Indexed OCR Text

Pages 41-60

٨ - كتاب صلاة الجماعة
(٣) باب
(٢٩٠) حديث
فَقَالَ: إِنِّي أُصَلِّي فِي بَيْتِي، ثُمَّ آتِي الْمَسْجِدَ، فَأَجِدُ الإِمَامَ يُصَلِّي،
أَفَأُصَلِّى مَعَهُ؟ فَقَالَ أَبُو أَيُّوبَ: نَعَمْ، فَصَلِّ مَعَهُ، فَإِنَّ مَنْ صَنَعَ ذُلِكَ
فَإِنَّ لَهُ سَهْمَ جَمْعٍ، أَوْ مِثْلَ سَهْمِ جَمْعٍ .
الخزرجي البدري من كبار الصحابة، نزل عليه المصطفى و 18 لما قدم المدينة،
شهد العقبة الثانية والمشاهد كلها، وهو ممن غلبت عليه كنيته، وكان مع علي
- رضي الله عنه - في حروبه كلها. مات غازياً بالروم سنة ٥٠هـ، وقيل بعدها .
وفي ((رجال جامع الأصول)): مات بالقسطنطينية مرابطاً سنة إحدى
وخمسين، وقيل بعدها، وذلك مع يزيد بن معاوية لما غزا أبوه القسطنطينية خرج
معه فمرض، فلما ثقل قال لأصحابه: إذا أنا مِتُّ فاحملوني، فإذا صاففتم العدو
فادفنوني تحت أقدامكم ففعلوا، وقبره قريب من سورها معروف.
(فقال) الرجل السائل، وهذا بيان السؤال: (إني أصلي) فيه التفات،
ولفظ ((المشكاة)): ((يصلي أحدنا في منزله الصلاة ثم يأتي المسجد)) الحديث
(في بيتي ثم آتي المسجد فأجد الإمام يصلي أفأصلي معه) مرة أخرى بعدما
صليت في بيتي (فقال أبو أيوب: نعم فصلٌ معه فإن من صنع ذلك) يعني أعاد
الصلاة مع الجماعة (فإن له سهم جمع أو) شك من الراوي (مثل سهم جمع)
كذا في رواية ((الموطأ)) موقوفاً.
وأخرجه أبو داود(١) بسنده عن عفيف يقول: حدثني رجل من بني أسد بن
خزيمة، أنه سأل أبا أيوب الأنصاري فقال: يصلي أحدنا في منزله الصلاة، ثم
يأتي المسجد وتقام الصلاة فأصلي معهم فأجد في نفسي من ذلك شيئاً، فقال
أبو أيوب: سألنا عن ذلك النبي ◌ّ فقال: ((فذلك له سهم جمع))، قال
القاري(٢): أي نصيب من ثواب الجماعة. قال ابن وهب: معنى ذلك له
(١) أخرجه أبو داود، رقم الحديث (٥٧٨).
(٢) انظر: ((مرقاة المفاتيح)) (١٠٦/٣).
٤١

٨ - كتاب صلاة الجماعة
(٣) باب
(٢٩١) حدیث
٢٩١/ ١٢ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ نَافِع؛ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ
عُمَرَ كَانَ يَقُولُ: مَنْ صَلَّى الْمَغْرِبَ أَوِ الصُّبْحَ، ثُمَّ أَدْرَكَهُمَا مَعَ
الإِمَامِ، فَلا يَعُدْ لَهُمَا .
سهمان من الأجر، وقال الأخفش: الجمع الجيش، قال تعالى: ﴿سَيُّهْزَمُ لْجَمْعُ﴾
الآية، فسهم الجمع هو السهم من الغنيمة، وقال ابن عبد البر(١): له أجر
الغازي في سبيل الله.
وقال الباجي: يحتمل عندي أن ثوابه مثل ثواب الجماعة، ويحتمل مثل
سهم من يبيت بالمزدلفة في الحج لأن جمعاً اسم المزدلفة، ويحتمل أن له
سهم الجمع بين الصلاتين صلاة الفذ وصلاة الجماعة، فيكون فيه الإخبار بأنه
لا يضيع له أجر الصلاتين. وقال الداودي: يروى فإن له سهماً جمعاً بالتنوين،
أي يضاعف له الأجر مرتين، وقال الزرقاني: الأول الأشبه والأصوب، ومعنى
سهم جمع: نصيب رجلين، معروف عن فصحاء العرب، وذكر الاستشهاد فيه.
١٢/٢٩١ - (مالك، عن نافع أن عبد الله بن عمر كان يقول: من صلى
المغرب أو الصبح ثم أدركهما مع الإمام فلا يَعُدْلهما) للنهي عن الصلاة بعد
الصبح، ولأن النافلة لا تكون وتراً، وأثر ابن عمر - رضي الله عنهما - أخرجه
عبد الرزاق أيضاً، ولفظه: إن كنت قد صليت في أهلك ثم أدركت الصلاة في
المسجد مع الإمام فصلِّ معه غير الصبح والمغرب فإنهما لا يصليان مرتين،
وإلى هذا ذهب الأوزاعي والحسن والثوري، قاله الزرقاني(٢).
:
قلت: ما نقله الزرقاني عن مذهب الثوري يخالف ما تقدم في أول الباب
عن الباجي، فإن لم تكن له روايتان فما حكاه الباجي(٣) أولى لموافقته بما
(١) ولكنه رجح في ((الاستذكار)) (٣٦٧/٥)، قول ابن وهب.
(٢) ((شرح الزرقاني)) (١٧٤/١).
(٣) ((المنتقى)) (٢٣٤/١).
٤٢
---- --- .

