبَ ذُلِكَ. يبيحان القصر في البلد لمن نوى السفر، وعن الحارث بن أبي ربيعة: أنه أراد سفراً فصلى بالجماعة في منزله ركعتين، وفيهم الأسود بن يزيد وغير واحد من أصحاب عبد الله، وعن عطاء أنه قال: إذا دخل عليه وقت صلاة بعد خروجه من منزله قبل أن يفارق بيوت المصر يباح له القصر، وقال مجاهد: إذا ابتدأ السفر بالنهار لا يقصر حتى يدخل الليل، وإذا ابتدأ بالليل لا يقصر حتى يدخل النهار، اهـ مختصراً. وفي ((البداية))(١): وأما اختلافهم في الموضع الذي يبدأ منه المسافر بقصر الصلاة، فإن مالكاً قال في ((الموطأ)): ((لا يقصر حتى يخرج من بيوت القرية، ولا يُتَمَّ حتى يدخل أول بيوتها)) وقد روي عنه: ((أنه لا يقصر إذا كانت قرية جامعة حتى يكون منها بنحو ثلاثة أميال)) وذلك عنده أقصى ما تجب فيه الجمعة على من كان خارج المصر، في إحدى الروايتين عنه، وبالقول الأول قال الجمهور. والسبب في هذا الاختلاف معارضة مفهوم الاسم بدليل الفعل، وذلك أنه إذا شرع في السفر فقد انطلق عليه اسم السفر، فمن راعى مفهوم الاسم قال: إذا خرج من بيوت القرية قصر، ومن راعى دليل الفعل، (يعني أنه وَّ إذا خرج مسيرة ثلاثة أميال أو ثلاثة فراسخ، - شعبةُ الشاكُ - صلى ركعتين)) قال بذلك، اهـ. (ولا يتم) الصلاة (حتى يدخل أول) بيت من (بيوت القرية أو يقارب) ويحاذي (ذلك) البيت، وروى ابن عبد البر في ((الاستذكار))(٢) مثله في الخروج والدخول معاً عن ابن عمر وعلي وغيرهما، وقال: وهو قول مالك والشافعي وأبي حنيفة والثوري والأوزاعي وأحمد بن حنبل وأهل الحديث، انتهى. وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: سافرت مع رسول الله وَ ل ومع (١) ((بداية المجتهد)) (١٦٨/١). (٢) (٧٨/٦). ١٩٠ أ ٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر (٤) باب (٤) باب المسافر إذا لم يجمع مكثاً أبي بكر وعمر - رضي الله عنهما -، كلهم صلى من حين يخرج من المدينة إلى أن يرجع إليها ركعتين في المسيرة والقيام بمكة، رواه أبو يعلى والطبراني، وقال الهيثمي: رجال أبي يعلى رجال الصحيح، قاله النيموي(١). وعن أبي حرب بن الأسود الديلي: أن علياً خرج من البصرة فصلى الظهر أربعاً، ثم قال: إنا لو جاوزنا هذا الخص لصلينا ركعتين، رواه ابن أبي شيبة ورواته ثقات، قاله النيموي. وقد أخرج البخاري تعليقاً عن علي - رضي الله عنه - أنه قصر وهو يرى البيوت، فلما رجع قيل له: هذه الكوفة، قال: لا، حتى ندخلها. قال الحافظ في ((الفتح)): وصله الحاكم، وأخرجه البيهقي. قلت: وعن ابن عمر - رضي الله عنهما - أنه كان يقصر الصلاة حين يخرج من شعب المدينة، ويقصر إذا رجع حتى يدخلها، قال النيموي: رواه عبد الرزاق وإسناده لا بأس به، انتهى. (٤) صلاة المسافر إذا لم يجمع مُكثّاً وفي النسخ المصرية: ما لم يجمع(٢) والمآل واحد. (يجمع) بضم الياء وسكون الجيم من أجمع على الأمر: عزم وصمّم يتعدى بنفسه كما ههنا، وبعلى، قاله الزرقاني(٣)، وقال المجد الشيرازي: الجمع: تأليف المتفرق، والإجماع: الاتفاق، والعزم على الأمر، أجمعت الأمر وعليه، والأمر مجمع، انتهى. (مكثاً) قال المجد: المكث مثلثاً، ويحرك اللبث، انتهى. يعني يقصر المسافر ما لم يعزم على اللبث. (١) ((آثار السنن)) (٦٤/٢). (٢) كذا