Indexed OCR Text

Pages 101-120

٨ - كتاب صلاة الجماعة
(٩) باب
(٩) باب الرخصة في الصلاة في الثوب الواحد
الثلاثة وهو مختار الإمام مالك - رضي الله عنه - كما صرح به. قال الشوكاني:
وهو مذهب الشافعي - رضي الله عنه - صرح به في كتبه، ونقله النووي وابن
سيد الناس عن عمر بن الخطاب ومعاذ بن جبل وابن عباس وابن عمر وجابر
وعطاء وعكرمة ومجاهد والربيع وجمهور أصحاب الشافعي، اهـ.
قال الحافظ في ((الفتح)) (١): شبهة من قال: إنها الصبح قوية، لكن كونها
العصر هو المعتمد، وقال أيضاً: قال العلائي: حاصل أدلة من قال: إنها غير
العصر يرجع إلى ثلاثة أنواع:
أحدها: تنصيص بعض الصحابة وهو معارض بمثله ممن قال منهم: إنها
العصر، ويترجح قول العصر بالنص الصريح المرفوع، وإذا اختلف الصحابة لم
يكن قول بعضهم حجة على غيره، فتبقى حجة المرفوع قائمة.
ثانيها: معارضة المرفوع بورود التأكيد على فعل غيرها كالحث على
المواظبة على الصبح والعشاء، وهو معارض بما هو أقوى منه وهو الوعيد
الشديد الوارد في ترك صلاة العصر.
وثالثها: ما جاء عن عائشة وحفصة من قراءة: (حافظوا على الصلوات
والصلاة الوسطى وصلاة العصر) بالواو، والعطف يقتضي المغايرة، اهـ.
وأنت خبير بأنه معارض لما تقدم من لفظ وهي صلاة العصر.
(٩) الرخصة في الصلاة في الثوب الواحد
قال الباجي (٢): الملبوس له مقداران، مقدار الفرض ومقدار الفضل، أما
الفرض للرجال فهو ما يستر العورة ولا خلاف في أنه فرض. قال القاضي
(١) ((فتح الباري)) (١٩٦/٨).
(٢) ((المنتقى)) (٣٤٧/١).
١٠١

٨٠ - كتاب صلاة الجماعة
(٩) باب
أبو الفرج: فرض من فروض الصلاة، وبه قال أبو حنيفة والشافعي، والعورة
التي يجب سترها، هي ما بين السرة إلى الركبة، هذا الذي ذهب إليه جمهور
العلماء من أصحابنا، وبه قال أبو حنيفة والشافعي، وقال الشيخ أبو القاسم:
العورة: القبل والدبر والفخذان، ويروى عن بعض أهل الظاهر العورة: القبل
والدبر خاصة، انتهى ملخصاً .
وتوضيح كلامه أن هاهنا ثلاث مسائل: الأولى: في حكم ستر العورة،
قال ابن رشد (١): اتفق العلماء على أن ستر العورة فرض بإطلاق، واختلفوا هل
هو شرط من شروط صحة الصلاة أم لا؟ وظاهر مذهب مالك أنها من سنن
الصلاة، وذهب أبو حنيفة والشافعي إلى أنها من فروض الصلاة. وسبب
الخلاف في ذلك تعارض الآثار واختلافهم في مفهوم قوله تعالى: ﴿يَنِىَِّادَمَ
خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾(٢) هل الأمر بذلك على الوجوب أو على الندب؟
فمن حمله على الوجوب، قال: المراد به ستر العورة، ومن حمله على الندب
قال: المراد بذلك الزينة الظاهرة من الرداء وغير ذلك من الملابس التي هي
زينة، قالوا: ولذلك من لم يجد ما يستر به عورته لم يختلف في أنه
يصلي، اهـ.
وذكر ابن العربي في ((شرح الترمذي)) فيه أربعة مذاهب.
وأما المسألة الثانية: وهي حد العورة، أما من الرجل فقال ابن رشد (٣):
ذهب مالك والشافعي إلى أنه ما بين السرة إلى الركبة وكذلك قال أبو حنيفة،
وقال قوم: العورة هما السوأتان فقط من الرجل، وسبب الخلاف في ذلك
(١) (بداية المجتهد)) (١١٤/١).
(٢) سورة الأعراف: الآية ٣١.
(٣) (بداية المجتهد)) (١١٤/١).
١٠٢
--

٨ - كتاب صلاة الجماعة
(٩) باب
أثران متعارضان كلاهما ثابت، أحدهما حديث جرهد مرفوعاً: الفخذ عورة،
والثاني حديث أنس أن النبي وَ﴿ حسر عن فخذه، قال البخاري: حديث أنس
أسند وحديث جرهد أحوط، اهـ. وأما عورة المرأة فستأتي في الباب الآتي،
وهاتان المسألتان تناسبان المحل، ولذا ذكرهما الباجي لكن المصنف لما لم
يذكرهما أعرضنا عن تفصيلهما واكتفينا فيهما على ما لا بد من معرفته.
وأما المسألة الثالثة: وهي التي قصدها المصنف في هذا الباب فكانت
مختلفة في السلف. قال الزرقاني(١): وكان الخلاف في الصلاة في الثوب
الواحد قديماً، روى ابن أبي شيبة عن ابن مسعود قال: لا يصلين في ثوب
واحد وإن كان أوسع مما بين السماء والأرض، ونسب ابن بطال ذلك إلى
ابن عمر، ثم قال: لم يتابع عليه، ثم استقر الإجماع على الجواز، انتهى.
قلت: لكن منهم من قال بالكراهة كما سيأتي. وقال العيني (٢): جواز
الصلاة في الثوب الواحد لمن يقدر على أكثر منه هو قول جماعة الفقهاء،
وروي عن ابن عمر خلاف ذلك وكذا عن ابن مسعود، وقال ابن بطال: إن
ابن عمر - رضي الله عنهما - لم يُتابع على قوله، وفيه نظر؛ لأنه روي مثله عن
ابن مسعود، وروي عن مجاهد أيضاً: أنه لا يصلي في ثوب واحد إلا أن
لا يجد غيره، نعم عامة الفقهاء على خلافه، اهـ.
قال القسطلاني (٣): وهذا أي الجواز مذهب جمهور الصحابة كابن عباس
وعلي ومعاوية وأنس بن مالك وخالد بن الوليد وأبي هريرة وعائشة وأم هانئ،
ومن التابعين: الحسن البصري وابن سيرين والشعبي وابن المسيب وعطاء
(١) ((شرح الزرقاني)) (٢٨٧/١).
(٢) ((عمدة القاري)) (٢٦٤/٣).
(٣) ((إرشاد الساري)) (١٩/٢).
١٠٣

