Indexed OCR Text

Pages 421-440

٥ - كتاب الجمعة
(٥) باب
(٢٣١) حديث
(٥) باب ما جاء في السعي يوم الجمعة
١٣/٢٣١ - حَدَّني بَحْيَى عَنْ مَالِكٍ، أَنَّهُ سَأْلَ ابْنَ شِهَاب
عَنْ قَدْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿يَأْتِّ الَّذِينَ ءَنُواْ إِذَا نُورِىَ لِلصَّلَّغَةِ مِنْ أَكْ
الْجُمُعَةِ فَأَسْعَوْاْ إِلَى ذِرِ الَّهِ﴾،.
(٥) (ما جاء فى) معنى (السعي) إلى الصلاة (يوم الجمعة)
المذكور في قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا نُودِىَ لِلصَّلَوْةِ مِنْ يَوْمِ
اُلْجُمُعَةِ فَأَسْعَوْاْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾(١) والغرض أنه أمر في هذه الآية بالسعي، وهو
العدْوُ في المشهور، وقد نهي في الروايات عن السعي إلى الصلاة، قال ◌َّه:
((فلا تأتوها وأنتم تسعون)) كما تقدم في ((ما جاء في النداء للصلاة))، فغرض
الإمام مالك في هذه الترجمة التنبيه على أنه ليس المراد في الآية هو السعي
اللغوي، بمعنى العدو، بل معنى المضي.
١٣/٢٣١ - (مالك، أنه سأل ابن شهاب الزهري (عن) معنى (قول الله
تبارك وتعالى: ﴿يَأَتُهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا نُودِىَ﴾) أَي أذن (﴿لِلصَّلَوَةِ﴾) عند قعود
الإمام على المنبر (﴿مِن يَرْبِ الْجُمُعَةِ﴾) لفظ ((من)) بمعنى ((في)) وقيل: تفسير
وبيان لـ ((إذا)) كذا في كتب التفسير، (﴿فَأَسْعَوْاْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾﴾ عزّ وجلّ أي
الخطبة أو الصلاة، أو هما معاً.
قال الجصاص في ((أحكام القرآن))(٢) اقتضى ذلك وجوب السعي إلى
الذكر، ودل على أن هناك ذكراً واجباً يجب السعي إليه، قال ابن المسيب:
فاسعوا إلى ذكر الله أي موعظة الإمام، وقال عمر: إنما قصرت الجمعة لأجل
الخطبة، ويدل على أن المراد بالذكر هو الخطبة، أن الخطبة هي التي تلي
النداء، وقد أمر بالسعي إليه، فدل على أن المراد الخطبة، وروي عن جماعة
(١) سورة الجمعة: الآية ٩.
(٢) (٤٤٦/٣).
٤٢١

٥ - كتاب الجمعة
(٥) باب
(٢٣١) حديث
من السلف: أنه إذا لم يخطب صلى أربعاً، منهم: الحسن وابن سيرين
وطاووس وابن جبير وغيرهم، وهو قول فقهاء الأمصار، اهـ.
وفي ((بداية المجتهد)) (١): الجمهور على أنها شرط وركن. وقال قوم:
ليست بفرض، وجمهور أصحاب مالك على أنها فرض إلا ابن الماجشون، اهـ.
قلت: وكذلك عند الحنابلة، قال في ((الروض المربع)): ويشترط تقدم
خطبتين لقوله تعالى: ﴿فَسْعَوْاْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ والذكر هو الخطبة، ولقول ابن عمر:
كان النبي ◌َّ يخطب خطبتين، الحديث متفق عليه، اهـ.
وقال الشوكاني: ذهب الشافعي وأبو حنيفة ومالك إلى الوجوب، ونسبه
القاضي عياض إلى عامة العلماء، والظاهر ما ذهب إليه الحسن البصري وداود
الظاهري: أن الخطبة مندوبة فقط، اهـ.
وهل هي بدل عن الركعتين؟ مختلف عند الأئمة. قال مالك: نعم، كذا
في ((المدونة))، ومختلف عند الشافعية كما في ((الفتح))، وقال الشامي من
الحنفية: لا، وفي ((نيل المآرب)) من فقه الحنابلة: بدل من الركعتين لا من
الظهر، وسرد ابن العربي (٢) روايات الخطبة، ثم قال: فجاء من هذا أن
الخطبتين عوض عن الركعتين، والجمعة ركعتان، فتقوم الأربع صحيحة كاملة،
ولذلك قلنا: إنها تفتقر إلى طهارة، وإنها لا تجزئ الواحدة، وإن الخطبة
فرض، اهـ.
ثم لما كان المقصود من السؤال في أثر الباب تفسير لفظة: ((السعي))
فإنها قد تكون بمعنى الجري، كما في قوله ميل ر: (ولا تأتوها وأنتم تسعون))،
وقد تكون بمعنى مطلق المشي من غير جري، كما في قوله عز وجل: ﴿وَأَمَّا مَنْ
(١) (١٦٠/١).
(٢) انظر: ((عارضة الأحوذي)) (٣١٤/٢ و٢٩٤).
٤٢٢