في ((الاستذكار)) (٩٨/٦). (٣) ((شرح الزرقاني)) (٣٠٠/١). ١٩١ ٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر (٤) باب (٣٣٣) حديث ١٦/٣٣٣ - حَدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنِ ابْنِ شِهَابِ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ؛ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَقُولُ: أَصَلِّي صَلاةَ الْمُسَافِرِ، مَا لَمْ أُجْمِعْ قال ابن عبد البر(١): لا أعلم خلافاً فيمن سافر سفراً يَقْصُرُ فيه الصلاة أنه لا يلزمه أن يتم الصلاة في سفره إلا أن ينوي الإقامة في مكان من سفره، ویجمع نيته على ذلك. قال الترمذي: أجمع أهل العلم على أن للمسافر أن يقصُر ما لم يجمع إقامة وإن أتى عليه سنون، انتهى. وقال ابن العربي في ((العارضة))(٢): قال الشافعي: إذا قام في بلد على تَنَجِّزِ حاجة ولم ينوِ الإقامة قصر إلى ثمانية عشر يوماً، وهذا نظر إلى صورة مقام النبي ◌َّليل بمكة في إحدى الروايات، ولا يشبه هذا طريقة الشافعي - رضي الله عنه -، وقد روي أن النبي وَلّ أقام بتبوك عشرين يوماً، وقال أنس: أقام أصحاب النبي وَّه بِرَامَهُرْمُز تسعة أشهر يقصرون، وأقام سعد بن مالك بالشام شهرين، وعبد الرحمن بن سمرة بكابل، وابن عمر - رضي الله عنهما - بأذربيجان ستة أشهر، ذكر لنا ذلك فخر الإسلام في الدرس، انتهى. واختلف أهل العلم في المدة التي إذا نوى المسافر أن يقيم فيها لزمه الإتمام كما سيأتي في الباب الذي بعد ذلك إن شاء الله تعالى. فالفرق بين هذه الترجمة والآتية كما يظهر من الروايات الواردة في البابين، أن مقصود الأولى إثبات أن الرجل لا يزال مسافراً ما لم يعزم على المكث مدة الإقامة وإن أقام سنين، وغرض الترجمة الثانية بيان المدة التي إذا نواها الرجل يصير مقيماً . ١٦/٣٣٣ - (مالك، عن ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله أن عبد الله بن عمر كان يقول: أصلي صلاة المسافر) يعني أقصر الصلاة (ما لم أجمع) بضم (١) ((الاستذكار)) (٩٨/٦). (٢) ((عارضة الأحوذي)) (٢١/٣، ٢٢). ١٩٢ --- -- ٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر (٤) باب (٣٣٤) حديث مُكْنَاً، وَإِنْ حَبَسَنِي ذَلِكَ اثْنَيْ عَشْرَةَ لَيْلَةً . ٣٣٤/ ١٧ - وحدّثني عَنْ مَالِكٍ، عَنْ نَافِع؛ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ أَقَامَ بمَكَّةَ عَشْرَ لَيَالٍ، يَقْصُرُ الصَّلاةَ إلَّا أَنْ يُصَلِّيهَا مُعَ الإِمَامِ، فَيُصَلِّيهَا بصَلاتِه . الهمزة (مكثاً) يعني ما لم أنوِ المقام مدة تمنع ذلك (وإن حبسني) أي منعني (ذلك) التردد (اثنتي عشرة ليلة) أو أكثر من ذلك، لأن حكم السفر لم ينقطع، وتخصيص الذكر لهذا العدد يظهر مما قاله ابن عبد البر في ((الاستذكار))(١) في ذكر الأقوال في مدة الإقامة. وههنا قول سادس: روي عن ابن عمر - رضي الله عنهما - أنه قال: إذا أقام اثنتي عشرة ليلة أتم، وإن كان دون ذلك قصر، وأيَّدَه بحديث مالك هذا، ثم قال: وقد روي عن الأوزاعي أيضاً مثل ذلك، انتهى. فعُلم بهذا أن ذكر الاثنتي عشرة ليلة مبنيٌّ على قوله هذا، مع أن المعروف عن ابن عمر - رضي الله عنه - أنه قال: من أجمع إقامة خمس عشرة ليلة أتمَّ، كما ذكره