٨ - كتاب صلاة الجماعة
(٩) باب
(٣٠٨) حديث
وأبو حنيفة، ومن الفقهاء: أبو يوسف ومحمد والشافعي ومالك وأحمد في
رواية وإسحاق بن راهويه، اهـ.
وقال النووي: لا خلاف في ذلك إلا ما حكي عن ابن مسعود - رضي الله
عنه - ولا أعلم صحته.
قلت: أخرج في ((المشكاة)) برواية أحمد عن أبيّ بن كعب قال: الصلاة
في الثوب الواحد سنة كُنَّا نفعله مع رسول الله وَّر ولا يعاب علينا، فقال
ابن مسعود: إنما كان ذلك إذا كان في الثياب قلة، وأما إذا وسّع الله فالصلاة
في الثوبين أزكى، فهذا نص في أن مراد ابن مسعود خلاف الأفضل، وكذلك
روي عن ابن عمر أنه قال: فالله أحق أن تتزيّن له، كما في ((البدائع))، فالظاهر
أنهما موافقان للجمهور، ثم قال النووي: وأجمعوا أن الصلاة في ثوبين
أفضل، انتهى. وكذا قال الأبي والسنوسي، وإليه أشار في الترجمة بلفظ:
الرخصة .
وقال ابن العربي: الأفضل أن يكون الرجل كامل الهيئة في الصلاة متوفر
الملبس، كان بعض العلماء الفقراء له ثياب متعددة في لفافة فإذا جاء وقت
الصلاة لبسها فإذا فرغ خلعها وردها إلى مكانها. وقال: الصلاة أحق ما يتزين
لها ولقاء الله ومناجاته أفضل ما استعد له، اهـ.
وقال ابن عابدين: وكره صلاته في ثياب بذلة يلبسها في بيته، ولا يذهب
بها إلى الأكابر، والظاهر كراهة تنزيهية، اهـ.
وفي ((البدائع))(١) عن أبي حنيفة: أن الصلاة في إزار واحد فعل أهل
الجفاء، وفي ثوب متوشِّحاً به أبعد من الجفاء، وفي إزار ورداء من أخلاق
الكرام، اهـ.
(١) (٥١٥/١).
١٠٤
-----
---

٨ - كتاب صلاة الجماعة
(٩) باب
(٣٠٨) حديث
٢٩/٣٠٨ - حَدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنْ هِشَام بْنِ عُرْوَةَ،
عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ؛ أَنَّهُ رَأَى رَسُولَ اللَّهِ وَلَهْ يُصَلِّي فِي
ثَوْبٍ وَاحِدٍ، مُشْتَمِلاً بِهِ، فِي بَيْتِ أَمِّ سَلَمَةَ،
٢٩/٣٠٨ - (مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه) عروة (عن عمر بن
أبي سلمة) عبد الله بن عبد الأسد المخزومي صحابي صغير، ربيب النبي وَل،
أمه أم سلمة أمّ المؤمنين، ولد بالحبشة سنة ٢هـ، وأمَّره علي بن أبي طالب
على البحرين، ومات سنة ٨٣هـ بالمدينة على الصحيح، ووهم من قال: قتل
يوم الجمل، نعم شهدها (أنه رأى رسول الله ◌َ﴾ يصلي في ثوب واحد) حال
كونه وَالر (مشتملاً به) أي بالثوب.
قال المجد في ((القاموس)): اشتمل بالثوب: أداره على جسده كله. (في
بيت أم سلمة) ظرف ليصلي، ويحتمل لمشتمل، أولهما، قال الباجي: قال
الأخفش: الاشتمال أن يلتحف من رأسه إلى قدميه، والتوشح أن يأخذ الثوب
من تحت يمينه فيرده على منكبه من يمينه (١) وهذا الذي قاله الأخفش(٢) ليس
هذا الاشتمال المذكور في الحديث، وإنما هو نوع من الاشتمال، والاشتمال
على أضرب؛ أحدها: التوشح وهو المذكور في حديث الإباحة، والثاني:
اشتمال الصماء وهو الذي أنكره و ﴿ر على جابر، اهـ.
قلت: وتوضيح المقام أن هناك ثلاثة أحاديث؛ الأول: حديث الباب،
وهو فعله وَلّر، وسيأتي توضيحه في آخر الحديث. والثاني: إنكاره وَل على
جابر، أخرجه البخاري وغيره، ولفظ البخاري (٣) عن سعيد بن الحارث قال:
(١) كذا في الأصل. وانظر: ((الباجي)) (٢٤٨/١).
(٢) لكن جاء في ((الاستذكار)) (٣٤/٥) عن الأخفش: التوشح هو أن يأخذ طرف الثوب
الأيسر من تحت يده اليسرى فيلقيه على منكبه الأيمن، ويلقي طرف الثوب الأيمن من
تحت يده اليمنى على منكبه الأيسر، قال: هذا هو التوشح الذي جاء عن النبي ◌َّ أنه
قال في ثوب واحد متوشحاً به.
(٣) ((صحيح البخاري)) (٣٦١).
١٠٥