٥ - كتاب الجمعة
(٥) باب
(٢٣١) حديث
فَقَالَ الرُّ شِهَاب: كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَقْرَؤُّها: إِذَا نُوسِىَ لِلشَّلَاةِ
مِن يَرْمِ الْجُمْعَةِ فَامْضُوْا إِلَى ذِْرِ اللَّهِ.
مے
@﴾(١) الآية. (فقال ابن شهاب) في جوابه: (كان
جَاءَكَ يَسْعَىِّ جَ وَهُوَ يَخْشَى
عدم بن الخطاب يقرؤها) أي الآية المذكورة هكذا: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ (إِذَا
ذفَ القَلَوَةِ مِن بَوْرِ الجُمُعَةِ فامضوا إِلَى ذِرِ اللَّهِهُ؛ فأجابه ابن شهاب بقراءة
عمر لأن في ذلك بياناً لمعناه، وأنها بمعنى المضي، وقراءة عمر هذه لم تكن
ثابتة في المصاحف.
قال الباجي: ما جاء من القراءات مما ليس في المصحف يجري عند
جماعة من أهل الأصول مجرى الآحاد، سواء أسندها إلى النبي ◌َّ أو لم
يسندها، وذهبت طائفة إلى أنها لا تجري مجرى الآحاد إلا إذا أسندت إلى
النبي ◌َّ، فإذا لم يسندها فهي بمنزلة قول القارئ لها، لأنه يحتمل أنه أتى
بذلك على وجه التفسير للنص، انتهى.
والمسألة من مباحث الأصول بسطوها، واختلف فيها أصحاب الشافعية
كما في ((حواشي العطاء)) على ((جمع الجوامع)) وهي عندنا بمنزلة خبر الواحد
كما في ((كشف الأسرار شرح المصنف على المنار)).
قال الباجي(٢): ونقل الإمام مالك ذلك بمعنى أن عمر من أهل اللسان،
وحمل السعي في الآية بمعنى المضي دون العدو، وقوله في ذلك حجة بلا
خلاف بين العلماء، انتهى.
قال الخازن في تفسيره: وليس المراد من السعي في الآية الإسراع في
المشي، وإنما المراد منه العمل، وكان عمر يقرأ فامضوا. وقال الحسن: أما
والله ما هو بالسعي على الأقدام، وقد نهوا أن يأتوا الصلاة إلا وعليهم السكينة
(١) سورة عبس: الآية ٩.
(٢) ((المنتقى)) (١٩٤/١).
٤٢٣

٥ - كتاب الجمعة
(٥) باب
(٢٣١) حديث
قَالَ مَالِكٌ: وَإِنَّمَا السَّعْيُ فِي كِتَابِ اللَّهِ الْعَمَلُ وَالْفِعْلُ،
يَقُولُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى:
والوقار، ولكن بالقلوب والنية والخشوع، وعن قتادة في هذه الآية قال: السعي
أن تسعى بقلبك وعملك، وهو المشي إليها، وكان يتأوّل قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ
مَعَهُ الْسَعْىَ﴾(١) بقوله: فلما مشى معه، اهـ.
قلت: هكذا قال جمهور الفقهاء والعامة من العلماء، وعن ابن عمر: أنه
كان يسرع إلى الصلاة، وعنه: أنه كان يهرول، وعن ابن مسعود أنه قال: لو
قرأت: ﴿فَسْعَوْاْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ لسعيت حتى يسقط ردائي. وكان يقرأ: فامضوا،
وهي قراءة عمر، وعن ابن مسعود أيضاً: أحق ما سعينا إليه الصلاة، وعن
الأسود بن يزيد وسعيد بن جبير وعبد الرحمن بن يزيد أنهم كانوا يهرولون إلى
الصلاة .
وقد ذكرت أسانيدهم في ((التمهيد))، قاله أبو عمر في ((الاستذكار))، ثم لا
يذهب عليك أن الزهري لم يدرك عمر، فأثر الباب منقطع، ووصله عبد بن
حميد في تفسيره بسنده إلى الزهري عن سالم عن أبيه، نقله عنه الزرقاني(٢) تبعاً
للسيوطي .
(قال يحيى: قال مالك) في تأييد ما قال أولاً: إن السعي ليس هو العدو
والإسراع في المشي (وإنما السعي) يستعمل (في كتاب الله عز وجل) بمعنى
(العمل والفعل) يعني كل من يعمل عملاً فقد يسمى في كتاب الله عز وجل
سعياً، وذكر لهذا الاستعمال شواهد منها ما (يقول الله تبارك وتعالى) في سورة
البقرة(٣): ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُّكَ قَوْلُ فِىِ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِى
(١) سورة الصافات: الآية ١٠٢.
(٢) ((شرح الزرقاني)) (٢١٩/١).
(٣) الآيات ٢٠٤، ٢٠٥.
٤٢٤

٥ - كتاب الجمعة
(٥) باب
(٢٣١) حديث
وَإِنَا وَلَّى سَعَى فِى الْأَرْضِ﴾، وَجَالَ تَمَالَى: ﴿وَأَمَّا مَنْ جَاءَ يَسْعَةٌ
رَهَرَ تَخْ (!)﴾، وَقَالَ: ﴿مَّ أَزْرَ يَسْعَ
٠٠
٠٠
(وَ إِذَا تَوَلَى﴾ أي انصرف عنك (سَعَى فِي الْأَرْضِ) لِيُفْسِدَ
قَلِهِ، وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ
فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلُ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ نزلت في الأخنس بن شريق،
كان منافقاً حلو الكلام للنبي وَّل﴾، ويحلف أنه مؤمن به ومحب له، فيدني
مجلسه، فأكذبه الله تعالى في ذلك، ومَرَّ بزرعٍ وحُمُرٍ لبعض المسلمين ليلاً
فأحرقه وعقرها، هكذا في ((الجلالين)).
وغرض الإمام بذلك أن السعي في الآية ليس بمعنى الإسراع والعدو (و)
كذلك (قال) الله (عز وجل) في سورة عبس: (﴿وَأَمَّا مَنَ جَدَ) يا محمدٍ قَال
(يَ) حال من فاعل جاء (وَهُوَ يَخْتَى (٣)﴾) الله عز وجل حال من فاعل
يسعى، وهو الأعمى، ﴿فَنْتَ عَنَّهُ نَلَقَّى ®)﴾(١) نزلت في عبد الله بن أم مكتوم إذ
جاء النبي 18 فقطعه عما هو مشغول به ممن يرجو إسلامه من أشراف قريش
الذي هو حريص على إسلامهم، ولم يدر الأعمى أنه مشغول بذلك، فناداه:
علمني مما علمك الله، فانصرف النبي ◌ّل# إلى بيته، فعوتب في ذلك بما نزل
في هذه السورة، فكان بعد ذلك يقول له إذا جاء: ((مرحبا بمن عاتبني فيه ربي))
ويبسط له رداءه، كذا في ((الجلالين))، وغرض الإمام مالك ظاهر.
(و) كذلك (قال) الله عز وجل في سورة ﴿والنازعات﴾(٢) في بيان قصة
فرعون وموسى (﴿مَّ أَرَ) فرعون عن الإيمان (َعَ﴾) في الأرض بالفساد أو
إيطال أمر موسى، وهناك قول ثالث لأهل التفسير، وهو أنه أدبر بعد أن رأى
الثعبان مرعوباً مسرعاً في مشيه، كذا في ((البيضاوي))، وعلى هذا لا يكون
شاهداً للإمام مالك، بل يكون شاهداً على التفسيرين الأولين.
(١) سورة عبس: الآية ١٠.
(٢) سورة النازعات: الآية ٢٢.
٤٢٥

