Indexed OCR Text
Pages 481-500
٥ - كتاب الجمعة (٨) باب (٢٣٦) حديث قَالَ مَالِكٌ: السُّنَّةُ عِنْدَنَا أَنْ يَسْتَقْبِلَ النَّاسُ الإِمَامَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، إِذَا أَرَادَ أَنْ يَخْتُلِبَ، مَنْ كَانَ مِنْهُمْ يَلِيِ الْقِبْلَةَ وَغَيْرَهَا . بمكان الخطبة وكثرة الناس، بخلاف غيره، ويؤيد ذلك ما رواه أبو منصور الديلمي في ((مسند الفردوس)) من حديث أبي أمامة مرفوعاً: ((من تخطى حلقة قوم بغير إذنهم فهو عاص)) لكنه ضعيف، لأنه من رواية جعفر بن الزبير، كذبه شعبة، وترکه الناس. ثم اختلفوا في كراهة ذلك، هل هو للتحريم أو لا؟ فالمتقدمون يطلقون الكراهة، ويريدون كراهة التحريم، وحكى الشيخ أبو حامد في تعليقه عن نص الشافعي التصريح بتحريمه، وصرح النووي في ((شرح المهذب)) أنه مكروه كراهة تنزيه، وقال في ((زوائد الروضة)): إن المختار تحريمه للأحاديث الصحيحة، واقتصر أصحاب أحمد على الكراهة فقط، انتهى ما قاله العيني (١). قلت: وأما عند المالكية، ففي ((الشرح الكبير))(٢) لأحمد الدردير: وجاز الداخلِ تخطّ لرقاب الناس لفرجة، وكره لغيرها قبل جلوس على المنبر الجلسة الأولى، وحرم بعده ولو لفرجة، وجاز بعد الخطبة، اهـ. (قال يحيى: قال مالك: السنة عندنا أن يستقبل الناس الإمام يوم الجمعة إذا أراه) الإمام (أن يخطب من كان منهم) أي المقتدين (بلي القبلة) كما في المسجد النبوي في المدينة المنورة، فإن الجالسين في الزيادة العثمانية يَلُوْن القبلة، والإمام ورائهم على المنبر، فإن المنبر في المسجد الذي كان في زمنه القر (وغيرها) بالطريق الأولى. قال الباجي(٣): وهذا كما قال، وعليه جمهور الفقهاء وعمل الناس، (١) ((عمدة القاري)) (٢٠٨/٦/٣). (٢) (٣٨٥/١). (٣) ((المنتقى)) (٢٠٣/١). ٤٨١ ٥ - كتاب الجمعة (٨) باب (٢٣٦) حديث وذلك لأن الإمام قد ترك استقبال القبلة واستقبلهم بوجهه، ليكون ذلك أبلغ في وعظهم وأتم في إحضارهم أفهامهم، فعليهم أن يستقبلوه إجابة له وإقبالاً على کلا مه، اهـ. قلت: بوّب البخاري في ((صحيحه)) استقبال الناس الإمام إذا خطب، وذكر أثر ابن عمر وأنس أنهما استقبلا الإمام، وحديث الخدري: ((أنه وَال جلس ذات يوم على المنبر وجلسنا حوله)) . قال العيني(١): أما أثر ابن عمر، فأخرجه البيهقي بسنده عن نافع: أن ابن عمر كان يفرغ من سُبْحته يوم الجمعة قبل خروج الإمام، فإذا خرج لم يقعد الإمام حتى يستقبله، وأما أثر أنس، فأخرجه ابن أبي شيبة بسنده، قال: رأيت أنساً إذا أخذ الإمام يوم الجمعة في الخطبة يستقبله بوجهه حتى يفرغ الإمام من خطبته، ورواه ابن المنذر من وجه آخر عن أنس: أنه جاء يوم الجمعة فاستند إلى الحائط واستقبل الإمام، قال ابن المنذر: ولا أعلم خلافاً في ذلك بين العلماء، وحكى غيره عن سعيد بن المسيب: أنه كان لا يستقبل هشام بن إسماعيل إذا خطب، فوَّلَ به هشامٌ شرطياً يعطفه إليه، وهشام هذا المخزومي، كان والياً بالمدينة، وهو الذي ضرب سعيد بن المسيب أفضل التابعين بالسياط، فويلٌ له من ذلك. وفي ((المغني))(٢): روي عن الحسن أنه استقبل القبلة، ولم ينحرف إلى الإمام، وروى الترمذي(٣) عن ابن مسعود قال: كان رسول الله وَّ إذا استوى على المنبر استقبلناه بوجوهنا، وفي إسناده محمد بن الفضل، قال الترمذي: (١) ((عمدة القاري)) (٢١٩/٦/٣). (٢) (١٧٢/٣). (٣) أخرجه الترمذي برقم (٥٠٩) باب ما جاء في استقبال القبلة. ٤٨٢ ٥ - كتاب الجمعة (٨) باب (٢٣٦) حديث ٠٠٠٠٠٠ ضعيف ذاهب الحديث عند أصحابنا، والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي ◌َّل﴾، وغيرهم يستحبون استقبال الإمام إذا خطب، وهو قول الثوري والشافعي وأحمد وإسحاق، ولا يصح في هذا الباب عن النبي (149 شيء . وروى ابن ماجه(١) عن عدي بن ثابت عن أبيه: أن النبي ◌ّ كان إذا قام على المنبر استقبله الناس، وفي ((سنن الأثرم)) عن مطيع بن يحيى عن أبيه عن جده بمعناه. وفي ((المبسوط)): كان أبو حنيفة إذا فرغ المؤذن من أذانه أدار وجهه إلى الإمام، وهو قول شريح وطاووس ومجاهد وسالم والقاسم وغيرهم. وبه قال مالك والأوزاعي والثوري والشافعي وأحمد وإسحاق، قال ابن المنذر: وهذا