٨ - كتاب صلاة الجماعة
(٩) باب
(٣٠٨) حديث
سألنا جابراً عن الصلاة في الثوب الواحد؟ فقال: ((خرجتُ مع النبيِ وَّ في
بعض أسفاره، فجئت ليلة فوجدته يصلي، وعليَّ ثوب واحد فاشتملت به،
وصليت إلى جانبه، فلما انصرف قال: ما هذا الاشتمال الذي رأيت؟ قلت:
كان ثوباً، قال: إن كان واسعاً فالتحف، وإن كان ضيقاً فاتّزر به)) فهذا الإنكار
لا لأجل الاشتمال كما ترى، بل لأن الثوب كان ضيّقاً، ووظيفة الضيق
الاتّزار، لا الاشتمال لأن كمال ستر العورة في القصير لا يحصل إلا بالاتّزار.
والثالث: أحاديث المنع عن اشتمال الصمّاء واشتمال اليهود. واختلف
الفحول في تفسيره، ولذا اختلفوا في حكمه أن النهي للتحريم أو التنزيه، قال
العيني(١): اختلفوا في تفسيره، ففي ((النهاية)): هو التجلل بالثوب وإرساله من
غير أن يرفع جانبه، وفي كتاب اللباس: هو أن يجعل ثوبه على أحد عاتقيه،
فيبدو أحد شقيه ليس عليه ثوب، وعن الأصمعي: هو أن يشتمل بالثوب حتى
يجلل به جسده، لا يرفع منه جانباً فلا يبقى ما يخرج منه يده.
وعن أبي عبيد: أن الفقهاء يقولون: هو أن يشتمل بثوب واحد ليس عليه
غيره، ثم يرفعه من أحد جانبيه فيضعه على أحد منكبيه فيبدو منه فرجه، فقالوا
على تفسير أهل اللغة: إنما يكره اشتمال الصمّاء لئلا تعرض له حاجة من دفع
بعض الهوامٌّ وغيرها، فيعسر عليه إخراج يده فيلحقه الضرر، وعلى تفسير
الفقهاء: يحرم الاشتمال المذكور إن انكشف به بعض العورة وإلا فيكره،
انتھی .
قلت: بل الأوجه في وجه الكراهة عندي على تفسير أهل اللغة أنه يمنع
رفع اليدين ووضعهما على الرُّكب في الركوع، وبسطهما في السجود
والجلوس، لأن الصمّاء في الأصل مأخوذ من صخرة صمّاء إذا لم يكن فيها
(١) ((عمدة القاري)) (٢٨٩/٣).
١٠٦
----
------
-

٨ - كتاب صلاة الجماعة
(٩) باب
(٣٠٩) حدیث
وَاضِعاً طَرَفَيْهِ عَلَى عَاتِقَيْهِ .
أخرجه البخاريّ في: ٨ - كتاب الصلاة، ٤ - باب الصلاة في الثوب الواحد
ملتحفاً به .
ومسلم في: ٤ - كتاب الصلاة، ٥٢ - باب الصلاة في ثوب واحد، وصفة
لبسه، حديث ٢٧٨.
٣٠/٣٠٩ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ
سَعِيدٍ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ سَائِلاً
خرق ولا منفذ، فيتعسر تحريك اليدين (واضعاً) بالنصب على الحالية أي حال
كونه وَّله واضعاً (طرفيه) بالتثنية والضمير إلى الثوب (على عاتقيه) وَل﴾ يعني أخذ
طرف ثوبه من يده اليمنى، فوضعه على كتفه اليسرى، وأخذ الطرف الآخر من
تحت يده اليسرى فوضعه على كتفه اليمنى، وقد ورد في البخاري عن أبي
هريرة مرفوعاً: ((لا يصلي أحدكم في الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شيء)،
وفي رواية أخرى عن أبي هريرة يقول: أشهد أني سمعت رسول الله وَلّ يقول:
((من صلى في ثوب واحد فليخالف بين طرفيه).
قال العيني(١): إنما أمر بذلك لستر أعالي البدن وموضع الزينة، وقال
ابن بطال: وفائدة المخالفة في الثوب أن لا ينظر المصلي إلى عورة نفسه إذا
ركع، قال العيني: وفائدة أخرى: أن لا يسقط إذا ركع، وهذا الأمر للندب
عند الجمهور، اهـ. قلت: وسيأتي الخلاف في ذلك.
٣٠/٣٠٩ - (مالك، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، عن أبي
هريرة أن سائلاً) قال الحافظ(٢): لم أقف على اسمه، وقال العيني بعد سرد
الألفاظ المختلفة في ذكر السائل: وعلى كل حال فالسائل مجهول، اهـ. ولكن
(١) ((عمدة القاري)) (٢٧٧/٣).
(٢) (فتح الباري)) (٥٨٨/١) رقم الحديث (٣٥٨).
١٠٧

٨ - كتاب صلاة الجماعة
(٩) باب
(٣٠٩) حديث
سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ وَ ﴿ عَنِ الصَّلاةِ في ثَوْبٍ وَاحِدٍ؟ فَقَالَ
رَسُولُ اللَّهِ وَلَ: ((أَوَ لِكُلَّكُمْ ثَوْبَانِ؟)).
أخرجه البخاريّ في: ٨ - كتاب الصلاة، ٤ - باب الصلاة في الثوب الواحد
ملتحفاً به .
ومسلم في: ٤ - كتاب الصلاة، ٥٢ - باب الصلاة في ثوب واحد، وصفة
لبسه، حدیث ٢٧٥.
ذكر شمس الأئمة السرخسي الحنفي في ((المبسوط)): إن السائل ثوبان، قاله
الزرقاني والقسطلاني تبعاً للحافظ. (سأل رسول الله وَّي- عن) جواز (الصلاة في
ثوب واحد؟ فقال رسول الله وَلل: أو لكلكم ثوبان؟) استفهام إنكاري.
قال الخطابي: لفظه استخبار، ومعناه: الإخبار يعني عن إباحة الصلاة
في الثوب الواحد، قال الكرماني: فإن قلت: ما المعطوف عليه بالواو؟ قلت:
مقدر أي أنت سائل عن مثل هذا الظاهر، ومعناه لا سؤال عن أمثاله ولا ثوبين
لكم، إذ الاستفهام مفيد لمعنى النفي بقرينة المقام.
قال الباجي: يدل قوله: ((أو لكلكم ثوبان)) على إباحتها في الثوب
الواحد بثلاثة أوجهٍ؛ الأول: أنه أشار إلى أن عدم أكثر الثوب الواحد أمر
شائع، والضرورة إذا كانت شائعة كانت الرخصة عامة كالرخصة في
السفر .
والثاني: أن فيه دليلاً أنه قد علم من حالهم أن فيهم من لم يجد إلا ثوباً
واحداً، فإقرارهم على ذلك دليل على إجزاء الصلاة في الثوب الواحد.
والثالث: أنه عليه السلام لما أجابه بأن كون غالب حال الناس عدم ما زاد
عليه مستقر في علمه كان المفهوم منه الإباحة، انتهى مختصراً.
قال في ((الفتح الرحماني)): وفيه تنبيه على أن الثوبين أفضل وأتم، وهو
المفهوم منه عند أكثر أهل العلم، وذهب الطحاوي والباجي إلى التسوية بين
١٠٨
.----- ---
۔۔
-- --- -
--- ----