ابن عبد البر عنه، وكذا ذكره الطحاوي وغيرهما، وأياً ما كان فالمقصود أنه لا يكون مقيماً ما لم يعزم على قيام مدة الإقامة، وإن أقام مدة الإقامة بدون العزم. ١٧/٣٣٤ - (مالك عن نافع أن ابن عمر أقام بمكة عشر ليال) على ما تقدم من أنه لم يُجمع الإقامة، هذا على تبويب المصنف ورأيه، وإلا فالمعروف عن ابن عمر: أن المسافر لا يُتمّ إلا أن يجمع إقامة خمس عشرة ليلة كما تقدم، فعلى هذا قصره - رضي الله عنه - في القيام عشر ليال لم يكن لأجل أنه لم يعزم الإقامة؛ بل لأجل أنه لم ينوِ مدة الإقامة التي هي خمسة عشر يوماً عنده (يقصر الصلاة) لأنه في حكم المسافر (إلا أن يصليها مع الإمام فيصليها) تامة باقتداء (بصلاته). (١) (١٠٦/٦). ١٩٣ ٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر (٥) باب (٣٣٥) حدیث (٥) باب صلاة الإمام إذا أجمع مكثا ١٨/٣٣٥ - حَدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنْ عَطَاءِ الْخُرَاسَانِيِّ؛ أَنَّهُ سَمِعَ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ قَالَ: مَنْ أَجْمَعَ إِقَامَةً، أَرْبَعَ لَيَالٍ، وَهُوَ مُسَافِرٌ، أَتَمَّ الصَّلاةَ. قَالَ مَالِكٌ: وَذُلِكَ أَحَبُّ مَا سَمِعْتُ إِلَيَّ. (٥) صلاة المسافر هكذا في النسخ الهندية، وهو الأوجه، وفي النسخ المصرية والشروح بدلها ((صلاة الإمام)) (إذا أجمع مكثاً) تكون تماماً غير قصر(١). ١٨/٣٣٥ - (مالك، عن عطاء) بن أبي مسلم ميسرة، وقيل: عبد الله (الخراساني) البلخي أبو عثمان مولى المهلب على الأشهر، وقيل: مولى لهذيل، ولد سنة ٥٠هـ ومات سنة ١٣٥هـ، أدخله البخاري في ((الضعفاء)) ورَدّ عليه ابن عبد البر كما نقله الزرقاني (أنه سمع سعيد بن المسيب) من كبار الثانية (قال: من أجمع) أي عزم (إقامة أربع ليال وهو مسافر أتم الصلاة) أي أربع ركعات. (قال يحيى: قال مالك: وذلك) أي قول سعيد (أحبُّ ما سمعت) في ذلك من الأقوال (إليّ) متعلق بأحب، قلت: لكن يشكل عليه ما في ((الاستذكار))(٢) قال: وروى أبو بكر بن أبي شيبة نا عبد الله بن إدريس عن داود بن أبي هند عن سعيد بن المسيب قال: إذا أجمع الرجل على إقامة خمس عشرة ليلة أتَّمَّ الصلاة، وهذا أيضاً حديث صحيح الإسناد عن سعيد، انتهى. إلا أن يقال: إن الإمام مالكاً - رضي الله عنه - لم يبلغه من أثري سعيد بن المسيب إلا المذكور في المتن أو بلغه كلاهما، لكن المرجح عنده هو ذاك (١) انظر في هذه المسألة: ((فتح القدير)) (٣٩٧/١) و((الشرح الكبير)) (١/ ٣٦٤) و((بداية المجتهد)) (٩٣/١) و((المهذب)) (١/ ١٠٧). (٢) (١٠٥/٦). ١٩٤ ۔ ۔۔ ----- -- " ٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر (٥) باب (٣٣٥) حديث لوجهٍ من وجوه الترجيح، كما أن المرجح عند الحنفية أثره الثاني، وأخرج ابن أبي شيبة عن سعيد بن المسيب أثراً ثالثاً، وهو أنه قال: إذا أقمت ثلاثاً فأتم الصلاة . واختلف فقهاء الأمصار في مسألة الباب كثيراً، قال الزرقاني: وبه أي بأثر الباب قال الشافعي وأبو ثور وداود وجماعة، وقال الثوري وأبو حنيفة وأصحابه: إذا نوى إقامة خمسة عشر يوماً أتم، ودونها قصر، انتهى. وفي ((الاستذكار))(١): وفي المسألة قول ثالث: قال الليث: إن نوى إقامة خمس عشرة فما دون قصر، وإن