٥ - كتاب الجمعة
(٦) باب
(٢٣١ - ٢٣٢) حديث
وَقَالَ: ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَقََّ
قَالَ مَالِكٌ: فَلَيْسَ السَّعْيُ الَّذِي ذَكَرَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ بِالسَّعْي عَلَى
الأَقْدَامِ، وَلا الاشْتِدَادَ، وَإِنَّمَا عَنَى الْعَمَلَ وَالْفِعْلَ.
(٦) باب ما جاء في الإمام ينزل بقرية يوم الجمعة في السفر
١٤/٢٣٢ - قَالَ يَحْيَى: قَالَ مَالِكُ: إِذا نَزَلَ الإِمَامُ بِقَرْيَةٍ تَجِبُ
فِيهَا الْجُمُعَة،
(و) كذلك (قال) تبارك وتعالى في سورة: ﴿وَأَِّلِ﴾(١): (﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ) أي
عملكم (لَشَتَّى﴾) أي مختلف، فبعضهم يعمل للجنة وبعضهم للنار، قلت:
وكذلك قال عز وجل في سورة الإسراء: ﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآَخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا﴾(٢)
وغير ذلك من الآيات.
(قال يحيى: قال مالك: فليس) لفظ (السعي الذي ذكر الله عز وجل) في
هذه المواضع (في كتابه بـ) معنى (السعي على الأقدام ولا الاشتداد) ولا الجري
(وإنما عنى) بالسعي في هذه المواضع كلها (العمل والفعل) فكذلك المذكور في
سورة الجمعة بمعنى العمل والمضي دون العدو والجري.
(٦) ما جاء في الإمام ينزل بقرية يوم الجمعة في السفر
كذا ترجم يحيى، ولم يذكر تحتها شيئاً مما جاء في ذلك الباب، وإنما
ذكر حكم المسألة فقط .
١٤/٢٣٢ - (قال يحيى: قال مالك: إذا نزل الإمام) أي السلطان (بقرية
تجب فيها) أي في تلك القرية (الجمعة) واختلفت روايات مالك في تحديد
(١) سورة الليل: الآية ٤.
(٢) سورة الإسراء: الآية ١٩.
٤٢٦

٥ - كتاب الجمعة
(٦) باب
(٢٣٢) حديث
وَالإِمَامُ مُسَافِرٌ، فَخَطَبَ وَجَمَّعَ بِهِمْ، فَإِنْ أَهْلَ تِلْكَ الْقَرْيَةِ وَغَيْرَهُمْ
يُجَمِّعُونَ مَعَهُ .
قَالَ يَحْيَى: قَالَ مَالِكٌ: وَإِنْ جَمَّعَ الإِمَامُ وَهُوَ مُسَافِرٌ، بِقَرْيَةٍ
لا نَجِبُ فِيهَا الْجُمُعَةُ، فَلا جُمُعَةَ لَهُ، وَلا لأَهْلِ تِلْكَ الْقَرْيَةِ، وَلَا
لِمَنْ جَمَّعَ معهم مِنْ غَيْرِهِمْ، وَلْيُتَمِّمْ أَهْلُ تِلْكَ الْقَرْيَةِ وَغَيْرُهُمْ، مِمَّنْ
لَيْسَ بِمُسَافِرٍ، الصَّلاةَ.
القرية التي تجب فيها الجمعة، كما ذكرها الباجي، وكذا اختلفت روايات
الحنفية، كما بسط في الفروع (و) الحال أن (الإمام) أي السلطان (مسافر
فخطب) للجمعة (وجَمَّع) بتشديد الميم أي صلى الجمعة (بهم) أي بالمصلين
(فإن أهل تلك القرية وغيرهم) ممن اقتدى به (يُجَمِّعُون) أي يصلون الجمعة
(معه) أي مع السلطان، وهو ظاهر؛ لأن السلطان إذا حضر فهو أحق بالإمامة،
وهكذا هو مذهب الحنفية .
(قال يحيى: قال مالك: وإن جمَّع الإمام) أي صلى الجمعة (وهو مسافر
بشرية لا تجب فيها الجمعة) على أهلها لفقد شروطها (فلا جمعة له) أي للإمام
(ولا لأهل تلك القرية) التي نزل الإمام فيها (ولا لمن جمع) أي صلى الجمعة
(معهم) أي مع أولئك المصلين (من غيرهم ولِيتمَّ) بالإدغام، وفي بعض
النسخ: وليتمم (أهل تلك القرية وغيرهم ممن ليس بمسافر الصلاة).
قال الباجي(١): يحتمل معنيين: أحدهما: أن يعودوا إلى الإتمام،
والثاني: أن يتموا على ما تقدم من صلاتهم، وهذا أظهر من جهة اللفظ، لأنه
لو أراد المعنى الأول لقال: وليعد جميع المصلين معه، فيتم المقيم، وليقصر
المسافر، فلما خص المقيمين بالذكر، كان الأظهر أن صلاة المسافرين جائزة،
وقد اختلف في ذلك، فروي عن ابن القاسم عن مالك في ((المدونة))(٢)
(١) ((المنتقى)) (١٩٩/١).
(٢) ((المدونة)) (١٥٩/١).
٤٢٧