٨ - كتاب صلاة الجماعة
(٩) باب
(٣١٠) حديث
٣١/٣١٠ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنِ ابْنِ شِهَابِ، عَنْ
سَعِيدٍ بْنِ الْمُسَيَّبِ؛ أَنَّهُ قَالَ: سُئِلَ أَبُو هُرَيْرَةِ: هَلْ يُصَلِّ الرَّجُلُ فِي
ثَوْبٍ وَاحِدٍ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، فَقِيلَ لَهُ: هَلْ تَفْعَلُ أَنْتَ ذُلِكَ؟ فَقَالَ:
نَعَمِّ، إِنِّي لأَصَلِّي فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، وَإِنَّ نِيَابِي لَعَلَى الْمِشْجَبِ.
الصلاة في الثوب الواحد مع وجود غيره وعدمه، اهـ (١).
٣١/٣١٠ - (مالك، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب أنه قال:
سُئل) ببناء المجهول (أبو هريرة هل يصلي الرجل في ثوب واحد؟ فقال) أبو
هريرة: (نعم) يجوز ذلك (فقيل له: هل تفعل أنت ذلك؟) وتصلي في ثوب
واحد (فقال: نعم إني لأصلي في ثوب واحد) وليس ذلك لعدم وجداني الثياب
بل (وإن ثيابي لعلى المشجب) بكسر الميم وسكون الشين المعجمة وفتح الجيم
فموحدة، عيدان تضم رؤوسها، ويفرج بين قوائمها، توضع عليها الثياب
وغيرها، قال العيني(٢): هو ثلاث عيدان يعقد رؤوسها، ويُفَرَّج بين قوائمها
تعلّق عليها الثياب، وفي ((المحكم)): الشجاب: خشبات موثقة منصوبة توضع
عليها الثياب، والجمع شجب، والمشجب كالشجاب، وهو الخشبات الثلاث
التي يعلق عليها الراعي دلوه، وسقاءه، وفي ((كتاب المنتهى)) في اللغة: يقال:
فلان مثل المشجب من حيث أممته وجدته، اهـ. وقال ابن سيده: المشجب
والشجاب: خشبات ثلاث يعلق عليها الراعي دلوه وسقاءه.
قال الباجي(٣): قول أبي هريرة هذا مع روايته عن ابن عمر: ((إذا وسّع الله
عليكم، فأوسعوا)) اقتصار منه على الجائز دون الأفضل لبيان الجواز، ويحتمل
(١) قال ابن عبد البر في ((الاستذكار)) (٤٣٣/٥): والصلاة في الثوب الواحد للرجل جائز،
وكل ثوب ستر العورة والفخذين من الرجل جازت الصلاة فيه، وإن كان الاختيار له عند
العلماء التجمل بالثياب في الصلاة إن قدر على ذلك.
(٢) ((عمدة القاري)) (٢٦٤/٣).
(٣) ((المنتقى)) (٢٤٩/١).
١٠٩

٩ - كتاب صلاة الجماعة
(٩) باب
(٣١١ - ٣١٢) حديث
٣١١/ ٣٢ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ؛ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ
كَانَ يُصَلِّي فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ .
٣٣/٣١٢ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمنِ؛
أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ عَمْرو بْنِ حَزْمٍ، كَانَ يُصَلِّ فِي الْقَمِيصِ الْوَاحِدِ.
أن يكون السائل ممن لا يجد ثوبين فأراد تطييب نفسه إعلاماً له بأنه يفعله مع
القدرة على الثوبين، فأخبره عن فعله في النادر، قال مالك: ليس من أمر
الناس أن يلبس الرجل الثوب الواحد في الجماعة فكيف بالمسجد؟ قال تعالى:
خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ .
قلت: وتقدم الإجماع على أن الصلاة في الثوبين أفضل، وأخرج الطحاوي
بسنده عن ابن سيرين عن أبي هريرة قال: قام رجل فقال: يا رسول الله أيصلى في
ثوب واحد؟ قال: ((أو كلكم يجد ثوبين؟!))، ثم أخرج عن ابن جريج، ومالك
ومحمد أبي حفصة قالوا: أنا ابن شهاب، عن أبي سلمة، أن أبا هريرة حدّثه عن
رسول الله وَل﴿ مثله. قال أبو هريرة: فلعمري إني لأترك ثيابي في المِشجب،
وأصلي في الثوب الواحد، وأخرج مسلم من طريق يونس وعقيل بن خالد كلاهما
عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي وَّ مثله.
٣٢/٣١١ - (مالك، أنه بلغه أن جابر بن عبد الله كان يصلي في الثوب
الواحد) وثيابه على المشجب كما رواه البخاري، ولفظه: حدثنا أحمد بن
يونس، نا عاصم بن محمد، نا واقد بن محمد، عن محمد بن المنكدر قال :
صلى جابر في إزار قد عقده من قِبَل قفاه، وثيابه موضوعة على المشجب،
فقال له قائل: أتصلي في إزار واحد؟ فقال: إنما صنعتُ هذا ليراني أحمق
مثلك، وأينا كان له ثوبان على عهد رسول الله وَّة؟ وأغلظ في الجواب زجراً
على الإنكار على العلماء.
٣٣/٣١٢ - (مالك، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن) سقط من بعض
النسخ المصرية لفظ: أبي، وهو وهم من الناسخ (أن محمد بن عمرو بن حزم
كان يصلي في القميص الواحد) والقميص أتم ثوب واحد، يصلي فيه الرجل،
١١٠
:
:
----
---
----
----- -
---