کالإجماع، انتهى. قال ابن عبد البر(٢): ولم يختلفوا في ذلك، ولا أعلم فيه حديثاً مسنداً إلا أن الشعبي قال: من السنة أن يستقبل الإمام يوم الجمعة، وروى نعيم بن حماد بإسناد صحيح عن أنس: أنه كان إذا أخذ الإمام في الخطبة يوم الجمعة استقبله بوجهه حتى يفرغ من الخطبة، قال ابن المنذر: لا أعلم خلافاً في ذلك بين العلماء، انتهى. وفي ((الحاشية)) عن ((المحلى)): قال شمس الأئمة الحلوائي: من كان أمام الإمام يواجهه، ومن كان يميناً ويساراً انحرف إلى الإمام قال: والرسم في زماننا استقبال القبلة وترك استقبال الخطيب لما يلحقهم من الحرج بتسوية الصفوف بعد الخطبة لكثرة الزحام، انتهى. قلت: بل لشيوع الجهل، فإن كثرة الزحام كان في الزمن الأول أيضاً. (١) ((سنن ابن ماجه)) (٣٦٠/١) رقم الحديث (١١٣٦). (٢) انظر: ((شرح الزرقاني)) (٢٣١/١). ٤٨٣ ٥ - كتاب الجمعة (٩) باب (٩) باب القراءة في صلاة الجمعة والاحتباء، ومن تركها من غير عذر (٩) القراءة في صلاة الجمعة هل يستحب تعيين شيء من القرآن في الجمعة أم لا؟ (والاحتباء) ما حكمه؟ (ومن تركها) أي الجمعة (من غير عذر) ترجم المصنف بثلاث تراجم، وذكر من الآثار ما يتعلق بالأولى والثالثة، فسيأتي الكلام عليهما في محلهما، وأما الثانية، وهي: الاحتباء لم يتعرض لها المصنف في الآثار، ولعله ترك من سهو النُّسَّاخ، نعم ذكر في الروايات بيان الخطبتين ولم يتعرض له في الترجمة فلعله أيضاً من تصرف النُّسَّاخِ، ويمكن التأويل أيضاً لو ثبت وقوعه من المصنف. قال ابن عبد البر(١)، وتبعه الزرقاني: ترجم يحيى بالاحتباء، ولم يذكر فيه شيئاً، وفي رواية ابن بكير وغيره مالك أنه بلغه، الحديث. قلت: لكنه موجود في النسخ التي بأيدينا كما سيأتي، ولما كان الصواب في رواية يحيى الترجمة فقط، نذكر الكلام ههنا ونحيل عليه في ذكر الحديث، فأما الاحتباء: هو أن يضم رجليه إلى بطنه بثوب يجمعهما به مع ظهره ويشدُّ عليها، وقد يكون باليدين، كذا في ((البذل))(٢)، ونقل عن ((القاموس)): احتبى بالثوب اشتمل أو جمع بين ظهره وساقيه بعمامة ونحوها، والاسم الحبوة، أي بالفتح ويضم، والحبية بالكسر والحباء، انتهى. وقال القاري في ((النهاية)): بكسرها وضمها، اسم من الاحتباء، وهو ضم الساق إلى البطن بثوب أو باليدين، اهـ. (١) انظر: ((الاستذكار)) (١١٣/٥). (٢) ((بذل المجهود)) (١١٥/٥). ٤٨٤ ٠٠ ٥ - كتاب الجمعة (٩) باب قال الترمذي(١): وقد كره قوم من أهل العلم الحبوة يوم الجمعة والإمام يخطب، ورخص في ذلك بعضهم، منهم عبد الله بن عمر وغيره، وبه يقول أحمد وإسحاق . وأخرج أبو داود(٢): أن النبي ◌َّ نهى عن الاحتباء يوم الجمعة والإمام يخطب، ثم قال أبو داود: وكان ابن عمر وأنس وشريح وصعصعة وابن المسيب والنخعي ومكحول يحتبون، وأخرج عن يعلى بن شداد: شهدت مع معاوية بيت المقدس، فجمع بنا، فنظرت فإذا جلّ من في المسجد أصحاب النبي وَل فرأيتهم محتبين، والإمام يخطب، قال أبو داود: ولم يبلغني أن أحداً كرهها إلا عبادة بن نُسي، اهـ. قلت: وهل يخالف قول أبي داود قول الترمذي إذ نسبه إلى قوم، والجمع بينهما يسير؟ قال العراقي: وذهب أكثر أهل العلم إلى عدم الكراهة. قال الزرقاني: وهو مذهب الأئمة الأربعة وغيرهم، قال الباجي: روى ابن نافع عن مالك: لا بأس أن يحتبي الرجل والإمام يخطب، وأن يمد رجليه، لأن ذلك معونة فليفعل من ذلك ما هو أرفق به، اهـ. قال ابن عبد البر (٣): ولم يرو عن أحد من الصحابة خلافه، ولا روي عن أحد من التابعين كراهة الاحتباء إلا وقد روي عنه جوازه، اهـ. فقد علم من هذا أن جمهور أهل العلم من الصحابة والتابعين ومن بعدهم: ذهبوا إلى جواز ذلك، واختلفوا في الاعتذار عما ورد من النهي، فقال ابن العربي في ((عارضة الأحوذي)) (٤) بعد ذكر حديث النهي: وعادة المحدثين (١) ((جامع الترمذي)) في الصلاة، حديث (٥١٤) (٣٩٠/٢). (٢) أخرجه أبو داود في الصلاة، الحديث (١١١٠). (٣) ((الاستذكار)) (١١٣/٥). (٤) (٣٠٣/٢/١). ٤٨٥ ٥ - كتاب الجمعة (٩) باب المتقدمين أهل الخبر في تبيين الحديث إذا انفردوا بالشيء مخافة عدم التحصيل لقلة العلم، وقد رُوِينا أن ابن عمر كان يحتبي يوم الجمعة والإمام