٥ - كتاب الجمعة
(٦) باب
(٢٣٢) حديث
و((المجموعة))، أن الصلاة لا تجزئ الإمام ولا غيره ممن معه، وروى ابن نافع
عن مالك تجزئه، ولا تجزئ أحداً من أهل القرية، حتى يتموا عليها ظهراً
أربعاً، اهـ. قال الزرقاني: والمعتمد رواية ((المدونة))، انتهى.
قلت: ولا يذهب عليك أن إمام دار الهجرة صاحب الكتاب - رضي الله
عنه وأرضاه - نبَّه بهذا الكلام على أن القرى نوعين: تجب في نوع منهما
الجمعة دون نوع، ويفصل بينهما، لما أن ذلك من مجتهدات الأئمة على
حسب عادتهم، فرأوا الروايات والآثار، واستنبطوا منها الشروط على وفق ما
أدى إليه اجتهادهم ـ شكر الله سعيهم - ولكن الأمر المتفق عليه فيما بينهم، لا
تجد فيهم مخالفاً في ذلك: أن الجمعة ليست مثل الصلوات الأخر المطلقة، بل
لها شروط تختص بها، على الاختلاف فيما بينهم في تنقيح الشروط، خلافاً
لمن أنكر ذلك من بعض مدعي الاجتهاد في هذا الزمان، إذ قالوا: إنها كغيرها
من الصلوات.
وأنت خبير بأنه لا حاجة إلى رد مخترعاتهم بعد أن يناقض أقوال بعضهم
بعضاً، فإنهم بأنفسهم كفونا ردّاً لما يقولون، فيخترع أحدهم اليوم قولاً على
حسب عقله الثاقب، ويجيء غداً أعقلُ منه فيُغيِّره قائلاً: بأنا إذا لم نتمسك
باجتهاد الأئمة فكيف باجتهاد معاصرينا، ولذا لا يلتفت المشايخ من أهل
التأليف إلى نقل مسالكهم ورد أقوالهم، وقدوةً بهم لا نذكر في تأليفنا هذا إلا
أقوال الأئمة المشتهرين - شكر الله سعيهم - فيما بذلوا جهدهم.
فاعلم أن الأئمة الأربعة وفقهاء الأمصار أجمعوا على أن للجمعة شروطاً
لا تصح الجمعة بدونها، وهذا مما لا يمكن الإنكار عليه، فمؤلفات الفقهاء
على مسالك الأئمة ممتلئة منه، ففي ((قصو الذرى)) عن ((الميزان)): ومن ذلك
اتفاق الأئمة الثلاثة على أنها لا تصح إلا في محل استيطانهم، فلو خرجوا عن
البلد أو المصر أو القرية، وأقاموا الجمعة؛ لا تصح، مع قول أبي حنيفة: إنها
تصح إذا كان الموضع قريباً من البلد، كمصلى العيد.
۔۔۔
٤٢٨
.---

٥ - كتاب الجمعة
(٦) باب
(٢٣٢) حديث
وعن ((فتح القدير)) (١): والقاطع للشغب أن قوله تعالى: ﴿فَأَسْعَوْاْ إِلَى ذِكْرِ
اللّهِ﴾ ليس على إطلاقه اتفاقاً بين الأئمة، إذ لا يجوز إقامتها في البراري
إجماعاً .
وعن ((عمدة القاري))(٢): قال أبو بكر الرازي في كتابه ((الأحكام)): اتفق
فقهاء الأمصار على أن الجمعة مخصوصة بموضع لا يجوز فعلها في غيره،
لأنهم مجمعون على أنها لا تجوز في البوادي ومناهل الأعراب.
وعن ((حجة الله البالغة))(٣) لشيخنا الدهلوي وقد تلقت الأمة تلقياً معنوياً
من غير تلقي لفظ أنه يشترط في الجمعة الجماعة، ونوعٌ من التمدن، وكان
النبي ◌ُّ وخلفاؤه - رضي الله عنهم - والأئمة المجتهدون يجمعون في البلدان،
ولا يؤاخذون أهل البدو، بل ولا تقام في عهدهم في البدو، ففهموا من ذلك
قرناً بعد قرن وعصراً بعد عصر أنه يشترط لها الجماعة والتمدن، وعن العيني
(للهداية)): ولا تقام الجمعة في المفازة عند الأربعة، انتهى.
قال ابن القيم: الحادية والعشرون من خصائص يوم الجمعة: أن فيه
صلاة الجمعة التي خُصَّتْ من بين سائر الصلوات المفروضة بخصائص لا توجد
في غيرها من الاجتماع والعدد المخصوص واشتراط الإقامة والاستيطان، اهـ
وفي ((المسوى)): اتفقوا على أن لا جمعة في العوالي، وأنه يشترط لها
الجماعة، اهـ.
وقال أبو بكر الرازي الجصاص في ((أحكام القرآن)) (٤): واتفق فقهاء
الأمصار على أن الجمعة مخصوصة بموضع لا يجوز فعلها في غيره، لأنهم
(١) (٢٣/٢).
(٢) (١٨٧/٦/٣).
(٣) (٣٠/٢).
(٤) (٤٤٥/٣).
٤٢٩

٥ - كتاب الجمعة
(٦) باب
(٢٣٢) حديث
مجمعون على أن الجمعة لا تجوز في البوادي ومناهل الأعراب، فقال
أصحابنا: هي مخصوصة بالأمصار، ولا تصح في السواد، وهو قول الثوري
وعبيد الله بن الحسن، وقال مالك: تصح في كل قرية فيها بيوت متصلة
وأسواق متصلة، يقدمون رجلاً، يخطب ويصلي بهم الجمعة إن لم يكن لهم
إمام، وقال الأوزاعي: لا جمعة إلا في مسجد جماعة مع الإمام، وقال
الشافعي: إذا كانت قرية مجتمعة البناء والمنازل، وكان أهلها لا يظعنون عنها
إلا ظعن حاجة، وهم أربعون رجلاً حراً بالغاً غير مغلوب على عقله، وجبت
عليهم الجمعة، اهـ.
قلت: ونلخص شروط الأئمة من كتب فروعهم، فإن صاحب البيت أدرى
بما فيه، ففي ((نيل المآرب)) (١) لفقه الحنابلة: لصحة الجمعة أربعة شروط:
أحدها: الوقت، والثاني: أن تكون بقرية مبنية بما جرت به عادة أهلها، لا من
قصب، يستوطنها أربعون رجلاً استيطان إقامة لا يظعنون عنها، والثالث:
حضور أربعين صلاتها وخطبتها، الرابع: تقدم خطبتين، اهـ. وقريب منه ما في
((الروض المربع))(٢).
وفي ((الإقناع)) لفقه الشافعية: شرائط فعلها ثلاثة: الأول: البلد مصراً
كانت أو قرية، والثاني: عدد أربعين، والثالث: الوقت، وكذا في ((التوشيح))،
وفي (روضة المحتاجين)): لو تفرقت الأبنية بأن كان بين كل منزلين زيادة عن
ثلاثمائة ذراع لم تجب الجمعة، وهكذا في ((الأنوار)).
وقال البجيرمي في ((شرح الإقناع))(٣): اختلفوا في تعيين العدد على
(١) (٦١/١ - ٦٥).
(٢) (٢٩٠/١).
(٣) (١٩٠/٢).
٤٣٠