٨ - كتاب صلاة الجماعة
(٩) باب
(٣١٣) حديث
٣٤/٣١٣ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ؛ أَنَّه بَلَغَهُ عَنْ جَابِرِ بْنِ
عَبْدِ اللَّهِ؛
لأنه آمن من التكشف، قلت: وينبغي أن يكون موسعاً لئلا يصف العضو.
قال في ((الشرح الكبير)) من فقه المالكية: كره لباس محدد للعورة بذاته
الرقته أو بغيره كحزام أو لضيقه، وإحاطته كسراويل، ولا بغير صلاة، قال
الدسوقي: وكراهة لبسه إذا لم يلبس فوقه ثوباً وإلا فلا كراهة، اهـ.
وفي ((شرح المنية)): لو كان غليظاً لا يرى منه لون البشرة إلا أنه التصق
بالعضو، وتشكل بشكله، فصار شكل العضو مرئياً، فينبغي أن لا يمنع جواز
الصلاة لحصول الستر، اهـ.
قال ابن عابدين: وهل يحرم النظر إلى ذاك المتشكل مطلقاً أو حيث
وجدت الشهوة؟ الذي يظهر من كلامهم هو الأول، اهـ. وقال أيضاً في
((التبيين)): قالوا: لا بأس بالتأمل في جسدها وعليها ثياب ما لم يكن ثوب يبين
حجمها، فلا ينظر إليه حينئذ لقوله عليه الصلاة والسلام: ((من تأمل خلف امرأة
ورأى ثيابها حتى تبين له حجم عظامها لم يرح رائحة الجنة))، قال: ومفاده أن
رؤية الثوب بحيث يصف حجم العضو ممنوعة، ولو كثيفة، لا ترى البشرة منه،
انتھی .
قلت: وغرضنا بذكره وإن لم يكن هذا محله التنبيه على ذلك لكثرة ابتلاء
الناس بذلك فإنهم يلبسون الثياب القصيرة المحددة اتباعاً للنصارى، وطالما
يقفون في الصفوف المتقدمة، فيأثم من خلفه بالنظر إليهم عند الركوع
والسجود، فالله المستعان.
٣٤/٣١٣ - (مالك، أنه بلغه عن جابر بن عبد الله) قال الزرقاني(١): هذا
الحديث محفوظ عنه من رواية أهل المدينة، أخرجه البخاري من طريق فليح بن
(١) ((شرح الزرقاني)) (٢٨٩/١).
١١١

٨ - كتاب صلاة الجماعة
(٩) باب
( ٣١٣) حديث
أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَّهِ قَالَ: ((مَنْ لَمْ يَجِدْ ثَوْبَيْنِ فَلْيُصَلِّي فِي ثَوْبٍ
وَاحِدٍ، مُلْتَحِفاً بِهِ،
سليمان عن سعيد بن الحارث عن جابر، ومسلم من طريق حاتم بن إسماعيل
عن أبي حرزة عن عبادة بن الوليد عن جابر، اهـ.
قلت: لكن لم أجده عندهما بهذا اللفظ يعني بلفظ: ((من لم يجد ثوبين
فليصلِّ في ثوب واحد)) بل حديثهما كما تقدم من لفظ البخاري في إنكاره وقليل
على جابر قال ◌َلّ: ((ما هذا الاشتمال الذي رأيت؟)) قلت: كان ثوباً، قال:
((إن كان واسعاً فالتحف، وإن كان ضيّقاً فاتَّزر به))، نعم أخرج أبو داود(١)
بسنده عن ابن عمر - رضي الله عنهما - قال: قال رسول الله وَل أو قال: قال
عمر: إذا كان لأحدكم ثوبان فليصلِّ فيهما، فإن لم يكن إلا ثوب واحد فليتّزر
به، ولا يشتمل اشتمال اليهود (أن رسول الله نَّل قال: من لم يجد ثوبين)
استدل به على أفضلية ثوبين وقد تقدم أنه إجماع.
وقال العيني(٢): ذهب طاووس وإبراهيم النخعي وأحمد في رواية
وعبد الله بن وهب من أصحاب مالك ومحمد بن جرير الطبري إلى أن الصلاة
في ثوب واحد مكروهة، إذا كان قادراً على ثوبين، وإن لم يكن قادراً إلا على
ثوب واحد يكره أيضاً أن يصلي به ملتحفاً مشتملاً، بل السنة أن يتّزر به، اهـ.
(فليصل) بدون الياء في جميع النسخ التي بأيدينا من الهندية والمصرية، وهو
الظاهر، وضبطه العلامة الزرقاني بإثبات الياء للإشباع (في ثوب واحد ملتحفاً
به) قال الزهري: الملتحف المتوشح وهو المخالف بين طرفيه على عاتقيه وهو
الاشتمال على منكبيه نقله البخاري.
قال الحافظ: والذي يظهر أن قوله: وهو المخالف من كلام البخاري،
(١) أخرجه أبو داود في الصلاة، رقم الحديث (٦٣٥).
(٢) ((عمدة القاري)) (٢٦٨/٣) برقم (٣٥٦).
١١٢