٨ - كتاب صلاة الجماعة
(٣) باب
(٢٩١) حدیث
قَالَ مَالِكٌ: وَلا أَرَى بَأْساً أَنْ يُصَلِّي مَعَ الإِمَامِ مَنْ كَانَ قَدْ
◌َلَّى فِي بَيْتِهِ، إِلَّا صَلَاةَ الْمَغْرِبِ فَإِنَّهُ إِذَا أَعَادَهَا، كَانَتَّ شَفْعاً.
حكاه ابن العربي. وبقول ابن عمر - رضي الله عنهما - قالت الحنفية، وأضافوا
العصر أيضاً لورود النهي عن الصلاة بعد العصر، ولم يذكره ابن عمر - رضي الله
عنهما - لأنه كان يحمله على أنه بعد الاصفرار.
(قال يحيى: قال مالك: ولا أرى بأساً أن يصلي مع الإمام من كان قد
صلى في بينه) مثلاً، ولا يختص بالبيت، بل المراد إن صلاها منفرداً فيعيدها
مع الإمام الصلوات كلها (إلا صلاة المغرب فإنه إذا أعادها كانت شفعاً) لأنها
صارت ستاً، وأورد عليه الشافعي - رضي الله عنه - بأنه كيف يصير شفعاً وقد
فصل بينهما بسلام، والحنفية موافقة المالكية في نفس المسألة ومخالفة في
التعليل، وعلل الإمام محمد بن الحسن عدم إعادة المغرب بأن الإعادة نافلة
ولا تكون النافلة وتراً، قال أبو عمر: هذه العلة أحسن من تعليل مالك
- رضي الله عنه -، قاله الزرقاني.
وقال ابن رشد في ((الهداية))(١): أما من استثنى من ذلك صلاة المغرب
فقط فإنه خصص العموم بقياس الشبه، وهو مالك - رضي الله عنه -، وذلك أنه
زعم أن صلاة المغرب هي وتر، فلو أعيدت لأشبهت صلاة الشفع؛ لأنها
بمجموع ذلك تكون ست ركعات، فكأنها تنتقل من جنسها إلى جنس صلاة
أخرى، وهذا القياس فيه ضعف؛ لأن السلام قد فصل بين الأوتار، والتمسك
بالعموم أقوى من الاستثناء بهذا النوع من القياس، وأقوى من هذا ما قاله
الكوفيون من أنه إذا أعادها يكون قد أوتر مرتين وقد جاء في الأثر: ((لا وتران
في ليلة))، انتهى.
(١) هكذا في الأصلين، والظاهر: (البداية)، (١٤٣/١).
٤٣

٨ - كتاب صلاة الجماعة
(٤) باب
(٢٩٢) حديث
(٤) باب العمل في صلاة الجماعة
١٣/٢٩٢ - حَدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنْ أَبِي الزَّنَادِ، عَنِ
الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ قَالَ: ((إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ
بِالنَّاسِ، فَلْيُخَفِّفْ، فَإِنَّ فِيهِمُ الضَّعِيفَ، وَالسَّقِيمَ، وَالْكَبِيرَ.
(٤) باب العمل في صلاة الجماعة
يعني الأمور التي ينبغي أن يحافظ عليها في صلاة الجماعة أعم من أن
يكون من أفعال الإمام أو المأموم، ففي الحديث الأول بيان التخفيف للإمام،
وفي الثاني صفة الموقف، والثالث صفة الإمام.
١٣/٢٩٢ - (مالك، عن أبي الزناد) عبد الله بن ذكوان (عن الأعرج) عبد
الرحمن بن هرمز (عن أبي هريرة) - رضي الله عنه - (أن رسول الله وَل﴾ قال: إذا
صلى أحدكم بالناس) إماماً (فليخفف) هذا من الأمور الإضافية، فتطويل قوم
عند قوم تخفيف فينبغي أن يُقتدى بأضعف قومه بشرط أن لا يبلغ الإخلال في
الفرائض والواجبات، فلا بد من التخفيف مع الكمال (فإن فيهم الضعيف) خلقة
(والسقيم) من المرض (والكبير) سناً.
قال ابن عبد البر: وأكثر رواة ((الموطأ)) لا يقولون: والكبير، وقاله
جماعة منهم يحيى، وفي رواية لمسلم: والصغير والكبير، وللطبراني من
حديث عثمان بن أبي العاص: والحامل والمرضع، وله من حديث
عدي بن حاتم: والعابر السبيل، وفي حديث أبي مسعود عند الشيخين
بلفظ: فإن فيهم الضعيف والكبير وذا الحاجة، وهي أشمل الأوصاف
المذكورة.
وقال أيضاً: ينبغي لكل إمام أن يخفف جهده لأمره وّه بالتخفيف وإن علم
الإمام قوة من خلفه، فإنه لا يدري ما يحدث عليهم من حادث وشغل وحاجة، وقد
ذكر الرب عز وجل الأعذار التي من أجلها أسقط فرض قيام الليل، فقال: ﴿عَلِمَ أَنَ
٤٤
-----

٨ - كتاب صلاة الجماعة
(٤) باب
(٢٩٢) حديث
وَإِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ لِنَفْسِهِ، فَلْيُعَلَوِّلْ مَا شَاءً)) .
أخرجه البخاريّ في: ١٠ - كتاب الأذان، ٦٢ - باب إذا صلّى لنفسه فليطوّل
ما شاء.
ومسلم في: ٤ - كتاب الصلاة، ٢٧ - باب أمر الأئمة بتخفيف الصلاة في
تمام، حديث ١٨٣.
سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى﴾(١) الآية، فينبغي للإمام التخفيف مع الإكمال فإنه ◌َّ قال لمن
لم يتم ركوعه ولا سجوده: ((ارجع فصلِّ فإنك لم تصلِّ)».
وكان ممن يخفف الصلاة من السلف أنس بن مالك، وكان سعد إذا
صلى في المسجد خفف، وإذا صلى في بيته أطال فقيل له فقال: إنا أئمة
يقتدى بنا، وصلى الزبير بن العوام صلاة خفيفة فقيل له: أنتم أصحاب النبي وَّل
أخف الناس صلاة. قال: إنا نبادر هذا الوسواس، وقال عمار: احذفوا الصلاة
قبل وسوسة الشيطان، وكان أبو هريرة يتم الركوع والسجود ويتجوز فقيل له:
هكذا كانت صلاة رسول الله وٍَّ؟ قال: نعم وأَجَوِّزُ. ذكر هذه الآثار ابن
أبي شيبة، قاله العيني (٢).
(وإذا صلى أحدكم لنفسه فليطول ما شاء) ولمسلم: فليصل كيف شاء،
استدل به على جواز إطالة القراءة ولو خرج الوقت، وهو المصحح عند بعض
الشافعية وهو ظاهر البطلان، قال عليه السلام: ((إنما التفريط أن يؤخر الصلاة
حتى يجيء وقت الأخرى))، وصلى النبي ◌ّ في يومين، وحدد الوقت بينهما
فقال: ((الوقت بينهما))، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَوَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَبًا
مَّوْقُوتًا﴾(٣) وإذا تعارضت مصلحة المبالغة في الكمال بالتطويل ومفسدة إيقاع
الصلاة في غير وقتها كانت مراعاة ترك المفسدة أولى.
(١) سورة المزمل: الآية ٢٠.
(٢) ((عمدة القاري)) (٣٣٧/٤).
(٣) سورة النساء: الآية ١٠٣.
٤٥