يخطب، وربما نعس حتی یضرب بجبهته حبوته. قال ابن العربي: قد جاء هذا النهي عن هذا الطريق، ولم يصح، ولا عمل به أحد من الصحابة إلا عبادة بن نُسي، وإلا فقد خطب معاوية ببيت المقدس، وُلُّ أصحاب النبي وَلّ محتبون، ويكفيكم فعل ابن عمر الثابت من الاحتباء حال الخطبة مع ملازمته النبي ◌َّير، وأنه ما فارقه في جمعة قط، والحديث محتمل فيتوقف عنه، اهـ. وقال الشوكاني في (النيل)) بعد ذكر القائلين بعدم الكراهة: وأجابوا عن أحاديث الباب أنها كلها ضعيفة وإن كان الترمذي قد حسن حديث معاذ بن أنس، وسكت عنه أبو داود، فإن فيه من تقدم ذكره، انتهى. وقال قبل ذلك: حديث معاذ بن أنس من رواية ابنه سهل، ضعفه يحيى بن معين، وتكلم فيه غير واحد، في إسناده أيضاً أبو مرحوم عبد الرحيم بن ميمون مولى بني ليث، ضعفه ابن معين، وقال أبو حاتم الرازي: لا يحتج به، اهـ. وقال ابن حبان في ((الضعفاء)): سهل بن معاذ منكر الحديث جداً، فلست أدري أوقع التخليطُ منه أو من صاحبه زبان؟ اهـ. فحاصل هذه الأجوبة: أن الحديث ضعيف، وأشكل بأنه حسنه الترمذي وسكت عليه أبو داود والمنذري، وصححه الحاكم، وسهل ذكره ابن حبان في ((الثقات)) أيضاً، ولها شواهد ضعيفة يقوي بعضها بعضاً. وليس في رواته من يُتَّهم بالكذب، وأجيب أيضاً: بأن حديث النهي لو ثبت صحته حمل على النسخ لعمل جلّ الصحابة بخلافه، كما يظهر من صنيع أبي داود، وقال القاري: إنما نهي عنه لأنه يجلب النوم، فلا يسمع الخطبة، ويعرض طهارته للانتقاض، وقيل: لأنها جلسة المتكبرين، اهـ. ٤٨٦ --- - . .- ٥ - كتاب الجمعة (٩) باب (٢٣٧) حديث ١٩/٢٣٧ - حَدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنْ ضَمْرَةَ بْنِ سَعِيدٍ الْمَازِنِيِّ، عَنْ تُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُنْبَةً بْنِ مَسْعُودٍ؛ أنّ الأَضْحَّاكَ بْنَ قَيْسٍ، سَأَلَ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ : .... ٠ ٠ 1 * ٫٠ ٢۴ وهذا الأخير لا يصح، فإنه ورد في ((الشمائل)) عن الخدري: أنه وَلَل إذا جلس في المسجد احتبى بيديه، وقال الخطابي: قد ورد النهي عن الاحتباء مطلقاً غير مقيد بحال الخطبة ولا بيوم الجمعة، لأنه مظنةٌ لانكشاف عورة من كان عليه ثوب واحد، انتهى. قلت: وقد سلك الطحاوي في ((مشكله))(١) مسلكاً بديعاً، وغاير بين محمل الحديثين، فحمل النهي عن الحبوة على إحداث الحبوة، لأنه عمل في الخطبة، وعمل جلّ الصحابة على أنهم كانوا محتبين قبل ذلك، والله أعلم، وعلمه أتم. ١٩/٢٣٧ - (مالك، عن ضمرة) بفتح المعجمة وسكون الميم (ابن سعيد) ابن أبي حنة (المازني بالزاي (عن عبيد الله) بضم العين (ابن عبد الله) بفتحها (ابن عتبة) بضمها فسكون فوقية (ابن مسعود أن الضحاك (٢) بن قيس) بن خالد بن وهب الفهري أبو أنيس الأمير المشهور صحابي. قال في ((الفتح الرحماني)): من صغار الصحابة. يقال: ولد قبل وفاته وَّل بسبع سنين، قتل في وقعة مرج راهط سنة ٦٤ هـ. (سأل) الظاهر أن السؤال كان بالكتابة، فإن مسلماً أخرج هذا الحديث عن عبيد الله بن عبد الله، قال: كتب الضحاك بن قيس إلى النعمان بن بشير، الحديث (٣) (النعمان (٤) بن بشير) بن سعد بن ثعلبة الأنصاري الخزرجي له ولأبيه (١) انظر: ((بذل المجهود)) (١١٨/٦). (٢) انظر ترجمته في: ((تهذيب التهذيب)) (٣١١/٥)، و(«أسد الغابة)) (٣٠٥/٣). (٣) أخرجه مسلم في كتاب الجمعة رقم الحديث (٨٧٨)، باب ما يقرأ في صلاة الجمعة. (٤) له ترجمة في: ((أسد الغابة)) (٣٢٦/٥). ٤٨٧ ٥ - كتاب الجمعة (٩) باب (٢٣٧) حديث مَاذَا كان يَقْرَأْ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﴿ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، عَلَى إِثْرِ سُورَةٍ الْجُمُعَةِ؟ قَالَ: كَانَ يَقْرَأْ: ﴿هَلْ أَتَنْكَ حَدِيثُ الْغَشِيَةِ صحبة، يقال: إنه أول مولود ولد للأنصار بعد الهجرة، وُلد هو وابن الزبير في ربيع الآخر على رأس أربعة عشر شهراً من الهجرة كذا في ((الفتح الرحماني)) ولي إمرة الكوفة، وقتل بحمص سنة ٦٥ هـ وله ٦٤ سنة (ماذا كان يقرأ به رسول الله بَّلة) بعد الفاتحة في الركعة الثانية (يوم الجمعة على إثر سورة الجمعة) التي كان يقرأها في الركعة الأولى. وفيه: أن قراءة سورة الجمعة أمر معروف مشهور لا يحتاج إلى التساؤل عنه (قال: كان يقرأ ﴿هَلْ أَنَئِكَ حَدِيثُ الْغَشِيَةِ﴾) يعني أن قراءة الجمعة في الأولى كان متعيناً فسأل عن الثانية، قاله الزرقاني(١). واختلفت الآثار في ذلك، ولذا اختلفت الأئمة فيه، فروي أنه وَلّ كان يقرأ في العيدين والجمعة بـ ﴿سَيِّجِ اسْمَ رَبِّكَ اُلْأَعْلَى: ﴿َ﴾، و﴿هَلْ أَتَنْكَ حَدِيثُ اُلْغَشِيَةِ ﴾﴾، وإذا اجتمع العيدان في يوم قرأهما فيهما، وروي أنه مَل قرأ بسورة الجمعة في الأولى، و﴿إِذَا جَآءَكَ الْمُنَفِقُونَ﴾ في الآخرة، واختاره الشافعي، وذهب مالك إلى ما في ((الموطأ)) أنه يقرأ (الجمعة) في الأولى، و﴿هَلْ أَتَكَ﴾ في الثانية، وأجاز في الثانية ﴿سَيْحِ اسْمَ رَبِّكَ اُلْأَعْلَى ﴾﴾، وجملة قوله أنه لا يترك في الأولى سورة الجمعة ويقرأ في الثانية بما شاء، إلا أنه يستحب ما ذكرنا، قاله الزرقاني. وفي ((الشرح الكبير)) (٢): أجاز الإمام أن يقرأ في الثانية بـ ﴿سَيِّعٍ﴾ أو (المنافقون) قياساً على ﴿هَلْ أَنَكَ﴾، اهـ وفي الدسوقي: والحاصل أنه مخيّر في القراءة في الثانية بين الثلاثة وأن (١) ((شرح الزرقاني)) (٢٣٢/١). (٢) (٣٨٣/١). ٤٨٨ -- - ٥ - كتاب الجمعة (٩) باب (٢٣٧) حديث ٠٠ ٠ كلاً يحصل به الندب، لكن ﴿هَلْ أَتَنكَ﴾ أقوى في الندب، وهذا ما اعتمده طفي، وفي كلام بعضهم ما يفيد أن المسألة ذات قولين، وأن الاقتصار على ﴿هَلْ أَتَنكَ﴾ مسألة ((المدونة))، وأن التخيير بين الثلاثة قول ((الكافي))، اهـ. قال ابن العربي: قال مالك: أحبّ إليّ أن يقرأ في الأولى (الجمعة)، وفي الثانية ﴿هَلْ أَتَنكَ﴾، وأدركت الناس وهم يقرأون في الثانية بـ﴿سَيِّحٍ﴾، انتهى. هذه مسالك المالكية. وفي ((شرح الإقناع)) من فقه الشافعية في ذكر السنن: وأن يقرأ في الأولى (الجمعة)، وفي الثانية (المنافقون) جهراً للاتباع، وروي أنه وهل كان يقرأ (الأعلى) و(الغاشية). قال في ((الروضة)): كان يقرأ هاتين في وقت، وهاتين في وقت، فهما سنتان، اهـ. وفي ((الروض المربع))(١) من فروع الحنابلة: ويسن أن يقرأ جهراً في الأولى بـ(الجمعة)، وفي الثانية بـ (المنافقون)، لأنه عليه السلام كان يقرأ بهما، رواه مسلم، انتهى. هذه مسالك الأئمة الثلاث في ذلك - رحمهم الله تعالى -. قال في ((بداية المجتهد)) (٢): أكثر الفقهاء على أن من سنة القراءة في صلاة الجمعة قراءة سورة الجمعة في الركعة الأولى لما تكرر ذلك من فعله بعداله كما أخرج مسلم عن أبي هريرة ومالك عن النعمان بن بشير، وأما أبو حنيفة فلم يقف فيها شيئاً، انتهى. قلت: هذا هو المشهور على الألسن: أن الحنفية لم يقولوا بندب ما ورد في ذلك، وهذا النقل ليس بصحيح، بل كتبهم مصرحة بندب ذلك، نعم أنكروا الاستمرار عليه، قال في ((البدائع)) (٣) وتبعه صاحب ((البحر)): ينبغي للإمام أن (١) ((الروض المربع)) (٢٩٦/١). (٢) (١٦٤/١). (٣) ((بدائع الصنائع)) (٦٠٣/١). ٤٨٩ ٥ - كتاب الجمعة (٩) باب (٢٣٧) حديث يقرأ في كل ركعة بفاتحة الكتاب وسورة، مقدار ما يقرأ في صلاة الظهر، ولو قرأ في الأولى بـ(سورة الجمعة)، وفي الثانية بـ(سورة المنافقون)، أو في الأولى ب﴿سَيِّجٍ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، وفي الثانية بسورة ﴿هَلْ أَتَنكَ﴾، فحسن؛ تبركاً بفعله عليه الصلاة والسلام، ولكن لا يواظب على قراءتها، بل يقرأ غيرها في بعض الأوقات، كيلا يؤدي إلى هجر الباقي، ولا يظنه العامة حتماً، اهـ. وكذا صرح به ابن عابدين في ((رد المحتار))، وابن الهمام في ((الفتح))، وغيرهم من فقهاء الحنفية. هذا، وأخرج ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (١) عن الحسن قال: ((يقرأ الإمام بما شاء))، وقال ابن عيينة: يكره أن يتعمد القراءة في الجمعة بما جاء عن النبي ◌ّلجر، لئلا يجعل ذلك من سننها. وليس منها، قال ابن العربي: وهو مذهب ابن مسعود، وقد قرأ فيها أبو بكر الصديق - رضي الله عنه - بـ(البقرة)(٢). وحكى ابن عبد البر في ((الاستذكار)) عن أبي إسحاق المروزي مثل قول ابن عيينة، وحكى عن ابن أبي هريرة مثله، كذا في ((النيل))(٣). وفي ((عارضة الأحوذي))(٤). قال