٨ - كتاب صلاة الجماعة
(٩) باب
(٣١٣) حديث
فَإِنْ كَانَ الثَّوْبُ فَصِيراً، فَلْيَتَّزِرِ بِهِ)).
قلت: وكذا قال العيني، وتمام كلام البخاري في ((صحيحه)) باب الصلاة في
الثوب الواحد ملتحفاً به (١)، قال الزهري في حديثه: الملتحف المتوشح وهو
المخالف بين طرفيه على عاتقيه، وهو الاشتمال على منكبيه، اهـ.
قال الباجي (٢): فجعل الالتحاف هو التوشح، والمشهور لغة أن
الالتحاف هو الالتفاف في الثوب على أي وجه كان، فيدخل تحته التوشح
والاشتمال، وقد خص منه اشتمال الصماء (فإن كان) ذاك (الثوب) الواحد
(قصيراً) أيضاً (فليتزر به) أي يجعله إزاراً ولا يلتحف لأن ستر العورة أهم وهو
يحصل بالاتزار.
قال الزرقاني(٣): ثم الرواية بإدغام الهمزة المدغومة تاء في التاء، وهو
يرد على الصرفيين حيث جعلوه خطأ، وقالوا: الصواب: فليأتزر به
بالهمزة، اهـ، قلت: هكذا يروى لفظ الاتزار في عدة روايات بالإدغام، وغلطه
أهل اللغة، قال المجد في ((القاموس)): ولا تقل اتّزر، وقد جاء في بعض
الأحاديث، ولعله من تحريف الرواة، اهـ.
وفي ((المجمع)): كان يباشر وهي مؤتزرة، وفي بعضها: متزرة وهو خطأ
لأن الهمزة لا تدغم، اهـ.
قلت: وكذلك خطأه الزمخشري، وأنت خبير بأن اللغات على السماع،
وقد سمع بذلك في عدة روايات لا تخفى على من نظر باب ((ستر العورة)) أو
باب ((مباشرة الحائض)) وغيرها من كتب الحديث والروايات المتضمنة بلفظ
الإدغام لا أقل من أن بلغت حد الشهرة، فتخطئتها ليس بيد المجد ولا
(١) انظر: ((فتح الباري)) (١/ ٤٧٠).
(٢) ((المنتقى)) (٢٥٠/١).
(٣) ((شرح الزرقاني)) (٣٨٩/١).
١١٣

٨ - كتاب صلاة الجماعة
(٩) باب
(٣١٣) حديث
قَالَ يَحْيَى: قَالَ مَالِكٌ: أَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ يَجْعَلَ الَّذِي يُصَلِّي فِي
الْقَمِيْصِ الْوَاحِدِ عَلَى عَاتِقَيْهِ ثَوْباً أو عِمَامَةً.
أخرجه البخاريّ في: ٨ - كتاب الصلاة، ٦ - باب إذا كان الثوب ضيقاً.
ومسلم في: ٥٣ - كتاب الزهد والرقائق، ١٨ - باب حديث جابر الطويل
وقصة أبي اليسر، ضمن حديث ٧٤.
الزمخشري، قال ابن الملك: هذا موقوف على السماع وقد سمع، اهـ. وقال
ابن رسلان: نص الزمخشري على خطأ الإدغام، وحاول ابن الملك الجواز
للسماع، اهـ. وقال الكرماني: بإدغام الهمزة المقلوبة تاء في التاء، وقول
التصريفيين اتّزر خطأ، هو الخطأ .
قال العيني(١): تحقيق هذه المادة أن أصل الفعل أزر على ثلاثة أحرف، فلما
نقل إلى الافتعال صار ائتزر بهمزتين، أولاهما مكسورة والأخرى ساكنة، ويجوز
فيه الوجهان، أحدهما: أن تقلب الهمزة ياء آخر الحروف، فيقال: ايتزر، والآخر:
أن تقلب تاء مثناة من فوق، وتدغم التاء في التاء، وهو معنى قول الكرماني بإدغام
الهمزة المقلوبة تاء في التاء، ولفظ الحديث على الوجه الأول، اهـ.
وقال الحافظ (٢) في حديث المباشرة: ((كان يأمرني فأتزر)): كذا في
روايتنا وغيرها بتشديد التاء المثناة بعد الهمزة، وأنكر أكثر النحاة الإدغام حتى
قال صاحب ((المفصل)): إنه خطأ، لكن نقل غيره أنه مذهب الكوفيين، وحكاه
الصغاني في ((مجمع البحرين))، وقال ابن مالك: إنه مقصور على السماع، ومنه
قراءة ابن محيصن فليؤد الذي ائتمن بالتشديد، اهـ.
أ
(قال يحيى: قال مالك: أحب إليّ) أي مندوب وليس بواجب وعليه
الجمهور كما سيأتي (أن يجعل الذي يصلي في القميص الواحد على عاتقيه)
أيضاً والعاتق ما بين المنكبين إلى أصل العنق (ثوباً أو عمامة) لقوله وَل:
(١) ((عمدة القاري)) (٢٧٨/٣) برقم (٣٦١).
(٢) (فتح الباري)) (٥٠٤/١) برقم (٣٠٠).
١١٤
-----
--- - .

٨ - كتاب صلاة الجماعة
(٩) باب
(٣١٣) حديث
((لا يصلي أحدكم في الثوب الواحد ليس على عاتقه شيء))، قال الكرماني:
هذا النهي للتحريم أم لا؟ ظاهر النهي يقتضي التحريم، لكن الإجماع منعقد
على جواز تركه إذ المقصود ستر العورة، فبأي وجه حصل جاز.
قال العيني(١): فيه نظر لأن الإجماع ما انعقد على جواز تركه، وهذا
أحمد لا يُجَوِّز صلاة من قدر على ذلك وتركه، ونقل ابن المنذر عن محمد بن
علي عدم الجواز، ونقل بعضهم وجوب ذلك عن نص الشافعي، والمعروف في
كتب الشافعية خلافه، وقال الخطابي: هذا نهي استحباب،، وليس على
الإيجاب فقد ثبت أنه ◌َّ# صلى في ثوب كان بعض طرفيه على بعض نسائه
وهي نائمة، ومعلوم أن الطرف الذي هو لابسه من الثوب غير متّسع، لأن يتزر
به، ويفضل منه ما يكون لعاتقه، وفي حديث جابر أيضاً: جواز الصلاة من غير
شيء على العاتق، اهـ.
قال الحافظ في ((الفتح))(٢): قد حمل الجمهور الأمر على الاستحباب
والنهي على التنزيه، وعن أحمد: لا تصح صلاة من قدر على ذلك فتركه جعله
من الشرائط، وعنه تصح ويأثم جعله واجباً مستقلاً، وكلام الترمذي يدل على
ثبوت الخلاف أيضاً، وعقد الطحاوي له باباً في ((شرح المعاني)) ونقل المنع
عن ابن عمر، ثم عن طاوس والنخعي، ونقله غيره عن ابن وهب وابن جرير،
ونقل الشيخ تقي الدين السبكي وجوب ذلك عن نص الشافعي واختاره، لكن
المعروف فى كتب الشافعية خلاف ذلك، اهـ.
قال الشوكاني(٣): وقد عمل بظاهر الحديث ابن حزم فقال: وفرض على
(١) ((عمدة القاري)) (٢٧٦/٣).
(٢) انظر: ((فتح الباري)) (١/ ٤٧٢).
(٣) ((نيل الأوطار)) (٥٤٣/١).
١١٥