٨ - كتاب صلاة الجماعة
(٤) باب
(٢٩٣ - ٢٩٤) حديث
١٤/٢٩٣ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ نَافِع؛ أَنَّهُ قَالَ: قُمْتُ
وَرَاءَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ فِي صَلاةٍ مِنَ الصَّلَوَاتِ، وَلَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ
غَيْرِي، فَخَالَفَ عَبْدُ اللَّهِ بِيَدِهِ، فَجَعَلَنِي حِذَاءَهُ(١).
١٥/٢٩٤ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ؛ أَنَّ
رَجُلاً كَانَ يَؤُمُّ النَّاسَ بِالْعَقِيقِ. فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ،
فَنَهَاهُ. قَالَ مَالِكٌ: وَإِنَّمَا نَهَاهُ، لأَنَّهُ كَانَ لا يُعْرَفُ أَبُوهُ.
١٤/٢٩٣ - (مالك، عن نافع أنه قال: قمت وراء عبد الله بن عمر في صلاة
من الصلوات وليس معه أحد غيري) يعني كنت منفرداً في الصف وقمت خلفه
(فخالف عبد الله بن عمر بيده) أي مد اليد إلى خلف ظهره فجرّني إلى جنبه (فجعلني
حذاءه) بكسر الحاء المهملة وذال معجمة بالمد أي محاذياً له عن يمينه لأنه قد تقدم
في حديث ابن عباس في صلاة الليل: أن سنة المأموم إذا كان واحداً أن يقف على
يمين الإمام عند جمهور الفقهاء، ولو صلى منفرداً خلف الصف تصح صلاته عند
الجمهور، كما سيأتي مفصلاً في جامع سبحة الضحى، وهذا الأثر يؤيدهم؛ لأنه
كان وراء الإمام، ولم يبطل ابن عمر - رضي الله عنهما - صلاته بل جرّه إليه.
١٥/٢٩٤ - (مالك، عن يحيى بن سعيد) الأنصاري، ثم هذا منقطع
لرواية ابن أبي شيبة عن يحيى بن سعيد قال: بلغني أن عمر بن عبد العزيز قال
الرجل .. الحديث (أن رجلاً كان يؤمّ الناس) زاد في رواية ابن أبي شيبة: لا
يعرف من ولده (بالعقيق) موضع معروف بالمدينة قاله الزرقاني. قال المجد:
العقيق: الوادي، جمعه أعقّة، وكل مسيل شقه ماء السيل، وموضع بالمدينة،
وباليمامة، وبالطائف، وبتهامة، وبنجد وستة مواضع أخر. (فأرسل إليه) أمير
المؤمنين (عمر بن عبد العزيز فنهاه) عن الإمامة (قال مالك: وإنما نهاه لأنه كان
لا يُعرف) ببناء المجهول (أبوه).
----
(١) جاء في متن ((الأوجز)): ((حذاءه عن يمينه)).
٤٦
..--

٨ - كتاب صلاة الجماعة
(٤) باب
(٢٩٤) حديث
٥
قال ابن عبد البر(١): هذه كناية كالتصريح أنه ولد زنا، فكره أن ينصب
إماماً لخلقه من نطفة خبيثة، كما يعاب من حملت به أمه حائضاً أو سكران ولا
ذنب عليه في ذلك، انتهى.
قال الباجي(٢): اختلف الناس في ولد الزاني هل يكون إماماً راتباً؟
فذهب مالك أنه يكره ذلك، فإن أم جازت صلاة من ائتمّ به، وهو قول الليث
والشافعي، وقال عيسى بن دينار: لا تكره إمامة ولد الزاني إذا كان في نفسه
أهلاً لذلك، وبه قال الأوزاعي والثوري ومحمد بن عبد الحكم، انتهى.
قال العيني(٣): وإمامة ولد الزنا جائزة عند الجمهور، وأجاز النخعي
إمامته والشعبي وعطاء والحسن، وقالت عائشة - رضي الله عنها -: ليست عليه
من وزر أبويه شيء، وإليه ذهب الثوري والأوزاعي وأحمد وإسحاق، ومحمد بن
عبد الحكم، وكرهها عمر بن عبد العزيز ومجاهد ومالك إذا كان راتباً، وقال
الشافعي: أكره أن أنصب من لا يعرف أبوه إماماً، وقال ابن حزم: الأعمى
والخصي والعبد وولد الزنا وأضدادهم والقرشي سواء لا تفاضل بينهم إلا
بالقراءة، وقال الحنفية: تكره إمامة العبد وولد الزنا؛ لأنه يُستخفُّ به فإن تقدما
جازت الصلاة، انتهى.
قال الشعراني: ومن ذلك قول الأئمة الثلاثة بكراهة إمامة من لا يعرف
أبوه مع قول أحمد بعدم الكراهة.
ثم اختلف القائلون بكراهة إمامته في علة الكراهة، قال الزرقاني: وعلته
عند مالك أنه يصير معرَّضاً لكلام الناس فيأثمون بسببه، وقيل: لأنه ليس له
(١) انظر: ((شرح الزرقاني)) (٢٧٦/١) و((الاستذكار)) (٣٧٩/٥).
(٢) ((المنتقى)) (٢٣٥/١).
(٣) ((عمدة القاري)) (٣١٤/٤).
٤٧