سفيان بن عيينة: يكره أن يتعمد أن يقرأ في الجمعة ما جاء في الأحاديث، وهو أعلم، لأنه خاف أن يجعل ذلك من سنتها، وليس منها، وقد قرأ أبو بكر - رضي الله عنه - فيها (البقرة). قال أنس: حتى رأيت الشيخ يميل من طول القيام، انتهى. (١) (٥١/١). (٢) انظر: ((نيل الأوطار)) (٥٧٠/٢). (٣) ((نيل الأوطار)) (٣٢٩/٤/٢) حديث (١٢٦٠). (٤) (٣١٠/٢/١). ٤٩٠ ---- -- ٥ - كتاب الجمعة (٩) باب (٢٣٨) حديث حَدَّثَنِي مَالِكٌ، أَنَّهُ بَلَعَهُ؛ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَحْسَبِي يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَالإِمَامُ يَخْطُبُ(١). ٢٠/٢٣٨ - وحدّثني عَنْ مَالِكٍ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْم، (قَالَ مِ أَمْ لا) ... مَالِكٌ: لا أَدْرِي أَعَنِ النَّبِيِّ وفي الحديث إشارة إلى جهر القراءة في الجمعة، لأنه لو أسرَّ لذهبوا فيه إلى التخمين، كما ذهبوا إلى ذلك في قراءة الظهر والعصر. ويوجد بعد ذلك في النسخ الهندية الموجودة عندي(٢): (مالك أنه بلغه أن عبد الله بن عمر كان يحتبي يوم الجمعة والإمام يخطب)، ولا يوجد هذا في النسخ المطبوعة بمصر ولا في شرح الزرقاني ولا السيوطي، وقد تقدم في أول الباب أن رواية يحيى خالية عن هذا، وهو في رواية ابن بكير، فلعل بعض النساخ ألحقه هاهنا من الروايات الأخر نظراً إلى مناسبة الترجمة، وتقدم الكلام على متن الأثر في أول الباب، فارجع إليه. ٢٠/٢٣٨ - (مالك عن صفوان بن سلبم) بضم السين المهملة (قال مالك: لا أدري أ) بهمزة الاستفهام، أي هل روى صفوان هذا الحديث (عن النبي مرفوعاً (أم لا) تردد الإمام في رفعه. قال السيوطي، قال أبو عمر: هذا يسند من وجوه، أحسنها إسناداً حديث(٣) أبي الجعد الضمري، أخرجه الشافعي وأصحاب السنن الأربعة، اهـ. قلت: وأخرجه أبو داود(٤) هكذا: حدثنا مسدد نا يحيى عن محمد بن (١) هذا الأثر لا يوجد في نسخة محمد فؤاد عبد الباقي. (٢) أي الأثر الآتي. (٣) ((نيل الأوطار)) (٢٦٤/٣/٢) حديث (١١٨١). (٤) أخرجه أبو داود (١٠٥٢)، والترمذي (٥٠٠)، والنسائي (٨٨/٣)، وابن ماجه (١١٢٥)، وأحمد في ((مسنده)) (٤٢٤/٣). ٤٩١ ٥ - كتاب الجمعة (٩) باب (٢٣٨) حديث أَنَّهُ قَالَ: ((مَنْ تَرَكَ الْجُمُعَةَ ثَلاثَ مَرَّاتٍ، مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ عمرو، ثني عبيدة بن سفيان عن أبي الجعد أن رسول الله وَليل قال: ((من ترك ثلاث جمع تهاوناً بها طبع الله على قلبه))، اهـ. وفي الباب عن جماعة من الصحابة، بسطه الشوكاني وغيره. (أنه قال: من ترك الجمعة) ممن تجب عليه (ثلاث مرات)، قال الباجي(١): وأما اعتبار العدد في الحديث فانتظار للفيئة، وإمهال منه تعالى عبده للتوبة، اهـ. قال الشوكاني: يحتمل أن يراد حصول الترك مطلقاً، سواء توالت الجمعات أو تفرقت، حتى لو ترك في كل سنة جمعة لطبع الله تعالى على قلبه بعد الثالثة، وهو ظاهر الحديث، ويحتمل ثلاث جمع متوالية كما في حديث أنس، لأن موالاة الذنب ومتابعته مشعرة بقلة المبالاة، اهـ. قلت: بل هذا الثاني هو المتعين، لأن أكثر الروايات الواردة في الباب مقيدة بالتوالي، كما تقدم قريباً من حديث أنس عند الديلمي، ولفظه: ((من ترك ثلاث جمع متواليات من غير عذر طبع الله على قلبه))، كذا في ((النيل)). وأخرج ابن عبد البر عن أبي هريرة رفعه: ((من ترك الجمعة ثلاثاً ولاءً ... )) الحديث، وأخرج أبو يعلى برواة الصحيح عن ابن عباس رفعه: ((من ترك ثلاث جمعات متواليات)) الحديث، ذكرها الزرقاني (٢). (من غير عذر) كشدَّةِ وَحْلٍ، وفي الطحطاوي على ((المراقي)): يسقط حضور الجماعة - وظاهره يعم جماعة الجمعة والعيدين - بواحد من ثمانية عشر شيئاً، ثم عَذَّهن، وقد ورد بعض الروايات مقيداً بالتهاون. قال الشوكاني: الطبع المذكور إنما يكون على قلب من ترك ذلك تهاوناً، فينبغي حمل الأحاديث المطلقة على هذا مقيداً بالتهاون، وكذلك تحمل الأحاديث المطلقة على المقيد بعدم العذر، اهـ. (١) ((المنتقى)) (٢٠٤/١). (٢) ((شرح الزرقاني)) (٢٣٢/١). ٤٩٢ (٢٣٨) حديث ٥ - كتاب الجمعة وَ لَا عِلَّةٍ، طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قَلْبِهِ». (٩) باب (ولا علة) من مرض ونحوه، وفيها العمَى عندنا، خلافاً لهم. قال الشعراني: ومن ذلك أي المسائل المختلفة عند الأئمة قول الأئمة الثلاثة بوجوب الجمعة على الأعمى البعيد عن مكان الجمعة إذا وجد قائداً، مع قول أبي حنيفة: إنها لا تجب على الأعمى ولو وجد قائداً، اهـ. قال ابن العربي(١): ترك العبادة على ثلاثة أقسام: لعذر، ولجحد، وللإعراض عنها جهلاً، أما الأول فيكتب له أجره، وأما الثاني فكافر، والثالث متهاون، وهي من الكبائر، اهـ. (طبع الله على قلبه) أي ختم على قلبه، يعني يجعله بمنزلة المختوم عليه، لا يصل إليه شيء من الخير، أو غشّاه ومنعه ألطافه، أو جعل فيه الجهل والجفاء والقسوة، أو صَيَّر قلبه قلب منافق، والطبع بسكون الباء: الختم، وبالتحريك الدنس، وأصله الوسخ يغشى السيف، ثم استعمل فيما يشبه ذلك من الآثام والقبائح، وبكلا المعنيين يصح، نسأل الله تعالى العصمة بفضله. قال القاري(٢): قال عياض: واختلف المتكلمون في هذا اختلافاً كثيراً، فقيل: هو إعدام اللطف وأسباب الخير، وقيل: هو خلق الكفر وصدورهم، وهو قول أكثر متكلمي أهل السنة، اهـ. قال الشوكاني(٣): يعني الأشعرية، وقال غيرهم: هو الشهادة عليهم، وقيل: هو علامة جعلها الله تعالى في قلوبهم ليعرف بها الملائكة من يمدح ومن يذم، وقال العراقي: معنى المراد بالطبع عليه أنه يُصَيِّرُ قلبه قلب منافق، اهـ. (١) انظر: ((عارضة الأحوذي)) (٢٨٧/٢/١)، وانظر: ((التمهيد)) (٢٣٩/١٦). (٢) ((مرقاة المفاتيح)) (٢٤٤/٣). (٣) ((نيل الأوطار)) (٢٦٤/٣/٢). ٤٩٣ ٥ - كتاب الجمعة (٩) باب (٢٣٨) حدیث قلت : وتقدم أن الأحاديث في الباب كثيرة، خرجها المشايخ في المطولات . قال الشوكاني(١) بعد سرد أكثرها: وقد استدل بأحاديث الباب على أن الجمعة من فروض الأعيان، وحكى ابن المنذر الإجماع على أنها فرض عين، وقال ابن العربي: الجمعة فرض بإجماع الأمة. وقال ابن قدامة في ((المغني))(٢): أجمع المسلمون على وجوب الجمعة. وحكى الخطابي الخلاف في أنها من فروض الأعيان أو من فروض الكفايات، وقال: قال أكثر الفقهاء: إنها من فروض الكفايات، وذكر ما يدل على أن ذلك قولُ الشافعي، وحكاه المرعشي عن قوله القديم. قال الدارمي: وغلطوا حاكيه، قال العراقي: نعم، هو وجهٌ لبعض الأصحاب، قال: وما ادعاه الخطابي فيه نظر، فإن مذاهب الأئمة الأربعة متفقة على أنها فرض عين، لكن بشروط يشترطها أهل كل مذهب، اهـ. وبسطه الشوكاني (٣). وفي ((الدر المختار)): هي فرض عين يُكَفَّر جاحدها كما حققه الكمال فرض مستقلٌ آكدُ من الظهر، اهـ. قال ابن العربي: وروى ابن وهب عن مالك أن شهودها سنة، وله تأويلان: أحدهما: أنه قد يطلق السنة على الفرض، والثاني: سنة بصفتها، لا يشاركها غيرها، وقد روى ابن وهب عنه أنها عزمة، فأطلق العزمة كما أطلق السنة ، اهـ. (١) ((نيل الأوطار)) (٢٦٦/٣/٢). (٢) (١٥٨/٣). (٣) انظر: ((نيل الأوطار)) (٥٠٠/٢). ٤٩٤ ٥ - كتاب الجمعة (٩) باب (٢٣٩) حدیث ٢١/٢٣٩ - وحدثني عَنْ مَالِكٍ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِهٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَلَ خَطَبَ خُطْبَيْنِ يَوْمَ الْجُمْعَةِ، ...... ٠٠٠٠ ٢١/٢٣٩ - (مالك عن جعفر (٢١) الصادق لقب به لصدقه في مقاله (ابن محمد الباقر بن علي بن الإمام الحسين سبط نبي الله 85*ل الهاشمي المدني الفقيه الصدوق، روي عن مالك أنه قال: اختلفتُ إلى جعفر بن محمد زماناً فما كنت أراه إلا على ثلاث خصال، إما مصلٍ، وإما صائمٌ، وإما يقرأ القرآن، وما رأيته يحدث عن رسول الله وَّر إلا على طهارةٍ، وكان لا يتكلم فيما لا یعنیه . وقصة غشيانه عند الإحرام مشهورة، إذ قال: خشيت أن أقول لبيك فيقال لي: لا لبيك ولا سعديك، روى عنه الأئمة الأعلام مثل مالك بن أنس والثوري وأبي حنيفة، ولد سنة ثمانين ومات سنة ١٤٨ هـ، ودفن بالبقيع في قبر فيه أبوه محمد، وجده علي زين العابدين، وعم جده الحسن بن علي بن أبي طالب، فللّه دَرّه من قبر ما أكرمه، كذا في رجال ((جامع الأصول)). (عن أبيه) محمد الباقر (٢) لقب به لأنه بقر العلم أي شقه فعرف أصله وخفيه، ثقة فاضل تابعي، قاله