٨ - كتاب صلاة الجماعة
(١٠) باب
(١٠) باب الرخصة في صلاة المرأة في الدرع والخمار
الرجل إن صلى في ثوب واسع أن يطرح منه على عاتقه أو عاتقيه، فإن لم
يفعل بطلت صلاته، فإن كان ضيّقاً اتّزر به، وأجزأه سواء كان معه ثياب غيره
أو لم یکن، اهـ.
(١٠) الرخصة في صلاة المرأة في الدرع والخمار
قال أبو عمر (١): ترجم بذلك رداً لقول مجاهد: لا تصلي المرأة في أقل
من أربعة أثواب: درع، وخمار، وملحفة، وإزار، ولم يقله غيره فيما
علمت، اهـ. وقال ابن المنذر بعد أن حكى عن الجمهور: أن الواجب على
المرأة أن تصلي في درع وخمار، المراد بذلك تغطية بدنها ورأسها، فلو كان
الثوب واسعاً فغطّت رأسها بفضله جاز، قال: وما رويناه عن عطاء أنه قال:
تصلي في درع وخمار وإزار، وعن ابن سيرين مثله وزاد ملحفة فأظنه محمولاً
على الاستحباب، اهـ.
قال ابن رشد في ((البداية))(٢): اتفق الجمهور على أن اللباس المجزئ
للمرأة في الصلاة هو درع وخمار، لحديث أم سلمة الآتي، ولحديث عائشة
عن النبي ◌َّ: ((لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار))، وهو مروي عن عائشة
وميمونة وأم سلمة أنهم كانوا يفتون بذلك، وكل هؤلاء يقولون: إنها إن صلت
مكشوفة أعادت في الوقت وبعده إلا مالكاً، فإنه قال: إنها تعيد في الوقت
فقط ، اهـ.
قلت: وهذا مبني على أن سترالعورة ليس من شروط الصلاة عند مالك،
وقال ابن قدامة في ((المغني))(٣): لا يختلف المذهب في أنه يجوز للمرأة كشف
(١) ((شرح الزرقاني)) (٢٨٩/١).
(٢) ((بداية المجتهد)) (١١٦/١).
(٣) («المغني)) (٣٢٦/٢).
١١٦
---
----- -------
.. ---
-------

٨ - كتاب صلاة الجماعة
(١٠) باب
وجهها في الصلاة، وأنه ليس لها كشف ما عدا وجهها وكفيها، وفي الكفين
روايتان، وقال أبو حنيفة: القدمان ليستا من العورة، وقال مالك والأوزاعي
والشافعي: جميع المرأة عورة إلا وجهها وكفيها، وما سوى ذلك يجب ستره
في الصلاة، انتهى.
قلت: وسيأتي الكلام على القدمين في الحديث.
وفي ((البدائع)): أما المرأة فالمستحب لها ثلاثة أثواب في الروايات
كلها، درع وإزار وخمار، فإن صلت في ثوب واحد متوشحة به يجزئها إذا
سترت به رأسها وسائر جسدها سوى الوجه والكفين، وإن كان شيء مما سوى
الوجه والكفين منهما مكشوفاً، فإن كان قليلاً جاز، وإن كان كثيراً لا يجوز، اهـ.
قال في ((الفتح الرحماني)): قال علماؤنا: المستحب في حق المرأة ثلاثة
أثواب: إزار ودرع وخمار، وإن صلت في ثوب واحد متوشحة به لا يجوز إلا
إذا سترت به رأسها وجميع جسدها، اهـ.
وفي ((الروض المربع)) (١): تستحب صلاتها في درع وخمار وملحفة، اهـ.
وقال ابن قدامة(٢): المستحب أن تصلي المرأة في درع، وهو يشبه القميص
لكنه سابغ يغطي قدميها، وخمار يغطي رأسها وعنقها، وجلباب تلتحف به من
نوع الدرع، روي ذلك عن عمر وابنه وعائشة، وهو قول الشافعي، وقد اتفق
عامتهم على الدرع والخمار، وما زاد فهو خير وأستر، ولأنه إذا كان عليها
جلباب فإنها تجافيه راكعة وساجدة لئلا تصفها ثيابها فتبين عجيزتها ومواضع
عوراتها ، اهـ.
قال العيني(٣): قال ابن بطال: اختلفوا في عدد ما تصلي فيه المرأة من
(١) (١٤١/١).
(٢) («المغني)) (٣٣٠/٢).
(٣) ((عمدة القاري)) (٣٠٩/٣).
١١٧

٨ - كتاب صلاة الجماعة
(١٠) باب
(٣١٤) حديث
٣٥/٣١٤ - حَدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ؛ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عَائِشَةَ،
زَوْجَ النَّبِيِّ وََّ، كَانَتْ تُصَلَّي فِي الدِّرْعِ والْخِمَارِ.
الثياب، فقال مالك وأبو حنيفة والشافعي: تصلي في درع وخمار، وقال
عطاء: في ثلاثة درع وإزار وخمار، قال ابن سيرين: في أربعة الثلاث
المذكورة وملحفة، وقال ابن المنذر: عليها أن تستر جميع بدنها إلا وجهها
وكفيها، سواء سترته بثوب واحد أو أكثر، ولا أحسب ما روي من المتقدمين
من الأمر بثلاثة أو أربعة إلا من طريق الاستحباب. وزعم أبو بكر بن
عبد الرحمن أن كل شيء من المرأة عورة حتى ظفرها، وهي رواية عن
أحمد، اهـ.
قال الباجي(١): أما الدرع فهو القميص، وأما الخمار فهو ما تختمر به
المرأة، كما سيأتي، ويجب أن يكونا خصيفين يستران ما تحتهما، فإن كانا
خفيفتين يصفان ما تحتهما لم يجزئ لأن الستر لم يقع بهما .
٣٥/٣١٤ - (مالك، أنه بلغه أن عائشة زوج النبي ( 8ول كانت تصلي في
الدرع) بدال مهملة القميص مذكر بخلاف درع الحديد فمؤنث على الأكثر
فيهما، وحكى ابن سيده عكسه، قال المجد في ((القاموس)): درع الحديد
بالكسر، وقد يُذَكَّرُ، جمعه: أدرع وأدراع أو دروع، ومن المرأة قميصها مذكر
جمعه أدراع، وسيأتي في حديث أم سلمة الدرع السابغ الذي يغطي ظهور
قدمیها ، اهـ.
(والخمار) بمعجمة ككتاب: ثوب تغطي به المرأة رأسها، وجمعه خمر
ككتب، قال المجد: الخمار بالكسر النصيف كالخمر كطمر، وكل ما ستر شيئاً
فهو حماره، اهـ.
والخمر: الستر والكتم كالإخمار والتخمير، والمعنى: أنها كانت تقتصر
(١) ((المنتقى)) (٢٥١/١).
١١٨
------
---... - -*