٨ - كتاب صلاة الجماعة
(٤) باب
(٢٩٤) حديث
غالباً من يفقهه في الدين فيغلب عليه الجهل، وقال الباجي: لأن موضع الإمامة
موضع رفعة وتقدم في أهم أمر الدين، وهي مما يلزم الخلفاء ويقوم به الأمراء،
فيكره أن يتقدم لها من فيه نقص، انتهى.
وتقدم ما قاله العيني لأنه يستخف به.
وبسط شيخنا الدهلوي في ((حجة الله البالغة)) الكلام على حكم الجماعة،
وجعل مدارج الإمامة مداراً لأسباب الترغيب في الاقتداء به واتباعه وداعياً إلى
التنافس فيه فتدرك الفضائل بالمنافسة.
وحاصل ما قال الشعراني في وجه الكراهة: أن الإمام وهو صلة بيننا
وبين الله سبحانه وتقدس، وولد الزنا لا ينبغي أن يكون واسطة بيننا وبين
خطاب الله تعالى بالقراءة والدعاء لكونه تولد من معصية وسبب المقت، قال
تعالى في الزنا: ﴿إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةُ وَمَقْتًا وَسَآءَ سَبِيلًا﴾(١) قال: ووجه قول
الإمام أحمد عدم ورود النهي في ذلك، انتهى. وكذا حكى الزرقاني عن
غيره(٢) فقال: ليس في شيء من الآثار ما يدل على مراعاة نسب في الإمامة،
وإنما فيه الدلالة على الفقه والقراءة والصلاح في الدين، انتهى.
قلت: لكنه يستأنس من روايات كثيرة شهيرة: منها: روايات تقديم الأفضل
فالأفضل باعتبار القراءة والعلم والورع، ومنها : حديث أبي أمامة: ثلاثة لا تجاوز
صلاتهم آذانهم منهم إمام قوم وهم له كارهون، وعن ابن عمر: ثلاثة لا تقبل
صلاتهم من أمَّ قوماً وهم له كارهون، الحديث. وعن ابن عباس: ثلاثة لا ترفع
صلاتهم فوق رؤوسهم شبراً رجل أمَّ قوماً وهم له كارهون، الحديث.
ومنها: حديث ابن مسعود: إن منكم منفِّرين، الحديث. وأخرج البيهقي(٣)
(١) سورة النساء: الآية ٢٢.
(٢) انظر: ((الاستذكار)) (٣٨٠/٥).
(٣) ((السنن الكبرى)) (٩٠/٣).
٤٨
-- -
---
--
..- -.

٨ - كتاب صلاة الجماعة
(٥) باب
(٥) باب صلاة الإمام وهو جالس
بسند ضعيف عن ابن عمر - رضي الله عنهما - مرفوعاً: اجعلوا أئمتكم خياركم
فإنهم وفدكم فيما بينكم وبين ربكم.
(٥) صلاة الإمام وهو جالس
حكى العيني(١) عن أحمد وإسحاق وابن حزم والأوزاعي ونفر من أهل
الحديث: أن الإمام إذا صلى قاعداً يصلي من خلفه قعوداً، وقال مالك:
لا يجوز صلاة القادر على القيام خلف القاعد لا قاعداً ولا قائماً، وقال
أبو حنيفة والشافعي والثوري وأبو ثور وجمهور السلف: لا يجوز للقادر على
القيام خلف القاعد إلا قائماً، انتهى.
قلت: مذهب الحنابلة فيه تفصيل كما في ((الروض المربع))(٢) و ((نيل
المآرب))(٣)، فقالا: لا تصح إمامة العاجز عن القيام لقادر عليه إلا إمام الحي
الراتب المرجو زوال علته لئلا يفضي إلى ترك القيام على الدوام ويصلون وراءه
جلوساً ندباً ولو كانوا قادرين على القيام لحديث: ((إنما جعل الإمام ليؤتم به))،
وتصح الصلاة خلفه قياماً. والأفضل لإمام الحي أن يستخلف إذا مرض،
والحالة هذه فإن ابتدأ بهم الإمام الصلاة قائماً ثم اعتل أي حصلت له علة عجز
معها عن القيام فجلس أتموا خلفه قياماً وجوباً لأنه وّ صلى في مرض موته
قاعداً وصلى أبو بكر والناس خلفه قياماً، انتهى مختصراً.
وفي شروح ((الهداية)): ويصلي القائم خلف القاعد عند أبي حنيفة
وأبي يوسف، والمراد من القاعد الذي يركع ويسجد، أما القاعد المومئ فلا
يجوز به اقتداء القائم اتفاقاً، وبه قال الشافعي ومالك في رواية، وقال أحمد
(١) ((عمدة القاري)) (٢٦٦/٤).
(٢) (٢٥٠/١).
(٣) (٢٣٤/١) .
٤٩

٨ - كتاب صلاة الجماعة
(٥) باب
والأوزاعي: يصلون خلفه قعوداً، ولكن عند أحمد بشرطين: الأول: أن يكون
المريض إمام حي، والثاني: أن يكون المرض مما يرجى زواله، وقال محمد:
لا يجوز، وبه قال مالك في رواية ابن القاسم عنه، انتهى.
قال الزرقاني: وهذه الرواية المشهورة عن مالك، انتهى. وفي
((المدونة)): قال مالك: لا ينبغي لأحد أن يؤم في النافلة قاعداً، قال: ومن نزل
به شيء وهو إمام قوم حتى صار لا يستطيع أن يصلي بهم إلا قاعداً فليستخلف
غيره يصلي بالقوم ويرجع هو إلى الصف.
وسئل مالك عن المريض الذي لا يستطيع القيام ليصلي جالساً ويصلي
بصلاته ناس؟ قال: لا ينبغي لأحد أن يفعل ذلك، وروى بسنده عن الشعبي: أن
رسول الله وَ﴾ قال: ((لا يؤم الرجل القوم جالساً))، وفي ((الدسوقي)): وبطلت
باقتداء بعاجز عن ركن قولي كالفاتحة أو فعلي كالركوع والسجود والقيام، انتهى.
قال ابن العربي في ((شرح الترمذي)»(١): اختلف العلماء فيه على ثلاثة
أقوال: الأول: يصلي القائم خلف القاعد، قال به مالك في رواية الوليد بن
مسلم عنه، والشافعي وأبو حنيفة وأبو ثور. الثاني: أن يصلي قاعداً قادراً خلف
إمامه قاعداً عاجزاً قاله أحمد وإسحاق وغيرهما. الثالث: أن لا يؤم قاعداً
قياماً بحال، قاله مالك، ولا جواب له عن حديث مرض النبي صل﴾، وما روي:
لا يؤمن أحد بعدي جالساً لم يصح بيد أني سمعت بعض الأشياخ أن الخاص
آخر وجوه التخصيص، وحال النبي ◌ُّ والتبرك به وعدم العوض منه يقتضي
الصلاة خلفه قاعداً، وليس ذلك كله لغيره، انتهى.
وقال أيضاً في ((البداية)) (٢): المسألة الثانية صلاة القائم خلف القاعد،
(١) ((عارضة الأحوذي)) (١٥٧/٢).
(٢) ((بداية المجتهد)) (١٥٢/١).
٥٠
------
-- ---- ---
--------------
!
---