الزرقاني، وفي رجال ((جامع الأصول)): سمي الباقر لأنه تبقَّر في العلم أي توسَّع، وقال المجد: بقره كمنعه: شقّه، ووسعه، والباقر محمد بن علي لتبحره في العلم، توفي سنة أربع عشرة ومائة، وقيل غير ذلك. (أن رسول الله ◌َلجه) أرسله، في ((الموطأ))، وروي في ((الصحيحين)) مثل هذا الحديث عن نافع عن ابن عمر: ((أن رسول الله # كان يخطب خطبتين يفصل بينهما بجلوس)). (خطب خطبتين يوم الجمعة)، وتقدم الكلام على القيام في الخطبة. (١) انظر ترجمته في: ((سير أعلام النبلاء)) (٢٥٥/٤)، و((وفيات الأعيان)) (٣٢٧/١، ٣٢٨)، و ((تهذيب التهذيب)) (١٠٣/٢ - ١٠٥). (٢) انظر ترجمته في: ((تهذيب التهذيب)) (٩/ ٣٥٠)، و((طبقات الحفاظ)) للسيوطي (ص٤٩). ٤٩٥ ٥ - كتاب الجمعة (٩) باب (٢٣٩) حديث وَجَلَسَ بَيْنَهُمَا . قال ابن عبد البر: كذا رواه جماعة رواة الموطأ مرسلاً، وهو يتصل من وجوه ثابتة من غير حديث مالك. وصله البخاري عن ابن عمر في: ١١ - كتاب الجمعة، ٢٧ - باب الخطبة قائماً، و ٣٠ - باب القعدة بين الخطبتين يوم الجمعة. ومسلم في: ٧ - كتاب الجمعة، ١٠ - باب ذكر الخطبتين قبل الصلاة وما فيهما من الجلسة، حديث ٣٣. وأما اشتراط الخطبتين، فقال العيني(١): وفي ((شرح الترمذي)): اشتراط الخطبتين لصحة الجمعة قول الشافعي وأحمد في روايته المشهورة، وعند الجمهور يكتفي بخطبة واحدة، وهو قول مالك وأبي حنيفة والأوزاعي وإسحاق بن راهويه وأبي ثور وابن المنذر، وهو رواية عن أحمد، انتهى. ومثله نقل الشوكاني عن ((شرح الترمذي)) للعراقي. قلت: لكن متون المالكية كالدسوقي وغيره تُشْعِر بإيجاب الخطبتين معاً، قال الشوكاني: ولم يستدل من قال بالوجوب إلا بمجرد الفعل، وقد عرفت أن ذلك لا ينتهض لإثبات الواجب، انتهى. (وجلس بينهما) ذهب الإمام الشافعي - رضي الله عنه - إلى وجوب الجلوس بينهما لمواظبته و 19 كما هو ظاهر حديث ابن عمر - رضي الله عنهما - وذهب الجمهور والأئمة الثلاثة إلى أنها سنة مؤكدة، قاله الزرقاني (٢). قال الشوكاني: اختلف في وجوبه، فذهب الشافعي والإمام يحيى إلى وجوبه، والجمهور إلى أنه غير واجب، قال العيني: ذهب الشافعي إلى الوجوب، وذهب أبو حنيفة ومالك إلى أنها سنة وليست بواجبة. (١) ((عمدة القاري)) (٢١٩/٦/٣). (٢) ((شرح الزرقاني)) (٢٣٣/١). ٤٩٦ ٦ - كتاب الصلاة (٩) باب (٢٣٩) حديث + ٠٠٠٠٠ وقال ابن عبد البر(١): ذهب مالك والعراقيون وسائر فقهاء الأمصار إلا الشافعي إلى أن الجلوس بين الخطبتين سنة، لا شيء على من تركها، وذهب بعض الشافعية إلى أن المقصود الفصل، ولو بغير الجلوس سواء حصل بجلسة أو بسكتة. وقال ابن قدامة: هي مستحبة للاتباع، وليست بواجبة في قول أكثر أهل العلم لأنها جلسة ليس فيها ذكر مشروع، فلم تكن واجبة، وقال الطحاوي: لم يقل بوجوب الجلوس بينهما غير الشافعي. قيل: حكى القاضي عياض عن مالك رواية كمذهب الشافعي وليست الرواية صحيحة، وفي الحاشية عن ((المحلى)): الجلوس سنة عند مالك وأبي حنيفة وأحمد والجمهور، ويروى عن الشافعي: الوجوب، اهـ. قال الزرقاني: استدل الشافعية على وجوب الجلوس بينهما بمواظبته مع قوله وَّلـ: ((صلوا كما رأيتموني أصلي))، وتعقبه ابن دقيق العيد بأن ذلك وَسـ يتوقف على ثبوت أن إقامة الخطبتين داخل في كيفية الصلاة، وإلا فهو استدلال بمجرد الفعل، انتهى. قال العيني: وقال أحمد: روي عن أبي إسحاق أنه قال: رأيت علياً يخطب على المنبر فلم يجلس حتى فرغ، اهـ. (١) انظر: ((الاستذكار)) (١٢٥/٥)، و((التمهيد)) (١٦٦/٢). ٤٩٧ ٦ - كتاب الصلاة في رمضان (١) باب (٢٤٠) حدیث (٦) كتاب الصلاة في رمضان (١) باب الترغيب في الصلاة في رمضان ١/٢٤٠ - حَدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ وَله؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلى الله عاجله ومياه صَلَّى فِي الْمَسْجِدِ . (١) الترغيب في الصلاة في رمضان أي في إحياء لياليه من صلاة التراويح وغيرها، وبوّب المصنف صلاة رمضان بترجمتين: الأولى في بيان الفضل، والأمر الثابت عن النبي صَلىالله وَسِّلاً ، والثانية فيما استقر عليه الأمر في صلاة التراويح. ١/٢٤٠ - (مالك، عن ابن شهاب) الزهري (عن عروة