نوى أكثر من إقامة خمسة عشر يوماً أتمَّ الصلاة، واحتجَّ بما رواه عن يزيد بن أبي حبيب عن عراك بن مالك عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن ابن عباس قال: أقام رسول الله وكل خمس عشرة بمكة يصلي ركعتين، وفي رواية أخرى: أقام بعد الفتح خمس عشرة يقصر الصلاة، حتى صار إلى حنين. وبَلَّغ ابن عبد البر في ((الاستذكار)) أقوالَ العلماء في ذلك إلى أحد عشر قولاً، وذكر العيني في ((شرح البخاري))(٢) اختلاف الأقوال في ذلك على اثنين وعشرين قولاً، نتركها اختصاراً . قال ابن رشد في ((البداية)) (٣): وأما اختلافهم في الزمان الذي يجوز للمسافر إذا أقام فيه في بلد أن يقصر، فاختلاف كثير، إلا أن الأشهر منها هو ما عليه فقهاء الأمصار، ولهم في ذلك ثلاثة أقوال: أحدها: مذهب مالك والشافعي: أنه إذا أزمع المسافر على إقامة أربعة أيام أتَمَّ، والثاني: مذهب (١) (١٠٥/٦). (٢) انظر: ((عمدة القاري)) (٣٧١/٥ - ٣٧٢). (٣) ((بداية المجتهد)) (١٦٩/١). ١٩٥ ٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر (٥) باب (٣٣٥) حديث أبي حنيفة والثوري: أنه إذا أزمع على إقامة خمسة عشر يوماً أتم، والثالث: مذهب أحمد وداود: أنه إذا أزمع على أكثر من أربعة أيام أتَّمَّ . وسبب الاختلاف أنه أمر مسكوت عنه في الشرع، والقياس على التحديد ضعيف عند الجميع، ولذلك رام هؤلاء كلهم أن يستدلوا لمذهبهم من الأحوال التي نقلت عنه عليه السلام: أنه أقام فيها مقصراً، أو أنه جعل لها حكم المسافر، فالفريق الأول احتجّوا لمذهبهم بما روي أنه عليه السلام ((أقام بمكة ثلاثاً يقصر في عمرته))، والفريق الثاني احتجوا بما روي أنه عليه السلام ((أقام بمكة عام الفتح مقصراً وذلك نحواً من خمسة عشر يوماً))، والفريق الثالث احتجوا بمقامه له في حجه بمكة مقصراً أربعة أيام، وقد احتجت المالكية لمذهبها أنه ومَ﴿ جعل للمهاجر مقام ثلاثة أيام بمكة، بعد قضاء نسكه، فدل هذا عندهم على أن إقامة ثلاثة أيام ليست تسلب عن المقيم فيها اسم السفر، انتهى مختصراً . قلت: ومستدل الحنفية في ذلك ما في ((البدائع))(١) إذ قال: ولنا ما روي عن ابن عباس وابن عمر - رضي الله عنهما - أنهما قالا: ((إذا دخلت بلدة وأنت مسافر وفي عزمك أن تقيم بها خمسة عشر يوماً فأكمل الصلاة، وإن كنت لا تدري متى تظعن، فاقصر)) (٢)، وهذا باب لا يوصل إليه بالاجتهاد، لأنه من جملة المقادير، ولا يظن بهما التكلم جزافاً، فالظاهر أنهما قالاه سماعاً من رسول الله وَل، انتهى. وبأثرهما استدل صاحب ((الهداية)) إذ قال: وهو المأثور عن ابن عباس وابن عمر، والأثر في مثله كالخبر. (١) ((بدائع الصنائع)) (٢٦٩/١). (٢) انظر: ((نصب الراية)) (١٨٣/٢). ١٩٦ --------- -- -- ---- ---- ٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر (٥) باب (٣٣٥) حديث قال الزيلعي: أخرجه الطحاوي عنهما، قالا: إذا قدمتَ بلدة وأنت مسافر وفي نفسك أن تقيم خمسة عشر يوماً . وأخرج محمد بن الحسن في ((كتاب الآثار)): أخبرنا أبو حنيفة ثنا موسى بن مسلم عن مجاهد عن عبد الله بن عمر قال: إذا كنت مسافراً فوطّنْتَ نفسك على إقامة خمسة عشر يوماً فأتم الصلاة، وإن كنت لا تدري فاقصر الصلاة، انتهى. قال النيموي: وإسناده