٨ - كتاب صلاة الجماعة
(٥) باب
(٢٩٥) حدیث
١٦/٢٩٥ - حَدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ
أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ و ◌َلَّ رَكِبَ فَرَساً فَصُرِعَ،
وحاصل القول فيها أن العلماء اتفقوا على أنه ليس للصحيح أن يصلي فرضاً
قاعداً إذا كان منفرداً وإماماً لقوله تعالى: ﴿وَقُومُواْ لِلَّهِ قَدِنِتِينَ﴾.
واختلفوا إذا كان المأموم صحيحاً فصلى خلف إمام مريض يصلي قاعداً
على ثلاثة أقوال: أحدها: يصلي المأموم خلفه قاعداً، وممن قال بهذا القول
أحمد وإسحاق. والثاني: يصلون خلفه قائماً، قال ابن عبد البر: على هذا
جماعة فقهاء الأمصار الشافعي وأصحابه وأبو حنيفة وأصحابه وأهل الظاهر
وأبو ثور وغيرهم، وروى ابن القاسم: أنه لا تجوز إمامة القاعد فإن صلوا
خلفه قياماً أو قعوداً بطلت صلاتهم، وروي عن مالك أنهم يعيدون الصلاة في
الوقت، وهذا إنما بني على الكراهة لا على المنع، والأول المشهور عنه،
ومستدله عمل أهل المدينة، انتهى.
١٦/٢٩٥ - (مالك عن ابن شهاب) الزهري (عن أنس بن مالك) قال
أبو عمر: لم تختلف رواة ((الموطأ)) في سنده، ورواه سويد بن سعيد عن مالك
عن الزهري عن الأعرج عن أبي هريرة وهو خطأ لم يتابعه عليه أحد (أن
رسول الله 18 ركب فرساً) في ذي الحجة سنة خمس من الهجرة، أفاده
ابن حبان وبه جزم العيني. وفي ((تاريخ الخميس)): في أحوال السنة الخامسة
وفي ربيع الأول أو ذي الحجة، منها سقط وَلّ عن فرسه، فجحشت ساقه،
.ولما رجع إلى المدينة أقام في البيت خمساً يصلي قاعداً، انتهى.
قلت: وقوله: لما رجع إلى المدينة يدل على أن الوقعة كانت خارجها،
ولفظ أبي داود: ركب رسول الله ◌َ ◌ّ فرساً بالمدينة فصرعه، الحديث، نص في
أن القصة كانت بها (فصرع عنه) قال الزرقاني: بضم الصاد وكسر الراء أي
سقط عن الفرس، ولمعن وغيره: فصرع عنه، ولأبي داود وابن خزيمة: فصرعه
على جذع نخلة، انتهى.
٥١

٨ - كتاب صلاة الجماعة
(٥) باب
(٢٩٥) حديث
فَجُحِشَ شِقُّهُ الأَيْمَنُ. فَصَلَّى صَلاةَ مِنَ الصَّلَوَاتِ
قال المجد في ((القاموس)): الصرع ويكسر الطرح على الأرض كالمصرع
وقد صرعه كمنعه، وكذا قال جماعة من أهل اللغة، فعلم أن ما فسره به شراح
الحديث قاطبة بقولهم: سقط بيان المراد لا بيان اللغة ومعناه أسقط (فجحش)
بضم الجيم وكسر الحاء المهملة أي خدش، وقيل: الجحش فوق الخدش،
وحسبك أنه وَّ لم يقدر أن يصلي قائماً، والخدش: قشر الجلد.
وقال العيني(١): الجحش: سجح الجلد وهو الخدش، يقال: جحشه
ويجحشه جحشاً: خدشه، وقيل: أن يصيبه شيء ينسج كالخدش أو أكثر من
ذلك، انتهى. وقال أيضاً(٢): جحش أي خدش وهو أن يتقشر جلد العضو
(شقه الأيمن) ولعبد الرزاق عن ابن جريج عن الزهري: ساقه الأيمن، وليست
مصحفة كما زعم، بل تفسير لمحل الخدش، ولا ينافيه رواية بشر عند
الإسماعيلي، وكذا رواية أبي داود وغيره عن جابر: فصرعه على جذع نخلة
فانفكت قدمه، لاحتمال وقوع الأمرين، قاله الزرقاني (٣). وفي رواية للبخاري:
فجحشت ساقه أو كتفه، قال العيني: ويروى بالواو الواصلة، وفي لفظ عند
أحمد بسند صحيح: انفكت قدمه (فصلى صلاة من الصلوات) الظاهر المراد
الفرض، وحكى عياض عن ابن القاسم أنها كانت نفلاً، وتعقب بأن في
أبي داود وغيره عن جابر الجزم بأنها فرض. قال الحافظ: لكن لم أقف على
تعيينها إلا في حديث أنس: ((فصلى بنا يومئذ)) فكأنها نهارية الظهر أو العصر،
انتھی .
قلت: قد تقدم ما في ((الخميس)): أنه وُّ صلى قاعداً خمس ليال، وكذا
في ((المجمع)) إذ قال: فصلى في البيت قاعداً خمس ليال، فلا بعد إذاً في
(١) عمدة القاري (٣٣١/٣).
(٢) (٣٠٥/٤).
(٣) (٢٧٦/١).
٥٢
-------- -- ------
-----