٥ - كتاب الجمعة
(٦) باب
(٢٣٢) حديث
خمسة عشر قولاً، ثم بسطها، وفي ((مختصر خليل)) لفقه المالكية: شرط
الجمعة وقوع كلها بالخطبة وقت الظهر باستيطان بلد أو أخصاصٍ لا خِيَمٍ،
وبجامع مبني متحد إلخ.
وفي ((الهداية)) لفقه الحنفية: لا تصح الجمعة إلا في مصر جامع أو
مصلى المصر، ومن شرائطها الوقت والخطبة والجماعة، اهـ.
فعُلِم بهذا أن كونها بشرائط، وكذا نوع من التمدن مجمع عليه عندهم
على الاختلاف فيما بينهم في فروعها، ومن المرجحات لقول الحنفية قوله عليه
الصلاة والسلام: ((لا جمعة ولا تشريق)) الحديث المشهور، ذكره أبو يوسف
في ((الإملاء)) مسنداً مرفوعاً، وهو إمام في الحديث والفقه، فلا يضره وقف من
وقفه، سيما إذ هو من شيوخ مشايخ البخاري. وقال العيني في ((شرح
البخاري)): إن أبا زيد زعم في ((الأسرار)) أن محمد بن الحسن قال: رواه
مرفوعاً معاذ وسراقة بن مالك - رضي الله عنهما -، اهـ.
قال العيني: والإثبات مقدم على الثاني، ولو سلم فرضاً صحة وقفه فهو
مما لا يدرك بالقياس، وأجمعت أئمة أصول الحديث أن ما لا يدرك بالرأي في
حكم المرفوع، ففي (آثار السنن)) عن ((شرح ألفية العراقي)): وما جاء عن
الصحابي موقوفاً عليه، ومثله لا يقال من قبل الرأي، حكمه حكم المرفوع،
كذا قال الرازي في ((المحصول)).
وعن ((تدريب)) السيوطي: ومن المرفوع أيضاً ما جاء من الصحابي، ومثله
لا يقال بالرأي، ولا مجال للاجتهاد فيه، فيحمل على السماع، جزم به
الرازي، وغير واحد من أئمة الحديث، انتهى.
ورواية عليّ موقوفاً أخرجه عبد الرزاق وابن أبي شيبة والبيهقي في
((المعرفة)). قال الحافظ في ((الدراية)): إسناده صحيح، وقال العيني في ((شرح
٤٣١

٥ - كتاب الجمعة
(٦) باب
(٢٣٢) حديث
٠ . ..
البخاري)) (١): بسند صحيح، وصحح الموقوف ابن حزم في ((المحلى))، قال
النيموي(٢): وقال غير واحد من أهل العلم: إن إسناده صحيح، فتكلم النووي
على إسناده مبني على عدم اطلاعه على طرقه.
قال أبو بكر الرازي في ((أحكام القرآن))(٣): روي عن النبي ◌ّ لل أنه قال: (لا
جمعة ولا تشريق إلا في مصرٍ جامع))، وروي عن علي مثله، وأيضاً: لو كانت
الجمعة جائزة في القرى لوَرَدَ النقل به متواتراً كوروده في فعلها في الأمصار لعموم
الحاجة إليه، وأيضاً لما اتفقوا على امتناع جوازها في البوادي، لأنها ليست بمصر
وجب مثله في السواد، وروي أنه قيل للحسن: إن الحجاج أقام الجمعة بالأهواز،
فقال: لعن الله الحجاج، يترك الجمعة في الأمصار، ويقيمها في حلاقيم (٤)
البلاد، اهـ، ويؤيده أثر حذيفة، قال العيني في ((شرح الهداية)): وعن حذيفة: ((ليس
على أهل القرى جمعة، إنما الجمع على أهل الأمصار مثل المدينة))، اهـ.
وأخرج ابن أبي شيبة في ((مصنفه))(٥) من طريق أبي عبد الرحمن قال:
قال علي: ((لا جمعة ولا تشريق إلا في مصر جامع)) (٦). وأخرج من طريق
الحارث عن علي قال: ((لا جمعة ولا تشريق ولا صلاة فطر ولا أضحى إلا في
مصر جامع أو مدينة عظيمة)). قال الحجاج: وسمعت عطاء يقول مثل ذلك،
وأخرج بسنده عن حذيفة قال: ((ليس على أهل القرى جمعة، إنما الجمع على
أهل الأمصار مثل المدائن)).
(١) انظر: ((عمدة القاري)) (١٨٨/٦/٣).
(٢) ((آثار السنن)) (٨٧/٢).
(٣) (٤٤٥/٣).
(٤) أي نواحيها وأطرافها .
(٥) (١٠/٢).
(٦) انظر: ((نصب الراية)) (٣١٣/١)، و((الدراية)) (ص١٣١).
٤٣٢