حسن. قلت: وأخرج ابن أبي شيبة عن مجاهد قال: إن ابن عمر - رضي الله عنه - كان إذا أجمع على إقامة خمسة عشر يوماً أتم الصلاة. قال النيموي: إسناده صحيح، وعنه عن ابن عمر - رضي الله عنه -: أنه إذا أراد أن يقيم بمكة خمسة عشر سرح ظهره، وصلى أربعاً، رواه محمد بن الحسن في ((كتاب الحجج))، وإسناده صحيح، قاله النيموي. وعن سعيد بن المسيب قال: إذا قدمت بلدة فأقمت خمسة عشر يوماً فأتم الصلاة، رواه محمد بن الحسن في ((الحجج))، وإسناده صحيح، قاله النيموي. قلت: وتقدم عن ابن عبد البر تصحيحه وأنه أخرجه ابن أبي شيبة، قال ابن التركماني(١): وفي ((اختلاف العلماء)) للطحاوي، روى ابن عباس - رضي الله عنه - وجابر - رضي الله عنه -: أنه عليه الصلاة والسلام قدم مكة صبيحة أربعة من ذي الحجة، فكان مقامه إلى وقت خروجه أكثر من أربع، وقد كان يقصر الصلاة فدل على سقوط الاعتبار بالأربع، انتهى. قلت: ولأجل ذلك المعنى أدار أحمد بن حنبل - رضي الله عنه - الحكم على إحدى وعشرين صلاة، ثم ذكر الطحاوي عن ابن عمر - رضي الله عنه -: أن من نوى الإقامة خمسة عشر يوماً أتم الصلاة قال: ولم يرو عن أحد من السلف خلافه، انتهى. (١) انظر: ((الجوهر النقي على هامش السنن الكبرى)) (١٤٩/٣). ١٩٧ ٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر (٦) باب (٣٣٦) حديث وَسُئِلَ مَالِكٌ عَنِ صَلاةِ الأَسِيرِ؟ فَقَالَ: مِثْلُ صَلاةِ الْمُقِيمِ، إِلَّ أَنْ يَكُونَ مُسَافِراً. (٦) باب صلاة المسافر إذا كان إماماً أو كان وراء إمام ١٩/٣٣٦ - حَدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمُ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِيهِ؛ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَانَ إِذَا قَدِمَ مَكَّةَ، صَلَّى بِهِمْ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ يَقُولُ: يَا أَهْلَ مَكَّةَ أَتِمُوا صَلاتَكُمْ، (قال يحيى: وسئل مالك عن صلاة الأسير؟ فقال:) يصلي (مثل صلاة المقيم) فيتمها (إلا أن يكون مسافراً) فيقصر إذاً، قال ابن عبد البر في (الاستذكار))(١): لا أعلم خلافاً بين العلماء في ذلك، ومحال أن يصلي وهو مقيم إلا صلاة المقيم وإن سافر أو سوفر به كان له حينئذ حكم المسافر، انتھی . (٦) صلاة المسافر إذا كان إماماً أو وراء إمام هذه الترجمة تتناول مسألتين؛ أولاهما: إمامة المسافر للمقيمين. وعُلِمَ بالروايات الواردة في الباب أن الإمام يُسَلِّم على ركعتين، والمقيمين يُتمون صلاتهم كإتمام أهل مكة، وهذا إجماع كما سيجيء، والثانية: أن يكون المسافر وراء إمام مقيم، وهذا مختلف بين الأئمة كما سيجيء. ١٩/٣٣٦ - (مالك، عن ابن شهاب عن سالم بن عبد الله عن أبيه) عبد الله بن عمر (أن) أباه (عمر بن الخطاب كان إذا قدم مكة صلّى بهم) أي بأهل مكة إماماً لأنه الخليفة، والسلطان أحق بالإمامة (ركعتين) قصراً (ثم يقول) لهم: (يا أهل مكة أتموا صلاتكم) وإتمامهم إجماع كما صرح به جماعة. (١) (٦ /١١٣). ١٩٨ ..- ٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر (٦) باب (٣٣٧) حديث فَإِنَّا قَوْمٌ سَفْرٌ. وحدّثني عَنْ مَالِكٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِهِ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، مِثْلَ ذَلِكَ . ٢٠/٣٣٧ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ نَافِع؛ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يُصَلَّي وَرَاءَ الْإِمَامِ، بِمِنَّى أَرْبَعاً، قال ابن عبد البر: لا خلاف علمته فيما بينهم أن المسافر إذا صلى بمقيمين ركعتين وسلم فأتَمُّوا لأنفسهم، وقال الشوكاني: جواز ائتمام المقيم بالمسافر مجمع عليه، كما في ((البحر))، واختلف في العكس، انتهى. كما سيجيء. (فإنا قوم سفر) بفتح فسكون: جمع سافر كراكب وركب، وهذا اتباع لفعله ◌َّ، أخرج الترمذي وأبو داود والبيهقي كما قاله الشوكاني عن عمران بن حصين، قال: شهدت رسول الله ◌َّر الفتح فأقام بمكة ثمان عشرة ليلة لا يصلي إلا ركعتين، ثم يقول لأهل البلد: صلَّوا أربعاً فإنا سفر، وأخرجه ابن عبد البر في ((الاستذكار))(١) بسنده مطولاً، وحديث عمران حسنه الترمذي، وفي سنده علي بن زيد بن جدعان، قال الحافظ: إنما حسن الترمذي حديثه لشواهد، قاله الشوكاني(٢). (مالك، عن زيد بن أسلم عن أبيه) أسلم العدوي مولى عمر - رضي الله عنه - (عن عمر بن الخطاب مثل ذلك) هذا طريق آخر لأثر عمر المتقدم، أخرج المصنف ألفاظه في الحج في الصلاة بمنى، قال الزرقاني: كل من الطريقين صحيح. ٢٠/٣٣٧ - (مالك عن نافع أن عبد الله بن عمر كان يصلي وراء الإمام بمنى أربعاً) لوجوب متابعة الإمام، وترك الخلاف معه، قال ابن عبد البر في (١) (٦ / ١١٥). (٢) ((نيل الأوطار)) (٤٨٣/٢). ١٩٩ ٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر (٦) باب (٣٣٧) حديث ((الاستذكار)) (١): اختلفوا في المسافر يصلي وراء مقيم، فقال مالك وأصحابه: إذا لم يدرك معه ركعة تامة صلى ركعتين، فإن أدرك معه ركعة بسجدتيها صلى أربعاً، وذكر الطحاوي: أن أبا حنيفة وأبا يوسف ومحمداً قالوا: يصلي صلاة المقيم وإن أدركه في التشهد، وهو قول الثوري والشافعي، انتهى. قال الشعراني: ومن ذلك قول الأئمة الثلاثة: أنه لو اقتدى مسافر بمقيم في جزء من صلاته لزمه الإتمام، مع قول مالك: لا بد من صلاته خلفه ركعة، فإن لم يدرك خلفه ركعة فلا يلزمه الإتمام، ومع قول أحمد بجواز قصر المسافر خلف المقيم، وبه قال إسحاق بن راهويه، انتهى. قلت: ما حكي عن أحمد يأبى عنه كتب فروعه، فإنه صرح في ((نيل المآرب)) و((الروض)) بلزوم الإتمام خلف المقيم، وقال الأبي في ((شرح مسلم)): إن الإمام إذا أتم يتم معه، وهو مذهب الكافة، واختلف بِمَ يلزمه الإتمام معه؟ فقال مالك: بعقد ركعة تامة، وقال الحنفية والشافعية: بالدخول معه، انتهى . وقال الشوكاني: جواز ائتمام المقيم بالمسافر مجمع عليه كما في ((البحر))، واختلف في العكس، فذهب طاووس وداود والشعبي وغيرهم إلى عدم الصحة لقوله وَلجر: ((لا تختلفوا على إمامكم)) وقد خالف في العدد والنية، وذهب الحنفية والشافعية إلى الصحة إذ لم تفصل أدلة الجماعة، ويدل للجواز ما أخرجه أحمد بن حنبل في ((مسنده))(٢) عن ابن عباس: أنه سئل ما بال المسافر يصلي ركعتين إذا انفرد، وأربعاً إذا ائتم بمقيم، فقال: تلك السنة، وفي لفظ: أنه قال له موسى بن سلمة: ((إنا إذا كنا معكم صلينا أربعاً، وإذا (١) (١١٦/٦). (٢) أخرجه أحمد (١٦/١). ٢٠٠ --