٨ - كتاب صلاة الجماعة
(٥) باب
(٢٩٥) حديث
وَهُوَ قَاعِدٌ، وَصَلَّيْنَا وَرَاءَهُ قُعُوداً،
أنه وُ ◌ّ صلى تطوعاً ومكتوبة، ويؤيده ما وقع في روايات أبي داود من
الاختلاف، ففي رواية(١): ((فأتيناه نعوده فوجدناه في مشربة لعائشة - رضي الله
عنها - يسبّح جالساً، قال: فقمنا خلفه فسكت عنا ثم أتيناه مرة أخرى نعوده
فصلى المكتوبة جالساً، فقمنا خلفه فأشار إلينا)) الحديث.
وفي رواية أخرى (٢): ((فصلى صلاة من الصلوات))، وفي أخرى:
((فحضرت الصلاة)) (وهو قاعد) سيأتي أنه يَّ صلى قاعداً في ثلاثة مواضع.
قال عياض: يحتمل أنه * أصابه من السقط رض في الأعضاء منعه من
القيام، وقال الحافظ(٣): ليس كذلك وإنما كانت قدمه منفكة كما في رواية بشر
المتقدمة .
قلت: ولا مانع من الجمع بل هو الأقرب، فإن مثل النبي ( 8) لا يمكن
أن يكون له عذر يمنع عن القيام في الصلاة إلا ما يناسب علو همته. قال
العيني(٤): وقال الخطابي: معناه: أنه قد انسجح جلده، وقد يكون ما أصاب
رسول الله 183 من ذلك السقوط مع الخدش رض في الأعضاء، وتوجع فلذلك
منعه القيام إلى الصلاة، انتهى (وصلينا) وسيأتي أسماء بعضهم تحت الحديث
الآتي: وكانوا دخلوا عليه يعودونه (وراءه قعوداً) ظاهره يخالف حديث عائشة
الآتي بعد بلفظ: ((وصلى وراءه قياماً))، والجمع بينهما أن في رواية أنس هذه
اختصاراً، وكأنه اقتصر على ما آل إليه الأمر بعد أمره لهم بالجلوس.
وجمع بينهما القرطبي بأن بعضهم قعد أول الحال، وبعضهم جلس بعد
(١) أخرجه أبو داود رقم (٦٠٢).
(٢) رقم الحديث (٦٠١).
(٣) ((فتح الباري)) (٢١٩/٢).
(٤) ((عمدة القاري)) (٣٣١/٣).
٥٣

٨ - كتاب صلاة الجماعة
(٥) باب
(٢٩٥) حديث
فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ: ((إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ،
الإشارة، وجمع آخرون بتعدد الواقعة، ولا بعد فيه بعد ما تقدم أنه تَّ صلى
جالساً خمس ليال، وما قال الزرقاني: وفيه بُعْدٌ لأن حديث أنس إن كان سابقاً
لزم النسخ بالاجتهاد، وإن كان متأخراً لم يحتج إلى إعادة، إنما جعل الإمام
لأنهم امتثلوا أمره السابق وصلوا قعوداً، انتهى فليس بوجيه، لأن حديث أنس
إن كان متأخراً فما المانع من إعادة قوله: ((إنما جعل الإمام ليؤتم)) تأكيداً سيّما
إذ يكون في الجماعة في المرة الأخرى بعض من لم يكن في المرة الأولى،
ولا مانع أيضاً في أنه وَ لّ لم يعد أمره بل الراوي حكى أمره السابق لبيان سبب
قعودهم في الصلاة، وهو الأقرب عندي.
(فلما انصرف) عن الصلاة (قال) وَّر، وهذا بيان لسبب صلاتهم جالساً:
(إنما جعل) ببناء المجهول، وكلمة ((إنما)) للحصر للمبالغة والاهتمام (الإمام) أي
إماماً فالمفعول الثاني لقوله: جعل محذوف تقديره إنما جعل الإمام إماماً
والمفعول الأول قام مقام الفاعل، أو جعل بمعنى نصب واتخذ فلا حاجة إلى
التقدير (ليؤتم) ويقتدى (به).
قال في ((الاستذكار))(١): زاد معن في ((الموطأ)) عن مالك: فلا تختلفوا
عليه، ففيه حجة لقول مالك والثوري وأبي حنيفة وأكثر التابعين: إن من خالفت
نيته نية إمامه بطلت صلاة المأموم، إذ لا اختلاف أشد من اختلاف النيات التي
عليها مدار الأعمال، اهـ.
وفي ((التمهيد)) (٢): روى الزيادة ابن وهب ويحيى بن مالك وأبو علي
الحنفي وجماعة، قال الأبي في ((شرح مسلم)) (٣): فيه حجة لمالك والجمهور
(١) انظر: ((الاستذكار)) (٣٨٥/٥).
(٢) (٣٦٧/٢٤).
(٣) (١٦٨/٣).
٥٤
--- -

٨ - كتاب صلاة الجماعة
(٥) باب
(٢٩٥) حديث
٠
٥ ,
في ارتباط صلاة المأموم بصلاة الإمام سيما مع زيادة قوله: فلا تختلفوا عليه،
ورَدّ على الشافعي والمحدثين في قولهم: بصحة صلاة المفترض خلف
المتنفل، وصلاة الظهر خلف من يصلي العصر، وقصروا الاختلاف المنهي عنه
على الاختلاف في الأفعال الظاهرة، وعَمَّمه مالك إذ لا اختلاف أشد من
الاختلاف في النيات في صلاة فرضين أو نفل وفرض، انتهى.
قلت: ويستدل عليه أيضاً بالحديث المشهور: ((الإمام ضامن)) والشيء لا
يتضمن الزائد منه ولا الأجنبي فلا يتضمن النفل الفرض ولا الفرض فرضاً آخر،
نعم يتضمن الأدون منه فيتضمن الفرض النفل، وهذا كله من أجلى البديهيات.
قال الشعراني: ومن ذلك قول أبي حنيفة ومالك وأحمد: أنه لا يجوز
اقتداء المفترض بالمتنفل، كما لا يجوز عندهم أن يصلي فرضاً خلف من يصلي
فرضاً آخر، مع قول الشافعي أنه يجوز، وجه الأول ظاهر قوله وكالة: ((لا تختلفوا
فتختلف قلوبكم))، فإنه شمل الاختلاف عليه في الأفعال الباطنة كما شمل
الاختلاف في الأفعال الظاهرة على حد سواء، ووجه الثاني كون اختلاف
أفعال القلوب لا يظهر به مخالفة الإمام عند الناس، فالأئمة الثلاثة راعوا
المخالفة القلبية أيضاً، والشافعي راعى المخالفة الظاهرة، ولا شك أن من
يراعي الباطن والظاهر معاً أكمل ممن يراعي أحدهما، انتهى.
وقال العيني(١): قال أصحابنا: لا يصلي المفترض خلف المتنفل، وبه
قال مالك في رواية، وأحمد في رواية أبي الحارث عنه، وقال ابن قدامة:
اختار هذه الرواية أكثر أصحابنا، وهو قول الزهري والحسن البصري وسعيد بن
المسيب والنخعي وأبي قلابة ويحيى بن سعيد الأنصاري، وقال الطحاوي: وبه
قال مجاهد وطاوس، واستدلوا بما في ((صحيح ابن حبان)): ((الإمام ضامن))
(١) ((عمدة القاري)) (٣٣٣/٤).
٥٥