٨ - كتاب صلاة الجماعة
(١٠) باب
(٣١٥) حديث
٣٦/٣١٥ _ وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ
قُنْفُذٍ، عَنْ أُمِّهِ؛ أَنَّهَا سَأَلَتْ أَمَّ سَلَمَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ وَ ﴿هَ، مَاذَا تُصَلَّي فِيهِ
الْمَرْأَةُ مِنَ الِيَابِ؟ فَقَالَتْ:
عليهما، ويجب أن يكون الدرع واسعاً يغطي إلى القدمين، وكذلك الخمار
يغطي العنق والرأس كليهما، لأنه من المعلوم أن بدن الحرة كله عورة إلا
الوجه والكفين، مع الاختلاف في القدمين كما سيأتي.
٣٦/٣١٥ - (مالك، عن محمد (١) بن زيد بن) مهاجر بن (قنفذ) بضم
القاف والفاء بينهما نون ساكنة، قد نسب أبوه إلى جده التيمي المدني ثقة،
روى له مسلم والأربعة، قال ابن الحذّاء في ((رجال الموطأ)): فرض له معاوية
في المحتلم، وعُمِّر حتى بلغ مائة سنة (عن أمه) أم حرام بحاء مهملة وراء،
يقال: اسمها آمنة كما ذكره ابن بشكوال، قال الحافظ في ((التقريب))(٢): من
الرابعة، قلت: روى لها أبو داود هذا الحديث، وقال الذهبي في ((الميزان)):
لا تعرف .
84* ماذا تصلي فيه المرأة من الثياب؟)
(أنها سألت أم سلمة زوج النبي
سؤال عن مقدار ما يكفيها من الثياب في الصلاة (فقالت) أي أم سلمة، كذا في
(الموطأ)) موقوفاً(٣)، وكذا أخرجه أبو داود ثم ذكر رفعه عن عبد الرحمن بن
عبد الله بن دينار، ولفظه عن أم سلمة أنها سألت النبي ◌ّ﴿ أتصلي المرأة في
درع وخمار ليس عليها إزار؟ قال: إذا كان الدرع سابغاً يغطي ظهور قدميها .
قال أبو داود: روى هذا الحديث مالك بن أنس وبكر بن مضر وحفص بن
(١) له ترجمة في: ((تهذيب التهذيب)) (١٧٣/٩) و((تقريب التهذيب)) (١٦٢/٢).
(٢) (٢٦٠/٢).
(٣) قال ابن عبد البر في ((الاستذكار)) (٤٤٠/٥): ورفعه عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار
عن محمد بن زيد عن أمه عن أم سلمة .
١١٩

٨ - كتاب صلاة الجماعة
(١٠) باب
(٣١٥) حديث
تُصَلِّي فِي الْخِمَارِ، وَالدِّرْعِ السَّابِغِ إِذَا غَيَّبَ ظُهُورَ قَدَمَيْهَا .
أخرجه أبو داود مرفوعاً في: ٢ - كتاب الصلاة، ٨٣ - باب في كم تصلي
المرأة.
غياث وإسماعيل بن جعفر وابن أبي ذئب وابن إسحاق عن محمد بن زيد عن
أمه عن أم سلمة، لم يذكر أحد منهم النبي ◌َّ، قصروا به على أم سلمة، اهـ.
قال الزرقاني: يعني فرواية عبد الرحمن شاذّة، وهو وإن كان صدوقاً؛
لكنه يخطئ فلعله أخطأ في رفعه، انتهى.
قلت: وكذلك أشار إليه البيهقي في ((سننه))(١) إذ أخرج أولاً أثر أم سلمة،
ثم قال: وكذلك رواه بكر بن مضر وحفص بن غياث وإسماعيل بن جعفر
ومحمد بن إسحاق عن محمد بن زيد عن أمه عن أم سلمة موقوفاً، ورواه
عثمان بن عمر عن عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار عن محمد بن زيد
مرفوعاً، انتهى.
وأنت خبير بأنه لا مانع من الجمع على أصول الموجهين بأنها - رضي الله
عنها - سألت النبي وَلّر، وأفتت بوفق روايتها (تصلي) المرأة (في الخمار والدرع)
أي القميص (السابغ) أي التام الكامل (إذا غيب) أي ستر (ظهور قدميها).
قلت: اختلف أئمة الفتوى في تحديد عورة المرأة، قال ابن رشد في
((البداية))(٢): فأكثر العلماء على أن بدنها كله عورة ما خلا الوجه والكفين،
وذهب أبو حنيفة إلى أن قدمها ليست بعورة، وذهب أبو بكر بن عبد الرحمن
وأحمد إلى أن المرأة كلها عورة، انتهى.
قلت: وتقدم عن ((المغني)): أن في الكفين عندهما روايتان، قال
العيني(٣): زعم أبو بكر بن عبد الرحمن أن كل شيء من المرأة عورة حتى
(١) ((السنن الكبرى)) (٢٣٢/٢).
(٢) ((بداية المجتهد)) (١١٥/١).
(٣) (٣٠٩/٣).
١٢٠