٥ - كتاب الجمعة
(٦) باب
(٢٣٢) حديث
* 4 3 4
٠٠
وأخرج بسنده عن هشام عن الحسن البصري ومحمد بن سيرين أنهما
قالا: ((الجمعة في الأمصار))، وأخرج عن الحسن أيضاً: أنه سئل: على أهل
الأيلة جمعة؟ قال: لا، وأخرج عن أبي بكر بن محمد أنه أرسل إلى أهل ذي
الحليفة لا تجمعوا بها، وأن تدخلوا إلى المسجد مسجد الرسول وَّة، وأخرج
عن إبراهيم قال: كانوا لا يجمعون في العساكر، وأخرج عن إبراهيم قال: ((لا
جمعة ولا تشريق إلا في مصر جامع))، وأخرج(١) عن مجاهد قال: الري
مصر، اهـ.
فهذه الآثار صريحة فيما قاله الحنفية، هذا وقد ورد بطرق عديدة مرفوعة
وموقوفة: ((الجمعة على من آواه الليل)). وأخرج ابن أبي شيبة عن إبراهيم قال:
تؤتى الجمعة من فرسخين، وعن سعيد قال: الجمعة على من سمع النداء، وقد
ورد مرفوعاً، وعن أنس: أنه كان شهد الجمعة من الزاوية، وهي على فرسخين
من البصرة، وعن ابن عون قال: كان أبو المليح عاملاً على الأيلة، فكانت إذا
أتت الجمعة جَمَّعَ منها .
وعن عكرمة قال: تؤتى الجمعة من أربع فراسخ، وعن أبي عبد الرحمن
قال: كنا نأتيها من فرسخين، وأخرج عن ابن سلام: أنه كان يجمع من
العوالي، وعبد الله بن رواحة كان يأتي الجمعة ماشياً، وبينها وبين منزله
ميلان، وعن الزهري: أنهم كانوا يشهدون الجمعة من العوالي، وسئل عطاء:
من كم تؤتى الجمعة؟ قال: من سبعة أميال، وقيل للزهري: على من تجب
الجمعة؟ قال: كان أهل ذي الحليفة يشهدون الجمعة.
وقال محمد: كانت الأنصار يجمعون من المزالف حول المدينة، وعن
شعبة قال: سألت حماداً عن الرجل يجمع من فرسخين؟ فقال: لا، وسألت
(١) أخرجه ابن أبي شيبة في ((مصنفه)) (٩/٢).
٤٣٣

٥ - كتاب الجمعة
(٦) باب
(٢٣٢) حديث
الحكم فقال: إذا كان يجيء ويذهب في يوم فعليه الجمعة، وعن أبي هريرة
قال: تؤتى الجمعة من فرسخين، وعن حذيفة قال: ليس على رأس ميل جمعة،
وعن عبد الله بن عمرو أنه كان يشهد الجمعة في الطائف، وهو في قرية يقال
لها: الرهط على ثلاثة أميال، وغير ذلك من الآثار التي أخرجها ابن أبي
شيبة(١)، فهذه كلها بمنزلة النص على عدم جواز الجمعة في القرية، لأنها لو
جازت فيها الجمعة لما احتاجت هؤلاء إلى مجيء المدن والأمصار، وبعضها
أصرح من بعض.
وفي ((قصو الذرى)) عن ((المُصَنَّف)) لعبد الرزاق في أثر أنس، فيشهد
الجمعة بالبصرة، وعن ((جامع الآثار)): قد كان سعيد بن زيد وأبو هريرة يكونان
بالسجراة على أقل من ستة أميال يشهدان الجمعة ويدعانها، فعُلِم أنها لم تكن
فرضاً عليهما فيدعانها، ولا تجوز في القرى، فقد يشهدانها، وقال: روى ابن
المنذر عن ابن عمر أنه كان يقول: لا جمعة إلا في المسجد الأكبر الذي
يصلي فيه الإمام، انتهى، ولا يمكن الإنكار عن كثرة الآثار في ذلك، لكن
لخصناها للاختصار.
ويؤيدهم أيضاً من الروايات القولية والفعلية ما لا يحصى، منها: أنه ثبت
في محله أنها فرضت بمكة، وهذا مما يبعد الإنكار عنه، به جزم الشيخ أبو
حامد والسيوطي في ((الإتقان)) ورسالته ((ضوء الشمعة)) والشيخ ابن حجر المكي
في ((شرح المنهاج)) والشوكاني في ((النيل))، وهو الأصح خلافاً للحافظ، قاله
النيموي(٢).
وإليه مال الشيخ ابن القيم في ((الهدي)) إذ قال: ((فصل في مبدأ الجمعة))،
(١) انظر: ((مصنف ابن أبي شيبة)) (١١/٢ - ١٣).
(٢) ((آثار السنن)) (٨٦/٢).
٤٣٤
-.... "

٥ - كتاب الجمعة
(٦) باب
(٢٣٢) حديث
وذكر فيه حديث دعاء كعب بن مالك لأسعد بن زرارة المعروف، ثم قال: هذا
حديث حسن صحيح الإسناد، وهذا كان مبدأ الجمعة.
ثم قدم رسول الله ◌ّر المدينة، فأقام بقباء في بني عمرو بن عوف، ثم
خرج يوم الجمعة فأدركته الجمعة في بني سالم، إلى آخر ما قاله.
وقد أخرج الشيخان أنه {858* نزل في بني عمرو بن عوف، فأقام فيهم أربع
عشرة ليلة، الحديث، ولم يصل عليه الصلاة والسلام فيها الجمعة. ومنها
حديث الجُواثى، فإنه يوهم ببعض ألفاظه أنه مؤيد لمن قال: بجواز الجمعة في
القرى، لكنه في الحقيقة يؤيد من خالفهم، لأنه ورد فيه أول جمعة جُمِّعَتْ بعد
جمعة في مسجد رسول الله وّل في مسجد عبد القيس بجُوَاثَى، رواه البخاري.
وأهل جواثى إنما جمَّعوا بعد رجوع وفدهم إليهم، كما قاله الحافظ في
((الفتح))، وقدومهم كان بعد تحريم الخمر، بل بعد فرضية الحج، كما هو
صريح رواية أحمد في قصة عبد القيس، وفرضية الحج كان في سنة ست من
الهجرة، وقيل: بعدها، بل على قول الواقدي، كان قدومهم سنة ثمان قبل فتح
مکة، قاله النيموي(١).
وأنت خبير بأن الإسلام في هذه المدة قد انتشر في كثير من القرى، فلو
كانت الجمعة في القرى واجبة لا يوجد وجه لتركهم التجميع في غير جُواتَى في
هذه المدة الكثيرة، وما تُوهِّم من لفظ القرية في بعض طرق هذه الرواية إذ ورد
قرية من قرى عبد القيس، فهذا من إطلاق العام للفظ القرية، فإنها تطلق على
ما يعم المدينة أيضاً، قال تعالى: ﴿لَوْلَا نُزِلَ هَذَا الْقُرْءَانُ عَلَى رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْبَيْنِ
عَظِيمٍ﴾(٢)، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُلُوَكَ إِذَا دَخَلُواْ قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا﴾ الآية(٣)، وقال
(١) انظر: ((آثار السنن)) (٨٧/٢).
(٢) سورة الزخرف: الآية ٣١.
(٣) سورة النمل: الآية ٣٤.
٤٣٥