٨ - كتاب صلاة الجماعة
(٥) باب
(٢٩٥) حديث
بمعنى يضمنها صحة وفساداً، والفرض ليس مضموناً في النفل، وقال ابن بطال:
لا اختلاف أعظم من اختلاف النيات، ولأنه لو جاز بناء المفترض على المتنفل
لما شرعت صلاة الخوف مع كل طائفة بعضها وارتكاب الأعمال التي لا تصح
الصلاة معها في غير خوف، لأنه كان يمكنه وَ ل# أن يصلي مع كل طائفة جميع
صلاته، انتھی .
واستدل من أباح ذلك بقصة معاذ: كان يصلي مع النبي وَّ ثم يرجع إلى
قومه فیصلي بهم.
قال ابن العربي في ((شرح الترمذي)» (١): تأويل قولهم: كان معاذ يصلي
مع النبي ◌َّ ثم يرجع إلى قومه فيؤم به على خمسة أوجهٍ: الأول: أنه كان يؤم
بهم متنفلاً وهم مفترضون وبه قال الشافعي، وأباه مالك وأبو حنيفة، وليس في
الحديث كيفية نية معاذ، وقول جابر: هي له تطوع، إخبار عن غائب عن غير
شيء، ومن لجابر بما كان ينويه معاذ.
الثاني: من المحتمل أن يكون النبي ◌َ﴾ يصلي معه معاذ صلاة النهار
وتفوته صلاة الليل لأنهم كانوا أهل خدمة لا يحضرون صلاة النهار في منازلهم
وقائلتهم، فأخبر الراوي بحال معاذ معاً في وقتين لا في وقت واحد، وعن
صلاتين لا عن صلاة واحدة.
الثالث: أن هذا الحديث حكاية حال ولم يعلم كيفيتها فلا عمل عليها .
الرابع: أنه يعارضه قوله: إنما جعل الإمام ليؤتم به أي يقتدى به وإذا قال
هذا: صلاة الظهر، وقال هذا: صلاة العصر، فأي اقتداء هاهنا وائتمام. والنية
ركن وهي الأصل؛ ألا ترى أنه لا يحل له مخالفته في الزمان، فلا يركع قبله
ولا يرفع قبله، وليس الزمان من أوصاف الصلاة، وإنما هو من مقتضياتها،
والنية التي هي ركن العبادة ونفسها أولى وأحب، فتصير مخالفته في النية نظير
(١) انظر: ((عارضة الأحوذي)) (٦٥/٣ - ٦٧).
٥٦
--
-----
--- |

٨ - كتاب صلاة الجماعة
(٥) باب
(٢٩٥) حدیث
فَإِذا صَلَّى قَائِماً فَصَلَّوا فِيَاماً وَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا، وَإِذَا رَفَعَ فَارْفَعُوا،
وَإِذَا قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، فَقُولُوا رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ،
٠
مخالفته في الفعل الذي هو ركن، فيقوم مع القاعد، ويسجد مع الراكع، وذلك
لا يجوز، وهذا نفيس جداً.
الخامس: روى الحسان مرفوعاً: الإمام ضامن، قال علماؤنا: معلوم أن
الإمام لا يضمن صلاة المأموم إذا كان المأموم لا بد له من فعلها، وإنما معنى
تضمنها صحة وفساداً أن تبني صلاته، وذلك لا يصح إلا بشرط الاتفاق في
أصل الفرض، فلأجل هذه الأدلة بقي حديث معاذ على احتماله، وصح
ما ذكرناه فيه من تأويله، انتهى.
(فإذا صلى قائماً فصلوا قياماً، وإذا ركع فاركعوا) فاء التعقيب تدل على أن
المقتدي لا يجوز له أن يسبق الإمام بالركوع والسجود (وإذا رفع) رأسه من
الركوع (فارفعوا، وإذا قال: سمع الله) أي أجاب الدعاء (لمن حمده فقولوا:
ربنا ولك الحمد) بالواو لجميع الرواة .
قال الحافظ في ((الفتح))(١): لجميع الرواة في حديث عائشة بإثبات الواو،
وكذا لهم في حديث أبي هريرة وأنس، إلا في رواية الليث عن الزهري في
باب إيجاب التكبير، فللكشميهني بحذف الواو، ورجح إثبات الواو بأن فيه
معنى زائداً كونها عاطفة على محذوف، ورجح حذفها لأن الأصل عدم
التقدير، وقال النووي: ثبوت الواو وحذفها، والوجهان جائزان بغير ترجيح،
انتھی .
قلت: وتقدم الكلام على فقه اللفظ في محله، واختلفت نسخ كتب
الحديث في ذكر الواو وحذفها، ولا يوجد في نسخ ((المشكاة)) وشروحه في
حديث أنس، ولم يتعرضوا له، وكذا لا يوجد في أكثر نسخ ((الموطأ)) الموجودة
(١) انظر: ((فتح الباري)) (١٧٩/٢).
٥٧

٨ - كتاب صلاة الجماعة
(٥) باب
(٢٩٥) حديث
وَإِذَا صَلَّى جَالِساً، فَصَلُّوا جُلُوساً أجْمَعُونَ)).
أخرجه البخاريّ في: ١٠ - كتاب الأذان، ٥١ - باب إنما جعل الإمام
ليؤتم به .
ومسلم في: ٤ - كتاب الصلاة، ١٩ - باب ائتمام المأموم بالإمام، حديث ٧٧.
عندنا من الهندية، وزاد في حديث عائشة عند البخاري وغيره، وإذا سجد
فاسجدوا، وزاد في حديث أبي هريرة عند أبي داود والنسائي وابن ماجه، وإذا
قرأ فأنصتوا، وهذه الزيادة ضعيفة عند أبي داود وغيره، صحيحة عند مسلم
وغيره.
(فإذا صلى جالساً فصلوا جلوساً) جمع جالس حال بمعنى جالسين
(أجمعون) بالواو جميع طرق الحديث على ما قاله الزرقاني.
وقال القاري في ((المرقاة)) (١): وروي بالنصب، قلت: وظاهر كلام
الزرقاني أنه في حديث أبي هريرة إذ قال: واختلف في رواية همام عن أبي
هريرة، فقال بعضهم: أجمعين بالياء، وكذا ذكره العيني، إذ قال في حديث
أنس: كذا وقع بالواو في جميع الطرق في ((الصحيحين))، إلا أن الرواة اختلفوا
في رواية همام عن أبي هريرة، انتهى. ثم أجمعون بالواو تأكيد للضمير
المرفوع في فصلوا، وأخطأ من ضعفه، وبالياء منصوب على الحال: أي
جلوساً مجتمعين أو تأكيد له.
قال الحافظ (٢): أو على التأكيد لضمير مقدر منصوب، كأنه قال: أعنيكم
أجمعين، قال العيني: وهذا تعسف، ثم الحديث مستدل من قال: يجلس
المأموم لجلوس الإمام، وسيأتي الجواب عن الجمهور.
(١) ((مرقاة المفاتيح)) (٩٥/٣).
(٢) ((فتح الباري)) (٢٢٣/٢).
٥٨
--