بن الزبير عن) أمّ المؤمنين (عائشة زوج النبي ◌َال# أن رسول الله مَله) والحديث أخرجه البخاري برواية عبد الله بن يوسف عن مالك بإسناده ومعناه. (صَلَّى) في ليلة من رمضان، والظاهر أنها ليلة ثلاث وعشرين كما سیجيء. (في المسجد) ولا يخالفه رواية عمرة عن عائشة عند البخاري وغيره أنه صلى في حجرته، لأن المراد منها الحصير التي كان يحتجرها بالليل في المسجد كما جاء في لباس البخاري مُبَيِّناً برواية أبي سلمة عن عائشة بلفظه: ((كان يحتجر حصيراً بالليل فيصلي عليه ويبسطه بالنهار فيجلس عليه))، ولأحمد من رواية محمد بن إبراهيم عن عائشة: ((فأمرني أن أنصب له حصيراً على باب حجرتي، ففعلت فخرج))، الحديث(١). (١) انظر: ((شرح الزرقاني)) (٢٣٣/١). ٤٩٨ ----- - ٦ - كتاب الصلاة في رمضان (١) باب (٢٤٠) حديث ذَاتَ لَيْلَةٍ، فَصَلَى بِصَلاتِهِ نَاسٌ، قلت: وفي المتفق عليه من حديث زيد بن ثابت: أن النبي (8# اتخذ حجرة في المسجد من حصير فصلى فيها ليالي حتى اجتمع عليه ناس، الحديث . وأشكل على صلاته وَّر في المسجد ما ورد من قوله وَ له: ((أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة))! وأجيب عنه بوجوهٍ: الأول: مختار الجمهور خلافاً لمالك، ومن وافقه أن تلك الصلاة مما استثني منه، فالأفضل عند الجمهور في التراويح المسجد، كما سيأتي في محله، والثاني: بأنه ◌َّ كان إذ ذاك معتكفاً، والثالث: بأن الأفضلية في البيت لعدم شوبه بالرياء وغيره غالباً، والنبي مّ منزَّةٌ عن ذلك كله، كذا في ((البذل))(١)، والرابع: بما نقله الزرقاني: أنه إذا احتجر فصار كأنه كالبيت. والخامس: بما قاله القاري (٢): إن في قصة المسجد في هذه الليالي يعني أوتار رمضان الأواخر خصوصية ليست في غيرها، وأيده بحديث عبد الله بن أنيس، سأل النبي # أن يأمره بليلة ينزل فيها إلى المسجد، فقال ◌َله: (انزل ليلة ثلاث وعشرين)) ولم يقل له: صلاتك في بيتك أفضل، فدل على أنها خاصة قضى بها على عموم الفضل في البيت. (ذات ليلة) لفظ ذات مقحمة أي في ليلة من الليالي، قال في ((المجمع)): ذات الشيء نفسه وحقيقته، والمراد ما أضيف إليه وذات يوم، أي يوم من الأيام، اهـ. (فصلى بصلاته) أي مقتدياً بصلاته وَ ل (ناس) ذوو عدد من الصحابة، وفيه جواز الاقتداء في النافلة، وفيه أيضاً جواز الاقتداء بمن لم ينو إمامته، (١) ((بذل المجهود)) (١٤٨/٧). (٢) ((مرقاة المفاتيح)) (١٨٥/٣). ٤٩٩ ٦ - كتاب الصلاة في رمضان (١) باب (٢٤٠) حديث ثُمَّ صَلَّى الليلةِ الْقَابِلَةَ، فَكَثُرَ النَّاسُ، ثُمَّ اجْتَمَعُوا مِنَ اللَّيْلَةِ الثَّالِثَةِ أَوِ الرَّابِعَةِ، وهو مذهب الجمهور، إلا في رواية من الشافعي، قاله العيني. (ثم صلى من القابلة) وفي نسخة: الليلة القابلة، أي المقبلة، والظاهر أنها ليلة خمس وعشرين (فكثر الناس) ممن سمع خبر الصلاة في الليلة الماضية (ثم) لما شاع خبر تلك الصلاة (اجتمعوا) أي عدد كثير من الناس حتى عجز المسجد عن أهله كما في رواية مسلم (١)، ولأحمد: امتلأ المسجد حتى غصّ بأهله (من الليلة الثالثة أو الرابعة) كذا بالشك في رواية ((الموطأ))، وكذا عند البخاري ومسلم وغيرهما برواية مالك. قال الحافظ (٢): كذا رواه مالك بالشك، وفي رواية عقيل عن ابن شهاب: فلما كانت الليلة الرابعة عجز المسجد عن أهله، الحديث، ولمسلم برواية يونس عن الزهري: فخرج رسول الله وَّر في الليلة الثانية فصلوا معه، فأصبح الناس يذكرون ذلك، فكثُر أهل المسجد من الليلة الثالثة، فصلوا بصلاته، فلما كانت الليلة الرابعة عجز المسجد عن أهله. قال الحافظ: ونحوه في رواية عمرة عن عائشة الماضية قبل صفة الصلاة. قلت: المماثلة في تحديث الناس بذلك، وإلا فرواية عمرة أيضاً بالشك في الليالي، ولفظها: ((فقام الليلة الثانية فقام معه ناس يصلون بصلاته صنعوا ذلك ليلتين أو ثلاثاً حتى إذا كان بعد ذلك جلس رسول الله وَّ فلم يخرج))، الحديث. ولأحمد من رواية معمر عن الزهري: ((امتلأ المسجد حتى اغتص بأهله))، وله من رواية سفيان بن حسين عنه: ((فلما كانت الرابعة غص المسجد بأهله))، قاله الحافظ. (١) انظر: ((عمدة القاري)) (١٧٦/٧/٣). (٢) ((فتح الباري)) (١٢/٣ - ١٣). ٥٠٠