٥ - كتاب الجمعة
(٦) باب
(٢٣٢) حديث
النبي وَل: ((أمرت بقرية تأكل القرى يقولون يثرب)) الحديث.
وبه جزم أهل اللغة ففي ((القاموس)): القرية: المصر الجامع، وفي
((المجمع)): القرية من المساكن، والأبنية: الضياع، وقد تطلق على المدن،
وكذلك في غيرها من كتب اللغة، هذا وقد صرح جمع من أهل الفن بكون
جواثى مدينة، ففي ((الصراح)): نام حصني به بحرين(١)، وفي ((القاموس)): مدينة
الخط أو حصن بالبحرين، وفي ((مرقاة الصعود)): مدينة بالبحرين لعبد القيس،
وفي ((عمدة القاري)): حكى ابن التين عن الشيخ أبي الحسن: أنها مدينة، وفي
(الصحاح)) للجوهري و ((البلدان)) للزمخشري: حصن بالبحرين، وقال أبو عبيد
البكري: مدينة بالبحرين(٢)، انتهى.
فهذه النصوص أكثرها مصرحة بكونها مدينة، وما في بعضها من الحصن
ظاهر في المدينة، لأن الحصون تكون في المدن، ولا يخالفها لفظ القرية كما
عرفت، ومنها: حديث البخاري عن عائشة : أنهم كانوا يتناوبون الجمعة من
منازلهم والعوالي، يعني يحضرونها نوباً، ومعلوم أن جميع أهل العوالي لا
يأتون الجمعة، وهذا لا يمكن عادة، فالذين لا يأتونها لا بد أن يصلوا الظهر،
ومنها: أنه وَل# لم يصل الجمعة في عرفات، وهذا إجماع، ولو قيل: إنه وَال
كان مسافراً، فعلى أن كونه ◌َ له مسافراً لا يستلزم ترك الجمعة، لم لم يصلها
أهل مكة وأهل منى.
وسيأتي في أبواب العيد قول عثمان: من أحبَّ من أهل العالية أن ينتظر
الجمعة فلينتظرها، ومن أحبّ أن يرجع فقد أذنت له، وغير ذلك من الآثار
والروايات الصريحة في عدم جواز الجمعة في القرى، والله الموفق لما يحب
ويرضى .
(١) باللغة الفارسية. وباللغة العربية. اسم حصن في بحرين.
(٢) انظر: ((آثار السنن)) (٧٩/٢ و٨٠).
٤٣٦

٥ - كتاب الجمعة
(٧) باب
قَالَ مَالِكٌ: وَلا جُمُعَةً عَلَى مُسَافِرٍ .
(٧) باب ما جاء في الساعة التي في يوم الجمعة
(قال يحيى: قال مالك: لا جمعة على مسافر) قال الزرقاني(١): إجماعاً،
قال ◌َله: (ليس على مسافر جمعة)) رواه الطبراني في ((الأوسط)) عن ابن عمر،
وفي ((الميزان)) للشعراني: اتفق الأئمة على أنها تجب على المقيم دون
المسافر، إلا في قول الزهري والنخعي: إنها تجب على المسافر إذا سمع
النداء، واتفقوا على أن المسافر إذا مَرَّ ببلدة فيها جمعة تخير فعل الجمعة
والظهر، اهـ.
(٧) ما جاء في الساعة التي (يجاب فيها الدعاء) في يوم الجمعة
قد اختلف مشايخ الحديث في هذه الساعة، هل هي باقية أو قد رُفِعَتْ؟
على قولين حكاهما ابن عبد البر(٢) وغيره، والذين قالوا: هي باقية ولم ترفع،
اختلفوا أيضاً هل هي في وقت من اليوم بعينه أو غير معينة؟ وبلغت أقوال
المحققين في ذلك إلى خمسين، جزم به القاري في ((المرقاة)) وبسط منها
الحافظ في ((الفتح)) الاثنين والأربعين، ولخص كلام الحافظ جَمْعٌ من
المشايخ، كالزرقاني في ((شرحه)) على ((الموطأ)) والشيخ في ((بذل المجهود))(٣)،
وغيرهما من شُرَّاح الحديث، نتركها للاختصار من شاء التفصيل فليرجع إليها .
لكن المشهور منها أحد عشر قولاً، ذكرها الشيخ ابن القيم في ((الهدي))،
أحدها: من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، وبعد العصر إلى الغروب، قال ابن
المنذر: روينا ذلك عن أبي هريرة. الثاني: أنها عند الزوال، ذكره ابن المنذر
(١) ((شرح الزرقاني)) (٢٢١/١).
(٢) انظر: ((الاستذكار)) (٨٢/٥).
(٣) (١٤/٦ - ١٦).
٤٣٧