٨ - كتاب صلاة الجماعة
(٥) باب
(٢٩٦) حديث
٢٩٦/ ١٧ - وحدّثني عَنْ مَالِكٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ
أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ نَّهِ؛ أَنَّها قَالَتْ: صَلَّىَ رَسُولُ اللَّهِ
وسـ
وَهُوَ شَاكِ .
وذكر العيني(١) في الحديث فوائد: منها: وجوب متابعة المأموم الإمام
حتى في الصحة والفساد عندنا، وقال الشافعي: يتبع في الموافقة لا في
الصحة، ومنها: استدل به أبو حنيفة والجمهور على أن وظيفة الإمام التسميع،
ووظيفة المأموم التحميد، ومنها: مشروعية ركوب الخيل، والتدرب على
أخلاقها، واستحباب التأسي به وَّ، إذا حصل له منها سقوط أو عثرة، ومنها:
أنه يجوز على النبي ولو ما يجوز على البشر من الأسقام ونحوها من غير نقص
في مقداره بذلك، بل ليزداد رفعة وجلالة. ومنها: استحباب العيادة عند
الخدشة وغيرها، ومنها: جواز الصلاة جالساً عند العجز، والله أعلم.
١٧/٢٩٦ - (مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه) عروة بن الزبير (عن عائشة
زوج النبي ◌َ﴾ أنها قالت: صلى رسول الله وَّه) في مشربة له من جذوع النخل، كما
في رواية البخاري، وبوب عليه: ((الصلاة في المنبر والسطوح والخشب)) قال
العيني(٢): كأنه ◌َّ عجز عن الصلاة بالناس في المسجد، لكن لم ينقل أنه
استخلف، ومن ثمة قال عياض: إن الظاهر أنه صلى في حجرة عائشة، وائتم به من
حضر عنده، ومن كان في المسجد، وهذا الذي قاله يحتمل، ويحتمل أيضاً أنه
استخلف ولم ينقل، لكن يلزم على الأول أن تكون صلاة الإمام أعلى من صلاة
المأموم، ومذهب عياض خلافه إلا أن يقال: إنما يمنع كون الإمام أعلى من
المأموم إذا لم يكن معه أحد، وكان معه ههنا بعض الصحابة، انتهى. (وهو شاكٍ)
على وزن قاضٍ بخفة الكاف من الشكاية بمعنى المرض، كأنه يشكو مزاجه
الانحراف عن الاعتدال، وقد تقدم بيان الشكاية في الحديث السابق.
(١) ((عمدة القاري)) (٣٠٤/٤).
(٢) (٣٠٢/٤).
٥٩

٨ - كتاب صلاة الجماعة
(٥) باب
(٢٩٦) حديث
فَصَلَّى جَالِساً، وَصَلَّى وَرَاءَهُ قَوْمُ قِيَامَاً. فَأَشَارَ إِلَيْهِمْ أَنِ اجْلِسُوا،
فَلَمَّا انْصَرَفَ، قَالَ: ((إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا،
قال العيني بعد سرد الروايات المختلفة في الباب: الحاصل: أن عائشة -
رضي الله عنها - أبهمت الشكوى، وبَيَّنَ جابر وأنس السبب، وهو السقوط عن
الفرس، وعيَّن جابر العلة في الصلاة قاعداً، وهي انفكاك القدم، انتهى.
(فصلى) رسول الله وَّر حال كونه (جالساً)، وقد صلى النبي ◌َّ قاعداً في ثلاثة
مواضع: هذه، وفي غزوة أحد، وفي مرض موته، قاله ابن رسلان.
(وصلى وراءه قوم) حال كونهم (قياماً) وسمي منهم أنس كما في الحديث
السابق، وأبو بكر وجابر عند مسلم وغيره، وعمر كما لعبد الرزاق من مرسل
الحسن (فأشار إليهم أن اجلسوا) بلفظ إلى من الإشارة لجميع رواة ((الموطأ)»،
وتابعه القطان عن هشام عند البخاري، وهو ما لأكثر رواة البخاري في الصلاة
من طريق ((الموطأ))، ولبعضهم فأشار عليهم بلفظ: ((على)) من المشورة، والأول
أصح، فقد رواه أيوب عن هشام بلفظ: فأومأ إليهم، وروي بلفظ فأخلف بيده
يومىء بها إليهم، قاله الزرقاني.
(فلما انصرف) أي من الصلاة (قال: إنما جعل الإمام) إماماً كما تقدم
(ليؤتم به) زاد البخاري في روايته: ((إذا كبر فكبروا)) قاله العيني، احتجَّ به
أبو حنيفة على أن المقتدي يكبر مقارناً لتكبير الإمام لا يتقدم ولا يتأخر، لأن
الفاء للحال، وقال أبو يوسف ومحمد: الأفضل أن يكبر بعد فراغ الإمام من
التكبير، لأن الفاء للتعقيب، اهـ.
(فإذا ركع فاركعوا) قال ابن المنير: مقتضاه أن ركوع المأموم يكون بعد
ركوع الإمام، إما بعد تمام انحنائه وإما أن يسبقه الإمام بأوله فيشرع فيه بعد أن
يشرع، اهـ.
قلت: وليس المعنى أن يركع بعد فراغ الإمام من الركوع لرواية معاوية بن
أبي سفيان مرفوعاً: ((لا تُبادروني بركوع ولا بسجود، فإني مهما أسبقكم به إذا
٦٠
- -
----