٥ - كتاب الجمعة
(٧) باب
عن الحسن البصري وأبي العالية. والثالث: أنها إذا أذن المؤذن بصلاة
الجمعة، قال ابن المنذر: روينا ذلك عن عائشة. الرابع: أنها إذا جلس الإمام
على المنبر يخطب حتى يفرغ، قال ابن المنذر: رويناه عن الحسن البصري.
الخامس: هي الساعة التي اختار الله تعالى وقتها للصلاة، قاله أبو بردة.
السادس: قال أبو السوار العدوي: كانوا يرون أن الدعاء يستجاب ما بين
الزوال إلى أن تدخل الصلاة. السابع: أنها ما بين أن ترتفع الشمس شبراً إلى
ذراع، قاله أبو ذر. الثامن: أنها ما بين العصر إلى غروب الشمس، قاله أبو
هريرة وعطاء وعبد الله بن سلام. التاسع: أنها آخر ساعة بعد العصر، وهو قول
أحمد وجمهور الصحابة والتابعين. العاشر: أنها من حين خروج الإمام إلى
فراغ الصلاة، حكاه النووي وغيره. الحادي عشر: أنها الساعة الثالثة من
النهار، حكاه صاحب ((المغني))، انتهى بتغير في العبارة (١).
وأشهر هذه الأقوال كلها - من الخمسين، ومن إحدى عشرة - قولان،
قال الحافظ: ولا شك أن أرجح الأقوال المذكورة حديث أبي موسى وحديث
عبد الله بن سلام، وقال المحب الطبري: أصح الأحاديث فيها حديث أبي
موسى، وأشهر الأقوال فيها قول عبد الله بن سلام، انتهى (٢).
وقال الشيخ ابن القيم: وأرجح هذه الأقوال قولان تضمنتهما الأحاديث
الثابتة وأحدهما أرجح من الآخر، الأول: أنها من جلوس الإمام إلى انقضاء
الصلاة، لما روى مسلم في ((صحيحه)) من حديث أبي بردة بن أبي موسى، أن
عبد الله بن عمر قال له: أسمعت أباك يحدث عن رسول الله صل# في شأن ساعة
الجمعة شيئاً؟ قال: نعم، سمعته يقول: سمعت رسول الله وحمله يقول: ((هي ما
بين أن يجلس الإمام إلى أن تُقضَى الصلاة)). والقول الثاني: أنها بعد العصر،
(١) ((زاد المعاد)) (١/ ٣٧٧).
(٢) انظر: ((بذل المجهود)) (١٢/٦ - ١٦).
٤٣٨

٥ - كتاب الجمعة
(٧) باب
وهذا أرجح القولين، وهو قول عبد الله بن سلام وأبي هريرة والإمام أحمد
وخلق، انتهى.
قال الحافظ في ((الفتح)) (١): واختلف السلف في أيهما أرجح، فروى
البيهقي من طريق أحمد بن سلمة أن مسلماً قال: حديث أبي موسى أجود شيء
في الباب وأصحه، وبذلك قال البيهقي وابن العربي وجماعة، وقال القرطبي:
هو نصٌّ في موضع الخلاف فلا يلتفت إلى غيره، وقال النووي: هو الصحيح،
بل الصواب، وجزم في ((الروضة)) بأنه الصواب، ورجحه أيضاً بكونه مرفوعاً
صريحاً، وفي أحد ((الصحيحين))(٢).
وذهب آخرون إلى ترجيح قول عبد الله بن سلام، فحكى الترمذي عن
أحمد أنه قال: أكثر الأحاديث على ذلك، وقال ابن عبد البر: إنه أثبت شيء
في الباب، وروى سعيد بن منصور بإسناد صحيح إلى أبي سلمة بن
عبد الرحمن: أن ناساً من الصحابة اجتمعوا فتذاكروا ساعة الجمعة، ثم
افترقوا، فلم يختلفوا أنها آخر ساعة من يوم الجمعة، ورجحه كثير من الأئمة
كأحمد وإسحاق، ومن المالكية الطرطوشي، وابن الزملكاني شيخ الشافعية في
وقته كان يختاره ويحكيه عن نص الشافعي.
وأجابوا عن كونه ليس في أحد ((الصحيحين)) بأن الترجيح بما في
((الصحيحين)) أو أحدهما إنما هو حيث لا يكون مما انتقده الحفاظ كحديث
أبي موسى هذا، فإنه أُعِلَّ بالانقطاع والاضطراب، ثم بسطهما الحافظ، وتقدم
ما قاله ابن القيم، إنه أرجح القولين عندي، ثم بسط الكلام على دلائل
الفريقين .
(١) انظر: ((فتح الباري)) (٤٢١/٢).
(٢) أخرجه مسلم، رقم الحديث (١٩٤٢)، وأبو داود ح (١٠٤٩).
٤٣٩

٥ - كتاب الجمعة
(٧) باب
وقال في آخره: وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: الساعة التي
تذكر يوم الجمعة ما بين صلاة العصر إلى غروب الشمس، وكان سعيد بن جبير
إذا صلى العصر لم يكلم أحداً حتى تغرب الشمس، وهذا قول أكثر السلف،
وعليه أكثر الأحاديث، ويليه القول بأنها ساعة الصلاة، وبقية الأقوال لا دليل
عليها .
وعندي أن ساعة الصلاة ساعة يُرجى فيها الإجابة أيضاً، فكلاهما ساعة
إجابة، وإن كانت الساعة المخصوصة هي آخر ساعة بعد العصر، فهي ساعة
معينة في اليوم، لا تتقدم ولا تتأخر، وأما ساعة الصلاة فتابعة للصلاة، تقدمت
أو تأخرت، لأن لاجتماع المسلمين وصلاتهم وتضرعهم وابتهالهم إلى الله
تعالى تأثيراً في الإجابة، انتهى.
وفي ((الدر المختار)(١): وسئل عليه الصلاة والسلام عن ساعة الإجابة
فقال: ((ما بين أن يجلس الإمام إلى أن يتم الصلاة))(٢)، وهو الصحيح. وقيل:
وقت العصر، وإليه ذهب المشايخ كما في ((التتارخانية)). قال ابن عابدين نقلاً
عن الطحطاوي عن الزرقاني: إن هذين القولين مصححان من اثنين وأربعين
قولاً فيها، وإنها دائرة بين هذين الوقتين، فينبغي الدعاء فيهما، اهـ.
واختاره الشاه ولي الله الدهلوي في ((حجة الله))(٣) فقال: وعندي أن الكل
بيان أقرب مظنته، وليس بتعيين، وقال الغزالي في ((الإحياء)): إنها تدور على
الأوقات المذكورة في الأحاديث، ورجح المحب الطبري القول بالانتقال، قاله
(٤)
القاري (٤) .
(١) (٤٧/١).
(٢) أخرجه مسلم الحديث (٨٥٣)، وأبو داود الحديث (١٠٤٩).
(٣) (٧٣/٢).
(٤) ((مرقاة المفاتيح)) (٢٣٤/٣).
٤٤٠